و من خطبة له ع صفة الضال

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 208 ] الفصل الثالث منها و هو في مهلة من اللَّه يهوي مع الغافلين ، و يغدو مع المذنبين ، بلا سبيل قاصد ، و لا إمام قائد . الفصل الرابع منها حتّى إذا كشف لهم عن جزآء معصيتهم ، و استخرجهم من جلابيب غفلتهم ، استقبلوا مدبرا ، و استدبروا مقبلا ، فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ، و لا بما قضوا من وطرهم ، و إنّي أحذّركم و نفسي هذه المنزلة ، فلينتفع امرء بنفسه ، فإنّما البصير من سمع فتفكّر ، و نظر فأبصر ، و انتفع بالعبر ، ثمّ سلك جددا واضحا ، يتجنّب فيه الصرّعة في المهاوي ، و الضّلال في المغاوي ، و لا يعين على نفسه الغواة بتعسّف في حقّ ، أو تحريف في نطق ، أو تخوّف من صدق ، فأفق أيّها السّامع من سكرتك ، و استيقظ من غفلتك ، و اختصر من عجلتك ، و أنعم الفكر فيما جآءك على لسان النّبيّ الأمّيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ممّا لا بدّ منه ، و لا محيص عنه ، و خالف من خالف في ذلك إلى غيره ، و دعه و ما رضى لنفسه ، وضع فخرك ، و احطط كبرك ، [ 209 ] و اذكر قبرك ، فإنّ عليه ممرّك ، و كما تدين تدان ، و كما تزرع تحصد ، و ما قدّمت اليوم تقدّم عليه غدا ، فامهد لقدمك ، و قدّم ليومك ، فالحذر الحذر أيّها المستمع ، و الجدّ الجدّ أيّها الغافل ، « و لا ينبّئك مثل خبير » إنّ من عزائم اللَّه في الذّكر الحكيم الّتي عليها يثيب و يعاقب ، و لها يرضى و يسخط ، أنّه لا ينفع عبدا و إن أجهد نفسه و أخلص فعله ، أن يخرج من الدّنيا لاقيا ربّه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها أن يشرك باللَّه فيما افترض عليه من عبادته ، أو يشفي غيظه بهلاك نفسه ، أو يقرّ بأمر فعله غيره ، أو يستنجح حاجة إلى النّاس باظهار بدعة في دينه ، أو يلقى النّاس بوجهين ، أو يمشى فيهم بلسانين ، اعقل ذلك فإنّ المثل دليل على شبهه ، إنّ البهائم همّها بطونها ، و إنّ السّباع همّها العدوان على غيرها ، و إنّ النّسآء همّهنّ زينة الحياة الدّنيا و الفساد فيها ، إنّ المؤمنين مستكينون ، إنّ المؤمنين مشفقون ، إنّ المؤمنين خائفون . اللغة ( هوى ) يهوي من باب ضرب هويا بالضمّ و الفتح و هواء بالمدّ سقط من أعلى إلى أسفل و ( الجلباب ) ما يغطى به من ثوب و غيره و قيل ثوب أوسع من الخمار و دون الرّداء و ( الطلبة ) بالكسر اسم كالطّلب محرّكة و ( الجدد ) محرّكة [ 210 ] ما أشرق من الرّمل و الأرض الغليظة المستوية و بالضمّ جمع جدّة كغرف و غرفة و هو الطريق و ( الصّرعة ) بالفتح الطّرح على الأرض و ( المهاوى ) جمع المهواة و هو بفتح الميم ما بين الجبلين و قيل الحفرة و قيل الوهدة العميقة و ( المغاوى ) جمع المغوة قال الشّارح المعتزلي : و هي الشّبهة التي يغوى بها الانسان أى يضلّ و ( الغواة ) جمع غاو من غوى غيّا انهمك في الجهل و ضلّ و ( استنجح ) الحاجة و تنجّحها تنجزّها و استقضاها الاعراب جملة يهوى حال من فاعل الظّرف ، و قوله : بتعسّف ، متعلّق بقوله يعين ، و قوله : الحذر الحذر و الجدّ الجدّ ، منصوبات على الاغراء ، و قوله : و لا ينبّئك مثل خبير ، مثل صفة لمحذوف و كذلك خبير أى لا ينبّئك منبي‏ء مثل امرء خبير ، و قوله : انّه لا ينفع عبدا ، اسم إنّ على تأويله بالمصدر أى إنّ من عزائمه تعالى عدم نفع عبد ، و قوله : أن يخرج ، فاعل ينفع ، و قوله : ان يشرك بدل من خصلة أو من هذه الخصال فتكون أو في الجملات المعطوفة بعدها بمعنى الواو ، و جملة إنّ البهايم استيناف بيانيّ ، و كذلك جملة إنّ المؤمنين آه المعنى اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن لفصلين اما الفصل الاول فقد قال الشّارح المعتزلي و غيره : انّه يصف فيه انسانا من أهل الضّلال غير معيّن كقوله عليه السّلام : رحم اللَّه امرء اتّقى ربّه و خاف ذنبه أقول : و هو إنّما يتمّ لو علم بعدم سبق ذكر مرجع للضّمير الآتى أعنى قوله : هو ، في كلامه عليه السّلام حذفه السيّد على ديدنه في الكتاب ، و أمّا على تقدير سبقه و حذفه كما هو الأظهر في النّسخ الّتي فيها عنوان هذا الفصل بقوله ( منها ) بل الظّاهر أيضا في نسخة الشّارح المعتزلي الّتي عنوانه فيها بمن خطبة له عليه السّلام فلا و كيف كان فقوله ( و هو في مهلة من اللَّه يهوى مع الغافلين ) أراد أنّ اللَّه سبحانه أمدّ في عمره و أمهله و أخّر أجله و كان ذلك سببا لغفلته فهو يسقط و يتردّى من [ 211 ] درجة الكمال و السّلامة في مهابط الهلاك و مهوات الغفلة و ينخرط في سلك ساير الجهّال و الغافلين ( و يغدو مع المذنبين ) أى يصبح معهم و هو كناية عن موافقته لهم و ملازمته إيّاهم في ارتكاب المعاصي و انهماك الآثام و الذّنوب ( بلا سبيل قاصد و لا إمام قائد ) أى من دون أن يسلك سبيلا مستقيما يوصله إلى المطلوب و يتّبع إماما عادلا يقوده إلى الصّواب و أما الفصل الثانى متضمّن للنّصح و الموعظة و تذكير المخاطبين بالموت و تنبيههم من نوم الغفلة و هو قوله ( حتّى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم و استخرجهم من جلابيب غفلتهم ) قال الشّارح البحراني : النفس ذو جهتين جهة تدبير أحوالها البدنيّة بما لها من القوّة العملية ، و جهة استكمالها بقوّتها النظرية التي تتلقّى بها من العاليات كمالها ، و بقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العملية تنقطع عن الجهة الأخرى و تكتنفها الهيئآت البدنيّة فتكون في أغطية منها و جلابيب من الغفلة عن الجهة الاخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه مما يعدّ خيرا في الدّنيا و بسبب انصبابها في هذه الجهة و تمكن تلك الهيئآت البدنية منها يكون بعدها عن بارئها و نزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم و بالعكس كما قال صلّى اللَّه عليه و آله و : الدّنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحديهما تبعد من الأخرى ، و ظاهر إنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة ، و تنكشف تلك الحجب ، فيؤمئذ يتذكر الانسان و أنى له الذّكرى ، و يكون ما أثبته له يؤمئذ من تعلّق تلك الهيئات بنفسه و حطها له عن درجات الكمال من السلاسل و الأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم ، انتهى ، هذا و تشبيه الغفلة بالجلباب من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، و وجه الشّبه إحاطتها بهم و ملازمتها لهم إحاطة الثوب بالبدن و لزومه له و قوله ( استقبلوا مدبرا و استدبروا مقبلا ) أراد بالمدبر الّذي استقبلوه ما كان غائبا عنهم من الشقاء و النكال و النقم ، و بالمقبل الّذي استدبروه ما كان حاضرا لهم من الآلاء و الأموال و النعم ( فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ) أى اللّذات الدّنيوية التي كانت أعظم طلباتهم ، لأنّهم تركوها وراء ظهورهم ( و لا بما قضوا من [ 212 ] وطرهم ) أى الشهوات النفسانية الّتي كانت أهمّ حاجاتهم ، لأنها قد زالت عنهم ( و انّي أحذّركم و نفسي هذه المنزلة ) أراد بها الحالة التي كان الموصوفون عليها من الغفلة و الجهالة ، و تشريك نفسه عليه السّلام معهم في التحذير لتطييب قلوب السامعين و تسكين نفوسهم ليكونوا إلى الانقياد و الطاعة أقرب ، و عن الآباء و النفرة أبعد ، و في بغض النسخ بدل المنزلة المزلّة ، فالمراد بها الدّنيا الّتي هي محلّ الزّيغ و الزّلل و الخطاء و الخطل و لمّا نبّههم بعدم الانتفاع بالمطالب و المآرب الدّنيوية أردف ذلك بالتنبيه على ما نفعه أعمّ ، و صرف الهمّة إليه أهمّ فقال : ( فلينتفع امرء بنفسه ) بأن يصرفها فيما صرفها فيه أولوا الأبصار و الفكر و يوجّهها الى ما وجّهها إليه أرباب العقول و النظر و إليه أشار بقوله ( فانّما البصير ) العارف بما يصلحه و يفسده و الخبير المميّز بين ما يضرّه و ينفعه ( من سمع ) الآيات البيّنات ( فتفكّر ) فيها ( و نظر ) إلى البراهين الساطعات ( فأبصر ) ها و أمعن فيها ( و انتفع بالعبر ) أى نظر بعين الاعتبار إلى السلف الماضين من الجبابرة و الملوك و السلاطين و غيرهم من الناس أجمعين كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى و هدة القبور ، و من دار العزّ و المنعة إلى بيت الذّلّ و المحنة ، و فارقوا من الأموال و الأوطان ، و جانبوا الأقوام و الجيران ، و صاحبوا الحيّات و الديدان ، و كيف كانت الدّيار منهم بلاقع ، و القبور لهم مضاجع و اندرست آثارهم ، و انقطعت أخبارهم ، و خربت ديارهم ، و قسمت أموالهم ، و نكحت أزواجهم ، و حشر في اليتامى أولادهم ، و أنكرهم صديقهم ، و تركهم وحيدا شفيقهم ، ففى أقلّ هذه عبرة لمن اعتبر ، و تذكرة لمن اتّعظ و تذكّر ( ثمّ سلك جددا ) أى طريقا ( واضحا ) و هو الصراط المستقيم ، و النهج القويم أى جادّة الشريعة و منهج الدّين الموصل لسالكه إلى حظاير القدس ، و مجالس الانس بشرط أن ( يتجنّب ) و يتباعد ( فيه ) عن اليمين و الشمال فانّ الطريق الوسطى هى الجادّة و اليمين و الشمال مزلّة و مضلّة توجبان ( الصّرعة في المهاوى و الضلال [ 213 ] في المغاوي ) كما قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : ضرب اللَّه مثلا صراطا مستقيما و على جنبتى الصّراط أبواب مفتّحة ، و عليها ستور مرخاة و على رأس الصّراط داع يقول جوزوا و لا تعرّجوا ، قال : فالصّراط هو الدّين و هو الجدد الواضح هنا ، و الدّاعى هو القرآن و الأبواب المفتّحة محارم اللَّه ، و هي المهاوى و المغاوى هنا ، و السّتور المرخاة هى حدود اللَّه و نواهيه . و لمّا نبّه عليه السّلام على ما ينفع المرء و يصلحه نبّه على ما يضرّه و يفسده فقال عليه السّلام ( و لا يعين على نفسه الغواة ) أى أهل الضّلالات و المنهمكين في الجهالات ( بتعسّف في حقّ ) قال الشّارح البحراني : أى لا يحملهم على مرّ الحقّ و صعبه ، فانّ الحقّ له درجات بعضها سهل من بعض ، فالاستقصاء فيه على غير أهله يوجب لهم النّفرة عمّن يقوله و يأمر به ، و العداوة له و القول فيه ، و قريب منه ما قاله الشّارح المعتزلي أى