و من خطبة له ع في التزهيد في الدنيا

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثانية من المختار فى باب الخطب و شرحها في فصلين : الفصل الاول أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ، الصّادفين عنها ، فإنّها و اللّه عمّا قليل تزيل الثّاوي السّاكن ، و تفجع المترف الا من ، لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، و لا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب [ 180 ] بالحزن ، و جلد الرّجال فيها إلى الضّعف و الوهن ، فلا تغرّنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها ، رحم اللّه امرء تفكّر فاعتبر ، و اعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، و كأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، و كلّ معدود منقض ، و كلّ متوقّع آت ، و كلّ آت قريب دان . منها ألعالم من عرف قدرة ، و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، و إنّ من أبغض الرّجال إلى اللّه لعبد و كّله اللّه إلى نفسه ، جائر عن قصد السّبيل ، ساير بغير دليل ، إن دعي إلى حرث الدّنيا عمل ، و إن دعي إلى حرث الآخرة كسل ، كأنّ ما عمل له واجب عليه ، و كأنّ ما ونى فيه ساقط عنه . اللغة ( صدفت ) عنه أصدف من باب ضرب اعرضت و صدفت المرئة فهي صدوف و هي التي تعرض وجهها عليك ثمّ تصدق عنك و ( ثوى ) بالمكان و فيه و ربّما يتعدّى بنفسه من باب رمى يثوى ثواء بالمدّ أقام فهو ثاو قال تعالى : وَ ما كُنْتَ ثاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ . و ( فجعه ) يفجعه من باب منع وجعه كفجّعه أو الفجع أن يوجع الانسان بشي‏ء يكرم عليه فيعدمه و ( اترفته ) النعمة أطغته و المترف وزان مكرم المتروك يصنع ما يشاء و لا يمنع و ( الجلد ) محركة الشّدة و القوّة فهو جلد و جليداى شديد قوىّ [ 181 ] و ( النّقض ) كالانتقاض ضد الابرام و في بعض النسخ منتقض بدل منقض و ( ونى ) في الأمر ينى و نيا من باب وعد ضعف وفتر فهو و ان ، قال سبحانه : وَ لا تَنِيا فى‏ ذِكْري‏ الاعراب الفاء في قوله فأدبر عاطفة للجملة على جملة الصّلة و في قوله فلا تغرّنّكم فصيحة ، و جملة رحم اللّه امرء دعائية لا محلّ لها من الاعراب ، و عن في قوله عن قليل بمعنى بعد ، و كذلك في قوله عليه السّلام عمّا قليل و ما زايدة على حدّ قوله سبحانه : عَمّا قَليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمينَ . و اللاّم في قوله العالم من عرف قدره للجنس و التعريف لقصد الحصر مبالغة و من في قوله عليه السّلام انّ من أبغض الرّجال لعبد زايدة في اسم إنّ و لعبد بالرّفع خبرها كما زيدت في اسم كان في قوله تعالى : وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ . و إليه ذهب الكسائى في قوله عليه السّلام : إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون و في نسخة للشارح المعتزلي لعبدا بالنّصب و كذلك جائرا و سائرا فيكون حينئذ من للتبعيض و هى مع مدخولها خبر ان مقدّما و لعبدا اسم لها ، و جايرا ، و سايرا يحتملان الحال و الوصف . المعنى اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة متضمّن للتّزهيد عن الدّنيا و التّنفير منها بالتنبيه على عيوبها المرغّبة عنها ، و قد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفا في الخطبة الثانية و العشرين و شرحها و في غيرها من الخطب السّالفة و قال عليه السّلام هنا : ( انظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها الصّادفين عنها ) قد مرّ تحقيق معنى الزّهد و بيان مراتبه و اقسامه بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة التاسعة و السبعين و قدّمنا هنالك بعض الأخبار الواردة فيه و نورد هنا بعض ما لم نروه فأقول : [ 182 ] روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن عليّ بن محمّد القاساني عمّن ذكره عن عبد اللّه بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال إذا أراد اللّه بعبد خيرا زهّده في الدّنيا و فقّهه في الدّين و بصّر عيوبها و من اوتيهنّ فقد أوتى خير الدّنيا و الآخرة و قال عليه السّلام : لم يطلب أحد الحقّ من باب أفضل من الزّهد في الدنيا ، و هو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ قلت : جعلت فداك ممّاذا ؟ قال : من الرغبة فيها . و قال عليه السّلام ألا من صبّار كريم فانّما هي أيّام قلائل إلاّ أنّه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتّى تزهدوا في الدّنيا . قال : و سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول إذا تخلّى المؤمن‏من الدّنيا سما و وجد حلاوة حبّ اللّه و كان عند أهل الدّنيا كأنّه قد خولط و انّما خالط القوم حلاوة حبّ اللّه فلم يشتغلوا بغيره . قال : و سمعته يقول إنّ المؤمن إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو . و باسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام إنّ من أعون الأخلاق على الدّين الزّهد في الدّنيا ، هذا . و لما أمر عليه السّلام بالنّظر إلى الدّنيا نظر الزّاهدين المعرضين من الأنبياء و المرسلين و الأئمة المعصومين و غيرهم من عباد اللّه الصّالحين ، و أوجب اقتفاء آثارهم و التأسّي بهم علل ذلك بقوله ( فانّها و اللّه عمّا قليل تزيل الثاوى السّاكن و تفجع المترف الآمن ) مؤكدا بالقسم البارّ تنزيلا للمخاطبين منزلة المنكر لما شاهد منهم رغبتهم إليها و اعتمادهم بها ، يعني أنّ من شأنها نقل المقيمين السّاكنين بها إلى دار الآخرة و افجاع المنعمين الآمنين بحيلولتها بينهم و بين ما يحبّونه ، فاذا كان شأنها ذلك فكيف الأمن بها و الرّكون إليها شعر : هب الدّنيا إليك تساق عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقال و ما دنياك إلاّ مثل في‏ء أظلّك ثمّ آذن بالزّوال ( لا يرجع ما تولّى منها فأدبر و لا يدرى ما هو آت منها فينتظر ) يعنى ما كنت ----------- ( 1 ) لعلّه من أخلّ بالشى اذا ترك و غاب عنه [ 183 ] مبتهجا به فيها من الشّباب و القوّة و النعمة و العزّة و اللّذة قد أدبر و تولّى و مضى و انقضى فلا رجوع له اخرى ، و ما يأتي بعد ذلك فهو غير معلوم لك اذ لا تدرى أنّه نعمة أو نقمة ، عزّة أو ذلّة ، ثروة أو مسكنة ، حياة أم ممات ، ضيق أو سعة ، و بالجملة لا تدرى انه ملايم لطبعك فتنتظر أو مناف له فتنفر ، قال الشّاعر : واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به و لا حصلت على علم من الباقي ( سرورها مشوب بالحزن و جلد الرّجال فيها إلى الضّعف و الوهن ) و هذا مدرك بالوجدان مشاهد بالعيان إذ قلّ ما ترى مسرورا فيها و مبتهجا بها إلاّ و مبتلا في كلّ لمحة و آن بفوت مطلوب أو فقد محبوب ، و نرى بضاضة الشّباب مبدلة بحوانى الهرم ، و غضارة الصحّة موهونة بنوازل السّقم ( فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها ) من عزّ و سلطان و جنود و أعوان و حصون و مقاصر و ضياع و دساكر و نساء و بنين و عشيرة و أقربين و القناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الانعام و الخيل المسوّمة ( لقلّة ما يصحبكم منها ) اذ ليس الاّ كفن و حنوط و قطن و عود قال الشاعر : فما تزوّد