و من كلام له ع خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 189 ] 156 و من كلام له ع خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم فَمَنِ اِسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَفْعَلْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ عَلَى سَبِيلِ اَلْجَنَّةِ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وَ أَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ اَلنِّسَاءِ وَ ضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ اَلْقَيْنِ وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا اَلْأَوْلَى وَ اَلْحِسَابُ عَلَى اَللَّهِ يعتقل نفسه على الله يحبسها على طاعته ثم ذكر أن السبيل التي حملهم عليها و هي سبيل الرشاد ذات مشقة شديدة و مذاقة مريرة لأن الباطل محبوب النفوس فإنه اللهو و اللذة و سقوط التكليف و أما الحق فمكروه النفس لأن التكليف صعب و ترك الملاذ العاجلة شاق شديد المشقة . و الضغن الحقد و المرجل قدر كبيرة و القين الحداد أي كغليان قدر من حديد [ 190 ] فصل في ترجمة عائشة و ذكر طرف من أخبارها و فلانة كناية عن أم المؤمنين عائشة أبوها أبو بكر و قد تقدم ذكر نسبه و أمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة تزوجها رسول الله ص قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة و هي بنت سبع سنين و بنى عليها بالمدينة و هي بنت تسع سنين و عشرة أشهر و كانت قبله تذكر لجبير بن مطعم و تسمى له و كان رسول الله ص رأى في المنام عائشة في سرقة من حرير عند متوفى خديجة فقال إن يكن هذا من عند الله يمضه روي هذا الخبر في المسانيد الصحيحة و كان نكاحه إياها في شوال و بناؤه عليها في شوال أيضا فكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها و أحبتها على أزواجهن في شوال و تقول هل كان في نسائه أحظى مني و قد نكحني و بنى علي في شوال ردا بذلك على من يزعم من النساء أن دخول الرجل بالمرأة بين العيدين مكروه . و توفي رسول الله ص عنها و هي بنت عشرين سنة و استأذنت رسول الله ص في الكنية فقال لها اكتني بابنك عبد الله بن الزبير يعني ابن أختها فكانت تكنى أم عبد الله و كانت فقيهة راوية للشعر ذات حظ من رسول الله ص و ميل ظاهر إليها و كانت لها عليه جرأة و إدلال لم يزل ينمي و يستشري حتى كان منها في أمره في قصة مارية ما كان من الحديث [ 191 ] الذي أسره إلى الزوجة الأخرى و أدى إلى تظاهرهما عليه و أنزل فيهما قرآنا يتلى في المحاريب يتضمن وعيدا غليظا عقيب تصريح بوقوع الذنب و صغو القلب و أعقبتها تلك الجرأة و ذلك الانبساط و حدث منها في أيام الخلافة العلوية ما حدث و لقد عفا الله تعالى عنها و هي من أهل الجنة عندنا بسابق الوعد و ما صح من أمر التوبة . و روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب في باب عائشة عن سعيد بن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن وضاح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ص لنسائه أيتكن صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلي كثير و تنجو بعد ما كادت . قال أبو عمر بن عبد البر و هذا الحديث من أعلام نبوته ص قال و عصام بن قدامة ثقة و سائر الإسناد فثقة رجاله أشهر من أن تذكر . و لم تحمل عائشة من رسول الله ص و لا ولد له ولد من مهيرة إلا من خديجة و من السراري من مارية . و قذفت عائشة في أيام رسول الله ص بصفوان بن المعطل السلمي و القصة مشهورة فأنزل الله تعالى براءتها في قرآن يتلى و ينقل و جلد قاذفوها الحد و توفيت في سنة سبع و خمسين للهجرة و عمرها أربع و ستون سنة و دفنت بالبقيع [ 192 ] في ملك معاوية و صلى عليها المسلمون ليلا و أمهم أبو هريرة و نزل في قبرها خمسة من أهلها عبد الله و عروة ابنا الزبير و القاسم و عبد الله ابنا محمد بن أبي بكر و عبد الرحمن بن أبي بكر و ذلك لسبع عشرة خلت من شهر رمضان من السنة المذكورة . فأما قوله فأدركها رأي النساء أي ضعف آرائهن و قد جاء في الخبر لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة و جاء إنهن قليلات عقل و دين أو قال ضعيفات و لذلك جعل شهادة المرأتين بشهادة الرجل الواحد و