و من خطبة له ع و هي من خطب الملاحم

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

و من خطبة له عليه السّلام و هى من خطب الملاحم و المأة و السابعة من المختار فى باب الخطب و شرحها فى فصلين : الفصل الاول ألحمد للّه المتجلّى لخلقه بخلقه ، و الظّاهر لقلوبهم بحجّته ، خلق [ 278 ] الخلق من غير رويّة إذ كانت الرّويّات لا تليق إلاّ بذوي الضّمائر و ليس بذي ضمير في نفسه ، خرق علمه باطن غيب السّترات ، و أحاط بغموض عقايد السّريرات . منها في ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اختاره من شجرة الأنبياء ، و مشكوة الضّياء ، و ذوابة العلياء ، و سرّة البطحاء ، و مصابيح الظّلمة ، و ينابيع الحكمة . منها : طبيب دوّار بطبّه ، قد أحكم مراهمه ، و أحمى مواسمه ، يضع من ذلك حيث الحاجة إليه ، من قلوب عمي ، و آذان صمّ ، و ألسنّة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ، و مواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ، و لم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة ، فهم في ذلك كالأنعام السّائمة ، و الصّخور القاسية ، قد انجابت السّرائر ، لأهل البصائر ، و وضحت محجّة الحقّ لخابطها ، و أسفرت السّاعة عن وجهها ، و ظهرت العلامة لمتوسّمها ، مالي أراكم أشباحا بلا أرواح ، و أرواحا بلا أشباح و نسّاكا بلا صلاح ، و تجّارا بلا أرباح ، و أيقاظا نوّما ، و شهودا غيّبا ، و ناظرة عميا ، و سامعة صمّا ، و ناطقة بكما . [ 279 ] اللغة قد مضى تفسير الملحمة بأنها الحرب و القتال و الوقعة العظيمة فيها و موضع القتال مأخوذة من اشتباك النّاس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسّدى و ( ضمير ) الانسان قلبه و باطنه و ما يضمره من الصّور ، و جمع على الضمائر تشبيها بالسريرة و السّرائر لأنّ باب فعيل إذا كان اسما لمذكر يجمع على أفعلة و فعلان كرغيف و أرغفة و رغفان و ( السّترة ) بالضّم ما استترت به كائنا ما كان و ( السّريرة ) كالسّر هو ما يكتم و ( المشكاة ) كوّة غير نافذة يجعل فيها المصباح أو عمود القنديل الذى فيه الفتيلة أو القنديل . و ( الذّوابة ) بالضم مهموزا النّاصية أو منتهاها من الرأس أو الطّائفة من شعر الرأس و ( العليا ) بالفتح و المدّ كلّ مكان مشرف و السّماء و رأس الجبل و ( السرّة ) ما تقطعه القابلة و سرّة الوادى أفضل مواضعه و ( البطحاء ) و الابطح مسيل واسع فيه زقاق الحصا و ( المراهم ) جمع المرهم و هو دواء مركّب و طلاء لين يطلى به القروح و الجروح قيل إنّه مأخوذ من الراهمة بالكسر و هو المطر الضعيف و ( المواسم ) كالمياسم جمع الميسم و هو المكواة و الحديد الذي يوسم به الخيل و غيرها . و ( قدح ) بالزندرام الايراء به و استخرج النار منه ، و الزّند الذي يقدح به النار و هو الأعلى و السّفلى الزندة بالهاء و الجمع زناد كسهم و سهام و ( ثقبت ) النّار اتقدت و الكواكب أضاءت و ( السّائمة ) من الأنعام خلاف المعلوفة و ( القاسية ) الشديدة الغليظة و ( انجابت ) السّحابة انكشفت و ( المحجّة ) بالفتح جادّة الطريق و ( الخابط ) السّائر على غير هدى و ( سفر ) الصبح و أسفر أضاء ، و أسفرت المرأة عن وجهها كشفت النقاب عنه و ( الشبح ) محركة سواد الانسان و غيره تراه من بعيد و ( النوّم ) و ( الغيب ) وزان ركّع و سجّد جمع نائم و غايب و ( العمى ) و ( الصمّ ) و ( البكم ) كلّها بالضمّ . قال الطّبرسيّ في تفسير قوله سبحانه : [ 280 ] صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . الأصمّ الذي ولد كذلك و كذلك الأبكم و هو الذي ولد أخرس ، و أصل الصمّ السّد فالصمم سدّ الأذن بما لا يقع منه سمع ، و أصل البكم الاعتقال في اللّسان ، و هو آفة يمنع من الكلام ، و أصل العمى ذهاب الادراك بالعين ، و العمى في القلب مثل العمى في العين آفة تمنع من الفهم و يقال : ما أعماه من عمى القلب و لا يقال ذلك في العين و إنما يقال ما أشدّ عماه و ما يجرى مجراه . الاعراب قوله و ليس بذي ضمير في نفسه ، الجار و المجرور متعلّق بمقدر صفة لضمير أى كائن في نفسه ، و يحتمل على بعد أن يجعل في بمعنى على و يكون الظّرف متعلّقا بمقدّر حالا من اسم ليس ، أي ليس هو بصاحب ضمير مستقرّا أو متمكّنا على نفسه ، و الأوّل أظهر و أصحّ لاحتياج الثاني إلى تكلّف و ابتنائه على إعمال الفعل الناقص أعنى ليس في الحال و هو خلاف المشهور . و قوله عليه السّلام طبيب دوّار ، الظاهر أنه خبر محذوف المبتداء أو مذكور في أصل الكلام و أسقطه السيّد ( ره ) حين الالتقاط ، و يحتمل أن يكون مبتدء لكونه نكرة موصوفة ، و جملة يضع آه ، خبره ، و جملة قد أحكم ، حال من فاعل دوّار ، و على الاحتمال الأوّل أعنى جعل طبيب خبرا يجوز جعل جملة يضع استينافا بيانيا و الاشارة بلفظ ذلك إلى طبّه . و حيث ، ظرف مكان ليضع مبنيّه على الضمّ للزوم إضافتها إلى الجمل اسمية أو فعلية نحو جلست حيث زيد جالس و حيث جلس زيد ، قال ابن مالك في منظومة النحو : و ألزموا إضافة إلى الجمل حيث و إذ و إن ينوّن يحتمل و الحاجة ، بالضمّ كما في أكثر النسخ مرفوع على الابتداء ، و خبره محذوف أو فاعل [ 281 ] الفعل محذوف أى حيث كان الحاجة إليه أو حيث الحاجة إليه حاصلة و الجملة مجرورة المحل باضافة حيث إليها ، و في بعض النسخ بجرّ الحاجة و الأوّل أظهر ، لأنّ إضافة حيث إلى المفرد شاذّة كما قال في قوله : ألا ترى حيث سهيل طالعا بجرّ سهيل على إضافة حيث إليه و ربما قيل : بأنّ سهيل مرفوع على الابتداء و خبره محذوف فحيث مضافة إلى الجملة و التقدير حيث سهيل مستقرّ طالعا و متتبّع ، خبر لمبتدء محذوف ، و جملة لم يستضيئوا منصوبة المحلّ على الحالية من مفعول متتبّع ، و قوله : مالى أريكم أشباحا ، استفهام توبيخى ، و لا ، في قوله بلا أرواح و بلا أشباح ، زايدة كما في قولهم جئت بلا زاد و غضبت من لا شي‏ء و معنى الزيادة أنها وقعت بين شيئين متطالبين لا أنها لو اسقطت لم يخلّ المعنى . المعنى اعلم أنّ الفصل الثاني من هذه الخطبة الشريفة في ذكر الملاحم و الاشارة إلى الوقايع العظيمة و الخطوب الّتي تكون بعده ، و هذا الفصل الذي نحن بصدد شرحه مداره على امور ثلاثة . الأوّل تحميد اللّه سبحانه و تمجيده باعتبار نعوته الجلالية و الجمالية . و الثاني تبجيل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تعظيمه و ترجيحه على الأنبياء و الرّسل . و الثالث الاشارة إلى بعض كمالات نفسه و كرامات ذاته و أتبعه بتوبيخ الجاهلين من المخاطبين و غيرهم الغافلين عن اقتباس أنواره و اكتساب فيوضاته اما الاول فهو قوله ( الحمد للّه المتجلّى لخلقه بخلقه ) أى الظّاهر المنكشف لمخلوقاته بواسطة ايجاده و ابداعه المخلوقات بقدرته الشاملة و حكمته الكاملة ، و يجوز أن يكون المصدر الثاني