ممّا كان يجمعه إلاّ حنوطا غداة البين في خرق و غير نفحة أعواد شببن له و قل ذلك من زاد لمنطلق 1 ثمّ دعا عليه السّلام و ترحّم لاولى الفكر بقوله ( رحم اللّه امرء تفكر ) في أمر نفسه و مبدئه و معاده ( فاعتبر ) أى فكان ذا اعتبار و اتّعاظ ( و اعتبر فابصر ) أى أوجب اعتبار حاله نور بصيرة و ذلك إنّما يحصل بالانقطاع من الشّهوات و التّجافي عن الامنيات . قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام لهشام بن الحكم : يا هشام من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ، و محى طرايف حكمته بفضول كلامه ، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم ----------- ( 1 ) النفحة من العود القطعة منه و نفحة القوس المتروك منه و شببن له اى رفعن له من شب الفرس شبابا و مشبوبا رفع بيديه ، منه [ 184 ] عقله . و من هدم عقله أفسد عليه دينه و دنياه . ثمّ نبّه على سرعة انقضاء متاع الدّنيا بقوله : ( فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ) يعني أنّ ما هو كائن من الدّنيا من زبرجها و زخارفها و لذايذها سيصير بعد زمان قليل معدوما فكأنّه لم يكن موجودا أصلا و لم يكن شيئا مذكورا . و نبّه على سرعة لحوق الآخرة بقوله ( و كأنّ ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل ) يعنى أنّ ما هو كائن من شدايد الآخرة و أحوالها و أهوالها بعد زمان قليل قصير يكون موجودا ثانيا ، و الاتيان بلفظ كأنّ في المقامين للتقريب و تشبيه وجود الدّنيا بعدمه في الأوّل و تنزيل عدم الآخرة منزلة الوجود في الثاني تأكيدا و مبالغة في قصر زمان تصرم الدنيا و قلّة زمان لحوق الآخرة . ثمّ قال ( و كلّ معدود منقض ) أراد أنّ أيّام العمر و لياليه و ساعاته و أنفاس الحياة معدودة محصاة ، و كلّ ما هى معدودة فهى منقضة منصرمة و منقضية منتهية ( و كلّ متوقع آت و كلّ آت قريب دان ) فكلّ متوقّع قريب دان ، و أراد بالمتوقّع الموت . و نظير هذه الفقرة من كلامه عليه السّلام قول قس بن ساعدة الأيادي : مالى أرى النّاس يذهبون ثم لا يرجعون ، أرضوا فأقاموا ، أم تركوا فناموا اقسم قس قسما إنّ فى السماء لخبرا ، و في الأرض لعبرا ، سقف مرفوع ، و مهاد موضوع و نجوم تمور ، و بحار لا تغور ، اسمعوا أيّها النّاس وعوا ، من عاش مات ، و من مات فات ، و كلّ ما هو آت هذا ، قال السّيد ( ره ) ( منها ) أى بعض فصول تلك الخطبة قوله عليه السّلام ( العالم من عرف قدره و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ) يعنى أنّ العالم الكامل الحقيق بأن يطلق عليه اسم العالم حقيقة من اتّصف بعرفان قدره و عدم تجاوز طوره ، و من لم يعرف ذلك فهو حقيق بأن يطلق عليه اسم الجاهل ، و ذلك كاف في جهالته ، و المراد بقدره مقداره المعيّن و محلّه المرسوم و مرتبته المقرّرة له في الوجود ، و ذلك إنّما يكون بكمال العقل . كما قال الصّادق عليه السّلام : ما اخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلاّ من [ 185 ] خلل في عقله . و في رواية اخرى عنه عليه السّلام ما هلك امرء عرف قدره . يعنى أنّ من عرف قدره و لم يتعدّ طوره المرسوم له في دايرة الوجود و عرف أنّه ما هو و لأىّ شي‏ء خلق خلص من ظلمات الجهالة ، و نجى من بوادى الهلاكة لأنّه يلازم قدره المقدّر و مقامه المعيّن و يسلك الطّريق المؤدّى إلى النّجاة ، و يحترز من طرفي التفريط و الافراط . و يوضح ذلك ما رواه في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد مرسلا قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : دعامة الانسان العقل ، و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل ، و هو دليله و مبصره و مفتاح أمره فاذا كان تأييد عقله من النّور كان عالما حافظا ذاكرا فطنا فهما ، فعلم بذلك كيف و لم و حيث ، و عرف من نصحه و من غشّه ، فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفصوله ، و أخلص الوحدانيّة للّه و الاقرار بالطّاعة ، فاذا فعل ذلك كان مستدركا لمافات و واردا على ما هو آت يعرف ما هو فيه و لأيّ شي‏ء هو ههنا و من أين يأتيه و إلى ما هو صائر و ذلك كلّه من تأييد العقل . يعني انّ قيام أمر الانسان و نظام حاله بالعقل فهو له كالعمود للبيت و منه يحصل الفطنة و سرعة ادراك الامور على الاستقامة ، و يحصل الفهم و الحفظ و العلم و به يكمل الانسان ، و هو دليله على الحقّ و موجب لكونه ذا بصيرة و مفتاح لأمره به يفتح ما اغلق عليه من الأمور الدينية و الدنيويّة و المسائل المعضلة الغامضة ، فاذا كان عقله مؤيّدا بالنّور أى بنور الحقّ و خلى عن شوائب الأوهام ، و كان عالما بما يحتاج إليه ، حافظا لعلمه بحيث لا يتطرّق عليه سهو أو نسيان أصلا أو غالبا ، ذاكرا لربّه فطنا فهما في غاية الكمال من القوّتين النظرية و العملية ، فعلم بذلك كيف أى كيفيّة الأعمال و الأخلاق ، أو كيفية السّلوك إلى الآخرة و الوصول إلى الدّرجات العالية ، أو حقايق الأشياء و حقيقة نفسه أهو من المقرّبين أم من المبعدين و لم أى علّة الأشياء ، و علل وجودها و ما يؤدّى إليها كعلّة الأخلاق الحسنة حتّى [ 186 ] يكتسبها و علّة الأخلاق الرّذيلة حتّى يجتنبها ، أو يتفكر في علّة العلل و ساير العلل المتوسّطة ، أو يتفكّر في علّة وجوده و أنّه إنّما خلقه اللّه للمعرفة و الطّاعة ، و حيث اى يعلم مواضع الامور و يعرف مقام نفسه فيضعها فيه و لا يتعدّى قدره ، و عرف النّاصح له ممّن غشّه فيقبل النّصح من الأوّل و إن كان عدوّا له ، و يحترز من تدليس الثاني و إن كان صديقا له : فاذا عرف ذلك عرف مجراه أى سبيله الذى يجرى فيه إلى الحقّ أو يعلم انه متوجه إلى الآخرة فيعمل بمقتضى هذا العلم و لا يتشبّث بالدّنيا و شهواتها ، و موصوله و مفصوله ، أى ما ينبغى الوصل معه من الأعمال و الاشخاص و ما ينبغى الفصل منه ، و اخلص الوحدانيّة للّه سبحانه ، و علم أنه الواحد الحقيقى لا جزء له عقلا و ذهنا و خارجا و لا شريك له أصلا ، و أقرّ بأنّه لا يستحقّ الطاعة غيره ، فاذا فعل ذلك أى الاخلاص و الاقرار ، كان مستدركا في غابر الزمان لما فات منه في سالف الأيّام من التكاليف التي كان يلزم عليه القيام بها ، و استدراكها انّما هو بالتوبة و القيام بوظايفها ، و وارد على ما هو آت من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية ، يعرف ما هو فيه أى النّشاة الفانية و فنائها و معائبها ، و لأىّ شي‏ء هو ههنا يعنى يعرف أنه انما أنزله اللّه تعالى إلى دار الدّنيا للمعرفة و تحصيل السّعادات الاخروية ، فيبذل همّته و جهده فيها ، و من أين يأتيه أى النّعم و الخيرات ، و يعلم موليها فيشكره و يتوكّل عليه و يتوسّل به لا بغيره أو الأعمّ منها و من البلايا و الشرور و الآفات و المعاصى ، فيعلم أنّ المعاصي من نفسه الامارة و من الشّيطان فيحترس منهما ، و إلى ما هو صائر أى الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة و نعيمها و عذابها ، أو الأعمّ منها و من درجات الكمال و دركات النقص ، و ذلك كلّه من تأييد العقل أى من ثمرات كون العقل مؤيدا بالنّور حسبما عرفت فافهم و اغتنم هذا . و قد ظهر بما ذكرنا كلّه أنّ العالم من كمل عقله و عرف قدره و لازم مقامه و لا يرفع