المرأة في أصل الخلقة سريعة الانخداع سريعة الغضب سيئة الظن فاسدة التدبير و الشجاعة فيهن مفقودة أو قليلة و كذلك السخاء و أما الضغن فاعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح و قد كنت قرأته على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني رحمه الله أيام اشتغالي عليه بعلم الكلام و سألته عما عنده فيه فأجابني بجواب طويل أنا أذكر محصوله بعضه بلفظه رحمه الله و بعضه بلفظي فقد شذ عني الآن لفظه كله بعينه قال أول بدء الضغن كان بينها و بين فاطمة ع و ذلك لأن رسول الله ص تزوجها عقيب موت خديجة فأقامها مقامها و فاطمة هي ابنة خديجة و من المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها و تزوج أبوها أخرى كان بين الابنة و بين المرأة كدر و شنئان و هذا لا بد منه لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب و البنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غريبة كالضرة لأمها بل هي ضرة على الحقيقة و إن كانت الأم ميتة و لأنا لو قدرنا الأم حية لكانت العداوة مضطرمة متسعرة فإذا كانت قد ماتت ورثت ابنتها تلك العداوة و في المثل عداوة الحماة و الكنة و قال الراجز [ 193 ] إن الحماة أولعت بالكنة و أولعت كنتها بالظنة ثم اتفق أن رسول الله ص مال إليها و أحبها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله و أكرم رسول الله ص فاطمة إكراما عظيما أكثر مما كان الناس يظنونه و أكثر من إكرام الرجال لبناتهم حتى خرج بها عن حد حب الآباء للأولاد فقال بمحضر الخاص و العام مرارا لا مرة واحدة و في مقامات مختلفة لا في مقام واحد إنها سيدة نساء العالمين و إنها عديلة مريم بنت عمران و إنها إذا مرت في الموقف نادى مناد من جهة العرش يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمد و هذا من الأحاديث الصحيحة و ليس من الأخبار المستضعفة و إن إنكاحه عليا إياها ما كان إلا بعد أن أنكحه الله تعالى إياها في السماء بشهادة الملائكة و كم قال لا مرة يؤذيني ما يؤذيها و يغضبني ما يغضبها و إنها بضعة مني يريبني ما رابها فكان هذا و أمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة حسب زيادة هذا التعظيم و التبجيل و النفوس البشرية تغيظ على ما هو دون هذا فكيف هذا . ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها أعني عليا ع فإن النساء كثيرا ما يجعلن الأحقاد في قلوب الرجال لا سيما و هن محدثات الليل كما قيل في المثل و كانت تكثر الشكوى من عائشة و يغشاها نساء المدينة و جيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة و كما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كانت عائشة تشكو إلى أبيها لعلمها أن بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما ثم تزايد تقريظ رسول الله ص [ 194 ] لعلي ع و تقريبه و اختصاصه فأحدث ذلك حسدا له و غبطة في نفس أبي بكر عنه و هو أبوها و في نفس طلحة و هو ابن عمها و هي تجلس إليهما و تسمع كلامهما و هما يجلسان إليها و يحادثانها فأعدى إليها منهما كما أعدتهما . قال و لست أبرئ عليا ع من مثل ذلك فإنه كان ينفس على أبي بكر سكون النبي ص إليه و ثناءه عليه و يحب أن ينفرد هو بهذه المزايا و الخصائص دونه و دون الناس أجمعين و من انحرف عن إنسان انحرف عن أهله و أولاده فتأكدت البغضة بين هذين الفريقين ثم كان من أمر القذف ما كان و لم يكن علي ع من القاذفين و لكنه كان من المشيرين على رسول الله ص بطلاقها تنزيها لعرضه عن أقوال الشنأة و المنافقين . قال له لما استشاره إن هي إلا شسع نعلك و قل له سل الخادم و خوفها و إن أقامت على الجحود فاضربها و بلغ عائشة هذا الكلام كله و سمعت أضعافه مما جرت عادة الناس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة و نقل النساء إليها كلاما كثيرا عن علي و فاطمة و أنهما قد أظهرا الشماتة جهارا و سرا بوقوع هذه الحادثة لها فتفاقم الأمر و غلظ . ثم إن رسول الله ص صالحها و رجع إليها و نزل القرآن ببراءتها فكان منها ما يكون من الإنسان ينتصر بعد أن قهر و يستظهر بعد أن غلب و يبرأ بعد أن اتهم من بسط اللسان و فلتات القول و بلغ ذلك كله عليا ع و فاطمة ع فاشتدت الحل و غلظت