أيضا بمعنى المفعول ، فالمعنى أنه سبحانه تجلّى للخلق و أجلا معرفته لقلوب عباده بما أوجده من المصنوعات و الموجودات حتّى اشبهت كلّ ذرّة منها مرآة ظهر فيها لهم فهم يشاهدونه على قدر قبولهم لمشاهدته و تفاوت مراتب المشاهدة بحسب تفاوت أشعّة ابصار البصائر . [ 282 ] و قد تقدّم في شرح الخطبة الرابعة و الستين في بيان معنى قوله : و كلّ ظاهر غيره غير باطن « آه » تحقيق أنه تعالى أظهر الأشياء و أجليها و أنّ منتهى ظهوره صار سببا لخفائه فليراجع ثمّة ، فانّ هناك فوايد جمّة . ( و الظّاهر لقلوبهم بحجّته ) أى الواضح وجوده لقلوب الّذين أنكروه بأوهامهم و ألسنتهم بقيام حجّته الباهرة ، و أدلّته القاهرة عليهم بذلك ، فانّه سبحانه لم يحجبهم عن واجب معرفته ، و قد مرّ تحقيقه في شرح قوله : فهو الّذي تشهد له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود ، في الخطبة التاسعة و الأربعين . ( خلق الخلق من غير رويّة ) و فكر في كيفيّة خلقه لأنّ الفكر عبارة عن حركة القوّة المفكّرة في تحصيل المطالب من المبادي و انتقالها منها و اليها ، و هى محال عليه سبحانه . أما أولا فلما أشار اليه بقوله : ( اذ كانت الرّويات لا تليق الاّ بذوى الضّماير ) و القلوب و المشاعر البدنيّة ( و ليس بذى ضمير في نفسه ) فليس له سبحانه روية و أما ثانيا فلأنّ فايدة الروية هو تحصيل المطالب المجهولة من المعلومات و الجهل محال على اللّه سبحانه ، و قد تقدّم ذلك في شرح الفصل الثالث من خطبة الاشباح و هى الخطبة التّسعون . ( خرق علمه باطن غيب السّترات ) أى نفذ علمه في كلّ مستتر و غايب بحيث لا يحجبه ستر و لا يستره حجاب ( و أحاط بغموض عقايد السّريرات ) أى بمادقّ و خفى من عقايد أسرار القلوب كما قال تعالى : وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ السِّرَّ و أَخْفى و قد مرّ بيان علمه بالسّرائر في شرح الخطبة الخامسة و الثمانين و أما الثانى منها و هو الذي في ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تبجيله و تعظيمه فهو قوله ( اختاره من شجرة الأنبياء ) استعار عليه السّلام لفظة الشجرة لصنف الأنبياء باعتبار أنّ هذا الصنف له فروع و أثمار و أوراق كالشجرة ، ففروعه أشخاص الأنبياء و آحادهم [ 283 ] و أثماره العلوم و الكمالات و الكرامات التي لهم ، و أوراقه المؤمنون و المخلصون من اممهم ( و مشكاة الضّياء ) قال البحراني ( ره ) استعار عليه السّلام لفظ المشكاة لآل إبراهيم و وجه المشابهة أنّ هؤلاء قد ظهرت منهم الأنبياء و سطع من بينهم أنوار النّبوة و الهداية كما يظهر نور المصباح من المشكاة . أقول : هذا مبنىّ على كون المشكاة بمعنى القنديل أو الكوّة و على كونها بمعنى عمود القنديل الحامل للفتيلة فوجه المشابهة هو أنّ هؤلاء محال أنوار النّبوّة باعتبار أنّ أكثر الأنبياء فيهم كما أنّ المشكاة محلّ النور . ( و ذوابة العلياء ) قال الشارح : و يشبه أن يشير به إلى قريش ، و وجه المشابهة تدلّيهم في اغصان الشرف و العلوّ عن آبائهم كتدلّى ذوابة الشّعر عن الرأس أقول : و هو مبنىّ على كون الذّوابة طايفة من الشعر و أما على كونها بمعنى النّاصية فوجه المشابهة بروز شرفهم و ظهور علوّهم و فضيلتهم ، كما أنّ الناصية بارزة ظاهرة و لها تفضيل على ساير الأعضاء في العزّة و الجلاء . ( و سرّة البطحاء ) أى أوسطها من باب استعمال المقيد في المطلق كالمشفر في شفة الانسان أو أفضلها ، و على كلّ تقدير فالمراد بالبطحاء مكة للمسيل الواسع الذي فيه و يسمّى بالأبطح ، قال الشارح المعتزلي : و بنو كعب بن لوى يفتخرون على بني عامر بن لوى بأنهم سكنوا البطاح و سكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة و سكن معها بنو فهر بن مالك رهط أبي عبيدة بن الجراح و غيره قال الشاعر : فحللت منها بالبطاح و حلّ غيرك بالظّواهر و قال بعض الطالبيّين : و أنا بن معتلج‏البطاح اذا غدا غيرى وراح على متون ظواهر يفترّ عنّى ركنها و حطيمها كالجفن يفتح عن سواد النّاظر كجبالها شرقى و مثل سهولها خلقى و مثل ظبائهنّ مجاورى ----------- ( 1 ) اعتلجوا اتخذوا صراعا و قتالا ، ق [ 284 ] ( و مصابيح الظلمة و ينابيع الحكمة ) استعار عليه السّلام لفظ المصابيح و الينابيع للأنبياء الأدلاّء على الحقّ باعتبار أنهم يهتدى بهم من ظلمة الجهالة و يروى ريّهم من غلل 1 الضّلالة . و أما الثالث منها فهو قوله عليه السّلام ( طبيب دوّار بطبّه ) استعار عليه السّلام لفظ الطبيب لنفسه الشريف باعتبار كونه معالجا لأسقام الأرواح كمعالجة الأطبّاء لأمراض الأبدان ، و ذكر الدّوار ترشيح للاستعارة ، و وصفه به إشارة إلى كماله لأن الدّوار أكثر تجربة و حذاقة من غيره ، و رشحها أيضا بقوله ( قد أحكم مراهمه ) أى أتقنها و منعها من الفساد ، و بقوله ( و أحمى مواسمه ) أى أسخنها و هيّأها ليكوى بها ، و يمكن أن يكونا من باب الاستعارة التمثيلية فيكون المراد باحكام المراهم البشارة بالثواب أو الأمر بالمعروف ، و باحماء المواسم الانذار من العقاب أو النهى عن المنكر . و قوله عليه السّلام ( يضع من ذلك ) أى من طبّه أو من كل مراهمه و مواسمه ( حيث ) كانت ( الحاجة إليه من قلوب عمى ) فيفتح عماها باعدادها لقبول أنوار العلم و الهداية ( و آذان صمّ ) فيشفى صممها و يعدّها لقبول المواعظ و النّصايح ( و ألسنة بكم ) فيعالجها و يعدّها للتكلّم بالحقّ و القول بالصّدق . ( متتبّع بدوائه مواضع الغفلة و مواطن الحيرة ) و هى قلوب الجهّال و ضماير الضّلال ، هذا . و لا يخفى عليك أنّه لو كان الاشارة بلفظة ذلك في قوله عليه السّلام : يضع من ذلك ، إلى المراهم و المواسم لا بدّ أن يكون قوله ، قد أحكم مراهمه و أحمى مواسمه ، من باب التمثيل على سبيل الاستعارة ، إذا المراهم و المواسم بمعناهما الحقيقي لا ينفعان للقلوب المتّصفة بالعمى ، فلا معنى لوضعهما فيها ، و لو كان المشار إليه به الطبّ كان جملة يضع و ما يتلوها إلى قوله : و مواطن الحيرة ، من باب التجريد ، فيكون كلامه جامعا بين الاستعارة التحقيقية و الترشيح و التجريد ، حيث ذكر لفظ الطّبيب و أراد ----------- ( 1 ) محركة العطش ، م [ 285 ] نفسه ، و هو استعارة تحقيقية و قرنها بما يلايم المستعار منه أعنى قوله : دوّار إلى قوله : مواسمه ، و هو الترشيح ، ثمّ قرنها بما يلايم المستعار له أعنى قوله : يضع ، إلى آخر الكلام ، و هو التجريد ، و مثله قول الشاعر : لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم حيث استعار الأسد للرّجل الشجاع و وصفه بشاكى السلاح و هو تجريد لملايمة المستعار له ، و رشحه بذكر اللبد و الأظفار لمناسبة المستعار منه فافهم ذلك و اغتنم . ثمّ لا يخفى عليك أنّ وصفه عليه السّلام القلوب بالعمى باعتبار أنّ القلب جار مجرى العين و غريزة العقل