نفسه فوق قدرها و لا يتعدى وظيفته و لا يدعى الانيّة له فانّ الرياسة لا تصلح إلاّ لأهلها ( و انّ من أبغض الرّجال إلى اللّه ) سبحانه المغضوب عنده المصروف عنه نظر العناية الأزليّة و الألطاف الرّبانيّة ( لعبد ) استبدّ برأيه و استقلّ بظنّه [ 187 ] ف ( وكله اللّه إلى نفسه ) و جعل و كوله و اعتماده عليها حيث زعم لنفسه الاستقلال و تمرّد عن طاعة الرّب المتعال فهو ( جائر عن قصد السّبيل ) الموصل له إلى قرب الرّحمن المؤدّى له إلى روض الجنان ( سائر بغير دليل ) ينجيه من المهالك و من سار بغير دليل فهالك . و المراد بالدليل من يدلّه على مناهج الدّين و يرشده إلى شرايع الشرع المبين ، و هم امناء الرّحمن و أبواب الايمان و حملة أسرار الجليل و تراجمة الوحى و التنزيل ، من تخلّف عنهم هلك و من تقدّمهم مرق و من لازمهم لحق . ( ان دعى ) هذا الرّجل المبغوض ( إلى حرث الدّنيا ) استعارة للأفعال و الأعمال المتوقّع نفعها و ثمرتها فيها من التجارة و الزّراعة و الفلاحة و نحوها ( عمل ) و اشتغل به و استغرق اوقاته فيه ( و ان دعى إلى حرث الآخرة ) استعارة للطّاعات و العبادات التي ترجى ثمرتها فيها ( كسل ) و توانى و اعرض و نآبجانبه ( كأنّ ما عمل له ) أى لنفسه من اشغال الدّنيا ( واجب عليه و كأنّ ماونى فيه ) من أعمال الآخرة ( ساقط عنه ) مع أنّ ما كسل عنه أولى بالقيام و ما اشتغل به أخرى بالسقوط . الترجمة از جمله خطب شريفه آن امام مبين و وليّ مؤمنين است كه فرموده : نظر نمائيد بسوى دنيا نظر همچه كسانى كه زاهد شوند در دنيا و اعراض نمايند از آن ، پس بدرستى كه آن دنيا بحقّ خدا بعد از اندك زمانى زايل ميسازد مقيم آرام گرفته را ، و فجعه مى‏آورد بى‏باك و ايمن را بآن ، نميگردد آنچه كه رو گردان شد از آن پس پشت كرد ، و دانسته نميشود آنچيزيكه آينده است از آن تا اينكه انتظار كشيده شود ، شادى آن آميخته شده باندوه ، و قوّة مردان در آن منتقل است بسوى ضعف و سستى . پس البته مغرور ننمايد شما را زيادتي آنچيزيكه خوش آينده شما است در آن از جهة قلت و كمى چيزيكه مصاحب و همراه باشد شما را از آن كه عبارتست از [ 188 ] قطن و كفن ، رحمت كند خداوند مرديرا كه تفكّر كند پس عبرت بگيرد و عبرت بگيرد پس صاحب بصيرت شود پس گويا آنچه واقع است در دنيا پس از اندكى نبوده است ، و گويا آنچه كه واقع خواهد شد از آخرت پس در اندك زمانى ثابت و موجود است ، و هر شمرده شد بنهايت خواهد رسيد ، و هر انتظار كشيده شده خواهد آمد ، و هر آينده نزديكست و قريب . بعض ديگر از فصلهاى آن خطبه اينست كه فرموده : عالم كسيست كه بشناسد قدر خود را و كفايت مينمايد بمرد از حيثيت جهالت و نادانى آنكه نشناسد قدر خود را ، و بدرستى كه از دشمن‏ترين مردان بسوى خدا هر آينه بنده‏ايست كه واگذارد خداى تعالى او را با نفس خودش ، عدول كننده باشد از ميانه راه حق ، سير كننده باشد بدون راه نما ، اگر خوانده شود بسوى كشت و زراعت دنيا عمل ميكند و مشغول شود ، و اگر خوانده شود بسوى كشت و زراعت آخرت كسالت ميگيرد و كاهل ميباشد ، گويا آنچه كه عمل كرد از براى خود از امور دنيا واجب است بر او ، و گويا آنچه كه كاهلى نمود در آن از امور آخرت ساقط است از او الفصل الثانى منها و ذلك زمان لا ينجو فيه إلاّ كلّ مؤمن نؤمة ، إن شهد لم يعرف ، و إن غاب لم يفتقد ، أولئك مصابيح الهدى ، و أعلام السّرى ، ليسوا بالمساييح و لا المذاييع البذر ، أولئك يفتح اللّه لهم أبواب رحمته ، و يكشف عنهم ضرّآء نقمته ، أيّها النّاس سيأتي عليكم زمان يكفا فيه الإسلام كما يكفا الإناء بمائه « بما فيه خ » ، أيّها النّاس [ 189 ] إنّ اللّه تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم و لم يعذكم من أن يبتليكم ، و قد قال جلّ من قائل « إنّ في ذلك لايات و إن كنّا لمبتلين » . قال السيد ( ره ) قوله : كلّ مؤمن نؤمة ، فانّما أراد الخامل الذكر القليل الشّر ، و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بين النّاس بالفساد و النمائم ، و المذاييع جمع مذياع و هو الذى إذا سمع لغيره فاحشة أذاعها و نوّه بها ، و البذر جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه . اللغة ( نؤمة ) وزان همزة في بعض النسخ بالواو و في بعضها بالهمزة قال ابن الأثير فى المحكى عن النهاية في حديث علىّ عليه السّلام انه ذكر آخر الزمان و الفتن ثمّ قال : خير أهل ذلك الزمان كلّ مؤمن نؤمة بوزن الهمزة الخامل الذّكر لا يؤبه به و في القاموس نؤمة كهمزة امير مغفل أو خامل . أقول : و لعلّه مأخوذ عن النّوم لأنّ الانسان إذا نام يخمل و يخمل عنه ، و يؤيده ما في القاموس قال النوم النعاس أو الرّقاد كالنيام بالكسر و الاسم النئمة بالكسر و هو نائم و نؤم و نؤمة كهمزة و صرد و ( السّرى ) كالهدى سير عامة الليل و قوله تعالى : أسرى بعبده ليلا ، تأكيد و ( المذياع ) من لا يكتم السّربل يذيعه و يفشيه و يظهره أو ينادى به في النّاس و ( البذر ) جمع بذور كزبر و زبور و صبر و صبور قال الشارح المعتزلى : و هو الذى يذيع الأسرار و ليس كما قال الرضى ( ره ) فقد يكون الانسان بذورا و إن لم يكثر سفهه و لم يلغ منطقه ، بأن يكون علنة مذياعا من غير سفه و لا لغو . أقول : و يؤيّده ما في القاموس قال البذور و البذير النّمام و من لا يستطيع كتم سرّه ، و رجل بذر ككتف و بيذار و بيذارة و تبذار كتبيان و بيذراتى كثير الكلام و ( يكفا ) بالبناء على المفعول من كفاه كمنعه و صرفه و كلبه قلّبه و « نوّه » بها [ 190 ] أى رفعها . الاعراب جملة ليسوا بالمساييح منصوبة المحلّ على الحال و تحتمل البدل من الخبر و قوله عليه السّلام : و قد قال جلّ من قائل ، جملة و قد قال حال مؤكّدة من فاعل يعذكم و جملة جلّ حال من فاعل قال ، و من قائل تميز لرفع ابهام النّسبة في جلّ إلى فاعله المعنى اعلم أنه أشار في هذا الفصل الى ما يكون بعده من غلبة الفساد و الشرور على أهل الزّمان و عدم النجاة فيه إلاّ لأهل الايمان كمال قال عليه السّلام ( و ذلك زمان لا ينجو فيه إلاّ كلّ مؤمن نؤمة ) أراد به خامل الذكر منهم المشتغل بربّه عنهم كما فسّره بقوله ( إن شهد لم يعرف و إن غاب لم يفتقد ) يعنى أنه إن حضر مجالس أهل ذلك الزمان لا يعرفوه و إن غاب عنهم لا يفتقدوه ، أى لا يسألون عنه و لا يقولون : أين هو و كيف صار و ما يصنع ، و ذلك لكونه بمعزل عنهم و عدم انتفاعهم بوجوده ، و سنشير إلى فوايد العزلة و ثمراتها بعد الفراغ من شرح الفصل . ( اولئك مصابيح الهدى و أعلام السّرى ) يهتدى لهم السّالكون في سبيل اللّه و يصلون بنور وجودهم إلى حظائر القدس ( ليسوا بالمساييح ) أى الذين يسيحون و يجرون بين الناس بالفساد و النميمة ( و لا المذاييع البذر ) أى الذين يذيعون الأسرار و يفشون الفواحش ( اولئك يفتح اللّه لهم أبواب رحمته ) و رأفته ( و يكشف عنهم ضرّاء نقمته ) و شدّة عقوبته و في بعض النسخ يفتح اللّه بهم و يكشف بهم آه ، أى ببركات وجودهم ينزل الخيرات و يكشف النقمات . ثمّ أخبر عليه السّلام عما يكون بعده من الفتن و الفساد فقال عليه السّلام : ( أيّها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الاسلام كما يكفأ الاناء بمائه « بما فيه » ) قال الشّارح البحراني شبّه عليه السّلام قلبهم للاسلام بقلب الاناء بما فيه ، و وجه الشبه خروج الاسلام عن كونه منتفعا به بعد تركهم للعمل به كما يخرج ما في الاناء الذى كبّ عن الانتفاع ، يعنى أنه يأتي زمان ينقلب فيه الامور الدّينيّة إلى أضدادها و لا يبقى من الاسلام إلاّ [ 191 ] اسمه و لا من الكتاب إلاّ درسه ، و أشار عليه السّلام إلى أنّ ذلك منه سبحانه ليس من باب الظلم و الجور ، بل من باب الاختيار و الامتحان ، ليجزى الذين أحسنوا الحسنى جزاء أعمالهم ، و يذيق الذين عملوا السّوء نكال و بالهم و هو قوله : أيّها النّاس إنّ اللَّه قد أعاذكم أى عصمكم ( من أن يجور عليكم ) و قد قال : و ما ربّك بظلام للعبيد ( و لم يعذكم ) أى لم يعصمكم ( من أن يبتليكم ) و يختبركم ، يعنى أنه إذا غلب على أهل الزمان الفساد لا يلجأهم الى الصّلاح و السّداد و لكن يتركهم و اختيارهم امتحانا لهم و اختبارا ( و قد قال جلّ من قائل ) في سورة المؤمنين بعد حكاية حال سفينة نوح عليه السّلام ( إنّ في ذلك لآيات و إن كنّا 1 لمبتلين ) قال الطّبرسيّ : أى في أمر نوح و السّفينة و هلاك أعداء اللّه دلالات للعقلاء يستدلّون بها على التوحيد و إن كنّا مختبرين إياهم بارسال نوح و وعظه و تذكيره و متعبّدين عبادنا بالاستدلال بتلك الآيات على قدرتنا و معرفتنا أقول : غرضه عليه السّلام من الاستدلال بالآية الشريفة الاشارة إلى أنّ عادة اللّه سبحانه جارية في الامم الماضية و القرون الخالية ، و كذلك في غابر الزّمان و مستقبل الأيام على اختبار عباده و ابتلائهم لاظهار جودة العبد و ردائته ليثب تمام العيار في قالب الامتحان و يعاقب النّاقص الجوهر بالخزى و الخذلان ، و قد مرّ في شرح الخطبة الثانية و السّتين تحقيق معنى البلاء و الابتلاء و لا حاجة إلى الاعادة ، هذا . و ينبغى التنبيه على امور : الاول في فوائد العزلة و خمول الذكر و هى على ما ذكره أبو حامد الغزالى : تنقسم إلى فوايد دينيّة و دنيويّة ، و الدّينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة و المواظبة على العبادة و الفكر و تربية العلم ، و إلى تخلص من ارتكاب المناهى يتعرّض لها الانسان بالمخالطة كالرياء و الغيبة و السّكوت عن الأمر بالمعروف ----------- ( 1 ) قوله سبحانه : و ان كنا أى انا كنا فهى مخفّفة من المثقّلة و يجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن أى انه كنا . [ 192 ] و النهى عن المنكر ، و مسارقة الطبع من الاخلاق الرديّة و الأعمال الخبيثة من جلساء السّوء . و أمّا الدّنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرّض لها بالمخالطة كالنّظر إلى زهرة الدنيا و إقبال الخلق عليها و طمعه في النّاس و طمع النّاس فيه و انكشاف ستر مروته بالمخالطة و التأذّي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذّى بثقله و تشويه خلقته ، و إلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة ، فلنحصر ستّ فوائد : الفائدة الاولى التفرّغ للعبادة و الفكر و الاستيناس بمناجاة اللّه عن مناجاة الخلق و الاشتغال باستكشاف أسرار اللّه في أمر الدنيا و الآخرة و ملكوت السّماوات و الأرض ، فانّ ذلك يستدعى فراغا و لا فراغ مع المخالطة ، فالعزلة وسيلة إليه ، و لذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بدو أمره يتبتّل في جبل حرّا و يختار العزلة لنفسه حتى بعث و امر بالتبليغ ، فخالط النّاس و كان ببدنه معهم و بقلبه مقبلا على اللّه ، و لا يحجب مخالطتهم عن توجّهه بالباطن ، و لن يسع الجمع بين المخالطة ظاهرا و الاقبال باطنا إلاّ قوّة النبوّة و الولاية ، فلا ينبغى أن يغترّ كلّ ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ، فانّ المخالطة مانعة لهم عن الفكر و الذكر ، و العزلة أولى بهم . و لذلك قيل لبعض الحكماء : ما الذى أرادوا بالخلوة و اختيار العزلة ؟ فقال : يستدعون بذلك دوام الفكرة و تثبّت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيّبة و يذوقوا حلاوة المعرفة . و قيل لبعض الرّهبان : ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال : ما أنا وحدى أنا جليس اللّه تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، و إذا شئت أن اناجيه صلّيت . و قيل : بينما اويس القرني جالس إذا أتاه رجل فقال له اويس : ما جاء بك ؟ [ 193 ] قال : جئت لآنس بك ، فقال اويس : ما كنت أرى أنّ أحدا يعرف ربّه فيأنس بغيره و قال الفضيل إذا رأيت اللّيل مقبلا فرحت به و قلت أخلو بربّي ، و إذا رأيت الصّبح أدركنى استرجعت كراهة لقاء الناس و أن يجيئني من يشغلني عن ربّي . و قال بعض الصّالحين : بينما أنا أسير في بعض بلاد الشّام إذ أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال ، فلمّا نظر إلىّ تنحى إلى أصل شجرة و تستّر بها ، فقلت : سبحان اللّه تبخل علىّ بالنّظر إليك ؟ فقال : يا هذا إنّي أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا اعالج قلبي في الصّبر عن الدّنيا و أهلها فطال في ذلك تعبى و فنى فيه عمرى ، فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظّى من أيّامي في مجاهدة قلبى ، فسكنه اللّه تعالى عن الاضطراب و ألفه الوحدة و الانفراد ، أنا نظرت إليك فخفت أن أقع في الأمر الأوّل ، فاليك عنّى فانّي أعوذ من شرّك بربّ العارفين و حبيب القانتين ، ثمّ صاح و اغمّاه من طول المكث في الدّنيا ، ثمّ حوّل وجهه عنّى ، ثمّ نفض يديه و قال : إليك عنّى يا دنيا لغيرى فتزيّنى و أهلك فغرّى ، ثمّ قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذّة الخدمة و حلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان و عن الحور الحسان ، و جمع همّتهم في ذكره فلا شي‏ء ألذّ عندهم من مناجاته ، ثمّ مضى و هو يقول : قدّوس قدّوس . فاذا في الخلوة انس بذكر اللّه و استكثار من معرفة اللّه ، و في مثل ذلك قيل : و إنّي لأستغشى و ما بي غشوة لعلّ خيالا منك يلقى خياليا و أخرج من بين الجلوس لعلّني أحدّث عنك النفس بالسّر خاليا قال بعض الحكما : إنّما يستوحش الانسان من نفسه لخلوّ ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة النّاس و يطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم ، فاذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة و يستخرج العلم و الحكمة ، و قد قيل : الاستيناس بالنّاس من علامات الافلاس . فقد وضح بذلك كلّه أنّ التجرّد و العزلة في حقّ الخواصّ أفضل من المخالطة بالناس ، لأنّ غاية العبادات و ثمرة المعاملات أن يموت الانسان عارفا باللّه محبا له [ 194 ] و لا محبّة إلاّ بالانس الحاصل بدوام الذكر ، و لا معرفة إلاّ بدوام الفكر و فراغ القلب شرط في كلّ واحد منهما ، و لا فراغ مع المخالطة . الفائدة الثانية التخلّص بالعزلة عن المعاصى التي يتعرّض الانسان غالبا لها بالمخالطة و يسلم منها في الخلوة ، و هى أربعة : الغيبة ، و الرّياء ، و السّكوت عن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و مسارقة الطبع من الأخلاق الرّديئة و الأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدّنيا . أما الغيبة فانّ التحرّز