و من خطبة له ع يحمد

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 44 ] 231 و من خطبة له ع اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ اَلشَّوَاهِدُ وَ لاَ تَحْوِيهِ اَلْمَشَاهِدُ وَ لاَ تَرَاهُ اَلنَّوَاظِرُ وَ لاَ تَحْجُبُهُ اَلسَّوَاتِرُ اَلدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ اَلَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ وَ اِرْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ اَلْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ اَلْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَ بِمَا اِضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ اَلْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ تَتَلَقَّاهُ اَلْأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ وَ تَشْهَدُ لَهُ اَلْمَرَائِي لاَ بِمُحَاضَرَةٍ لَمْ تُحِطْ بِهِ اَلْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا وَ بِهَا اِمْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ اِمْتَدَّتْ بِهِ اَلنِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً وَ لاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ اَلْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَلصَّفِيُّ وَ أَمِينُهُ اَلرَّضِيُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ اَلْحُجَجِ وَ ظُهُورِ اَلْفَلَجِ وَ إِيضَاحِ اَلْمَنْهَجِ فَبَلَّغَ اَلرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا وَ حَمَلَ عَلَى اَلْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَيْهَا وَ أَقَامَ أَعْلاَمَ اَلاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ اَلضِّيَاءِ وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ اَلْإِسْلاَمِ مَتِينَةً وَ عُرَا اَلْإِيمَانِ وَثِيقَةً [ 45 ] الشواهد هاهنا يريد بها الحواس و سماها شواهد إما لحضورها شهد فلان كذا أي حضره أو لأنها تشهد على ما تدركه و تثبته عند العقل كما يشهد الشاهد بالشي‏ء و يثبته عند الحاكم . و المشاهد هاهنا المجالس و النوادي يقال حضرت مشهد بني فلان أي ناديهم و مجتمعهم . ثم فسر اللفظة الأولى و أبان عن مراده بها بقوله و لا تراه النواظر و فسر اللفظة الثانية و أبان عن مرادها فقال و لا تحجبه السواتر . ثم قال الدال على قدمه بحدوث خلقه و بحدوث خلقه على وجوده هذا مشكل لأن لقائل أن يقول إذا دل على قدمه بحدوث خلقه فقد دخل في جملة المدلول كونه موجودا لأن القديم هو الموجود و لم يزل فأي حاجه إلى أن يعود فيقول و بحدوث خلقه على وجوده . و لمجيب أن يجيب على طريقة شيوخنا أصحاب أبي هاشم فيقول لا يلزم من الاستدلال بحدوث الأجسام على أنه لا بد من محدث قديم كونه موجودا لأن عندهم أن الذات المعدومة قد تتصف بصفات ذاتية و هي معدومة فلا يلزم من كون صانع العالم عندهم عالما قادرا حيا أن يكون موجودا بل لا بد من دلالة زائدة على أن له صفة الوجود و هي و الدلالة التي يذكرونها من أن كونه قادرا عالما تقتضي تعلقه بالمقدور و المعلوم و كل ذات متعلقة فإن عدمها يخرجها عن التعلق كالإرادة فلو كان تعالى معدوما لم يجز أن يكون متعلقا فحدوث الأجسام إذا قد دل على أمرين من وجهين مختلفين أحدهما أنه لا بد من صانع له و هذا هو المعني بقدمه . [ 46 ] و الثاني أن هذا الصانع له صفة لأجلها يصح على ذاته أن تكون قادرة عالمة و هذا هو المعني بوجوده . فإن قلت أ يقول أصحاب شيخكم أبي هاشم إن الذات المعدومة التي لا أول لها تسمى قديمة قلت لا و البحث في هذا بحث في اللفظ لا في المعنى . و المراد بقوله ع الدال بحدوث الأشياء على قدمه أي على كونه ذاتا لم يجعلها جاعل و ليس المراد بالقدم هاهنا الوجود لم يزل بل مجرد الذاتية لم يزل . ثم يستدل بعد ذلك بحدوث الأشياء على أن له صفة أخرى لم تزل زائدة على مجرد الذاتية و تلك الصفة هي وجوده فقد اتضح المراد الآن . فإن قلت فهل لهذا الكلام مساغ على مذهب البغداديين قلت نعم إذا حمل على منهج التأويل بأن يريد بقوله و بحدوث خلقه على وجوده أي على صحة إيجاده له فيما بعد أي إعادته بعد العدم يوم القيامة لأنه إذا صح منه تعالى إحداثه ابتداء صح منه إيجاده ثانيا على وجه الإعادة لأن الماهية قابلة للوجود و العدم و القادر قادر لذاته فأما من روى بحدوث خلقه على وجوده فإنه قد سقطت عنه هذه الكلف