فيه جارية مجرى قوّة البصر في العين و قوّة الابصار لطيفة تفقد في العمى و يوجد في البصير ، و كذلك القوّة العقلانية في القلب الجاهل دون العاقل فنسبة البصيرة الباطنة إلى القلب كنسبة الابصار إلى البصر إلاّ انّه لا مناسبة بينهما في الشرف لأنّ القلب بمنزلة الفارس و البدن بمنزلة الفرس و عمى الفارس أضرّ عليه من عمى الفرس ، و لموازنة البصيرة للبصر الظّاهر سمّاه اللّه تعالى باسمه فقال : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ . سمّى إدراك الفؤاد رؤية كما سمّى عدم إدراكه عمى في قوله : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي في الصُّدُورِ و في قوله مَنْ كانَ في هذِه‏ أَعْمى فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبيلاً . و لمّا كان عمى القلب أضرّ على الانسان من عمى البصر ، و معالجته أهمّ أثر القلوب على الأبصار و قال : و قلوب عمى ، و لم يقل و أبصار عمى ، و قد استفيد من كلامه عليه السّلام أنّ القلوب و الآذان و الألسنة الموصوفة بالأوصاف المذكورة كلّها مريضة محتاجة إلى الطبيب . [ 286 ] و هو كذلك ، فانّ كلّ عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاصّ به و مرضه أن يتعذّر عليه فعله الذي خلق لأجله حتّى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه بنوع من الاضطرار . فمرض اليد أن يتعذّر عليها البطش ، و مرض الاذن أن يتعذّر عليها السّماع و مرض العين أن يتعذّر عليها الابصار ، و مرض اللسان أن يتعذّر عليه التكلّم ، و مرض القلب أن يتعذّر عليه فعله الخاص الذي خلق لأجله و هو العلم و الحكمة و المعرفة و حبّ اللّه و عبادته و التلذّذ بذكره و إيثاره ذلك على غيره و الاستعانة بجميع الأعضاء عليه كما قال : وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْس إِلاّ لِيَعْبُدُونَ ففي كلّ عضو فايدة مخصوصة ، و فائدة القلب الحكمة و المعرفة و خاصية النفس التي للآدمى ما يتميّز بها عن البهايم ، فانه لم يتميّز عنها بالقوّة على الأكل و الوقاع و الابصار و نحوها ، بل بمعرفة الأشياء على ما هى عليه و أصل الأشياء و موجدها و مخترعها هو اللّه سبحانه ، فلو عرف كلّ شي‏ء و لم يعرف اللّه تعالى فكأنه لم يعرف شيئا ، و هو علامة لمرض قلبه كما أنّه لو لم يؤثر المواعظ و النصايح فى اذنه ، و العبر و الآيات في نظره و لم يجرى الحقّ على لسانه عرف بذلك أنّ هذه الجوارح منه مريضة ، لكونها علامات لمرضها يستدلّ بها عليها فلا بدّ له من معالجتها و الخلاص من ألمها . و ربّما يحصل له الغفلة عن مرضه فلا يمكن له العلاج بنفسه ، فيلزم حينئذ وجود طبيب حاذق دوّار بطبّه لينبّهه على مرضه و يداوى له ، و ليس ذلك إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام و الطيّبون من أولاده ، فانّ غيرهم من الأطبّاء أعنى ساير العلما قد استولى عليهم المرض ، و الطبيب إذا كان بنفسه مريضا كيف يعالج غيره ، فهو طبيب الهى متتبّع بدوائه مواضع الغفلة و مواطن الحيرة معالج لأمراض القلوب و أسقام الأرواح و النفوس و آفات الأعضاء و المشاعر . [ 287 ] و قد روى بعض القدماء في أصل له عن الرّضا عليه السّلام مسندا عن عمّار بن ياسر قال : بينا أنا أمشي بأرض الكوفة إذ رأيت أمير المؤمنين عليه السّلام جالسا و عنده جماعة من الناس ، و هو يصف لكلّ انسان ما يصلح له ، فقلت له : يا أمير المؤمنين أيوجد عندك دواء الذنوب ؟ فقال عليه السّلام : نعم اجلس ، فجثوت على ركبتى حتى تفرّق عنه النّاس ، ثمّ أقبل علىّ و قال : خذ دواء أقول لك ، قال : قلت : قل يا أمير المؤمنين ، قال عليه السّلام : عليك بورق الفقر ، و عروق الصبر ، و هليلج الكتمان ، و بليلج الرضا ، و غاريقون الفكر ، و سقمونيا الأحزان و اشربه بماء الأجفان ، و أغله في طبخير الغلق ، و دع تحت نيران الفرق ، و صفّه بمنخل الأرق ، و اشرب على الحرق ، فذاك دواؤك و شفاؤك يا عليل . و روى في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري عن عليّ بن الحسين زين العابدين عليهم السّلام أنه قال : كان أمير المؤمنين عليه السّلام قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدعين للفلسفة و الطبّ ، فقال له : يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك و أنّ به جنونا و جئت لاعالجه فلحقته قد مضى لسبيله و فاتنى ما أردت من ذلك ، و قد قيل لي : إنّك ابن عمّه و صهره و أرى بك صفارا قد علاك و ساقين دقيقين و ما اريهما تقلانك 1 فأما الصّفار فعندى دوائه ، و أما السّاقان الدّقيقان فلا حيلة لتغليظهما و الوجه أن ترفق بنفسك في المشى تقلّله و لا تكثره و فيما تحمله على ظهرك و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما ، فانّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما 2 و أما الصفّار فدواؤه عندى و هو هذا . و اخرج دواء و قال : هذا لا يؤذيك و لا يخيّسك و لكنه يلزمك حمية من اللّحم أربعين صباحا ثمّ يزيل صفارك . فقال له عليّ عليه السّلام : قد ذكرت نفع هذا الدّواء الصفّارى فهل تعرف شيئا يزيد فيه و يضرّه ؟ فقال الرّجل : بلى حبّة من هذا و أشار الى دواء معه ، و قال : إن تناوله الانسان و به صفار أماته من ساعته و إن كان لاصفار به صار به صفار حتى يموت في يومه . ----------- ( 1 ) أى تحملانك من اقللته أى حملته . ----------- ( 2 ) القصف الكسر [ 288 ] فقال عليه السّلام له فأرنى هذا الضارّ ، فأعطاه ايّاه فقال له عليه السّلام كم قدر هذا ؟ قال قدر مثقالين سمّ ناقع قدر كلّ حبّة منه يقتل رجلا ، فتناوله عليّ عليه السّلام فقمحه و عرق عرقا خفيفا و جعل الرّجل يرتعد في نفسه و يقول : الآن اوخذ بابن أبي طالب و يقال قتلته و لا يقبل مني قولي انه هو الجانى على نفسه ، فتبسّم عليّ عليه السّلام و قال : يا عبد اللّه أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرنى ما زعمت أنه سمّ ثمّ قال عليه السّلام : فغمّض عينيك فغمض ثمّ قال : افتح عينيك ففتح و نظر إلى وجه عليّ عليه السّلام فاذا هو أبيض أحمر مشرب الحمرة فارتعد الرجل لما رآه ، فتبسّم عليّ عليه السّلام و قال : أين الصفّار الذي زعمت أنه بي ؟ فقال : و اللّه لكأنّك لست من رأيت قبل كنت مصفارا و أنت الآن مورّد فقال عليّ عليه السّلام : فزال عنى الصّفار بسمّك الذى تزعم أنه قاتلى . و أمّا ساقاى هاتان و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه ، فانّك زعمت أني احتاج إلى أن ارفق ببدني في حمل ما احمل عليه لئلا ينقصف السّاقان و أنا اريك أنّ طبّ اللّه عزّ و جلّ طبّ خلاف طبّك ، و ضرب بيده إلى اسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه و فوقه حجرتان احديهما فوق الاخرى و حرّكها فاحتملها فارتفع السّطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان . فغشى على اليوناني فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : صبّوا عليه ماء فصبّوا عليه ماء فأفاق و هو يقول : و اللّه ما رأيت كاليوم عجبا ، فقال له ، عليّ عليه السّلام هذه قوّة السّاقين الدّقيقين و احتمالهما أفي طبك هذايا يوناني . فقال اليوناني : أمثلك كان محمّد ؟ فقال عليّ عليه السّلام : و هل علمي إلاّ من علمه ، و عقلي إلاّ من عقله و قوّتى إلاّ من قوّته ، لقد أتاه الثقفي و كان أطبّ العرب فقال له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إن كان بك جنون داويتك ، فقال له محمّد صلّى اللّه عليه و آله أتحبّ أن اريك آية لتعلم بها غناى عن طبّك و حاجتك إلى طبّي ؟ فقال : نعم ، قال : أيّ آية تريد ؟ قال : تدعو إلىّ ذلك العذق 1 و أشار الى نخلة سحوق فدعاها فانقلع أصلها من الأرض ----------- ( 1 ) العذق بالفتح النخلة بحملها و السحوق من النخلة الطويلة ، ق [ 289 ] و هي تخدّ الأرض خدّا حتى وقفت بين يديه ، فقال عليه السّلام له : أكفاك ؟ قال : لا ، قال : فتريد ماذا ؟ قال : تأمرها أن ترجع إلى حيث جائت منه و تستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه ، فأمرها ، فرجعت و استقرّت في مقرّها . فقال اليوناني لأمير المؤمنين عليه السّلام : هذا الذى تذكره عن محمّد غايب عني ، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك ، أنا أتباعد عنك فادعنى و أنا لا أختار الاجابة ، فان جئت بي إليك فهو آية . فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : هذا إنما يكون آية لك وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم ترده و إنّي لازلت اختيارك من غير أن باشرت منى شيئا أو ممّن أمرته بأن يباشرك ، أو ممن قصد إلى اجبارك و ان لم امره الاّ ما يكون من قدرة اللّه القاهرة و أنت يا يوناني يمكنك ان تدعى و يمكن غيرك أن يقول انى و اطاعتك على ذلك ، فاقترح ان كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين . قال اليوناني إن جعلت الاقتراح إلىّ فأنا أقترح أن تفصّل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها و تباعد ما بينها ثمّ تجمعها و تعيدها كما كانت . فقال عليّ عليه السّلام : هذه آية و أنت رسولي إليها يعني إلى النخلة فقل لها : إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأمر أجزائك أن تفترق و تتباعد . فذهب فقال لها : فتفاصلت و تهافتت و تناثرت و تصاغرت أجزائها حتّى لم يرلها عين و لا أثر حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط . فارتعدت فرائض اليوناني و قال : يا وصيّ محمّد رسول اللّه قد أعطيتني اقتراحي الأوّل فاعطني الآخر فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت . فقال عليّ عليه السّلام : أنت رسولي اليها فعد فقل لها : يا أجزاء النخلة إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه يأمرك أن تجتمعي و أن تعودى كما كانت . فنادى اليوناني فقال ذلك : فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور ثمّ جعلت تجتمع جزء جزء منها حتى تصوّر لها القضبان و الأوراق و اصول السّعف و شماريخ الاعذاق ثمّ تألّفت و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مستقرّها و تمكّن [ 290 ] عليها ساقها و ترقت على الساق قضبانها و على القضبان أوراقها و في اكمتها أعذاقها و كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرّطب و البسر و الخلال . فقال اليوناني : و اخرى احبّ أن تخرج شماريخها خلالها و تقلّبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ أتاه لتأكل و تطعمني و من حضرك منها فقال عليّ عليه السّلام : أنت رسولي اليها بذلك فمرها به . فقال لها اليوناني يأمرك أمير المؤمنين عليه السّلام بأن تظهرى لنا رطبا فأخلت ، و أبسرت و اصفرت و احمرت و ترطبت و ثقلت اعذاقها برطبها . فقال اليوناني : و اخرى احبّها أن تقرّب من بين يدى أعذاقها أو تطول يدى لتناولها و أحبّ شي‏ء إلى أن تنزل إلى احديها و تطول يدى إلى الاخرى الّتي هي اختها . فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : مد اليد التي تريد أن تناولها و قل يا مقرّب البعيد قرّب يدي منها ، و اقبض الاخرى التي تريد أن ينزل العذق اليها و قل يا مسهلّ العسير سهّل لى تناول ما يبعد منها ، ففعل ذلك و قاله : فطالت يمناه فوصلت إلى العذق ، و انحطت الاعذاق الاخر فسقطت على الأرض و قد طالت عراجينها ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّك إن أكلت منها و لم تؤمن بمن أظهر لك عجايبها عجّل اللّه عليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم . فقال اليوناني : إني إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد و تناهيت في التعرّض للهلاك ، أشهد أنّك من خاصة اللّه صادق في جميع أقوالك عن اللّه فأمرني بما تشاء أطعتك . قال على عليه السّلام : آمرك أن تفرد اللّه بالوحدانية و تشهد له بالجود و الحكمة و تنزّهه عن العبث و الفساد ، و عن ظلم الاماء و العباد ، و تشهد أنّ محمّدا الذي أنا وصيّه سيّد الأنام ، و أفضل رتبة اهل الاسلام « دار السلام خ » ، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك ، و أولاك من النّعم ما أولاك خير خلق اللّه بعد محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أحقّ [ 291 ] خلق اللّه بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعده و بالقيام لشرايعه و أحكامه ، و تشهد أنّ أوليائه أولياء اللّه و أعدائه أعداء اللّه ، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلفتك المساعدين لك على ما به أمرتك خير امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صفوة شيعته . و آمرك أن تواسى اخوانك المطابقين لك على تصديق محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تصديقي ، و الانقياد له ولى ممّا رزقك اللّه و فضّلك على من فضّلك به منهم ، تسدّ فاقتهم ، و تجبر كسرهم ، و خلّتهم ، و من كان منهم في درجتك في الايمان ساويته في مالك بنفسك و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بمالك على نفسك حتى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عندك من مالك ، و إنّ أوليائه أكرم عليك من أهلك و عيالك . و آمرك ان تصون دينك و علمنا الذي أودعناك و أسرارنا التي حملناك و لا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد و يقابلك من أجلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن و لا تفش سرّنا إلى من يشنع علينا و عند الجاهلين بأحوالنا و يعرّض أوليائنا لبوادر الجهال . و آمرك أن تستعمل التّقية في دينك فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْ‏ءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقيةً و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه ، و في إظهار البرائة منا إن حملك الوجل عليه ، و في ترك الصلاة المكتوبات إذا خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات ، فانّ تفضيلك أعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا ، و إنّ إظهار برائتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا ، و لأنّ تتبرّء منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التى بها قوامها و مالها الذي به قيامها و جاهها الذي به تماسكها و تصول من عرف بك و عرفت به من أوليائنا و إخواننا و أخواتنا من بعد ذلك بشهور و سنين إلى ان يفرّج اللّه تلك الكربة و تزول تلك النعمة فانّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك ، و تنقطع به عن عمل في الدّين و صلاح [ 292 ] اخوانك المؤمنين . و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بها ، فانك شايط بدمك و دماء إخوانك ، معرّض لنعمك و نعمتهم على الزّوال ، مذلّ لك و لهم في أيدى أعداء دين اللّه ، و قد أمرك اللّه باعزازهم ، فانك إذا خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا . و قد ذكرت الرواية بتمامها على طولها لاشتمالها على مناقب دثرة و فوائد جمّة ، و تضمّنها توضيح الطب الالهي . ثمّ انه عليه السّلام لما وصف نفسه بدورانه بطبّه و تتبّعه بدوائه مواضع الغفلة و مواطن الحيرة ، و تفقّده حال مرضاء القلوب و الأفئدة أردفه بتوبيخ الغافلين الحائرين الجاهلين المفتونين بعدم رجوعهم إليه و تداويهم به و اهتدائهم بأنواره و أخذهم من علومه و حكمه و بقائهم على مرضهم و ابتلائهم بالآلام و الأسقام فقال عليه السّلام : ( لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ) أى لم يكتسبوا شيئا من أنوار العلوم و الأخلاق الفاضلة ( و لم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة ) أى لم يستخرجوا المطالب الحقّة بالعلوم المضيئة استخراج النّار بالزناد ( فهم في ذلك ) المعنى أى في عدم الاستضائة و القدح ( كالأنعام السّائمة ) في الغفلة و الانخراط في سلك الغضب و الشهوة بل هم أضلّ سبيلا ( و الصخور القاسية ) في القساوة و عدم اللّين بسماع الآيات الحقة كما قال تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثمّ قال عليه السّلام ( قد انجابت السّرائر لأهل البصاير ) أى انكشفت ، قال العلاّمة المجلسيّ ( ره ) : و المراد بالسرائر ما أضمره المعاندون للحقّ في قلوبهم من اطفاء نور اللّه و هدم أركان الشريعة ، و قال الشارح البحرانيّ : اشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسيّة و لأهل البصائر من استيلاء بني امية و عموم ظلمهم أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها . ( و وضحت محجّة الحقّ لخابطها ) أى لمن سارفيها على غير هدى ، و لعلّ [ 293 ] المراد به الاشارة إلى عدم العذر للخابطين في خبطهم و جهالاتهم مع وضوح معالم الدّين و التنبيه على أنّ ضلالهم ليس لخفاء الحقّ ، بل للاصرار على الشّقاق و النفاق . ( و أسفرت الساعة عن وجهها ) و هذه الفقرة و ما يتلوها واردة في مقام التحذير و الانذار بقرب القيامة و شبهها بانسان مقبل و أثبت لها الوجه الذي هو من خواصّ المشبّه به على سبيل الاستعارة التخييلية ، فانّ أول ما يبدو من الشخص المقبل وجهه و ذكر الاسفار ترشيح . ( و ظهرت العلامة لمتوسّمها ) أى لمتفرّسها قال المجلسيّ ( ره ) : و المراد باسفار الساعة و ظهور العلامة قرب القيامة بعدم بقاء نبيّ ينتظر بعثته و ظهور الفتن و الوقايع التي هي من أشراطها . ( مالى أراكم أشباحا بلا أرواح و أرواحا بلا أشباح ) هذا الكلام يفسّر بوجوه أحدها أنّ المراد بالفقرة الأولى تشبيههم بالجمادات و الأموات في عدم انتفاعهم بالعقل و عدم تأثير المواعظ فيهم كما قال تعالى : كأنّهم خشب مسنّدة ، و بالفقرة الثانية التنبيه على خفتهم و طيشهم . الثّاني أنّ المراد الاشارة إلى قصورهم عما يراد بهم من القيام بأمر الجهاد و التنبيه على أنّ بعضهم بمنزلة الميّت و الجماد و كجسد بلا روح و بعضهم له عقل و فهم و لكن لا قوّة له على الحرب كروح بلا جسد ، فانّ الروح غير ذات الجسد ناقصة عن الاعتماد و التّحريك اللّذين كانا من فعلها ، حيث كانت تدبّر الجسد فالمقصود أنّ الجميع عاطلون عمّا يراد منهم . الثالث أنّه كناية عن عدم نهوض بعضهم إلى الحرب دون بعض إذا دعوا إليه كما يقوم البدن بدون الرّوح و الرّوح بدون البدن . الرّابع أنّ المراد أنّهم إذا خافوا ذهلت عقولهم و طارت ألبابهم و كانوا كأجسام بلا أرواح ، و إذا آمنوا تركوا الاهتمام بامورهم كأنهم أرواح لا تعلّق لها بالأجسام . ( و نسّا كابلا صلاح ) أى عبّادا ليست عبادتهم على وجه الخلوص و بالوجه المأمور به مقرونة بالشرايط المعتبرة ، فانّ منها معرفة الامام و طاعته . [ 294 ] ( و تجارا بلا أرباح ) لعدم ترتّب الثواب أو المنفعة على أعمالهم ( و أيقاظا نوّما ) أى أيقاظا بأجسامهم و نوّما بنفوسهم في مراقد الطبيعة و مماهد الغفلة ( و شهودا غيّبا ) أى شاهدين بأبدانهم غائبين بعقولهم عن التّفطن للمطالب الحقة و التلقّى لأنوار الهداية ( و ناظرة عميا ) أى ناظرة الأبصار عميا بالبصاير ( و سامعة صمّا ) أى سامعة بالآذان صمّا بالقلوب ( و ناطقة بكما ) أى ناطقة بالألسن الظاهر بكما بالمشاعر الباطنة . و استعارة لفظ العمى و الصمّ و البكم لهم مع توصيفهم بأضدادها باعتبار تقصيرهم و قصورهم عن النظر في آيات اللّه و السّماع لنداء اللّه و القول بكلام اللّه فهؤلاء حيث لم ينتفعوا بالأبصار و الألسن و الآذان صاروا بمنزله : صمّ بكم عمى فهم لا يعقلون . الترجمة و از جمله خطب شريفه آن إمام مبين و حبل اللّه المتين است ، و آن از جمله خطبها ئيست كه ذكر فرموده در آن حوادث روزگار و فتنهاى خونخوار را چنانچه فرموده : حمد بيقياس معبود بحق را سزاست كه ظاهر است و هويدا بخلق خود بسبب ايجاد فرمودن مخلوقات خود ، و آشكار است از براى قلوب منكرين با دليلهاى روشن و متين خود ، خلق كرد مخلوقات را بدون فكر و رويّه از جهة اينكه فكرها لايق نيست مگر بصاحبان قلبها و نيست خداوند متعال صاحب قلب در نفس خود ، و نافذ شد و دريد علم او باطن آنچه كه غايب است از امور مستوره ، و اجاطه كرد به پنهانى عقيدهاى غير ظاهره . بعض ديگر از اين خطبه در ذكر اوصاف حضرت خاتم الأنبياء عليه آلاف التحية و الثنا است چنانچه ميفرمايد : اختيار نمود حضرت عزّت آن جناب را از شجره طيبه پيغمبران ، و از چراغدان روشنى و از چنين مكان عالى و از نافه مكّه معظمه و از چراغهاى تاريكى و ظلمت و از [ 295 ] چشمه‏هاى علم و حكمت . بعض ديگر