يتعسّف في حقّ يقوله أو يأمر به فانّ الرّفق أنجح . أقول : و ظاهر كلامهما يفيد أنّهما فهما من التّعسف من كلامه عليه السّلام تشديد التّكليف على الغواة و التّضييق عليهم في الأحكام ، فيكون محصّل مقصوده عليه السّلام على ما قالاه الرّفق بهم عند الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر ، لئلاّ يجلب العداوة منهم لنفسه بتركه فيصيبه منهم مكروه و ضرر و هذا معنى لا بأس به ، و قد مرّ نظيره في قوله عليه السّلام في الفصل الثّاني من الكلام السّادس عشر : من أبدى صفحته للحقّ هلك عند جهلة النّاس ، إلاّ أنّ الظّاهر أنّه عليه السّلام أراد معنى آخر أى لا يعين الغاوين بما ضرره عايد إليه ، و هو تعسّفه في حقّ و عدم كشفه لهم و تبليغه عليهم و إرجاعهم إليه ، و ذلك لما رأى من تركهم للحقّ و عدو لهم عنه و انهما كهم في الغيّ و الضّلال و رغبتهم في الباطل ، فيتعسّف تطييبا لنفوسهم و تحصيلا لرضاهم ، و عود ضرر هذا التّعسف إليه معلوم حيث يشترى رضاء المخلوق بسخط الخالق . فعلى ما قلناه يكون المراد بالضّرر الضّرر الأخروى ، و بالتّعسف العدول و الانحراف عن قول الحقّ و العمل به ( أو تحريف في نطق ) أى يحرّف الكلم [ 214 ] عن مواضعه ، و يكذب مداراة معهم و منازلة أذواقهم ( أو تخوّف من صدق ) أى يتكلّف الخوف من قول الصّدق و إن لم يكن خائفا في الواقع ، و عود ضرر التّحريف و التّخوف على المحرّف و المتخوّف لاستلزامها مداهنة الغواة ، و قد ذمّ اللَّه أقواما بترك الصّدق و الجهاد في الحقّ بقوله : « إذا فَريقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ » . فاللاّزم على المرء أن لا يأخذه في اللَّه لومة لائم ، و لا يكون له من ردع من خالف الحقّ و خابط الغيّ و زجره من أوهان و لا ايهان ثمّ أمر السّامعين بأوامر نافعة و نصحهم بمواعظ بالغة فقال ( فأفق أيّها السّامع من سكرتك و استيقظ من ) رقدتك و ( غفلتك ) استعار لفظ السّكرة الغفلة باعتبار كون الغفلة موجبة لترك أعمال العقل كما أنّ السّكرة كذلك ، و هى استعارة تحقيقيّة و ذكر الافاقة ترشيح ، و شبه الغفلة بالنّوم باعتبار أن لا التفات للغافل كالنّائم ، و هى استعارة بالكناية و ذكر الاستيقاظ تخييل ( و اختصر من عجلتك ) و سرعتك في امور الدّنيا أى قصّر الاهتمام بها ، فانّ بقائها يسير و زوالها قريب ( و أنعم الفكر ) أى أمعن النّظر ( فيما جائك ) و كثر دورانه ( على لسان النّبيّ الأمىّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ) قد مضى تفسير الامّي من النّهاية في شرح الخطبة الثامنة و الثّمانين و أقول هنا : روى في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام في قوله تعالى : « وَ مِنْهُمْ أمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ » . إنّ الأميّ منسوب إلى امّه أى هو كما خرج من بطن امّه لا يقرء و لا يكتب فزعم بعض النّاس و منهم الشّارح المعتزلي أنّ وصف النّبيّ به كان أيضا بذلك الاعتبار ، أى لا يحسن أن يقرء و يكتب ، و هو زعم فاسد ، بل وصفه باعتبار نسبته إلى امّ القرى أعنى مكّة زادها اللَّه شرفا و عزّا و يدلّ على ما ذكرنا ما رواه في الصّافي في تفسير قوله تعالى : [ 215 ] « ألَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّيِّ » . من علل الشّرايع عن الجواد عليه السّلام أنّه سئل عن ذلك فقال : ما يقول النّاس ؟ قيل يزعمون أنّه سمّى الامّي لأنّه لم يحسن أن يكتب ، فقال عليه السّلام : كذبوا عليهم لعنة اللَّه أنّي ذلك و اللَّه يقول : « هُوَ الَّذي بَعَثَ فِى الْاُمَّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِه‏ وَ يُزَكَّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ » . فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن ، و اللَّه لقد كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يقرء و يكتب باثنين و سبعين أو قال بثلاث و سبعين لسانا ، و انّما سمّى الامّى لأنّه كان من أهل مكّة و مكّة من أمّهات القرى ، و ذلك قوله تعالى : « لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها » . هذا و بيّن ما جاء على لسان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بقوله ( ممّا لا بدّ منه و لا محيص عنه ) أى الموت الذي ليس منه مناص و لا خلاص و لا مهرب و لا مفرّ ( و خالف من خالف في ذلك إلى غيره ) يعني أنّ من خالف في امعان النّظر في الموت و أهاويل الفناء و الفوت و أعرض عنه و التفت إلى غيره و اتّبع هواه و أطال أمله و مناه ، كادحا سعيا لدنياه في لذّات طربه و بدوات اربه فخالفه ( و دعه و ما رضى لنفسه ) فانّ الموافقة له توجب فوات الثّواب و أليم العذاب ، و تجرّ الشّقاء الأبد و الخزى السّرمد ( وضع فخرك ) فانّ من صنع شيئا للمفاخرة حشره اللَّه يوم القيامة أسود ، رواه في عقاب الأعمال عن أمير المؤمنين عليه السّلام ( و احطط كبرك ) لأنّ من مشى على الأرض اختيالا لعنته الأرض و من تحتها و من فوقها ، رواه في عقاب الأعمال