كلها و المعنى على هذا ظاهر لأنه تعالى دل المكلفين بحدوث خلقه على أنه جواد منعم و مذهب أكثر المتكلمين أنه خلق العالم جودا و إنعاما و إحسانا إليهم . قوله ع و باشتباههم على أن لا شبه له هذا دليل صحيح و ذلك لأنه إذا ثبت أن جسما ما محدث ثبت أن سائر الأجسام محدثة لأن الأجسام متماثلة و كل ما صح على الشي‏ء صح على مثله و كذلك إذا ثبت أن سوادا ما أو بياضا ما محدث ثبت أن سائر السوادات و البياضات محدثة لأن حكم الشي‏ء حكم مثله و السواد في معنى [ 47 ] كونه سوادا غير مختلف و كذلك البياض فصارت الدلالة هكذا الذوات التي عندنا يشبه بعضها بعضا و هي محدثة فلو كان الباري سبحانه يشبه شيئا منها لكان مثلها و لكان محدثا لأن حكم الشي‏ء حكم مثله لكنه تعالى ليس بمحدث فليس بمشابه لشي‏ء منها فقد صح إذا قوله ع و باشتباههم على أن لا شبه له . قوله ع الذي صدق في ميعاده لا يجوز ألا يصدق لأن الكذب قبيح عقلا و الباري تعالى يستحيل منه من جهة الداعي و الصارف أن يفعل القبيح . قوله ع و ارتفع عن ظلم عباده هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة و عن أمير المؤمنين ع أخذوه و هو أستاذهم و شيخهم في العدل و التوحيد فأما الأشعرية فإنها و إن كانت تمتنع عن إطلاق القول بأن الله تعالى يظلم العباد إلا أنها تعطي المعنى في الحقيقة لأن الله عندهم يكلف العباد ما لا يطيقونه بل هو سبحانه عندهم لا يكلفهم إلا ما لا يطيقونه بل هو سبحانه عندهم لا يقدر على أن يكلفهم ما يطيقونه و ذلك لأن القدرة عندهم مع الفعل فالقاعد غير قادر على القيام و إنما يكون قادرا على القيام عند حصول القيام و يستحيل عندهم أن يوصف الباري تعالى بإقدار العبد القاعد على القيام و هو مع ذلك مكلف له أن يقوم و هذا غاية ما يكون من الظلم سواء أطلقوا هذه اللفظة عليه أو لم يطلقوها . ثم أعاد الكلام الأول في التوحيد تأكيدا فقال حدوث الأشياء دليل على قدمه و كونها عاجزة عن كثير من الأفعال دليل على قدرته و كونها فانية دليل على بقائه . فإن قلت أما الاستدلال بحدوث الأشياء على قدمه فمعلوم فكيف يكون الاستدلال على الأمرين الأخيرين [ 48 ] قلت إذا شاركه سبحانه بعض الموجودات في كونه موجودا و افترقا في أن أحدهما لا يصح منه فعل الجسم و لا الكون و لا الحياة و لا الوجود المحدث و يصح ذلك من الموجودات القديمة دل على افتراقهما في أمر لأجله صح من القديم ذلك و تعذر ذلك على المحدث و ذلك الأمر هو الذي يسمى من كان عليه قادرا و ينبغي أن تحمل لفظة العجز هاهنا على المفهوم اللغوي و هو تعذر الإيجاد لا على المفهوم الكلامي . و أما الاستدلال الثاني فينبغي أن يحمل الفناء هاهنا على المفهوم اللغوي و هو تغير الصفات و زوالها لا على المفهوم الكلامي فيصير تقدير الكلام لما كانت الأشياء التي بيننا تتغير و تتحول و تنتقل من حال إلى حال و علمنا أن العلة المصححة لذلك كونها محدثة علمنا أنه سبحانه لا يصح عليه التنقل و التغير لأنه ليس بمحدث ثم قال واحد لا بعدد لأن وحدته ذاتية و ليست صفة زائدة عليه و هذا من الأبحاث الدقيقة في علم الحكمة و ليس هذا الكتاب موضوعا لبسط القول في أمثاله . ثم قال دائم لا بأمد لأنه تعالى ليس بزماني و داخل تحت الحركة و الزمان و هذا أيضا من دقائق العلم الإلهي و العرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به و لكن هذا الرجل كان ممنوحا من الله تعالى بالفيض المقدس و الأنوار الربانية . ثم قال قائم لا بعمد لأنه لما كان في الشاهد كل قائم فله عماد يعتمد عليه أبان ع تنزيهه تعالى عن المكان و عما يتوهمه الجهلاء من أنه مستقر على عرشه بهذه اللفظة و معنى القائم هاهنا ليس ما يسبق إلى الذهن من أنه المنتصب بل ما تفهمه من قولك فلان قائم بتدبير البلد و قائم بالقسط . ثم قال تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة أي تتلقاه تلقيا عقليا ليس كما يتلقى الجسم الجسم بمشاعره و حواسه و جوارحه و ذلك لأن تعقل الأشياء و هو حصول صورها [ 49 ] في العقل بريئة من المادة و المراد بتلقيه سبحانه هاهنا تلقي صفاته لا تلقي ذاته تعالى لأن ذاته تعالى لا تتصورها العقول و سيأتي إيضاح أن هذا مذهبه ع . ثم قال و تشهد له المرائي لا بمحاضرة المرائي جمع مرئي و هو الشي‏ء المدرك بالبصر يقول المرئيات تشهد بوجود الباري لأنه لو لا وجوده لما وجدت و لو لم توجد لم تكن مرئيات و هي شاهدة بوجوده لا كشهادتها بوجود الأبصار لأنها شهدت بوجود الأبصار لحضورها فيها و