از اين خطبه اشاره است بفضايل خود و ملامت اصحاب ميفرمايد طبيبى است حاذق كه بسيار گردنده است با طب خود در حالتى كه محكم نموده مرهمهاى خود را ، و گرم نموده آلتهاى داغ خود را ميگذارد آن طبيب طبّ خود را بمحلي كه حاجت بوده باشد بآن از قلبهاى كور و گوشهاى كر و زبانهاى كنك ، تتبع كننده است آن طبيب بدواى خود محلّهاى غفلت و موطنهاى حيرت را كسب روشنى نكرده‏اند ايشان بروشنيهاى حكمت و عرفان ، و آتش نيفروخته‏اند بآتش زنه‏هاى علمهاى درخشان ، پس ايشان در اين ظلمت و غفلت مانند چهارپايان چرا كننده هستند ، و مثل سنگهاى سخت ميباشند . بتحقيق كه منكشف ظاهر شد سرها بجهة أهل بصيرت‏ها ، و واضح و روشن گرديد جادّه حق از براى خبط كننده گمراه ، و كشف نقاب نمود قيامت از روى خود ، و ظاهر گشت علامت قيامت از براى دريابنده آن بفراست . چيست مرا كه ميبينم شما را قالبهاى بى‏روح ، و روحهاى بى‏غالب ، و عبادت كنندگان بيصلاحيت ، و تجارت كنندگان بى‏منفعت ، و بيداران خواب رفته ، و حاضران غايب شونده ، و بينايان كور ، و شنوندگان كر ، و گويندگان لال ، يعني شما بحسب مشاعر ظاهره بيدار و حاضر و بصير و سميع و ناطق ميباشيد ، و بملاحظه مشاعر باطنه در خواب و غايب و كور و كر و لال هستيد . الفصل الثانى راية ضلالة قد قامت على قطّبها ، و تفرّقت بشعبها ، تكيلكم بصاعها ، و تخبطكم بباعها ، قآئدها خارج من الملّة ، قآئم على الضّلّة ، فلا يبقى يومئذ منكم إلاّ ثفالة كثفالة القدر ، أو نفاضة كنفاضة [ 296 ] العكم ، تعرككم عرك الأديم ، و تدوسكم دوس الحصيد ، و تستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطّير الحبّة البطينة من بين هزيل الحبّ . أين تذهب بكم المذاهب ، و تتيه بكم الغياهب ، و تخدعكم الكواذب ، و من أين تؤتون ، و أنّى تؤفكون ، و لكلّ أجل كتاب ، و لكلّ غيبة إياب ، فاستمعوه من ربّانيّكم ، و أحضروه قلوبكم ، و استيقظوا إن هتف بكم ، و ليصدق رائد أهله ، و ليجمع شمله ، و ليحضر ذهنه ، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة ، و قرفه قرف الصّمغة ، فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه ، و ركب الجهل مراكبه ، و عظمت الطّاغية ، و قلّت الدّاعية ، وصال الدّهر صيال السّبع العقور ، و هدر فنيق الباطل بعد كظوم ، و تواخى النّاس على الفجور ، و تهاجروا على الدّين ، و تحابّوا على الكذب ، و تباغضوا على الصّدق . فإذا كان ذلك كان الولد غيظا ، و المطر قيظا ، و تفيض اللّثام فيضا و تغيض الكرام غيضا ، و كان أهل ذلك الزّمان ذئابا ، و سلاطينه سباعا ، و أوساطه أكّالا ، و فقرائه أمواتاه و غار الصّدق ، و فاض الكذب ، و استعملت المودّة باللّسان ، و تشاجر النّاس بالقلوب ، و صار الفسوق نسبا ، و العفاف [ 297 ] عجبا ، و لبس الإسلام لبس الفر و مقلوبا . اللغة ( القطب ) حديدة تدور عليها الرّحى و ملاك الأمر و مداره ، و سيّد القوم و ( الشعب ) بضم الأوّل و فتح الثاني جمع شعبة كغرفة و غرف و هي الطائفة من الشي‏ء ، و من الشجرة الغصن المتفرّع منها ، و في بعض النسخ لشعبها بفتح الأوّل و سكون الثاني وزان فلس و هى القبيلة العظيمة . و ( الخبط ) بالفتح ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها ، و خبط البعير الأرض بيده ضربها و ( الباع ) قدر مدّ اليدين و ( ثفالة ) القدر بالضمّ ما سفل فيه من الطبيخ و الثقل ما استقرّ تحت الشي‏ء من الكدر و ( النفاضة ) بالضمّ ما سقط من المنفوض من نفض الثوب حرّكه لينتفض و ( العكم ) بالكسر العدل و نمط تجعل فيه المرئة ذخيرتها . و ( داس ) الرّجل الحنطة دقّها ليخرج الحبّ من السّنبل و ( البطينة ) السّمينة و ( الهزيل ) ضدّ البطين و ( تاه ) يتيه تيها بالفتح و الكسر تحيّر و ( الغيهب ) الظلمة و الشديد السّواد من الليل و ( تؤتون ) بالبناء على المفعول و ( الرّباني ) منسوب إلى الربّ و فسّر بالمتألّه العارف باللّه ، أو الذي يطلب بعلمه وجه اللّه ، أو العالم العامل المعلّم و ( الرائد ) الذى يتقدّم القوم يبصر لهم الكلاء و مساقط الغيث و ( الفلق ) الشقّ و ( الخرزة ) محرّكة الجوهر و ما ينظم و ( قرفت ) الشي‏ء قرفا من باب ضرب قشرته . و ( الصمغ ) ما ينحلب من شجر العضا و نحوها و في القاموس و لكلّ شجر صمغ و الصمغ العربي غراء القرظ و الواحدة صمغة و الجمع ضموغ مثل تمر و تمرة و تمور في المثل ، و تركته على مثل مقرف الصمغة ، و يروى مقلع لأنّ الصمغة إذا قرفت لم يبق لها أثر . [ 298 ] و ( الهدر ) ترديد الصوت في الحنجرة من غير شقشقة و ( الفنيق ) بتقديم النون على الياء وزان أمير الفحل المكرّم لا يوذى لكرامته على أهله و لا يركب و ( الكظوم ) الامساك و السّكوت و ( القيظ ) بالظاء صميم الصّيف و في بعض النسخ فيضا بالضاد أى كثيرا . و ( اكاّلا ) بالضمّ و التّشديد جمع آكل مثل طلاّب و قال الشّارح المعتزلي بعد روايته أكالا بفتح الهمزة و تخفيف الكاف يقال ما ذقت أكالا أى طعاما ، ثمّ قال : و في هذا الموضع اشكال لأنه لم ينقل هذا الحرف إلاّ في الجحد خاصة كقولهم ما بها صافر فالأجود الرّواية الاخرى و هى آكالا بمدّ الهمزة على افعال جمع أكل و هو ما اكل كقفل و أقفال ، و قد روى أكالا بضم الهمزة على فعال و قالوا إنه جمع أكل كعرق و عراق و ظئر و ظؤار إلاّ أنّه شاذّ عن القياس و وزن واحدهما مخالف لوزن اكال لو كان جمعا و ( غار ) الماء في الأرض ذهب و ( فاض ) أى كثر حتى سال . الاعراب قوله راية ضلالة خبر لمبتداء محذوف ، و جملة تعر ككم ، إمّا صفة لراية أو حال من فاعل قامت ، و الباء في قوله عليه السّلام اين تذهب بكم المذاهب ، للتعدية ، و كذا في قوله تتيه بكم ، و إن ، في قوله عليه السّلام إن هتف بكم ، بكسر الهمزة شرطية و في بعض النسخ بالفتح فيكون مصدريّة أى لتهافه بكم ، و فاعل فلق راجع إلى الرائد ، و الطّاغية فاعل عظمت و هو مصدر بمعنى الطّغيان و قيل إنه صفة لمحذوف أى الفئة الطّاغية ، و كذا الداعية تحتمل الوجهين . المعنى أعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام منقطع عمّا قبله التقطه السّيد ( ره ) من كلامه و أسقط ما قبله على ما هو عادته في الكتاب و لعلّه إشارة إلى ما يأتي و يحدث فى آخر الزمان من الفتن كظهور السّفياني و غيره و لما كان المخبر به محقق [ 299 ] الوقوع لكونه مأخوذا من معدن الرسالة متلقى من الوحى الالهى بدء الكلام بالجملة الماضويّة مقرونة بحرف التحقيق فقال عليه السّلام ( راية ضلالة ) أى هذه راية ضلالة ( قد قامت على قطبها ) و هو كناية عن انتظام أمرها ( و تفرّقت بشعبها ) أى بطوايفها فيكون كناية عن انتشار فتنها في الآفاق و تولّد فتن اخرى عنها أو بفروعها فيكون استعارة تشبيها لها بالشجرة ذات الأغصان المتفرّعة عنها . و في شرح