و طوى كل من الفريقين قلبه على الشنئان لصاحبه ثم كان بينها و بين علي ع في حياة رسول الله ص أحوال و أقوال كلها تقتضي تهييج ما في النفوس نحو قولها له و قد استدناه رسول الله فجاء حتى قعد بينه [ 195 ] و بينها و هما متلاصقان أ ما وجدت مقعدا لكذا لا تكني عنه إلا فخذي و نحو ما روي أنه سايره يوما و أطال مناجاته فجاءت و هي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما و قالت فيم أنتما فقد أطلتما فيقال إن رسول الله ص غضب ذلك اليوم و ما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها و نحو ذلك مما يكون بين الأهل و بين المرأة و أحمائها . ثم اتفق أن فاطمة ولدت أولادا كثيرة بنين و بنات و لم تلد هي ولدا و أن رسول الله ص كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه و يسمي الواحد منهما ابني و يقول دعوا لي ابني و لا تزرموا على ابني و ما فعل ابني فما ظنك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ثم رأت البعل يتمنى بني ابنته من غيرها و يحنو عليهم حنو الوالد المشفق هل تكون محبة لأولئك البنين و لأمهم و لأبيهم أم مبغضة و هل تود دوام ذلك و استمراره أم زواله و انقضاءه . ثم اتفق أن رسول الله ص سد باب أبيها إلى المسجد و فتح باب صهره ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثم عزله عنها بصهره فقدح ذلك أيضا في نفسها و ولد لرسول الله ص إبراهيم من مارية فأظهر علي ع بذلك سرورا كثيرا و كان يتعصب لمارية و يقوم بأمرها عند رسول الله ص ميلا على غيرها و جرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرأها علي ع منها و كشف بطلانها أو كشفه الله تعالى على يده و كان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة و كل ذلك مما كان يوغر صدر عائشة عليه و يؤكد ما في نفسها منه ثم مات إبراهيم فأبطنت شماتة و إن أظهرت كآبة [ 196 ] و وجم علي ع من ذلك و كذلك فاطمة و كانا يؤثران و يريدان أن تتميز مارية عليها بالولد فلم يقدر لهما و لا لمارية ذلك و بقيت الأمور على ما هي عليه و في النفوس ما فيها حتى مرض رسول الله ص المرض الذي توفي فيه و كانت فاطمة ع و علي ع يريدان أن يمرضاه في بيتهما و كذلك كان أزواجه كلهن فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبة القلبية التي كانت لها دون نسائه و كره أن يزاحم فاطمة و بعلها في بيتهما فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه و علم أن المريض يحتاج إلى فضل مداراة و نوم و يقظة و انكشاف و خروج حدث فكانت نفسه إلى بيته أسكن منها إلى بيت صهره و بنته فإنه إذا تصور حياءهما منه استحيا هو أيضا منهما و كل أحد يحب أن يخلو بنفسه و يحتشم الصهر و البنت و لم يكن له إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها فتمرض في بيتها فغبطت على ذلك و لم يمرض رسول الله ص منذ قدم المدينة مثل هذا المرض و إنما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثم يبرأ فتطاول هذا المرض و كان علي ع لا يشك أن الأمر له و أنه لا ينازعه فيه أحد من الناس و لهذا قال له عمه و قد مات رسول الله ص امدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله ص بايع ابن عم رسول الله ص فلا يختلف عليك اثنان قال يا عم و هل يطمع فيها طامع غيري قال ستعلم قال فإني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج و أحب أن أصحر به فسكت عنه فلما ثقل رسول الله ص في مرضه أنفذ جيش أسامة و جعل فيه أبا بكر و غيره من أعلام [ 197 ] المهاجرين و الأنصار فكان علي ع حينئذ بوصوله إلى الأمر إن حدث برسول الله ص حدث أوثق و تغلب على ظنه أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية فيأخذه صفوا عفوا و تتم له البيعة فلا يتهيأ فسخها لو رام ضد منازعته عليها فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة بإرسالها إليه و إعلامه بأن رسول الله ص يموت ما كان و من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب علي ع عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس لأن رسول الله كما روي قال ليصل بهم أحدهم و لم يعين و كانت صلاة الصبح فخرج رسول الله ص و هو في آخر رمق يتهادى بين علي و