أما شهادتها بوجود الباري فليست بهذه الطريق بل بما ذكرناه و الأولى أن يكون المرائي هاهنا جمع مرآة بفتح الميم من قولهم هو حسن في مرآة عيني يقول إن جنس الرؤية يشهد بوجود الباري من غير محاضرة منه للحواس . قوله ع لم تحط به الأوهام إلى قوله ع و إليها حاكمها هذا الكلام دقيق و لطيف و الأوهام هاهنا هي العقول يقول إنه سبحانه لم تحط به العقول أي لم تتصور كنه ذاته و لكنه تجلى للعقول بالعقول و تجليه هاهنا هو كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من صفاته الإضافية و السلبية لا غير و كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من أسرار مخلوقاته فأما غير ذلك فلا و ذلك لأن البحث النظري قد دل على أنا لم نعلم منه سبحانه إلا الإضافة و السلب أما الإضافة فكقولنا عالم قادر و أما السلب فكقولنا ليس بجسم و لا عرض و لا يرى فأما حقيقة الذات المقدسة المخصوصة من حيث هي هي فإن العقل لا يتصورها و هذا مذهب الحكماء و بعض المتكلمين من أصحابنا و من غيرهم . ثم قال و بالعقول امتنع من العقول أي و بالعقول و بالنظر علمنا أنه تعالى يمتنع أن تدركه العقول . ثم قال و إلى العقول حكم العقول أي جعل العقول المدعية أنها أحاطت [ 50 ] به و أدركته كالخصم له سبحانه ثم حاكمها إلى العقول السليمة الصحيحة النظر فحكمت له سبحانه على العقول المدعية لما ليست أهلا له . و اعلم أن القول بالحيرة في جلال ذات الباري و الوقوف عند حد محدود لا يتجاوزه العقل قول ما زال فضلاء العقلاء قائلين به من أشعار الشارح في المناجاة و من شعري الذي أسلك فيه مسلك المناجاة عند خلواتي و انقطاعي بالقلب إليه سبحانه قولي و الله لا موسى و لا عيسى المسيح و لا محمد علموا و لا جبريل و هو إلى محل القدس يصعد كلا و لا النفس البسيطة لا و لا العقل المجرد من كنه ذاتك غير أنك واحدي الذات سرمد وجدوا إضافات و سلبا و الحقيقة ليس توجد و رأوا وجودا واجبا يفنى الزمان و ليس ينفد فلتخسأ الحكماء عن جرم له الأفلاك تسجد من أنت يا رسطو و من أفلاط قبلك يا مبلد و من ابن سينا حين قرر ما بنيت له و شيد هل أنتم إلا الفراش رأى الشهاب و قد توقد فدنا فأحرق نفسه و لو اهتدى رشدا لأبعد [ 51 ] و مما قلته أيضا في قصور العقل عن معرفته سبحانه و تعالى فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلا أنت حيرت ذوي اللب و بلبلت العقولا كلما أقدم فكري فيك شبرا فر ميلا ناكصا يخبط في عمياء لا يهدى السبيلا و لي في هذا المعنى فيك يا أغلوطة الفكر تاه عقلي و انقضى عمري سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر رجعت حسرى و ما وقفت لا على عين و لا أثر فلحى الله الألى زعموا أنك المعلوم بالنظر كذبوا إن الذي طلبوا خارج عن قوة البشر و قلت أيضا في المعنى أفنيت خمسين عاما معملا نظري فيه فلم أدر ما آتي و ما أذر من كان فوق عقول القائسين فما ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر و لي أيضا حبيبي أنت لا زيد و عمرو و إن حيرتني و فتنت ديني طلبتك جاهدا خمسين عاما فلم أحصل على برد اليقين [ 52 ] فهل بعد الممات بك اتصال فأعلم غامض السر المصون نوى قذف و كم قد مات قبلي بحسرته عليك من القرون و من شعري أيضا في المعنى و كنت أنادي به ليلا في مواضع مقفرة خالية من الناس بصوت رفيع و أجدح قلبي أيام كنت مالكا أمري مطلقا من قيود الأهل و الولد و علائق الدنيا يا مدهش الألباب و الفطن و محير التقوالة اللسن أفنيت فيك العمر أنفقه و المال مجانا بلا ثمن أتتبع العلماء أسألهم و أجول في الآفاق و المدن و أخالط الملل التي اختلفت في الدين حتى عابد الوثن و ظننت أني بالغ غرضي لما اجتهدت و مبرئ شجني و مطهر من كل رجس هوى قلبي بذاك و غاسل درني فإذا الذي استكثرت منه هو الجاني علي عظائم المحن فضللت في تيه بلا علم و غرقت في يم بلا سفن و رجعت صفر الكف مكتئبا حيران ذا هم و ذا حزن أبكي و أنكت في الثرى بيدي طورا و أدعم تارة ذقني و أصيح يا من ليس يعرفه أحد مدى الأحقاب و الزمن يا من له عنت الوجوه و من قرنت له الأعناق في قرن آمنت يا جذر الأصم من الأعداد بل يا فتنة الفتن أن ليس تدركك العيون و أن الرأي ذو أفن و ذو غبن [ 53 ] و الكل أنت فكيف يدركه بعض و أنت السر في العلن و مما قلته في المعنى ناجيته و دعوته اكشف عن عشا قلبي و عن بصري و أنت النور و ارفع حجابا قد سدلت ستوره دوني و هل دون المحب ستور فأجابني صه يا ضعيف فبعض ذا قد رامه موسى فدك الطور أعجبني هذا