منها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلاّ الصدّيقون لأنّ عادة الناس كافة التمضمض بأعراض النّاس و التّفكه و التنقّل بحلاوتها ، و هى طعمتهم و لذّتهم ، و إليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة ، فان خالطتهم و وافقتهم أثمت و تعرّضت لسخط اللّه ، و إن سكتّ كنت شريكا ، و المستمع أحد المغتابين ، و إن أنكرت أبغضوك و تركوا ذلك المغتاب و اغتابوك ، فازدادوا غيبة إلى غيبة ، و ربّما تعدّوا عن الغيبة إلى الاستخفاف و الاستهزاء و الشتم . و أما الامر بالمعروف و النهى عن المنكر فمن خالط النّاس فلا بدّ له من مشاهدة المنكرات ، فان سكت عصى اللّه به ، و إن أنكر تعرّض لأنواع من الضرر و الأذى ، و في العزلة خلاص من ذلك ، فانّ الأمر في اهماله شديد ، و القيام به شاق ، فانّه كجدار مائل يريد الانسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه ، فاذا سقط عليه يقول : يا ليتنى تركته مائلا ، نعم لو وجد أعوانا أمسكوا الحايط حتّى يحكمه بدعامة لاستقام ، و أنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم و انج بنفسك قال الشّاعر : و كم سقت في آثاركم من نصيحة و قد يستفيد البغضة المتنصّح و أما الرياء فهو الداء العضال الذى يعسر الاحتراز منه على الأوتاد و الأبدال و هو إمّا في العبادات أو فى العادات و قد مرّ تحقيق الكلام في الأوّل في شرح الخطبة الثّالثة و العشرين و عرف هنالك أنّ الاعتزال من النّاس علاجه [ 195 ] و دوائه النّافع له . و أمّا الثاني أعني الرّياء في العادات فكلّ من خالط النّاس داراهم و من داراهم راآهم و من راآهم وقع فيما وقعوا فيه و هلك ، و أقل ما يلزم فيه النّفاق فانك إن ترى متعاديين و لم تلق كلّ واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا ، و إن جاملتهما كنت عن شرار النّاس . قال عليه السّلام انّ من شرار النّاس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه و هؤلاء بوجه و في الكافي باسناده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من لقى المسلمين بوجهين و لسانين جاء يوم القيامة و له لسان من نار . و عن عبد الرّحمن بن حماد رفعه قال : قال اللّه تبارك و تعالى لعيسى عليه السّلام يا عيسى لتكن لسانك في السّر و العلانية لسانا واحدا و كذلك قلبك ، إنّي احذّرك نفسك و كفى بى خبير الا يصلح لسانان في فم واحد و لا سيفان في غمد واحد و لا قلبان في صدر واحد و كذلك الأذهان . و أقلّ ما يجب في مخالطة الناس اظهار الشوق و المبالغة فيه و لا يخلو ذلك عن كذب إمّا في الأصل و إمّا في الزيادة و اظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك كيف أنت و كيف أهلك و أنت في الباطن فارغ عن همومه و هو نفاق محض و آية ذلك أنّك تقول كيف أنت و يقول الآخر كيف أنت ، فالسّائل لا ينتظر بالجواب و المسؤول يشتغل بالسؤال و لا يجيب ، و ذلك لمعرفتهم بأنّ ذلك عن رياء و تكلّف ، و لعلّ القلوب لا تخلو من ضغائن الأحقاد و الألسن تنطق بالسؤال . قال بعضهم : انّى لأعرف أقواما كانوا لا يتلاقون و لو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ماله لبذله ، و أرى الآن أقواما يتلاقون و يتسائلون حتّى عن الدّجاجة في البيت ، و لو انبسط أحدهم لحبّة من مال صاحبه لمنعه ، هل هذا إلاّ مجرّد الرّياء و النّفاق ، و كلّ ذلك مذموم بعضه محرّم و بعضه مكروه ، و في العزلة خلاص منه ، فانّ من لقي الخلق و لم يتخلّق بأخلاقهم مقتوه و استثقلوه و اغتابوه و تشمّر و الإبذائه فيذهب دينهم فيه و يذهب دينه و دنياه في الانتقام منهم . [ 196 ] و أما مسارقة الطبع مما يشاهده من اخلاق النّاس و أعمالهم فهو داء دفين قلّما يتنبّه له العقلا فضلا عن الغافلين ، فلا يجالس الانسان فاسقا مدّة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلاّ و لو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد ، فاستثقاله اذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه و استعظامه له ، و إنّما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب ، فاذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أو شك أن تنحلّ القوّة الوازعة و يذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه و مهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استصغر الصّغاير و استحقرها من نفسه . و لذلك يزدرى إلى الأغنياء نعمة اللّه عليه ، فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده و تؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما ابيح له من النعم و كذلك النظر إلى المطيعين و العاصين و هذا تأثيره في الطبع . فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال أولياء الدّين و السّلف الصّالحين في العبادة و المجاهدة و الزّهد عن الدّنيا لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار ، و إلى عبادته بعين الاستحقار فيجتهد في العبادة و يرغب في الطاعة و يزهد في الدّنيا استكمالا و استتماما للاقتداء بهم و الحذو بمثلهم و من نظر إلى غالب أهل الزمان و رأى اعراضهم عن اللّه و إقبالهم على الدّنيا و اعتيادهم المعاصى استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه ، و ذلك هو الهلاك و يكفى في تغيير الطبع مجرّد سماع الخير و الشّر فضلا عن مشاهدته . فبهذه النكتة يعرف سرّ قوله : عند ذكر الصّالحين ينزل الرّحمة ، و إنّما الرّحمة دخول الجنة و لقاء الحقّ ، و لا ينزل عند ذكر الصّالحين عين ذلك و لكن سببه الذي هو انبعاث الرغبة من القلب و حركة الحرص على الاقتداء بهم و الاستنكاف عمّا هو ملابس له من القصور و التقصير ، و مبدء الرحمة فعل الخير و مبدء فعل الخير الرغبة و مبدء الرغبة ذكر أحوال الصّالحين فهذا معنى نزول الرحمة . و يفهم من فحوى ذلك أنّ عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة ، لأنّ كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي و اللعنة هى البعد من الحقّ و مبدء البعد هو المعاصي [ 197 ] و الاعراض عن اللّه بالاقبال على الحظوظ العاجلة و الشّهوات الحاضرة المخطورة ، و مبدء المعاصي سقوط ثقلها و تفاحشها عن القلب ، و مبدء سقوط الثقل وقوع الانس بها بكثرة السّماع ، و إذا كان هذا حال ذكر الصّالحين و الفاسقين . فما ظنّك بمشاهدتهم و مخالطتهم . و قد مرّ في شرح الخطبة الخامسة و الثّمانين و شرح الكلام الثالث عشر أخبار كثيرة في النهى عن مجالسة أهل المعاصي و البدع و مخالطتهم ، و ظهر هناك أنّ مجالستهم منساة للايمان محضرة للشّيطان ، فعليك بمراجعة المقامين . و بالجملة فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الطبيعة سراقة تستفيد الخير ، و الشّر من مشاهدة الغير ، فعليك بالفرار من الناس ، إذ لا ترى منهم إلاّ ما يوجب زيادة حرصك على الدّنيا و غفلتك عن الآخرة ، و يهوّن عليك المعصية و يسقط وقعها عن قلبك . و ممّا يوضح سقوط وقع المعاصى من القلوب بكثرة المشاهدة أنّ أكثر الناس إذا رأوا مسلما أفطر في شهر رمضان من غير عذر استبعدوا ذلك استبعادا يكاد يفضى إلى اعتقادهم كفره ، و ربّما يشاهدون من يخرج الصّلاة عن أوقاتها و يترك بعضها