الفضل بن العباس حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر ثم دخل فمات ارتفاع الضحى فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه و قال أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة و لم يحملوا خروج رسول الله ص إلى الصلاة لصرفه عنها بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي ع على أنها ابتدأت منها . و كان علي ع يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا و يقول إنه لم يقل ص إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال و غضبا منها لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما و أنه استدركها بخروجه و صرفه عن المحراب فلم يجد ذلك و لا أثر مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر و يمهد له قاعدة الأمر و تقرر حاله في نفوس الناس و من اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين و الأنصار و لما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي و الأمر السمائي الذي جمع عليه القلوب و الأهواء فكانت هذه الحال عند علي أعظم من كل عظيم و هي الطامة الكبرى [ 198 ] و المصيبة العظمى و لم ينسبها إلا إلى عائشة وحدها و لا علق الأمر الواقع إلا بها فدعا عليها في خلواته و بين خواصه و تظلم إلى الله منها و جرى له في تخلفه عن البيعة ما هو مشهور حتى بايع و كان يبلغه و فاطمة عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول الله ص إلى أن توفيت فاطمة و هما صابران على مضض و رمض و استظهرت بولاية أبيها و استطالت و عظم شأنها و انخذل علي و فاطمة و قهرا و أخذت فدك و خرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا فلم تظفر بشي‏ء و في ذلك تبلغها النساء و الداخلات و الخارجات عن عائشة كل كلام يسوؤها و يبلغن عائشة عنها و عن بعلها مثل ذلك إلا أنه شتان ما بين الحالين و بعد ما بين الفريقين هذه غالبة و هذه مغلوبة و هذه آمرة و هذه مأمورة و ظهر التشفي و الشماتة و لا شي‏ء أعظم مرارة و مشقة من شماتة العدو . فقلت له رحمه الله أ فتقول أنت إن عائشة عينت أباها للصلاة و رسول الله ص لم يعينه فقال أما أنا فلا أقول ذلك و لكن عليا كان يقوله و تكليفي غير تكليفه كان حاضرا و لكم أكن حاضرا فأنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي و هي تتضمن تعيين النبي ص لأبي بكر في الصلاة و هو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها . قال ثم ماتت فاطمة فجاء نساء رسول الله ص كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلا عائشة فإنها لم تأت و أظهرت مرضا و نقل إلى علي ع عنها كلام يدل على السرور . ثم بايع علي أباها فسرت بذلك و أظهرت من الاستبشار بتمام البيعة و استقرار [ 199 ] الخلافة و بطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا و استمرت الأمور على هذا مدة خلافة أبيها و خلافة عمر و عثمان و القلوب تغلي و الأحقاد تذيب الحجارة و كلما طال الزمان على علي تضاعفت همومه و باح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان و قد كانت عائشة فيها أشد الناس عليه تأليبا و تحريضا فقالت أبعده الله لما سمعت قتله و أملت أن تكون الخلافة في طلحة فتعود الإمرة تيمية كما كانت أولا فعدل الناس عنه إلى علي بن أبي طالب فلما سمعت ذلك صرخت وا عثماناه قتل عثمان مظلوما و ثار ما في الأنفس حتى تولد من ذلك يوم الجمل و ما بعده . هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوب رحمه الله و لم يكن يتشيع و كان شديدا في الاعتزال إلا أنه في التفضيل كان بغداديا . فأما قوله ع و لو دعيت لتنال من غيري مثل ما أتت إلي لم تفعل فإنما يعني به عمر يقول لو أن عمر ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه و الوجه الذي أنا وليت الخلافة عليه و نسب إلى عمر أنه كان يؤثر قتله أو يحرض عليه و دعيت عائشة إلى أن تخرج عليه في عصابة من المسلمين إلى بعض بلاد الإسلام تثير فتنة و تنقض البيعة لم تفعل و هذا حق لأنها لم تكن تجد على عمر ما تجده على علي ع و لا الحال الحال . فأما قوله و لها بعد حرمتها الأولى و الحساب على الله فإنه يعني بذلك حرمتها بنكاح رسول