المعنى فنقلته إلى لفظ آخر فقلت حبيبي أنت من دون البرايا و إن لم أحظ منك بما أريد قنعت من الوصال بكشف حال فقيل ارجع فمطلبها بعيد أ لم تسمع جواب سؤال موسى و ليس على مكانته مزيد تعرض للذي حاولت يوما فدك الصخر و اضطرم الصعيد و لي في هذا المعنى أيضا قد حار في النفس جميع الورى و الفكر فيها قد غدا ضائعا و برهن الكل على ما ادعوا و ليس برهانهم قاطعا من جهل الصنعة عجزا فما أجدره أن يجهل الصانعا و لي أيضا في الرد على الفلاسفة الذين عللوا حركة الفلك بأنه أراد استخراج الوضع أولا ليتشبه بالعقل المجرد في كماله و أن كل ما له بالقوة فهو خارج إلى الفعل تحير أرباب النهى و تعجبوا من الفلك الأقصى لما ذا تحركا فقيل بطبع كالثقيل إذا هوى و قيل اختيارا و المحقق شككا فرد حديث الطبع إذ كان دائرا و ليس على سمت قويم فيسلكا [ 54 ] و قيل لمن قال اختيارا فما الذي دعاه إلى أن دار ركضا فأوشكا فقالوا لوضع حادث يستجده يعاقب منه مطلبا ثم متركا فقيل لهم هذا الجنون بعينه و لو رامه منا امرؤ كان أعفكا و لو أن إنسانا غدا ليس قصده سوى الوضع و استخراجه عد مضحكا و لي أيضا في الرد على من زعم أن النبي ص رأى الله سبحانه بالعين و هو الذي أنكرته عائشة و العجب لقوم من أرباب النظر جهلوا ما أدركته امرأة من نساء العرب عجبت لقوم يزعمون نبيهم رأى ربه بالعين تبا لهم تبا و هل تدرك الأبصار غير مكيف و كيف تبيح العين ما يمنع القلبا إذا كان طرف القلب عن كنهه نبا حسيرا فطرف العين عن كنهه أنبى و المقطعات التي نظمتها في إجلال الباري سبحانه عن أن تحيط به العقول كثيرة موجودة في كتبي و مصنفاتي فلتلمح من مظانها و غرضنا بإيراد بعضها أن لها هنا تشييدا لما قاله أمير المؤمنين ع علي في هذا الباب . قوله ع ليس بذي كبر إلى قوله و عظم سلطانا معناه أنه تعالى يطلق عليه من أسمائه الكبير و العظيم و قد ورد بهما القرآن العزيز و ليس المراد بهما ما يستعمله الجمهور من قولهم هذا الجسم أعظم و أكبر مقدارا من هذا الجسم بل المراد عظم شأنه و جلالة سلطانه . و الفلج النصرة و أصله سكون العين و إنما حركه ليوازن بين الألفاظ و ذلك [ 55 ] لأن الماضي منه فلج الرجل على خصمه بالفتح و مصدره الفلج بالسكون فأما من روى و ظهور الفلج بضمتين فقد سقط عنه التأويل لأن الاسم من هذا اللفظ الفلج بضم أول الكلمة فإذا استعملها الكاتب أو الخطيب جاز له ضم الحرف الثاني . و صادعا بهما مظهرا مجاهدا و أصله الشق . و الأمراس الحبال و الواحد مرس بفتح الميم و الراء مِنْهَا فِي صِفَةِ عَجِيبِ خَلْقِ أَصْنَافٍ مِنَ اَلْحَيَوَانِ : وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ اَلْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ اَلنِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ وَ لَكِنِ اَلْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ اَلْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ أَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ اَلْعَظْمَ وَ اَلْبَشَرَ اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لاَ يُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ وَ لاَ يَحْرِمُهَا اَلدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي اَلصَّفَا اَلْيَابِسِ وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي اَلرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً [ 56 ] فَتَعَالَى اَلَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اِخْتِلاَفِ كُلِّ حَيٍّ وَ مَا اَلْجَلِيلُ وَ اَللَّطِيفُ وَ اَلثَّقِيلُ وَ اَلْخَفِيفُ وَ اَلْقَوِيُّ وَ اَلضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ وَ كَذَلِكَ اَلسَّمَاءُ وَ اَلْهَوَاءُ وَ اَلرِّيَاحُ وَ اَلْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى اَلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرِ وَ اَلْمَاءِ وَ اَلْحَجَرِ وَ اِخْتِلاَفِ هَذَا اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ اَلْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ اَلْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ اَلْقِلاَلِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اَللُّغَاتِ وَ اَلْأَلْسُنِ اَلْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ اَلْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا اِدَّعَوْا وَ لاَ تَحْقِيقٍ لِمَا دَعَوْا أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ مدخولة معيبة و فلق شق و خلق و البشر ظاهر الجلد . قوله ع و صبت على رزقها قيل هو على العكس أي و صب رزقها عليها و الكلام صحيح و لا حاجة فيه إلى هذا و المراد كيف همت حتى انصبت على رزقها انصبابا أي انحطت عليه و يروى و ضنت على رزقها بالضاد المعجمة و النون أي بخلت و جحرها بيتها . [ 57 ] قوله ع و في وردها لصدرها أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لأيام العجز عنها و ذلك لأن النمل يظهر صيفا و يخفى في شدة الشتاء لعجزه عن ملاقاة البرد . قوله ع رزقها وفقها أي بقدر كفايتها و يروى مكفول برزقها مرزوقة بوفقها . و المنان من أسماء الله تعالى العائد إلى صفاته الفعلية أي هو كثير المن و الإنعام على عباده . و الديان المجازي للعباد على أفعالهم قال تعالى إِنَّا لَمَدِينُونَ أي مجزيون و الحجر الجامس الجامد و الشراسيف أطراف الأضلاع المشرفة على البطن فصل في ذكر أحوال الذرة و عجائب النملة و اعلم أن شيخنا أبا عثمان قد أورد في كتاب الحيوان في باب النملة و الذرة و هي الصغيرة جدا من النمل كلاما يصلح أن يكون كلام أمير المؤمنين ع أصله و لكن أبا عثمان قد فرع عليه قال الذرة تدخر في الصيف للشتاء و تتقدم في حال المهلة و لا تضيع أوقات إمكان الحزم ثم يبلغ من تفقدها و صحة تمييزها و النظر في عواقب أمورها أنها تخاف على الحبوب التي ادخرتها للشتاء في الصيف أن تعفن و تسوس في [ 58 ] بطن الأرض فتخرجها إلى ظهرها لتنثرها و تعيد إليها جفوفها و يمر بها النسيم فينفي عنها اللخن و الفساد . ثم ربما بل في الأكثر تختار ذلك العمل ليلا لأن ذلك أخفى و في القمر لأنها فيه أبصر فإن كان مكانها نديا و خافت أن تنبت الحبة نقرت موضع القطمير من وسطها لعلمها أنها من ذلك الموضع تنبت و ربما فلقت الحبة نصفين فأما إن كان الحب من حب الكزبرة فإنها تفلقه أرباعا لأن أنصاف حب الكزبرة تنبت من بين جميع الحبوب فهي من هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوانات حتى ربما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس و لها مع لطافة شخصها و خفة وزنها في الشم و الاسترواح ما ليس لشي‏ء فربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد فيسقط من يده الواحدة أو صدر واحدة و ليس بقربه ذرة و لا له عهد بالذر في ذلك المنزل فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة فترومها و تحاول نقلها و جرها إلى جحرها فإذا أعجزتها بعد أن تبلي عذرا مضت إلى جحرها راجعة فلا يلبث ذلك الإنسان أن يجدها قد أقبلت و خلفها كالخيط الأسود الممدود حتى يتعاون عليها فيحملنها فاعجب من صدق الشم لما لا يشمه الإنسان الجائع ثم انظر إلى بعد الهمة و الجرأة على محاولة نقل شي‏ء في وزن جسمها مائة مرة و أكثر من مائة مرة بل أضعاف أضعاف المائة و ليس شي‏ء من الحيوان يحمل ما يكون أضعاف وزنه مرارا كثيرة غيرها . فإن قال قائل فمن أين علمتم أن التي حاولت نقل الجرادة فعجزت هي التي أخبرت صواحباتها من الذر و أنها التي كانت على مقدمتهن قيل له لطول التجربة و لأنا لم نر قط ذرة حاولت جر جرادة فعجزت عنها ثم [ 59 ] رأيناها راجعة إلا رأينا معها مثل ذلك و إن كنا لا نفصل في مرأى العين بينها و بين أخواتها فإنه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا فدلنا ذلك على أنها في رجوعها عن الجرادة أنها إنما كانت لأشباهها كالرائد الذي لا يكذب أهله قال أبو عثمان و لا ينكر قولنا إن الذرة توحي إلى أخواتها بما أشرنا إليه إلا من يكذب القرآن فإنه تعالى قال في قصة سليمان قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها فهل بعد هذا ريب أو شك في أن لها قولا و بيانا و تمييزا . فإن قلت فلعلها مكلفة و مأمورة و منهية و مطيعة و عاصية قيل هذا سؤال جاهل و ذلك أنه لا يلزم أن يكون كل ذي حس و تمييز مكلفا مأمورا منهيا مطيعا عاصيا لأن الإنسان غير البالغ الحلم قد يحفظ القرآن و كثيرا من الآثار و ضروبا من الأخبار و يشتري و يبيع و يخدع الرجال و يسخر بالمعلمين و هو غير مكلف و لا مأمور و لا منهي و لا عاص و لا مطيع فلا يلزم مما قلناه في الذرة أن تكون مكلفة . قال أبو عثمان و من عجيب ما سمعته من أمر النملة ما حدثني به بعض المهندسين عن رجل معروف بصنعة الأسطرلابات أنه أخرج طوقا من صفر أو قال من حديد من الكير و قد أحماه فرمى به على