عن أبيعبد اللَّه عليه السّلام عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم . و فيه أيضا عن أبي جعفر عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه : ويل لمن في الأرض يعارض [ 216 ] جبّار السّماوات و الأرض هذا و قد تقدّم الكلام في شرح الخطبة المأة و السّابعة و الأربعين في تحقيق معنى الكبر و كونه من أعظم الموبقات و ما في ذمّه من الأخبار و الآيات ، و كذلك الكلام في حسن التّواضع مفصّلا و مستوفا فليراجع ثمة ( و اذكر قبرك ) و ما فيه من الوحدة و الوحشة و الغربة و الظلمة و الحسرة و النّدامة ( فانّ عليه ممرّك ) و مجازك و لا بدّ لمن يمرّ على منزل موحش مظلم أن يذكره و يتزوّد له و يهتمّ بأخذ الزّاد و تكميل الاستعداد ليتمكّن من الوصول إلى المطلوب و النّجاح بالمقصود ( و كما تدين تدان ) أى كما تجزي تجزى و هو من باب المشاكلة ، و المقصود أنّك كما تعمل للَّه سبحانه و تعالى و تعامل معه فاللَّه يعامل معك إنّ خيرا فخيرا و إن شرا فشرّا و لنعم ما قيل : من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها و الشرّ بالشرّ عند اللَّه مثلان ( و كما تزرع تحصد ) فانّ من زرع النّواة حصد النّخل باسقات ، و من زرع الفجور حصد الثّبور ، و من توانا عن الزّرع في أوانه حرم الحصاد في ابانه إذا أنت لم تزرع و أدركت حاصدا ندمت على التقصير في زمن البذر ( و ما قدّمت اليوم ) لنفسك أو عليها ( تقدم عليه غدا ) و تقام فيه ( فا ) جهد نفسك في تحصيل الخير و تجنّب الشرّوا ( مهد لقدمك ) أى مهّد و هيّى‏ء لموضع قدمك من الحسنات و الأعمال الصالحات ( و قدّم ) الزّاد ( ليوم ) معاد ( ك ) و إياك و التفريط فتقع في الحسرة و تعقب الندامة و ملامة النفس اللّوامة لدي الحساب يوم القيامة ( فالحذر الحذر ) من التقصير و الغفلة ( أيها المستمتع ) المفتون ( و الجدّ الجدّ ) للتقوى و الطاعة ( أيها الغافل ) المغرور ( و لا ينبّئك ) أحد ( مثل ) واعظ ( خبير ) و عارف بصير بأحوال الآخرة و أهوالها و لما أمرهم بالحذر و الجد و نبّههم على أنّ المنبي‏ء لهم خبير و بصير بما يحذر منه و يجد عليه ، عقّب ذلك بالتنبيه على بعض ما يجب الحذر منه و الجدّ على تركه فقال ( إنّ من عزائم اللَّه ) أى الأحكام التي لا يجوز مخالفتها في حال من الأحوال [ 217 ] على ما مر تفصيلا في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الاولى ( في الذكر الحكيم ) أى القرآن الكريم أو اللّوح المحفوظ كما قيل ، و على الأوّل فلا ينافيه عدم ورود بعض ما يذكره من العزايم فيه بخصوصه لامكان استفادته من عمومات الكتاب أو فحاويه حسبما تطلع عليه انشاء اللَّه و وصف العزائم بقوله ( الّتى عليها يثيب و يعاقب و لها يرضى و يسخط ) أى يرضى و يثيب على الأخذ بها و امتثالها ، و يسخط و يعاقب على مخالفتها و تركها ( أنه ) الضمير للشأن ( لا ينفع عبدا و إن أجهد نفسه و أخلص فعله ) أمّا إجهاد النفس فيتصوّر في حقّ كلّ من ارتكب باحدى الخصال الخمس الآتية ، و أمّا إخلاص الفعل فانّما يتصوّر في المرتكب بغير الاولى من الأربع الباقية ، و أمّا الأولى فلا لظهور أنّ الاخلاص لا يجتمع مع الرّيا فيكون الشّرطيّة الثّانية بملاحظة الأغلب أو من باب التغليب فتدبّر ( أن يخرج من الدّنيا ) أى لا ينفع خروجه منها حالكونه ( لاقيأ ربّه بخصلة ) واحدة ( من هذه الخصال ) و الحال أنّه ( لم يتب منها ) و لم يندم عليها ، و هذه الخصال خمس : احديها ( أن يشرك باللَّه فيما افترض عليه من عبادته ) أى يرائي في عمله و لم يخلصه للَّه سبحانه ، و الدليل من الكتاب الحكيم على حرمته قوله تعالى : « فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقآءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه‏ أحَداً » و قوله « فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ الَّذينَهُمْ عَنْ صَلوتِهِمْ ساهُونَ وَ الَّذينَهُمْ يُرآؤُنَ » . و قد مضى تحقيق الكلام في الرياء و تفصيل أقسامه في شرح الفصل الأوّل من الخطبة الرابعة و العشرين الثانية ما أشار إليها بقوله ( أو يشفى غيظه بهلاك نفسه ) أى يقتل نفسه [ 218 ] لافراط قوّته الغضبيّة بحيث لا يطفى نار غضبه إلاّ به ، و الدليل على حرمته قوله تعالى « وَ لا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إلىَ التَّهْلُكَةِ » . روى في عقاب الأعمال عن أبي ولاد الحنّاط قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : من قتل نفسه متعمّدا فهو في نار جهنّم خالدا فيها ، هذا و يحتمل أن يكون المراد بهلاك نفسه الهلاك الاخروى أى لا يتشفّى من غيظه إلاّ بأن يكتسب إثما و يوبق نفسه مثل أن يكون بينه و بين آخر بغضاء و عداوة فيغتابه أو يفترى عليه أو ينمّ عليه أو يسعى به إلى الملوك أو يسبّه و نحو ذلك ممّا فيه أليم العذاب و نصّ على حرمته محكم الكتاب ، هذا و في بعض النّسخ بهلاك نفس بدل نفسه فيكون المراد أنّه لا يسكت غضبه إلاّ بالقتل ، و يدلّ على حرمته و عقابه صريحا قوله