الله ص لها و حبه إياها و حسابها على الله لأنه غفور رحيم لا يتعاظم عفوه زلة و لا يضيق عن رحمته ذنب . [ 200 ] فإن قلت هذا الكلام يدل على توقفه ع في أمرها و أنتم تقولون إنها من أهل الجنة فكيف تجمعون بين مذهبكم و هذا الكلام . قلت يجوز أن يكون قال هذا الكلام قبل أن يتواتر الخبر عنده بتوبتها فإن أصحابنا يقولون إنها تابت بعد قتل أمير المؤمنين و ندمت و قالت لوددت أن لي من رسول الله ص عشرة بنين كلهم ماتوا و لم يكن يوم الجمل و إنها كانت بعد قتله تثني عليه و تنشر مناقبه مع أنهم رووا أيضا أنها عقيب الجمل كانت تبكي حتى تبل خمارها و أنها استغفرت الله و ندمت و لكن لم يبلغ أمير المؤمنين ع حديث توبتها عقيب الجمل بلاغا يقطع العذر و يثبت الحجة و الذي شاع عنها من أمر الندم و التوبة شياعا مستفيضا إنما كان بعد قتله ع إلى أن ماتت و هي على ذلك و التائب مغفور له و يجب قبول التوبة عندنا في العدل و قد أكدوا وقوع التوبة منها ما روي في الأخبار المشهورة أنها زوجة رسول الله ص في الآخرة كما كانت زوجته في الدنيا و مثل هذا الخبر إذا شاع أوجب علينا أن نتكلف إثبات توبتها و لو لم ينقل فكيف و النقل لها يكاد أن يبلغ حد التواتر : مِنْهُ سَبِيلٌ أَبْلَجُ اَلْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ اَلسِّرَاجِ فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ اَلْعِلْمُ وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ اَلْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ اَلدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ اَلآْخِرَةُ وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ اَلْجَنَّةُ وَ تُبَرَّزُ اَلْجَحِيمُ [ 201 ] لِلْغَاوِينَ وَ إِنَّ اَلْخَلْقَ لاَ مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ اَلْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى اَلْغَايَةِ اَلْقُصْوَى هو الآن في ذكر الإيمان و عنه قال سبيل أبلج المنهاج أي واضح الطريق . ثم قال فبالإيمان يستدل على الصالحات يريد بالإيمان هاهنا مسماه اللغوي لا الشرعي لأن الإيمان في اللغة هو التصديق قال سبحانه وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدق و المعنى أن من حصل عنده التصديق بالوحدانية و الرسالة و هما كلمتا الشهادة استدل بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه أو ندبه إليها لأن المسلم يعلم من دين نبيه ص أنه أوجب عليه أعمالا صالحة و ندبه إلى أعمال صالحة فقد ثبت أن بالإيمان يستدل على الصالحات . ثم قال و بالصالحات يستدل على الإيمان فالإيمان هاهنا مستعمل في مسماه الشرعي لا في مسماه اللغوي و مسماه الشرعي هو العقد بالقلب و القول باللسان و العمل بالجوارح فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستكمل فعل كل واجب و يجتنب كل قبيح و لا شبهة أنا متى علمنا أو ظننا من مكلف أنه يفعل الأفعال الصالحة و يجتنب الأفعال القبيحة استدللنا بذلك على حسن إطلاق لفظ المؤمن عليه و بهذا التفسير الذي فسرناه نسلم من إشكال الدور لأن لقائل أن يقول من شرط الدليل أن يعلم قبل العلم بالمدلول فلو كان كل واحد من الإيمان و الصالحات يستدل به على الآخر لزم تقدم العلم بكل واحد منهما على العلم بكل واحد منهما فيؤدي إلى الدور و لا شبهة أن هذا الدور غير لازم على التفسير الذي فسرناه نحن . [ 202 ] ثم قال ع و بالإيمان يعمر العلم و ذلك لأن العالم و هو غير عامل بعلمه غير منتفع بما علم بل مستضر به غاية الضرر فكأن علمه خراب غير معمور و إنما يعمر بالإيمان و هو فعل الواجب و تجنب القبيح على مذهبنا أو الاعتقاد و المعرفة على مذهب غيرنا أو القول اللساني على قول آخرين و مذهبنا أرجح لأن عمارة العلم إنما تكون بالعمل من الأعضاء و الجوارح و بدون ذلك يبقى العلم على خرابه كما كان . ثم قال و بالعلم يرهب الموت هذا من قول الله تعالى إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ . ثم قال و بالموت تختم الدنيا و هذا حق لأنه انقطاع التكليف . ثم قال و بالدنيا تحرز الآخرة هذا كقول بعض الحكماء الدنيا متجر و الآخرة ربح و نفسك رأس المال . ثم قال و بالقيامة تزلف