المعتزلي ليس التفرّق للرّاية نفسها بل لنصارها و أصحابها ، فحذف المضاف و معنى تفرّقهم أنهم يدعون إلى تلك الدّعوة مخصوصة في بلاد متفرّقة أى تفرّق ذلك الجمع العظيم في الأقطار و اعين إلى أمر واحد انتهى . أقول : هذا المعنى مبنىّ على رواية شعبها بسكون العين ، و على ذلك فلا حاجة إلى تقدير المضاف إذ نصّ معنى الكلام على ذلك أنه تفرّقت راية الضلالة بقبيلتها . و قوله : ( تكيلكم بصاعها ) بصيغة المضارع جريا على الأصل لكون المخبر به من الامور المستقبلة ، و هو استعارة بالكناية ، و المراد به أنها تأخذكم للاهلاك زمرة زمرة كالكيال يأخذ ما يكيل جملة جملة ، أو أنه يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم و يتلاعبون بكم يرفعونكم و يضعونكم كما يفعل كيال البرّ به إذا كاله بصاعه ، أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللاّم كما في قوله تعالى : و إذا كالوهم ، اى تحملكم على دينها و دعوتها و تعاملكم بما يعامل به من استجاب لها ، أو تفرز لكم من فتنتها شيئا و يصل إلى كلّ منكم نصيب منها . ( و تخبطكم بباعها ) أى تضربكم بيدها كالضارب للشجر بعصاه أو البعير الضارب بيده الأرض و على الوجهين يفيد الذلّة و الانقهار ، و التعبير بالباع دون اليد لكونه أبلغ في افادة قوّة الخبط . ( قائدها خارج عن الملّة ) أى ملّة الاسلام ( قائم على الضلّة ) أى مصرّ على الضلال ( فلا يبقى يومئذ ) أى يوم قيامها على قطبها و تفرّقها بشعبها ( منكم إلاّ ثفالة كثفالة القدر ) و استعار لفظ الثفالة للبقيّة منهم باعتبار عدم الخير و المنفعة فيهم [ 300 ] و بملاحظة كونهم من الأرذال ليس لهم ذكر بين الناس و لالهم شهرة و لا يعتنى بقتلهم كما لا يعتنى بثفالة القدر و لا يلتفت إليها . و كذلك الكلام في قوله ( أو نفاضة كنفاضة العكم ) و المراد بها ما يبقي في العدل بعد التخلية من غبار أو بقية زاد لا يعبأ بها فينتفض ( تعر ككم عرك الأديم ) أى تدلككم و تحككم كما يدلك الجلد المدبوغ و يحكّ ، و أراد به تغليب الفتن لهم و تذلّلهم بها ( و تدوسكم دوس الحصيد ) أى تدقكم دقّ الزرع المحصود المقطوع و أشار به إلى منتهى ذلّتهم و اهانتهم . ( و تستخلص المؤمن ) أى تشخصه لنفسه ( من بينكم ) مثل ( استخلاص الطير الحبّة البطينة ) السمينة ( من بين هزيل الحبّ ) و الغرض به أنها شخص المؤمن بالقتل و الأذى و ايقاع المكروه به و تستخلصه من بين ساير الناس بشدّة النكاية و الأذيّة . ثمّ استفهم عليه السّلام عنهم على سبيل التقريع لهم و التوبيخ ببقائهم على ضلالتهم و قال ( اين تذهب بكم المذاهب ) أى الطرق المنحرفة عن الحقّ ، و المراد بها العقايد الفاسدة ، و اسناد الاذهاب إليها على المجاز مبالغة ( و تتيه بكم الغياهب ) أى تجعلكم ظلمات الجهالات تائها متحيّرا في بوادي الضّلال ( و تخدعكم الكواذب ) أى تمكر بكم الامنيات الكاذبة و الأوهام الباطلة التي لا أصل لها . كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمانُ مآءً حَتّى‏ إِذا جائَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . ( من أين تؤتون ) أى من أىّ جهة و طريق يأتيكم من يضلّكم من الشّياطين أو تأتيكم تلك الأمراض المزمنة ( و أنّى تؤفكون ) أى كيف 1 تصرفون عن قصد ----------- ( 1 ) هذه التفاسير مبنية على الاختلاف فى معنى أنّى الاستفهامية فقيل انها بمعنى كيف و قيل بمعنى اين و قيل بمعنى متى و الى كلّ ذهب فريق فى قوله تعالى : نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم و بذلك اختلف آراء الفقهاء فى مسئلة جواز الوطى فى الدبر ، منه . [ 301 ] السبيل أو أين تقلبون و تذهبون ، أو متى يكون انصرافكم عن الغفلة و الجهالة . و قوله ( فلكلّ أجل كتاب و لكلّ غيبة إياب ) يحتمل أن يكون منقطعا عمّا قبله و يكون بينه و بين ما قبله ما يربطه به فأسقط السيد ( ره ) على مجرى عادته و أن يكون متّصلا به ، فانه لما استفهم عن تيههم و انخداعهم و تقلّبهم توبيخا و تقريعا و تنبيها على غفلتهم عن الحقّ أردفه بذلك توكيدا لما أراد و أشار به الى أنهم ليسوا بمهملين ، بل كلّ ما عملوه في زمان الغفلة محفوظ مكتوب و أنهم ليسوا في الدّنيا بباقين ، و سوف يخرجون منها و ينزعون فيكون تهديدا لهم بالاشارة إلى قرب الموت و أنهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم ، و المعنى أنه لكلّ أمد و وقت حكم مكتوب على العباد ، و لكلّ غيبة إياب و رجوع . ثمّ أكّده ثانيا بقوله ( فاستمعوا من ربّانيّكم ) اى اصغوا الحكم و المواعظ و ما ينجيكم من الرّدى و يدلّكم على الرّشاد من المتألّه العارف باللّه المبتغى بعلمه وجه اللّه سبحانه ، و أراد به نفسه الشريف ( و أحضروه قلوبكم ) أراد إقبالهم بكلّهم إليه لا الغيبة بالقلوب و الحضور بالأبدان فقط ( و استيقظوا ان هتف بكم ) أى استيقظوا من نوم الغفلة إن ناداكم و تنبّهوا من رقدة الضلّة إن دعاكم ( و ليصدق رائد أهله ) أى وظيفة الرائد أن يصدق ، و في المثل : الرائد لا يكذب أهله . و لعلّ المراد بالرائد نفسه أى وظيفتي الصدق فيما اخبركم به ممّا تردون عليه من الامور المستقبلة في الدّنيا و الآخرة ، كما أنّ وظيفتكم التوجّه و الاستماع و احضار القلب ( و ليجمع شمله ) أى ما تشتّت من أمره ، و المراد به الأفكار و العزايم أى يجب علىّ نصحكم و تذكيركم بقلب فارغ من الخطرات و الوساوس ، و التوجّه إلى هدايتكم و إرشادكم باقبال تامّ ، و يجوز أن يراد بالشّمل من تفرّق من القوم في فيافي الضّلالة ( و ليحضر ذهنه ) فيما يقول و يتفوّه به . ( فلقد فلق ) الرائد ( لكم الأمر فلق الخرزة ) أى أوضح لكم أمر الدّين و ما جهلتموه من أحكام الشرع المبين ، أو أمر ما يحدث من الفتن ايضاحا تامّا ، فأظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقّها . [ 302 ] ( و قرفه قرف الصمغة ) أى ألقاه بكلّيته اليكم و لم يدّخر شيئا عنكم كما أنّ قارف الصمغة لا يترك منها شيئا إذا قرفها و لا يبقى منها أثر بعد قرفها . و قوله عليه السّلام : ( فعند ذلك ) قال الشارح البحراني متّصل بقوله من بين هزيل الحبّ . فيكون التشويش من السيّد ( ره ) ، و في البحار و يمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين . أقول : و الأظهر أن يكون الاشارة به إلى ما سبق من الأمور المذكورة ، أى عند ما قام راية الضّلال على قطبها ، و تفرّقت بشعبها ، و عركتكم عرك الاديم ، و استخلصت المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّ البطين ( أخذ الباطل مآخذه ) أى ثبت و استحكم ( و ركب الجهل مراكبه ) أى قوى سلطانه و ظهر شوكته ( و عظمت الطّاغية ) أى الطّغيان و الضلال أو الفتنة الطاغية ( و قلّت الدّاعية ) أى الدّعوة إلى الحقّ أو الفرقة الدّاعية إلى الهدى . ( وصال الدّهر ) و حمل على