تعالى : « وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظيماً » . و روى في عقاب الأعمال بسنده عن حمران قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : قول اللَّه عزّ و جلّ : « مِنْ أجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَني إسْرائيلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ فِي الْأرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعاً » . و إنّما قتل واحدا ، فقال عليه السّلام : يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهى شدّة عذاب أهلها لو قتل النّاس جميعا كان إنّها يدخل ذلك المكان ، قلت : فانّه قتل آخر قال : و يصاعف عليه . و عن أبي عمير قال : حدّثني غير واحد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة اللَّه . [ 219 ] و عن جابر بن يزيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : أوّل ما يحكم اللَّه في القيامة في الدّماء فيوقف ابنا آدم فيفصل بينهما ، ثمّ الّذين يلونهم من أصحاب الدّماء حتّى لا يبقى منهم أحد ، ثمّ النّاس بعد ذلك فيأتي المقتول قاتله فيشخب دمه في وجهه فيقول : هذا قتلنى ، فيقول أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم اللَّه حديثا و عن سعيد الأزرق عن أبيعبد اللَّه عليه السّلام في رجل قتل رجلا مؤمنا يقال له : مت أىّ ميتة شئت إن شئت يهوديا و ان شئت نصرانيّا ، و إن شئت مجوسيّا الثالثة ما أشار اليها بقوله ( أو يقرّ بأمر فعله غيره ) الظّاهر أنّ المراد به أن يحكى أمرا قبيحا ارتكبه غيره ، و يدلّ على أنّه حرام و معصية قوله تعالى : « وَ الَّذينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أليمٌ » روى في عقاب الأعمال عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال : قلت له : جعلت فداك الرّجل من اخواني بلغني عنه الشي‏ء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك ، و قد أخبرني عنه قوم ثقات ، فقال لي : يا محمّد كذّب سمعك و بصرك عن أخيك و إن شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولا فصدّقه و كذّبهم ، و لا تذيعنّ عليه شيئا تشينه به و تهدم به مروّته ، فتكون من الذين قال اللَّه عزّ و جلّ « إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة » الآية و عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من روى عن مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروّته ليسقطه من أعين النّاس أخرجه اللَّه عزّ و جلّ من ولايته إلى ولاية الشّيطان . قال الشّارح البحراني : و روى بعض الشّارحين يعرّ بالعين المهملة قال : و معناه أن يقذف غيره بأمر قد فعله هو فيكون غيره منصوبا مفعولا به و العامل يعرّ يقال عرّه يعرّه أى عابه و لطخه أقول : و على هذا فيدلّ على حرمته ما يدل على حرمة البهت و الافتراء ، قال تعالى : [ 220 ] « إنَّما يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ » . روى في عقاب الأعمال عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من اتّهم مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيهما بعثه اللَّه يوم القيامة في طينة خبال حتّى يخرج ممّا قال ، قلت : و ما طينة خبال ؟ قال : صديد يخرج من فروج الزّناة ، بل يدلّ عليه جميع ما ورد في حرمة الغيبة إذ ذلك قسم من الغيبة بل من أعظم أقسامها كما لا يخفى . الرابعة ما أشار اليها بقوله ( أو يستنجح حاجة إلى النّاس باظهار بدعة في دينه ) يعني أنّه يبدع في الدّين طلبا لنجاح حاجته ، و من المعلوم أنّ كلّ بدعة ضلالة و الضّلالة في النّار قال تعالى : « وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً » و قال « وَ مَنْ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَويهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ » . و استنجاح الحاجة بالبدعة أشدّ خزيا و أعظم مقتا ، كما يدلّ عليه ما في عقاب الأعمال عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : صونوا دينكم بالورع ، و قوّوه بالتّقوى و الاستغناء باللَّه عزّ و جلّ عن طلب الحوائج من السّلطان ، و اعلموا أنّه أيّما مؤمن خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه أخمله اللَّه و مقته عليه و وكله اللَّه إليه ، و إن هو غلب على شي‏ء من دنياه و صار في يده منه شي‏ء نزع اللَّه البركة منه و لم يأجره على شي‏ء ينفقه في حجّة و لا عمرة و لا عتق و فيه عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : كان رجل في الزّمن الأوّل طلب الدّنيا من حلال فلم يقدر عليها ، فطلبها من حرام فلم يقدر عليها ، فأتاه الشّيطان فقال له : يا هذا إنّك قد طلبت الدّنيا من حلال فلم تقدر عليها و طلبتها من حرام فلم تقدر عليها أفلا أدلّك على شي‏ء يكثر به مالك و دنياك و تكثر به ؟ ؟ ؟ بعك ؟ قال : بلى ، قال : تبتدع دينا و تدعو إليه النّاس ، ففعل ، فاستجاب له [ 221 ] النّاس فأطاعوه و أصاب من الدّنيا ، ثمّ إنّه فكّر فقال : ما صنعت ابتدعت دينا و دعوت النّاس إليه و ما أرى لى توبة إلاّ أن آتى من دعوته إليه فأردّه ، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول : إنّ الذى دعوتكم اليه باطل و إنّما ابتدعته فجعلوا يقولون : كذبت هذا الحقّ و لكنّك شككت في دينك فرجعت عنه ، فلمّا رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها و تدا ثمّ جعلها في عنقه و قال : لا احلّها حتّى يتوب اللَّه عزّ و جلّ علىّ ، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إلى نبيّ من الأنبياء قل لفلان : و عزّتي لو دعوتني حتّى ينقطع أو صالك ما استجبت لك حتّى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه . الخامسة ما أشار إليها بقوله ( أو يلقى النّاس بوجهين أو يمشى فيهم بلسانين ) قال الشّارح البحرانيّ : أى يلقى كلاّ من الصّديقين مثلا بغير ما يلقى به الآخر ليفرق بينهما ، أو بين العدوّين ليضري بينهما ، و بالجملة أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه فيدخل في زمرة المنافقين و وعيد المنافقين في القرآن : « إنَّ الْمُنافِقينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ » . أقول : و يدخل أيضا في زمرة المغتابين فيشمله الآيات المفيدة لحرمة الغيبة و يدلّ على حرمته من السّنة ما رواه في الكافي بسنده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من لقى المسلمين بوجهين و لسانين جاء يوم القيامة و له لسانان من نار و عن أبي جعفر عليه السّلام قال : بئس العبد عبد يكون ذا وجهين و ذا لسانين ، يطرى أخاه شاهدا و يأكله غائبا إن أعطى حسده ، و ان ابتلى خذله و عن عبد الرّحمان بن حماد رفعه قال : قال اللَّه تبارك و تعالى لعيسى : يا عيسى ليكن لسانك في السّر و العلانية لسانا واحدا و كذلك قلبك إنّي احذّرك نفسك و كفى بي خبيرا ، لا يصلح لسانان في فم واحد ، و لا سيفان في غمد واحد ، و لا قلبان في صدر واحد ، و كذلك الأذهان ، و رواها جميعا في عقاب الأعمال نحوها . و في عقاب الأعمال عن زيد بن عليّ عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله [ 222 ] يجي‏ء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه و آخر من قدامه يلتهبان نارا حتّى يلهبا جسده ثمّ يقال له : هذا الّذي كان في الدّنيا ذا وجهين و ذا لسانين يعرف بذلك يوم القيامة . ( اعقل ذلك ) أشار به إلى ما يذكره بقوله إنّ البهايم آه ( فانّ المثل دليل على شبهه ) لمّا كان أكثر الأفهام قاصرة عن إدراك الماهيّة العقليّة للشّي‏ء إلاّ في مادّة محسوسة كمن لا يعرف حقيقة العلم مثلا فيقال له إنّه مثل اللّبن حيث إنّه غذاء للرّوح النّاقص و يصير به كاملا كما يتغذّي باللّبن الطّفل النّاقص و به يصير كماله و هكذا ، لا جرم جرت عادة اللَّه تعالى و عادة رسله و أوليائه في بيان الأحكام للنّاس و تبليغ التكاليف اليهم على ضرب الأمثال تقريبا للأفهام و أكثر القرآن أمثال ضربت للنّاس ظواهرها حكاية عن حقايقها المكشوفة عند ذوى البصاير قال صدر المتألّهين : كثر في القرآن ضرب الأمثال لأنّ الدّنيا عالم الملك و الشّهادة ، و الآخرة عالم الغيب و الملكوت ، و ما من صورة في هذا العالم إلاّ و لها حقيقة في عالم الآخرة و ما من معنى حقيقى في الآخرة إلاّ و له مثال و صورة في الدّنيا ، إذ العوالم و النّشئات مطابقة تطابق النفس و الجسد ، و شرح أحوال الآخرة لمن كان بعد في الدّنيا لا يمكن إلاّ بمثال ، و لذلك وجدت القرآن مشحونا بالأمثال كقوله : « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ » « مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ في سبيلِ اللَّهِ » مثله « كَمَثَلِ الْكَلْبِ » مثلهم « كَمَثَلِ الْحِمارِ » . و ليس للأنبياء أن يتكلّموا مع الخلق إلاّ بضرب الأمثال ، لأنّهم كلّفوا أن يكلّموا النّاس على قدر عقولهم ، و قدر عقولهم أنّهم في النوم و النائم لا يكشف له شي‏ء إلاّ بمثل ، فاذا ماتوا انتبهوا و عرفوا أنّ المثل صادق ، فالأنبياء هم المعبرون لما عليه أهل الدّنيا من الأحوال و الصّفات و ما يؤل عليه عاقبتها في يقظة الآخرة بكسوة الأمثال الدّنيوية إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا كان مقصوده التمثيل و أداء [ 223 ] غرضه بضرب المثل ، و المثل ينتفع به العام و الخاص ، و كان نصيب العامى من كلّ مثل أن يدرك ظاهره المحسوس و يقف عليه و ينتفع به ترغيبا و ترهيبا لما فيه من نوع مطابقة لأصله و نصيب الخاصى أن يدرك باطنه و يعبّر من ظاهره إلى سرّه و من محسوسه الجزئي إلى معقوله الكلّى كما قال تعالى : « وَ تِلْكَ الْأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إلاَّ الْعالِمُونَ » . أراد عليه السّلام أن يكون انتفاع المخاطبين بالمثل الذي يضربه على وجه الكمال و نحو الخصوص ، فلذلك قال عليه السّلام : مقدّمة و تنبيها لهم : اعقل ذلك فانّ المثل دليل على شبهه ، أي أفهم ما أقول و تدبّر فيه و لا تقصر نظرك إلى ظاهره ، بل