الأرض ليبرد فاشتمل الطوق على نملة فأرادت أن تنفر يمنة فلقيها وهج النار فأخذت يسرة فلقيها وهج النار فمضت قدما فكذاك فرجعت إلى خلفها فكذلك فرجعت إلى وسط الدائرة فوجدها قد ماتت في موضع رجل البركار من الدائرة و هذا من العجائب . قال أبو عثمان و حدثني أبو عبيد الله الأفوه و ما كنت أقدم عليه في زمانه من مشايخ [ 60 ] المعتزلة إلا القليل قال قد كنت ألقى من الذر و النمل في الرطب يكون عندي و في الطعام عنتا كثيرا و ذلك لأني كنت لا أستقذر النملة و لا الذرة ثم وجدت الواحدة منهما إذا وقعت في قارورة بان أو زئبق أو خيري فسد ذلك الدهن و زنخ فقذرتها و نفرت منها و قلت أخلق بطبيعتها أن تكون فاسدة خبيثة و كنت أرى لها عضا منكرا فأقول إنها من ذوات السموم و لو أن بدن النملة زيد في أجزائه حتى يلحق ببدن العقرب ثم عضت إنسانا لكانت عضتها أضر عليه من لسعة العقرب . قال فاتخذت عند ذلك لطعامي منملة و قيرتها و صببت في خندقها الماء و وضعت سلة الطعام على رأسها فغبرت أياما أكشف رأس السلة بعد ذلك و فيها ذر كثير و وجدت الماء في الخندق على حاله فقلت عسى أن يكون بعض الصبيان أنزلها و أكل مما فيها و طال مكثها في الأرض و قد دخلها الذر ثم أعيدت على تلك الحال و تكلمت في ذلك و تعرفت الحال فيه فعرفت البراءة في عذرهم و الصدق في خبرهم فاشتد تعجبي و ذهبت بي الظنون و الخواطر كل مذهب فعزمت على أن أرصدها و أحرسها و أتثبت في أمري و أتعرف شأني فإذا هي بعد أن رامت الخندق فامتنع عليها تركته جانبا و صعدت في الحائط ثم مرت على جذع السقف فلما صارت محاذية للسلة أرسلت نفسها فقلت في نفسي انظر كيف اهتدت إلى هذه الحيلة و لم تعلم أنها تبقى محصورة . ثم قلت و ما عليها أن تبقى محصورة بل أي حصار على ذرة و قد وجدت ما تشتهي . قال أبو عثمان و من أعاجيب الذرة أنها لا تعرض لجعل و لا لجرادة و لا لخنفساء و لا لبنت وردان ما لم يكن بها حبل أو عقر أو قطع رجل أو يد فإن وجدت بها من ذلك أدنى علة وثبت عليها حتى لو أن حية بها ضربة أو خرق أو خدش ثم كانت من [ 61 ] ثعابين مصر لوثب عليها الذر حتى يأكلها و لا تكاد الحية تسلم من الذر إذا كان بها أدنى عقر . قال أبو عثمان و قد عذب الله بالذر و النمل أمما و أمما و أخرج أهل قرى من قراهم و أهل دروب من دروبهم . و حدثني بعض من أصدق خبره قال سألت رجلا كان ينزل ببغداد في بعض الدروب التي في ناحية باب الكوفة التي جلا أهلها عنها لغلبة النمل و الذر عليها فسألته عن ذلك فقال و ما تصنع بالحديث امض معي إلى داري التي أخرجني منها النمل قال فدخلتها معه فبعث غلامه فاشترى رءوسا من الرأسين ليتغذى بها فانتقلنا هربا من النمل في أكثر من عشرين مكانا ثم دعا بطست ضخمة و صب فيها ماء صالحا ثم فرق عظام الرءوس في الدار و معه غلمانه فكان كلما اسود منها عظم لكثرة النمل و اجتماعه عليه و ذلك في أسرع الأوقات أخذه الغلام ففرغه في الطست بعود ينثر به ما عليه في جوف الطست فما لبثنا مقدار ساعة من النهار حتى فاضت الطست نملا فقال كم تظن أني فعلت مثل هذا قبل الجلاء طمعا في أن أقطع أصلها فلما رأيت عددها إما زائدا و إما ثابتا و جاءنا ما لا يصبر عليه أحد و لا يمكن معه مقام خرجت عنها . قال أبو عثمان و عذب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي بأنواع العذاب فقيل له إن أردت ألا يفلح أبدا فمرهم فلينفخوا في دبره النمل ففعلوا فلم يفلح بعدها . [ 62 ] قال أبو عثمان و من الحيوان أجناس يشبه الإنسان في العقل و الروية و النظر في العواقب و الفكر في الأمور مثل النمل و الذر و الفأر و الجرذان و العنكبوت و النحل إلا أن النحل لا يدخر من الطعم إلا جنسا واحدا و هو العسل . قال و زعم البقطري أنك لو أدخلت نملة في جحر ذر لأكلتها حتى تأتي على عامتها و ذكر أنه قد جرب ذلك . قال و زعم صاحب المنطق أن الضبع تأكل النمل أكلا ذريعا لأنها تأتي قرية النمل وقت اجتماع النمل على باب القرية فتلحس ذلك النمل كله بلسانها بشهوة شديدة و إرادة قوية . قال و ربما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم و أكلت كل شي‏ء لهم فلا تزال كذلك حتى ينشأ في تلك القرى النمل فيسلط الله عز و جل ذلك النمل على تلك الأرضة حتى تأتي على آخرها على أن النمل بعد ذلك سيكون له أذى إلا أنه دون أذى الأرضة بعيدا و ما أكثر ما يذهب النمل أيضا من تلك القرى حتى يتم لأهلها السلامة من النوعين جميعا . قال و قد زعم بعضهم أن تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا و ليس فناؤها لأكل النمل لها و لكن الأرضة نفسها تستحيل نملا فعلى قدر ما يستحيل منها يرى الناس النقصان في عددها و مضرتها على الأيام . قال أبو عثمان و كان ثمامة يرى أن الذر صغار النمل و نحن نراه نوعا آخر كالبقر و الجواميس . قال و من أسباب هلاك النمل نبات أجنحته و قال الشاعر و إذا استوت للنمل أجنحة حتى يطير فقد دنا عطبه [ 63 ] و كان في كتاب عبد الحميد إلى أبي مسلم لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا فيقال إن أبا مسلم لما قرأ هذا الكلام في أول الكتاب لم يتم قراءته و ألقاه في النار و قال أخاف إن قرأته أن ينخب قلبي . قال أبو عثمان و يقتل النمل بأن يصب في أفواه بيوتها القطران و الكبريت الأصفر و أن يدس في أفواهها الشعر على أنا قد جربنا ذلك فوجدناه باطلا . فأما الحكماء فإنهم لا يثبتون للنمل شراسيف و لا أضلاعا و يجب إن صح قولهم أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع على اعتقاد الجمهور و مخاطبة العرب بما تتخيله و تتوهمه حقا و كذلك لا يثبت الحكماء للنمل آذانا بارزة عن سطوح رءوسها و يجب إن صح ذلك أن نحمل كلام أمير المؤمنين ع على قوة الإحساس بالأصوات فإنه لا يمكن الحكماء إنكار وجود هذه القوة للنمل و لهذا إذا صيح عليهن هربن . و يذكر الحكماء من عجائب النمل أشياء منها أنه لا جلد له و كذلك كل الحيوان المخرز . و منها أنه لا يوجد في صقلية نمل كبار أصلا . و منها أن النمل بعضه ماش و بعضه طائر . و منها أن حراقة النمل إذا أضيف إليها شي‏ء من قشور البيض و ريش هدهد و علقت على العضد منعت من النوم قوله ع و لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته أي غايات فكرك و ضربت بمعنى سرت و المذاهب الطرق قال تعالى وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي [ 64 ] اَلْأَرْضِ و هذا الكلام استعارة . قال لو أمعنت النظر لعلمت أن خالق النملة الحقيرة هو خالق النخلة الطويلة لأن كل شي‏ء من الأشياء تفصيل جسمه و هيئته تفصيل دقيق و اختلاف تلك الأجسام في أشكالها و ألوانها و مقاديرها اختلاف غامض السبب فلا بد للكل من مدبر يحكم بذلك الاختلاف و يفعله على حسب ما يعلمه من المصلحة . ثم قال و ما الجليل و الدقيق في خلقه إلا سواء لأنه تعالى قادر لذاته لا يعجزه شي‏ء من الممكنات . ثم قال فانظر إلى الشمس و القمر إلى قوله و الألسن المختلفات هذا هو الاستدلال بإمكان الأعراض على ثبوت الصانع و الطرق إليه أربعة أحدها الاستدلال بحدوث الأجسام . و الثاني الاستدلال بإمكان الأعراض و الأجسام . و الثالث الاستدلال بحدوث الأعراض . و الرابع الاستدلال بإمكان الأعراض . و صورة الاستدلال هو أن كل جسم يقبل للجسمية المشتركة بينه و بين سائر الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام فإذا اختلفت الأجسام في الأعراض فلا بد من مخصص خصص هذا الجسم بهذا العرض دون أن يكون هذا العرض لجسم آخر و يكون لهذا الجسم عرض غير هذا العرض لأن الممكنات لا بد لها من مرجح يرجح أحد طرفيها على الآخر فهذا هو معنى قوله فانظر إلى الشمس و القمر و النبات و الشجر و الماء و الحجر و اختلاف هذا الليل و النهار و تفجر هذه البحار و كثرة هذه الجبال و طول هذه القلال و تفرق هذه اللغات و الألسن المختلفات أي أنه يمكن أن تكون هيئة [ 65 ] الشمس و ضوءها و مقدارها حاصلا لجرم القمر و يمكن أن يكون النبات الذي لا ساق له شجرا و الشجر ذو الساق نباتا و يمكن أن يكون الماء صلبا و الحجر مائعا و يمكن أن يكون زمان الليل مضيئا و زمان النهار مظلما و يمكن ألا تكون هذه البحار متفجرة بل تكون جبالا و يمكن ألا تكون هذه الجبال الكبيرة كبيرة و يمكن ألا تكون هذه القلال طويلة و كذلك القول في اللغات و اختلافها و إذا كان كل هذا ممكنا فاختصاص الجسم المخصوص بالصفات و الأعراض و الصور المخصوصة لا يمكن أن يكون لمجرد الجسمية لتماثل الأجسام فيها فلا بد من أمر زائد و ذلك الأمر الزائد هو المعني بقولنا صانع العالم . ثم سفه آراء المعطلة و قال إنهم لم يعتصموا بحجة و لم يحققوا ما وعوه أي لم يرتبوا العلوم الضرورية ترتيبا صحيحا يفضي بهم إلى النتيجة التي هي حق . ثم أخذ في الرد عليهم من طريق أخرى و هي دعوى الضرورة و قد اعتمد عليها كثير من المتكلمين فقال نعلم ضرورة أن البناء لا بد له من بان . ثم قال و الجناية لا بد لها من جان و هذه كلمة ساقته إليها القرينة و المراد عموم الفعلية لا خصوص الجناية أي مستحيل أن يكون الفعل من غير فاعل و الذين ادعوا الضرورة في هذه المسألة من المتكلمين استغنوا عن الطرق الأربع التي ذكرناها و أمير المؤمنين ع اعتمد أولا على طريق واحدة ثم جنح ثانيا إلى دعوى الضرورة و كلا الطريقين صحيح : وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي اَلْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا [ 66 ] حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ وَ جَعَلَ لَهَا اَلسَّمْعَ اَلْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا اَلْفَمَ اَلسَّوِيَّ وَ جَعَلَ لَهَا اَلْحِسَّ اَلْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ يَرْهَبُهَا اَلزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ وَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ اَلْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِي مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمَوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً وَ يُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً وَ يُعْطِي لَهُ اَلْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ اَلرِّيشِ مِنْهَا وَ اَلنَّفَسِ وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى اَلنَّدَى وَ اَلْيَبَسِ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وَ أَنْشَأَ اَلسَّحَابَ اَلثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ اَلْأَرْضُ بَعْدَ جُفُوفِهَا وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا قوله و أسرج لها حدقتين أي جعلهما مضيئتين كما يضي‏ء السراج و يقال حدقة قمراء أي منيرة كما يقال ليلة قمراء أي نيرة بضوء القمر . و بهما تقرض أي تقطع و الراء مكسورة . و المنجلان رجلاها شبههما بالمناجل لعوجهما و خشونتهما . و يرهبها يخافها و نزواتها وثباتها و الجدب المحل [ 67 ] ذكر غرائب الجراد و ما احتوت عليه من صنوف الصنعة قال شيخنا أبو عثمان في كتاب الحيوان من عجائب الجرادة التماسها لبيضها الموضع الصلد و الصخور الملس ثقة منها أنها إذا ضربت بأذنابها فيها انفرجت لها و معلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المنشار و لا طرف ذنبه كحد السنان و لا لها من قوة الأسر و لا لذنبها من الصلابة ما إذا اعتمدت به على الكدية خرج فيها كيف و هي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك و ليس في طرفها كإبرة العقرب و على أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهد الأيد و قوة البدن بل إنما ينفرج لها بطبع مجعول هناك و كذاك انفراج الصخور لأذناب الجراد . و لو أن عقابا أرادت أن تخرق جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلف الشديد و العقاب هي التي تنكدر على الذئب الأطلس فتقد بدابرتها ما بين صلاه إلى موضع الكاهل . فإذا غرزت الجرادة و ألقت بيضها و انضمت عليها تلك الأخاديد التي هي أحدثها و صارت كالأفاحيص لها صارت حاضنة لها و مربية و حافظة و صائنة و واقية حتى إذا جاء وقت دبيب الروح فيها حدث عجب آخر و ذلك لأنه يخرج من بيضه [ 68 ] أصهب إلى البياض ثم يصفر و تتلون فيه خطوط إلى السواد ثم يصير فيه خطوط سود و بيض ثم يبدو حجم جناحه ثم يستقل فيموج بعضه في بعض . قال أبو عثمان و يزعم قوم أن الجراد قد يريد الخضرة و دونه النهر الجاري فيصير بعضه جسرا لبعض حتى يعبر إلى الخضرة و أن ذلك حيلة منها . و ليس كما زعموا و لكن الزحف الأول من الدباء يريد الخضرة فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت لعمري أرضا للزحف الثاني الذي يريد الخضرة فإن سموا ذلك جسرا استقام فأما أن يكون الزحف الأول مهد للثاني و مكن له و آثره بالكفاية فهذا ما لا يعرف و لو أن الزحفين جميعا أشرفا على النهر و أمسك أحدهما عن تكلف العبور حتى يمهد له الآخر لكان لما قالوه وجه . قال أبو عثمان و لعاب الجراد سم على الأشجار لا يقع على شي‏ء إلا أحرقه . فأما الحكماء فيذكرون في كتبهم أن أرجل الجراد تقلع الثآليل و أنه إذا أخذت منه اثنتا عشرة جرادة و نزعت رءوسها و أطرافها و جعل معها قليل آس يابس و شربت للاستسقاء كما هي نفعت نفعا بينا و أن التبخر بالجراد ينفع من عسر البول و خاصة في النساء و أن أكله ينفع من تقطيره و قد يبخر به للبواسير و ينفع أكله من لسعة العقرب . و يقال إن الجراد الطوال إذا علق على من به حمى الربع نفعه