أهله ( صيال السبّع العقور ) تشبيه الدّهر بالسبع في الصّيال باعتبار كونه منشأ لتلك الشرور و المفاسد ( و هدر فنيق الباطل بعد كظوم ) تشبيه الباطل بالفنيق باعتبار كونه مكرما عند أهله ، و ذكر الهدر و الكظوم من باب تشريح التشبيه و أراد بهما ظهوره بعد خفائه و خمول أهله في زمان ظهور الحقّ و قوّته . ( و تواخى الناس على الفجور ) أى كان محبّة بعضهم لبعض و اتّصال أحدهم بالآخر على الفجور و اتباع الأهواء ( و تهاجروا على الدّين ) أى كان مهاجرة بعضهم عن بعض من جهة كون المهجور عنه صاحب معرفة و دين ( و تحابّوا على الكذب ) و هو من شؤونات التواخى على الفجور ( و تباغضوا على الصّدق ) و هو من شؤونات التّهاجر على الدّين . ( فاذا كان ذلك ) و حدثت تلك الامور ( كان الولد غيظا ) على والده عاقّا له أو مبغوضا لوالده لاشتغال كلّ امرء بنفسه من شدّة تلك البلية فيتمنّى أن لا يكون له ولد ( و المطر قيظا ) قد مرّ أنّ القيظ هو صميم الصيّف قال في البحار فيحتمل [ 303 ] أن يكون المراد تبدّل المطر بشدّة الحرّ أو قلّة المطر أو كثرته في الصّيف دون الرّبيع و الشتاء ، أو المراد أنه يصير سببا لاشتداد الحرّ لكثرته في الصّيف إذ يثور به الأبخرة و يفسد الهواء أو يصير على خلاف العادة سببا لشدّة الحرّ ، و عن النهاية بعد تفسيره القيظ بما ذكرناه قال : و منه حديث أشراط السّاعة أن يكون الولد غيظا و المطر قيظا ، لأنّ المطر إنما يراد للنبات و برد الهواء و القيظ ضدّ ذلك هذا و على ما في بعض النسخ من رواية فيضا بالضاد فالمقصود كونه كثيرا مجاوزا عن الحدّ ، لكونه حينئذ مفسدا للزرع و الثمار كما هو المشاهد بالتجربة و العيان ( و تفيض اللّئام ) أى تكثر ( فيضا و تغيض الكرام ) أى تقلّ ( غيضا ) ثمّ قسّم أهل ذلك الزّمان بقوله ( و كان أهل ذلك الزّمان ذئابا و سلاطينه سباعا و أوساطه اكالا و فقراؤه أمواتا ) قال البحراني ( ره ) : أهل كلّ زمان ينقسمون إلى ملوك و أكابر و أوساط و أداني ، فاذا كان زمان العدل كان أهله في نظام سلكه فيفيض عدل الملوك على من يليهم ، ثمّ بواسطتهم على من يليهم حتّى ينتهى إلى أدانى النّاس ، و إذا كان زمان الجور فاض الجور كذلك فكانت السّلاطين سباعا ضارية مفترسة لكلّ ذى سمن و كان أهل ذلك الزمان و أكابره ذئابا ضارية على أوساط الناس ، و كانت الأوساط اكّالا لهم ، و كانت الفقراء أمواتا لانقطاع مادّة حياتهم ممّن هو أعلى منهم رتبة ، و تجوّز بلفظ الأموات عن غاية الشدّة و البلاء لكون الموت غاية ذلك إطلاقا لاسم السّبب الغائي على مسبّبه . ( و غار الصّدق ) أى قلّ و ذهب كالماء الغائر في الأرض ( و فاض الكذب ) أى كثر و ظهر كالماء الفايض السّائل ( و استعملت المودّة باللسان و تشاجر الناس بالقلوب ) لكثرة النّفاق و غلبة الشقاق ( و صار الفسوق نسبا ) أى يحصل انسابهم من الزنا ، و قيل أى يصير الفاسق صديقا للفاسق حتى يكون ذلك كالنّسب بينهم ( و ) صار ( العفاف عجبا ) لقلّة وجوده بينهم و ندرته . ( و لبس الاسلام لبس الفر و مقلوبا ) الموجود في النسخ رفع الاسلام على أنه فاعل لبس فيكون من باب المجاز العقلى ، و المقصود أنهم لبسوا الاسلام كلبس [ 304 ] الفر و المقلوب ، قال المحدّث العلامة المجلسيّ ( ره ) : الظاهر أنّ المراد به تبديل شرايع الاسلام و قلب أحكامه و اظهار النيات و الأفعال الحسنة و إبطان خلافها ، و في شرح البحراني : لما كان الغرض الأصلي من الاسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب و يظهر فيه منفعته ، فقلب المنافقون غرضه و استعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم أشبه قلبهم له لبس الفرو إذا كان أصله أن يكون خمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الذى هو لباسه فاستعمله الناس مقلوبا ، و اللّه ولىّ التوفيق . الترجمة اين راية رايت گمراهى است كه قايم شده بر مدار خود ، و پراكنده شده با فرعها و شاخهاى خود ، كيل كند شما را بصاع خود ، و فرو كوبد شما را با دست خود ، كشنده آن رايت خارجست از دين ايستاده است بر گمراهى . پس باقى نميماند در آنروز از شما مگر دردى واپس مانده ديك ، يا خورده ريز ته مانده مثل خورده ريز ته مانده جوال ، بمالد شما را آن رايت مثل ماليدن چرم ، و بكوبد شما را مانند كوفتن زرع درويده در خرمن ، و برگزيند مؤمن را از ميان شما بجهة انداختن در بلا مثل برگزيدن مرغ دانه چاق و فربه را از ميان دانه لاغر . كجا ميبرد شما را راههاى كج ، و متحيّر ميسازد شما را ظلمتهاى جهالت ، و فريب ميدهد شما را آرزوهاى كاذبه ، و از كجا آورده ميشويد ، و چه طور برگردانيده ميشويد از جادّه حق ، پس مر هر أجليرا از آجال كتابيست ، و هر غيبت را باز گشتى است . پس گوش كنيد و بشنويد نصيحت را از رباني خودتان يعني از كسيكه أهل اللّه است و عارفست بأحكام اللّه و مراد خود نفس نفيس آن بزرگوار است ، و حاضر نمائيد بسوى آن رباني قلبهاى خود را ، و بيدار شويد از خواب غفلت اگر صدا كند [ 305 ] شما را و بايد كه راست گويد مرشد قوم بأهل خود ، و بايد كه جمع كند آنمرشد تفرقه خواطر خود را ، و بايد كه حاضر سازد ذهن خود را . پس بتحقيق كه شكافت از براى شما كار دين را ، و واضح نمود مثل شكافتن مهره كه ظاهر شود باطن آن ، و مقشّر نمود آنكار را مثل مقشّر نمودن صمغ از درخت ، يعني تمام أمر را بجهة شما القاء نمود و هيچ چيز از آن فرو نگذاشت چنانچه كسيكه از درخت صمغ را باز گيرد تمامى آن را باز گيرد كه هيچ چيز از آن باقى نميگذارد . پس نزد آن حال فرا گيرد باطل محلّ فرا گرفتن خود را ، و سوار شود جهالت بر مركبهاى خود ، و بزرگ شود طغيان ، و كم شود دعوت بسوى حق ، و حمله آورد روزگار هم چه حمله حيوان درّنده گزنده ، و آواز دهد شتر نر باطل بعد از سكوت و خواموشى ، و مواخاة و آشتى كنند مردمان بر فعل ناشايست ، و مهاجرت ميكنند و دورى ميكنند از يكديگر بر دين ، و دوستى ميكنند با يكديگر بر دروغ ، و دشمني كنند بر راستي . پس زمانى كه حال بر اين منوال باشد ميباشد فرزند سبب خشم پدر و باران سبب گرمائى و حرارت ، و بسيار شوند لئيمها بسيار شدنى ، و كم شوند كريمها كم شدنى ، و ميباشد أهل آن زمان گرگان و پادشاهي آن زمان درندگان و مردمان ميانه آنزمان طعمه‏هاى ستمكاران ، و فقراى آن زمان مردگان ، و نقصان پذيرد و فرو ميرود راستى ، و زياد ميشود دروغ و ناراستى ، و استعمال كرده ميشود دوستى بزبان ، و تشاجر و تنازع مى‏كنند مردمان بقلبها در آن أو ان ، و بگردد فسق فجور نسب و أصل ايشان ، و پاكدامني و عفت مايه شكفت و تعجب و ميپوشد اسلام لباس پوستين را در حالتيكه بوده باشد آن پوستين پشت رو كرده شده ، و اين كنايه است از تقلب أحوال دين و تبدّل أحكام شرع مبين ، و اللّه العالم بحقايق كلام وليه .