الجنة للمتقين و تبرز الجحيم للغاوين هذا من القرآن العزيز و تزلف لهم تقدم لهم و تقرب إليهم . و لا مقصر لي عن كذا لا محبس و لا غاية لي دونه و أرقل أسرع و المضمار حيث تستبق الخيل : مِنْهَا قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ اَلْأَجْدَاثِ وَ صَارُوا إِلَى مَصَايِرِ اَلْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا [ 203 ] لاَ يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَ لاَ يُنْقَلُونَ عَنْهَا وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِنَّهُمَا لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ وَ عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ اَلْحَبْلُ اَلْمَتِينُ وَ اَلنُّورُ اَلْمُبِينُ وَ اَلشِّفَاءُ اَلنَّافِعُ وَ اَلرِّيُّ اَلنَّاقِعُ وَ اَلْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ وَ اَلنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ لاَ يَعْوَجُّ فَيُقَامَ وَ لاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ وَ لاَ يُخْلِقُهُ كَثْرَةُ اَلرَّدِّ وَ وُلُوجُ اَلسَّمْعِ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ شخصوا من بلد كذا خرجوا و مستقر الأجداث مكان استقرارهم بالقبور و هي جمع جدث . و مصاير الغايات جمع مصير و الغايات جمع غاية و هي ما ينتهى إليه قال الكميت فالآن صرت إلى أمية و الأمور إلى مصاير ثم ذكر أن أهل الثواب و العقاب كل من الفريقين يقيم بدار لا يتحول منها و هذا كما ورد في الخبر أنه ينادي مناد يا أهل الجنة سعادة لا فناء لها و يا أهل النار شقاوة لا فناء لها . ثم ذكر أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خلقان من خلق الله سبحانه و ذلك لأنه تعالى ما أمر إلا بمعروف و ما نهى إلا عن منكر و يبقى الفرق بيننا و بينه أنا يجب علينا النهي عن المنكر بالمنع منه و هو سبحانه لا يجب عليه ذلك لأنه لو منع من إتيان المنكر لبطل التكليف . ثم قال إنهما لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق و إنما قال ع [ 204 ] ذلك لأن كثيرا من الناس يكف عن نهي الظلمة عن المناكير توهما منه أنهم أما إن يبطشوا به فيقتلوه أو يقطعوا رزقه و يحرموه فقال ع إن ذلك ليس مما يقرب من الأجل و لا يقطع الرزق . و ينبغي أن يحمل كلامه ع على حال السلامة و غلبة الظن بعدم تطرق الضرر الموفي على مصلحة النهي عن المنكر . ثم أمر باتباع الكتاب العزيز و وصفه بما وصفه به . و ماء ناقع ينقع الغلة أي يقطعها و يروى منها و لا يزيغ يميل فيستعتب يطلب منه العتبى هي الرضا كما يطلب من الظالم يميل فيسترضى . قال و لا يخلقه كثرة الرد و ولوج السمع هذا من خصائص القرآن المجيد شرفه الله تعالى و ذلك أن كل كلام منثور أو منظوم إذا تكررت تلاوته و تردد ولوجه الأسماع مل و سمج و استهجن إلا القرآن فإنه لا يزال غضا طريا محبوبا غير مملول [ 205 ] 157 و قام إليه ع رجل فقال أخبرنا عن الفتنة و هل سألت عنها رسول الله ص فقال ع : إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ عَلِمْتُ أَنَّ اَلْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَ رَسُولُ اَللَّهِ ص بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلْفِتْنَةُ اَلَّتِي أَخْبَرَكَ اَللَّهُ بِهَا فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اَللَّهِ أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اُسْتُشْهِدَ مَنِ اُسْتُشْهِدَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ حِيزَتْ عَنِّي اَلشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ اَلشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ اَلصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ اَلْبُشْرَى وَ اَلشُّكْرِ وَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَلْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ اَلْكَاذِبَةِ وَ اَلْأَهْوَاءِ اَلسَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ اَلْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَ اَلسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ اَلرِّبَا بِالْبَيْعِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَبِأَيِّ اَلْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ [ 206 ] قد كان ع يتكلم في الفتنة و لذلك ذكر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لذلك قال فعليكم بكتاب الله أي إذا وقع الأمر و اختلط الناس فعليكم بكتاب الله فلذلك قام إليه من سأله عن الفتنة و هذا الخبر مروي عن رسول الله ص قد رواه كثير من المحدثين عن علي ع أن رسول الله ص قال له إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين قال فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد قال قوم يشهدون أن لا إله إلا الله و أني رسول الله و هم مخالفون للسنة فقلت يا رسول الله فعلام أقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد قال على الأحداث في الدين و مخالفة الأمر فقلت يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة فأسأل الله أن يعجلها لي بين يديك قال فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين أما إني وعدتك الشهادة و ستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه فكيف صبرك إذا قلت يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر هذا موطن شكر قال أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم فقلت يا رسول الله لو بينت لي قليلا فقال إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن و تعمل بالرأي و تستحل الخمر بالنبيذ و السحت بالهدية و الربا بالبيع و تحرف الكتاب عن مواضعه و تغلب كلمة الضلال فكن جليس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور و قلبت لك الأمور تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى فقلت يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة فقال بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل فقلت يا رسول الله أ يدركهم العدل منا أم من غيرنا قال بل منا بنا فتح و بنا يختم و بنا ألف الله بين القلوب [ 207 ] بعد الشرك و بنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة فقلت الحمد لله على ما وهب لنا من فضله . و اعلم أن لفظه ع المروي في نهج البلاغة يدل على أن الآية المذكورة و هي قوله ع الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أنزلت بعد أحد و هذا خلاف قول أرباب التفسير لأن هذه الآية هي أول سورة العنكبوت و هي عندهم بالاتفاق مكية و يوم أحد كان بالمدينة و ينبغي أن يقال في هذا إن هذه الآية خاصة أنزلت بالمدينة و أضيفت إلى السورة المكية فصارتا واحدة و غلب عليها نسب المكي لأن الأكثر كان بمكة و في القرآن مثل هذا كثير كسورة النحل فإنها مكية بالإجماع و آخرها ثلاث آيات أنزلت بالمدينة بعد يوم أحد و هي قوله تعالى وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَ اِصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . فإن قلت فلم قال علمت أن الفتنة لا تنزل بنا و رسول الله بين أظهرنا قلت لقوله تعالى وَ ما كانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ . و قوله حيزت عني الشهادة أي منعت . قوله ليس هذا من مواطن الصبر كلام عال جدا يدل على يقين عظيم و عرفان تام و نحوه قوله و قد ضربه ابن ملجم فزت و رب الكعبة . [ 208 ] قوله سيفتنون بعدي بأموالهم من قوله تعالى إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . قوله و يمنون بدينهم على ربهم من قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ . قوله و يتمنون رحمته من قوله أحمق الحمقى من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله . قوله و يأمنون سطوته من قوله تعالى أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اَللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخاسِرُونَ . و الأهواء الساهية الغافلة و السحت الحرام و يجوز ضم الحاء و قد أسحت الرجل في تجارته إذا اكتسب السحت . و في قوله بل بمنزلة فتنة تصديق لمذهبنا في أهل البغي و أنهم لم يدخلوا في الكفر بالكلية بل هم فساق و الفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان و لم يدخل في الكفر