احيانا و لا تنفر عنه طباعهم كما تنفرون عن المفطر في شهر رمضان ، مع أنّ الصّلاة أفضل من الصيام قطعا و لا سبب لذلك إلاّ أنّ الصّلاة تتكرّروا لتساهل فيها يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب . بخلاف الصّوم . فعليك بالعزلة و الوحدة إلاّ من الجليس الصّالح الذى يوجب مجالسته الرغبة في الطاعات و الميل إلى العبادات ، و ينفّرك مصاحبته عن الدنيا و زخارفها و شهواتها و يشوّقك مخالطته إلى الرّغبة في الآخرة و نعيمها و درجاتها . الفائدة الثالثة الخلاص من الفتن و الخصومات و صيانة الدّين و النفس عن الخوض فيها و التّعرّض لأخطارها و قلّما تخلو البلاد عن تعصّبات و خصومات فالمعتزل في [ 198 ] سلامة منها . روى أبو سعيد الخدرى أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال و مواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن من شاهق إلى شاهق . و في رواية أخرى عنه عليه السّلام خير النّاس رجل ممسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة 1 طار إليها أو رجل في شعفة في غنيمة و يعبد اللّه حتى يأتيه الموت . و روى عبد اللّه بن مسعود أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : سيأتي على النّاس زمان لا يسلم لذي دين دينه الاّ من فرّ بدينه من قرية إلى قرية و من شاهق إلى شاهق و من جحر إلى جحر كالثعلب الذى يروغ ، قيل له : و متى ذلك يا رسول اللّه ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إذا لم تنل المعيشة إلاّ بمعاصى اللّه ، فاذا كان ذلك الزّمان حلّت العزوبة قالوا : و كيف يا رسول اللّه و قد أمرتنا بالتزويج ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إذا كان ذلك الزّمان كان هلاك الرّجل على يد أبويه ، فان لم يكن له أبوان فعلى يدى زوجته و ولده ، فان لم يكن فعلى يدى قرابته ، قالوا و كيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : يعيّرونه بضيق اليد فيتكلّف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة . و هذا الحديث و إن كان في العزوبة إلاّ أنّه يدلّ على حسن العزلة إذ لا يستغنى المتأهّل عن المعيشة و المخالطة ، ثمّ لا ينال المعيشة إلاّ بمعصية اللّه حسبما استفيد من الرّواية . قيل : لما بنى عروة قصره بالعقيق و لزمه قيل له : لزمت القصر و تركت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ؟ فقال : رأيت مساجدكم لاهية ، و أسواقكم لاغية ، و الفاحشة في فجاجكم ----------- ( 1 ) قال جار اللّه الهيعة الصيحة التي يفزع منها أصلها من هاع يهيع اذا جبن و الشعفة رأس الجبل و المعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه و استعد الجهاد فى سبيل اللّه و رجل اعتزل الناس و سكن فى بعض رؤوس الجبال فى غنم له قليل يرعاها و يكتفى بها فى أمر معاشه و يعبد اللّه حتى يأتيه الموت ، منه [ 199 ] عالية ، و فيما هناك عمّا أنتم فيه عافية ، فاذا الحذر من الخصومات و مثارات الفتن احدى فوايد العزلة . الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس فانّهم يؤذونك مرّة بالغيبة ، و مرّة بسوء الظن و التّهمة ، و مرّة بالاقتراحات و الاطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها ، و تارة بالنميمة و الكذب ، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال مالا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة يدّخرونها لوقت تظهر فيه فرصة للشر ، فاذا اعتزلتهم استغنيت من التّحفظ عن جميع ذلك . و لذلك قال بعض الحكماء لغيره : اعلّمك بيتين خير من عشرة آلاف دراهم ، قال : ما هما ؟ قال : اخفض الصّوت إن نطقت بليل و التفت بالنّهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو بقبيح يكون أو بجمال و لا شكّ أنّ من اختلط بالنّاس و شاركهم في الأعمال لا ينفكّ من حاسد و عدوّ يسى‏ء الظّن به و يتوهّم انه يستعدّ لمعاداته و نصب المكيدة عليه و تدسيس غائلة ورائه ، و النّاس مهما اشتدّ حرصهم على أمر يحسبون كلّ صيحة عليهم هم العدوّ و قد اشتدّ حرصهم على الدّنيا فلا يظنّون بغيرهم إلاّ الحرص عليها قال المتنبى : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه و صدّق ما يعتاده من توهّم و عادى محبّيه بقول عدائه فأصبح في ليل من الشّك مظلم و قد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظّن بالابرار ، و أنواع الشر الّذى يلقاه الانسان من معارفه و ممّن يختلط به كثيرة ، و لا حاجة إلى تفصيلها و في العزلة خلاص من جميعها . و عن الحسن عليه السّلام أنه أراد الحجّ فسمع بذلك ثابت البناني فقال له : بلغني أنك تريد الحجّ فأحببت أن أصحبك ، فقال له الحسن عليه السّلام : و يحك دعنا نتعاشر بستر اللّه علينا إنّي أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه . و هذه إشارة إلى فايدة اخرى في العزلة ، و هو بقاء السرّ على الدّين و المروّة [ 200 ] و الأخلاق و الفقر و سائر العورات ، و قد مدح اللّه سبحانه المتستّرين فقال : « يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف » قال الشاعر : و لا عار أن زالت عن الحرّ نعمة و لكنّ عارا أن يزول التّجمّل و لا يخلو الانسان في دينه و دنياه و أخلاقه و أفعاله عن عورات الأولى في الدّين و الدّنيا سترها و لا تبقى السّلامة مع انكشافها . قال أبو الدّرداء : كان النّاس و رقالاشوك فيه فالنّاس اليوم شوك لا ورق فيه فاذا كان هذا حكم زمانه و هو في أواخر القرن الأوّل فما حال أمثال زماننا . و قال أبو الدّرداء أيضا : اتّقوا اللّه و احذروا النّاس فانهم ما ركبوا ظهر بعير إلاّ أدبروه و لا ظهر جواد إلاّ عقروه و لا قلب مؤمن إلاّ خربوه . و قال بعضهم : أقلّ المعارف فانه أسلم لدينك و قلبك و أخفّ لسقوط الحقوق عنك ، لأنه كلّما كثرت المعارف كثرت الحقوق و عسر القيام بالجميع . و قال آخر : أنكر من تعرف ، و لا تتعرّف إلى من لا تعرف . الفائدة الخامسة أن ينقطع طمع النّاس عنك و طمعك عن النّاس ، فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه منافع كثيرة فانّ رضاء النّاس لا تضبط و أغراضهم لا تدرك و الاشتغال باصلاح النفس أولى من الاشتغال باتيان مقصود الغير و تحصيل رضائه . و من أهون الحقوق و أيسرها حضور الجنازة و عيادة المريض و حضور الولائم و زيارة الأحباء ، و فيها تضييع الأوقات و تعرّض للآفات ، و ربما تعوق عن بعضها العوائق و الموانع و تستقبل فيها المعاذير و لا يمكن اظهار كلّ الأعذار فيقولون قمت في حق فلان و قصرت في حقّنا ، و يصير ذلك سببا للعداوة . فقد قيل : من لم يعد مريضا في وقت العيادة فقد اشتهى موته مخافة الخجالة إذا عاد المريض إلى السّلامة ، و من عمّم النّاس كلّهم بالحرمان رضوا عنه كلّهم و لو خصص البعض استوحشوا ، و لو قام بحقوق الجميع لم يف له طول اللّيل و النهار [ 201 ] و لو تجرّد به فكيف من له مهمّ يشغله في دينه أو دنياه ، و من هنا قيل كثرة الأصدقاء كثرة العرناء و قال الشّاعر : عدوّك من صديقك مستفاد فلا تستكثرنّ من الصّحاب فانّ الدّاء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب و أما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة اخرى