تفكّر في معناه حتّى تصل من قشره إلى لبّه ، و يمكن لك الاستدلال بالمثل على ممثّله و الانتقال من ظاهره إلى باطنه و الوصول من قشره إلى لبّه و المثل الّذي ضربه هو قوله ( إنّ البهايم همّها بطونها ) لكمال قوّتها الشّهوية فاهتمامها دائما بالطعام و الشّراب و الأكل و الشّرب و النزو و السّفاد ( و إنّ السّباع همّها العدوان ) لافراط قوّتها الغضبيّة فلذّتها أبدا في الاضراء و الافتراس و الغلبة و الانتقام ( و إنّ النّساء همهنّ زينة الحياة الدّنيا ) لفرط قوّتها الشّهويّة ( و الفساد فيها ) لشدّة قوّتها الغضبيّة و غرضه عليه السّلام من هذا المثل التنبيه على أنّ كمال الانسان الّذي به فارق غيره هو إدراك ما يخرج عن عالم الحواس و الاحاطة بالمعلومات و التنزّه عن التّعلّقات و التّرقّي إلى الملاء الأعلى ، فمن ذهل عن ذلك و عطل نفسه عن تحصيله و أهمله و لم يجاوز عالم المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه و أبطل قوّة استعداده بالاعراض عن الآيات و التأمّل فيها ، و نزل عن مرتبة الانسانية و أخلد إلى الأرض فان كان تابعا لقوّته الشهويّة البهيميّة فهو نازل عن حقيقة الانسانيّة إلى درجة البهايم ، و وافق الأنعام فمثله كمثل الحمار بل البهايم أشرف منه و هو أضلّ منها كما قال تعالى . « أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم [ 224 ] أضلّ سبيلا » و ذلك لأنّها ما ابطلت استعدادها لما كان لها و ما أضلّت عن سبيلها الّتي كانت عليها ، بل ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها ، بخلاف هذا ، فانّه أبطل كماله و انسانيّته و تبع شهوة بطنه و فرجه و آثر البهيميّة و ان كان تابعا لقوته الغضبيّة فهو منحطّ إلى درجة السّبعيّة فمثله كمثل الكلب أو الخنزير أو الضّبع و نحوها و إن كان تابعا لشهوته و غضبه معا فقد انحطّ من كمال الرجوليّة إلى مرتبة الأنوثيّة . فقد تلخّص مما ذكرنا أنّ غرضه عليه السّلام من التمثيل التنفير عن اتّباع الشهوة و الغضب بالتنبيه على أنّ الخارج فيهما عن حدّ العدل إلى مرتبة الافراط إمّا أن تشبه البهيمة أو السبع أو المرأة ، و كلّ منها مما يرغب العاقل عنه و لا يرضى به لنفسه ، و لذلك قال أوّلا : اعقل ذلك ثمّ إنّه عليه السّلام لما نفّر عن اتباع هاتين القوّتين عقّب ذلك بصفات المؤمنين ترغيبا إليها فقال عليه السّلام : ( إنّ المؤمنين مستكينون ) أى خاضعون للَّه متواضعون له ( إنّ المؤمنين مشفقون ) كما قال سبحانه : « وَ الَّذينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها أي الساعة وَ يَعْلَمُونَ أنَّهَا الْحَقُّ » و قال في موضع آخر : « وَ الَّذينَهُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » و قال « وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقينَ الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ » . ( إنَّ المؤمنين خائفون ) كما قال تعالى : « إنَّما الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » و قال « وَ الَّذينَ يُؤْتُونَ ما آتوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أولئِكَ يُسارِعُونَ [ 225 ] فِي الْخَيراتِ و هُمْ لَها سابِقُونَ » . هذا و انما أتى عليه السّلام في الجملات الثلاث الأخيرة بالأسماء الظاهرة مع اقتضاء الظاهر الاتيان في الأخيرتين بالضمير لغرض زيادة تمكين المسند إليه عند السامع كما في قوله تعالى : « قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ » و في قوله « وَ بِالْحَقِّ أنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ » . و هو من محسّنات البلاغة . تذييل قال الشّارح المعتزلي في شرح هذا الفصل من كلامه عليه السّلام : إنّما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرّؤساء يوم الجمل ، لأنّهم حاولوا أن يشفوا غيظهم باهلاكه و إهلاك غيره من المسلمين ، و عزوه بأمرهم فعلوه و هو التّأليب على عثمان و حصره و استنجحوا حاجتهم إلى أهل البصرة باظهار البدعة و الفتنة و لقوا النّاس بوجهين و لسانين ، لأنّهم بايعوه و أظهروا الرّضا به ، ثمّ دبّوا له فجعل دبوبهم هذه مماثلة للشّرك باللَّه سبحانه في أنّها لا تغفر إلاّ بالتّوبة ، و هذا هو معنى قوله : اعقل ذلك فانّ المثل دليل على شبهه ، و روى فانّ المثل واحد الأمثال أى هذا الحكم بعدم المغفرة لمن أتى شيئا من هذه الأشياء عام و الواحد منها دليل على ما يماثله و يشابهه . فان قلت : فهذا تصريح بمذهب الامامية في طلحة و الزّبير و عايشة قلت : كلاّ فانّ هذه الخطبة خطب بها و هو سائر إلى البصرة و لم يقع الحرب بعد ، و رمز فيها إلى المذكورين و قال إن لم يتوبوا و قد ثبت أنّهم تابوا ، و الأخبار عنهم بالتّوبة مستفيضة ، ثمّ أراد أن يؤمى إلى ذكر النّساء للحال الّتي كان وقع إليها من استنجاد أعدائه بالامرأة فذكر قبل ذكر النّساء أنواعا من الحيوان تمهيدا لقاعدة [ 226 ] ذكر النساء فقال : إنّ البهايم همّها بطونها كالحمر و البقر و الابل ، و إنّ السبّاع همّها العدوان على غيرها كالاسود الضّارية و النّمور و الفهود و البزاة و الصّقور ، و إنّ النساء همّهنّ زينة الحياة الدّنيا و الفساد فيها انتهى أقول : أمّا ما ذكره الشّارح من كون هذا الكلام رمزا إلى قادة الضلال يوم الجمل فغير بعيد ، و اتّصافهم بالخصال الخمس التي هى من أوصاف أهل النفاق و الضلال معلوم و مبرهن . و أمّا جوابه عن الاعتراض الذي اعترض به فسخيف جدّا أمّا أوّلا فلأنّ صدور هذه الخطبة عنه عليه السّلام حين مسيره إلى البصرة و قبل وقوع الحرب لا يرفع الايراد بعد تحقّق اتّصاف الرّؤساء بالخصال المذكورة و أمّا ثانيا فلأنه عليه السّلام لم يقل إن لم يتوبوا بل قال و لم يتب ، و كونه رمزا إلى عدم توبتهم و أنهم يموتون بلا توبة أظهر من أن يكون رمزا إلى حصول التوبة و أمّا ثالثا فلأنّ أخبار توبتهم التي ادعى استفاضتها بعد تسليم كونها مستفيضة مما تفرّدت العامّة بروايتها ، و لا يتمّ بها الاحتجاج قبال الاماميّة ، و قد قدّمنا في شرح الكلام الثامن بطلان توبة الزبير ، و في شرح الكلام الثاني عشر بطلان توبة الطلحة ، و في شرح الكلام التاسع و السبعين بطلان توبة الخاطئة ، و قد مرّ تحقيق بطلان توبة الأوّلين أيضا في شرح الكلام المأة و السابعة و الثلاثين بما لا مزيد عليه فليتذكّر . الترجمة بعض ديگر از آن خطبه شريفه در صفت بعض أهل ضلالست مى‏فرمايد : و آن شخص معصيت كار در مهلت است از پروردگار فرو مى‏افتد با غافلان ، و صباح مى‏كند با گنه كاران ، بدون راه راست و بدون پيشوائى كه كشنده خلايق است بطرف حضرت ربّ العزّة و بعض ديگر از اين خطبه متضمّن نصيحت و موعظه است مر مخاطبين را مى‏فرمايد : [ 227 ] تا آنكه چون كشف كند خدايتعالى از جزاء معصيت ايشان ، و خارج ميكند ايشان را از لباسهاى غفلت ايشان استقبال مى‏كنند بچيزى كه ادبار كرده بود و غايب بود از ايشان كه عبارتست از عقوبات آخرت ، و استدبار مى‏كنند بچيزى كه حاضر بود ايشانرا كه عبارتست از لذايذ دنيا ، پس نفع نبردند از آنچه دريافتند از مطلوب خودشان ، و نه به آنچه كه رسيدند از حاجت خود ، و بدرستى كه من ميترسانم شما را و نفس خود مرا از اين حالت غفلت ، پس بايد كه منتفع بشود مرد بنفس خود ، پس بدرستى كه صاحب بصيرت شخصى است كه بشنود پس تفكر نمايد ، و نظر كند پس بينا گردد ، و منتفع بشود با عبرتهاى روزگار پس از آن راه برود در راه راست آشكار كه دورى ورزد در آن راه از افتادن مواضع پستى و تباهى و از گمراه شدن در مواضع گمراهى ، و اعانت نكند بر ضرر خود گمراهان را بجهة كج روى در امر حق يا بجهة تغيير دادن در گفتار ، يا بجهة اظهار خوف در راستى و صداقت پس افاقه حاصل كن اى شنونده از بيهوشى خود را بيدار باش از خواب غفلت خود ، و مختصر كن از تعجيل و شتاب خودت ، و نيك تأمّل نما در آنچه آمده بتو بر زبان پيغمبريكه از أهل مكه معظمه است از آنچه ناچار است از آن و هيچ گريزى نيست از آن ، و مخالفت كن با كسى كه مخالفت كند در آن ، و متوجّه بشود بطرف غير آن ، و مگذار او را بآنچه كه پسنديده است او را از براى خودش ، و بگذار فخر خودت را ، و پست كن كبر خود را ، و ذكر كن قبر خود را پس بدرستى كه بر آن قبر است عبور تو ، و همچنان كه جزا مى‏دهى جزا داده ميشوى ، و همچنان كه زراعت مى‏كنى مى‏دروى ، و آنچه كه پيش فرستاده امروز مى‏آئى بر او فردا پس مهيّا كن از براى آمدن خود بدار بقا ، و مقدّم كن از براى روز حاجت خود ، پس البته حذر كن و بترس أى گوش دهنده ، و البتّه جدّ و جهد كن أى غفلت كننده ، و آگاه نكند تو را هيچ كس مانند كسى كه آگاهست از كارها ، بدرستى كه از جمله أوامر محتومه پروردگار در ذكر محكم و استوار كه بر اخذ آن ثواب مى‏دهد ، و بر ترك آن عقاب مى‏نمايد ، و از براى اطاعت آن خوشنود مى‏شود ، و بجهة [ 228 ] مخالفت آن غضب مى‏كند . اينست كه هيچ نفع نمى‏بخشد بنده را اگر چه بمشقت أندازد نفس خود را و خالص نمايد فعل خود را اين كه خارج بشود از دنيا در حالتى كه ملاقات كند پروردگار خود را با يك خصلت از اين خصلتهاى ذميمه در حالتى كه توبه ننموده باشد از آن : آنكه شرك آورد بخدا در آنچه كه واجب نموده است بر او از عبادت خود ، يا شفا بدهد غيظ خود را با هلاك كردن نفس خود ، يا اقرار كند بكارى كه ديگرى او را نموده ، يا خواهش روا كردن حاجتى نموده باشد بسوى خلق با اظهار بدعت در دين خود ، يا ملاقات كند مردمان را بدو روئى و نفاق ، يا مشى كند در ميان ايشان با دو زباني و عدم وفاق درك كن و بهم اين مثل را كه خواهم زد از براى تو پس بدرستى كه مثل دليل است بر مشابه خود ، و آن مثل اينست كه : چهار پايان قصد آنها شكمهاى آنهاست ، و بدرستى كه درندگان قصد ايشان ستم و عدوانست ، و بدرستى كه زنان قصد ايشان زينت زندگاني اين جهان و فساد كردنست در آن ، بدرستى كه مؤمنان متواضعانند ، بدرستيكه مؤمنان ترسندگانند از غضب پروردگار ، بدرستى كه مؤمنان خائفند از سخط آفريدگار ، اللّهمّ وفّقنا بمحمّد و آله الأطهار