جزيلة ، فانّ من نظر إلى زهرة الدّنيا و زينتها تحرّك و انبعث بقوّة الحرص و طمعه ، و لا يرى إلاّ الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذىّ بذلك ، و مهما اعتزل لم يشاهد ، و متى لم يشاهد لم يشته و لم يطمع ، و لذلك قال اللّه سبحانه : وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه‏ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيوةِ الدُّنْيا . و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : انظروا إلى من هو دونكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم فانه أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم . و قال بعضهم : كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما كنت ارى ثوبا أحسن من ثوبى و فرسا أفره من دابتي ، فجالست الفقراء فاسترحت . و بالجملة فمن شاهد زينة الدّنيا فإمّا أن يقوى دينه و يقينه فيصبر فيكون محتاجا إلى أن يتجرع مرارة الصّبر ، و هو أمرّ من الصّبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدّنيا فيهلك هلاكا مؤبّدا ، أمّا في الدّنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كلّ من يطلب الدّنيا يتيسّر له . ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه تجرى الرّياح بما لا تشتهى السفن و امّا في الآخرة فبايثاره زينة الحياة الدّنيا على متاع الآخرة ، و لذلك قال ابن الاعرابى : إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى سموت إلى العليا من جانب الفقر الفائدة السادسة الخلاص من مشاهدة الثقلاء و السّفهاء و مقاساة حمقهم و أخلاقهم ، فانّ رؤية [ 202 ] الثقيل هى العمى الأصغر . قال جالينوس : لكلّ شي‏ء حمّى و حمّى الرّوح النظر إلى الثقلاء ، و قال الشّافعى : ما جالست ثقيلا إلاّ وجدت الجانب الذى يليه من بدني أثقل علىّ من الجانب الآخر . و يحكى انّه دخل أبو حنيفة على الأعمش فقال له : إنّ من سلب اللّه كريمتيه عوّضه اللّه عنهما ما هو خير منهما فما الذى عوّضك ؟ فقال له في معرض المطايبة عوّضنى عنهما أنّه كفاني رؤية الثقلاء و أنت منهم . و هذه فوائد العزلة و ثمراتها بعضها متعلّق بالدّنيا و بعضها متعلّق بالآخرة ، و اللّه سبحانه ولىّ التوفيق و إليه مصير العاقبة . الثانى في النّميمة و هو اسم من نمّ الحديث ينمّه من بابي ضرب و قتل سعى به ليوقع فتنة أو وحشة فهو نمّ و نمّام قال تعالى : وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَميمٍ مَنّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثيمٍ عُتُلِّ بَعْدَ ذلِكَ زَنيمٍ قال في التّفسير : أى لا تطع كثير الحلف بالباطل لقلّة مبالاته بالكذب ، و صاحب المهانة أى قلّة الرّاى و التّميز أو صاحب الذّلة و الحقارة عند اللّه سبحانه ، و القارع في النّاس المغتاب ، و القتّاة السّاعي بين الناس بالنميمة طلبا للفساد و ضرب بعضهم ببعض ، و البخيل بالمال كثير المنع منه و المتجاوز عن الحقّ الغشوم الظّلوم و الاثيم الفاجر ، و قيل معتد في ظلم غيره أثيم في ظلم نفسه ، عتلّ بعد ذلك زنيم أى هو مع كونه منّاعا للخير معتديا أثيما فاحش سىّ‏ء الخلق ، و زنيم اى دعىّ ملصق إلى قوم ليس منهم و قال سبحانه : وَ امْرَأَتُهُ حَمّالةَ الْحطَبِ [ 203 ] قيل : إنّها كانت تنمّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في رواية الكافي : ألا انبئكم بشراركم ؟ قالوا بلى يا رسول اللّه ، قال : المشّاؤون بالنّميمة المفرّقون بين الأحبّة الباغون للبراء المعائب . و عن أبي ذرّ عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حقّ شانه اللّه بها في النار يوم القيامة . و عن أبي الدّرداء عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال أيّما رجل أشاع على رجل كلمة و هو منها برى‏ء ليشينه بها في الدّنيا كان حقّا على اللّه أن يذيبه بها يوم القيامة في النار . و يقال اتّبع رجل حكيما سبع مأة فرسخ في سبع كلمات ، فلما قدّم عليه قال : إنّى جئتك للّذي أتاك اللّه من العلم أخبرني عن السّماء و ما أثقل منها ، و عن الأرض و ما أوسع منها ، و عن الصّخر و ما أقسى منه ، و عن النّار و ما أحرّ منها ، و عن الزمهرير و ما أبرد منه ، و عن البحر و ما أغنى منه و عن اليتيم و ما أذلّ منه ؟ فقال له الحكيم : البهتان على البرى‏ء أثقل من السّماوات ، و الحقّ أوسع من الأرض ، و القلب القانع أغنى من البحر ، و الحرص و الحسد أحرّ من النّار ، و الحاجة إلى القريب إذا لم ينجح 1 أبرد من الزمهرير ، و قلب الكافر أقسى من الحجر ، و النّمام إذا بان أمره أذلّ من اليتيم هذا . و ينبغي أن يعلم أنّ مراد النّمام بنميمته إمّا إرادة السّوء للمحكىّ عنه ، أو إظهار الحب للمحكىّ له أو التفرّج بالحديث و الخوض في الفضول و الباطل ، و على كلّ تقدير فاللاّزم للمحكىّ له عند ما سمع النّميمة امور ستّة : الأوّل أن لا يصدّقه لأنّ النّمام فاسق و هو مردود الرّواية قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جائَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ . و قد روى إنّ عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له ----------- ( 1 ) انجح حاجته قضاها منه [ 204 ] عمر : إن شئت نظرنا في أمرك فان كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية : إن جائكم فاسق ، و إن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية : همّاز مشّاء بنميم ، و إن شئت عفونا عنك ، قال : العفو لا أعود إليه أبدا . الثّاني أن ينهاه عن ذلك و ينصح له و يقبح عليه فعله قال اللّه تعالى : وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ . روى في بعض مؤلفات أصحابنا من ارشاد القلوب أنّ رجلا دخل على عليّ بن الحسين عليهما السّلام و قال له : إنّ فلانا لايزال يذكرك في قصصه بشرّ ، فقال عليه السّلام له : يا هذا و اللّه ما راعيت حقّ مجالسة الرّجل حيث نقلت الينا حديثه و خنته فيما ائتمنك به . و لا أدّيت حقّى أيضا حين أعلمتنى ما أكره ، أما علمت أنّ النّمام من سكان النّار ؟ و لكن قل له : إن الموت يعمّنا ، و القبر يضمّنا ، و القيامة تجمعنا ، و اللّه يحكم بيننا و هو خير الحاكمين ، نقلناه بالمعنى . الثّالث أن يبغضه في اللّه فانّه بغيض عند اللّه ، و يجب بغض من يبغضه اللّه تعالى و أيضا فانّه قد واجهك بما لم يواجهك به من حكى عنه ، حيث استحياك و ذكرك بسوء في غيبتك و النمام ذكرك بسوء في مواجهتك و لم يستح منك ، و قد قيل : سبّك من بلّغك ، روى إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام سعى إليه برجل ، فقال : يا هذا نحن نسأل عمّا قلت فان كنت صادقا مقتناك ، و إن كنت كاذبا عاقبناك ، و إن شئت أن نقيلك أقلناك ، فقال : أقلنى يا أمير المؤمنين . الرّابع ألاّ تظن بأخيك الغائب السوء لقوله تعالى : إِجْتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمُ . قال رجل لعبد اللّه بن عامر و كان أميرا : بلغني أنّ فلانا أعلم الأمير أنى ذكرته بسوء قال : قد كان ذلك ، قال : فأخبرني بما قال حتى أظهر كذبه عندك ، قال : ما احبّ أن أشتم نفسى بلساني ، و حسبي أنّى لم أصدّقه فيما قال ، و لا أقطع عنك الوصال . [ 205 ] الخامس أن لا يحملك ما حكى لك على التجسّس و البحث عن حقيقة ما قاله لقوله تعالى : و لا تجسّسوا . السّادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النّمام عنه و لا تحكى نميمته فتكون نمّاما و مغتابا و تكون قد أتيت ما نهيت عنه . روى كعب الأخبار أنّ بنى اسرائيل أصابهم قحط فاستسقى موسى عليه السّلام مرّات فماسقوا ، فأوحى اللّه تعالى إليه أنى لا أستجيب لك و لمن معك و فيكم نمّام قد أصرّ على النّميمة ، فقال موسى عليه السّلام : يا ربّ من هو دلّنى عليه حتى اخرجه من بيننا قأل : يا موسى أنهيكم عن النميمة و أكون نمّاما ، فتابوا جميعا فسقوا . بقى الكلام فى السعاية و هى النميمة إلاّ أنها إذا كانت إلى من يخاف من جانبه كالسلطان و الأمير و نحوهما تسمّى سعاية و هى أقبح من النميمة و أفحش منها لما يترتّب عليها من المضارّ . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : السّاعى بالناس إلى النّاس لغير رشدة ، قيل : يعني ليس بولد حلال ، و ذكرت السعاية عند بعض الصّالحين فقال : ما ظنّكم بقوم يحمد الصّدق من كلّ طائفة من النّاس إلاّ منهم . و رفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبّه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقّع على ظهرها : السّعاية قبيحة و إن كانت صحيحة فان كنت أجريتها مجرى النّصح فخسرانك فيها أفضل من الرّبح ، و معاذ اللّه أن نقبل مهتوكا في مستور ، و لو لا أنّك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك ، فتوقّ يا ملعون العيب ، فانّ اللّه أعلم بالغيب الميّت رحمه اللّه ، و اليتيم جبره اللّه ، و المال ثمره اللّه ، و الساعي لعنه اللّه . و بالجملة فشرّ النمام عظيم و خطره جسيم ينبغي التوقّى منه و الحذر من نميمته كيلا تقع فى طول حسرة و ندامة . فقد روى حمّاد بن سلمة أنّه باع عبدا و قال للمشترى ما فيه عيب إلاّ النميمة قال : قد رضيت ، فاشتراه فمكث الغلام أيّاما ثمّ قال لزوجة مولاه : إنّ سيّدى [ 206 ] لا يحبّك و هو يريد أن يتسرّى عليك فخذى الموسى و احلقى من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى اسحره عليها فيحبّك ، ثمّ قال للزّوج : إنّ امرأتك اتخذت خليلا و تريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك ، فتناوم لها فجائت المرئة بالموسى فظنّ أنّها تريد قتله فقام إليها فقتلها ، فجاء أهل المرئة و قتلوا الزوج و وقع القتال بين القبيلتين و اشتدّ الفساد في البين . . الثالث في اذاعة الاسرار و إفشاء الفواحش و قد نهى عنهما فى الشرع الأنور لما فيهما من الأذى و التهاون بحقّ الاخوان و الاصدقاء ، و حذر عن الثاني في الكتاب الكريم قال تعالى : إِنَّ الَّذينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشيعَ الْفاحِشَةُ في الَّذينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . و لا يخفى دلالته على المقصود ، فانّ افشاء الفاحشة لا يكون إلاّ عن محبّة اشاعتها و إن كان حبّ الاشاعة أعمّ ، إذ يصدق على حبّ شيوعها بين المؤمنين و إن لم يكن الاشاعة من المحبّ نفسه . و حذّر عن الأوّل في غير واحد من الأخبار ، مثل ما روى في الكافي باسناده عن عبد اللّه بن سنان قال : قلت له : عورة المؤمن على المؤمن حرام ؟ قال : نعم : قلت : تعنى سفلويه ؟ قال : ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سرّه . و عن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : فيما جاء في الحديث عورة المؤمن على المؤمن حرام قال عليه السّلام : ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا إنّما هو تروى عليه أو تعيبه . و عن محمّد بن عجلان قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّ اللّه عزّ و جلّ عيّر أقواما بالاذاعة في قوله : [ 207 ] وَ إِذا جائَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِه‏ . فايّاكم و الاذاعة . و عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السّلام قال : يحشر العبد يوم القيامة و ما ندى 1 دما فيدفع إليه شبه المحجمة 2 أو فوق ذلك فيقال : هذا سهمك من دم فلان ، فيقول : يا ربّ إنّك لتعلم أنّك قبضتنى و ما سفكت دما ، فيقول : بلى سمعت من فلان رواية كذا و كذا فرويتها عليه فنقلت حتّى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها فهذا سهمك من دمه ، هذا . و يتأكّد الحرمة في إذاعة أسرار الأنبيا و الأئمة عليهم السّلام و يدلّ عليه ما في الكافي باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله اللّه عزّ و جلّ : وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ . فقال : أما و اللّه ما قتلوهم بأسيافهم و لكن أذاعوا سرّهم و أفشوا عليهم فقتلوا . و عن يونس بن يعقوب عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطاء و لكن قتلنا قتل عمد . و عن محمّد الخزاز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا . و عن نصر بن ساعد مولى أبي عبد اللّه عن أبيه عليهما السّلام : قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : مذيع السّر شاك ، و قائله عند غير أهله كافر . و من تمسّك بالعروة الوثقى فهو ناج ، قلت : ما هو ؟ قال التّسليم . و عن أبي خالد الكابلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال : إنّ اللّه جعل الدّولتين دولتين : دولة آدم و هى دولة اللّه ، و دولة إبليس ، فاذا أراد اللّه أن يعبد علانية كانت دولة آدم ، و إذا أراد اللّه أن يعبد في السرّ كانت دولة إبليس ، و المذيع لما أراد اللّه ----------- ( 1 ) ما ندى أى ما اراق دما . ----------- ( 2 ) المحجمة ما يحجم به الحجام و حرفت الحجامة ككتابة لغة [ 208 ] ستره مارق من الدّين . و عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : من استفتح نهاره باذاعة سرّنا سلّط اللّه عليه حزّ الحديد و ضيق المحابس ، هذا . و الأخبار في هذا المعنى كثيرة ، و فيما رويناه كفاية لمن له دراية ، و اللّه الهادي . الترجمة بعض ديگر از اين خطيه اشاره است بفساد زمان بني اميه و بني مروان و حال روزگار ساير مخالفان چنانچه فرموده : و آن زمان زمانى است كه نجات نيابد در آن مگر هر مؤمني كه گمنام باشد ، اگر حاضر شود آن مؤمن در مجالس نشناسند او را ، و اگر غايب شود نجويند او را ، ايشانند چراغهاى هدايت در صراط مستقيم ، و نشانهاى سير و حركت در شب بسوى منهج قويم ، نيستند در ميان مردمان گردش كنندگان با فساد و سخن چينى ، و نه فاش سازندگان اسرار و عيبهاى بندگان ، ايشان ميگشايد حقتعالى از براى ايشان درهاى رحمت خود را ، و ببرد از ايشان شدت عقوبت خود را . اى گروه مردمان زود باشد كه بيايد بر شما زماني كه سرنگون كرده مى‏شود در او اسلام همچنانكه سرنگون ميشود ظرف با آنچه در او است ، اى جماعت مردمان بدرستى كه خداوند تعالى نگاه داشته شما را از اينكه ظلم و جور نمايد در حق شما و نگه نداشته شما را از اينكه امتحان نمايد شما را ، و گفته در حالتى كه بزرگ است از حيثيت گويندگى إنّ في ذلك لايات و إن كنّا لمبتلين يعني بدرستي كه در اين نشانها و علامتهاى است و اگر چه هستيم ما آزمايش و امتحان كنندگان