و من خطبة له ع تسمى القاصعة و هي تتضمن ذم إبليس لعنه

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 263 ] و من خطبة له عليه السّلام تسمى بالقاصعة و هى المأة و الحادية و التسعون من المختار فى باب الخطب قال السيد « ره » : و هي تتضمّن ذم ابليس على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السّلام و أنّه أوّل من أظهر العصبيّة و تبع الحميّة و تحذير النّاس من سلوك طريقته . أقول : و هذه الخطبة أبسط خطب النهج و أطولها ، و شرحها في فصول ، و قد روى بعض فصولها في ساير كتب الأخبار باختلاف تطلع عليه انشاء اللّه تعالى . الفصل الاول الحمد للّه الّذي لبس العزّ و الكبرياء ، و اختارهما لنفسه دون خلقه ، و جعلهما حمى و حرما على غيره ، و اصطفاهما لجلاله ، و جعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ليميّز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه و هو العالم بمضمرات القلوب ، و محجوبات الغيوب إنّي خالق بشرا من طين ، فإذا سوّيته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملآئكة كلّهم أجمعون ، إلاّ إبليس اعترضته الحميّة ، فافتخر على آدم بخلقه و تعصّب عليه لأصله ، فعدّو اللّه إمام المتعصّبين ، و سلف المستكبرين [ 264 ] الّذي وضع أساس العصبيّة ، و نازع اللّه ردآء الجبريّة ، و ادّرع لباس التّعزّز ، و خلع قناع التّذلّل . ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره ، و وضعه بترفّعه ، فجعله في الدّنيا مدحورا ، و أعدّ له في الآخرة سعيرا ، و لو أراد اللّه سبحانه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، و يبهر العقول روائه ، و طيب يأخذ الأنفاس عرفه ، لفعل ، و لو فعل لظلّت الأعناق خاضعة له ، و لخفّت البلوى فيه على الملائكة ، و لكنّ اللّه سبحانه يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزا بالإختبار لهم ، و نفيا للإستكبار عنهم ، و إبعادا للخيلاء منهم ، فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس إذ أحبط عمله الطّويل ، و جهده الجهيد ، و كان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنّي الدّنيا أم من سنيّ الاخرة عن كبر ساعة واحدة فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ، كلاّ ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه في أهل السّماء و الأرض لواحد ، و ما بين اللّه و بين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمّى حرّمه على العالمين . اللغة ( قصع ) الرجل قصعا من باب منع إذا ابتلع جرع الماء و قصعت الناقة بجرّتها [ 265 ] إذا ردّتها إلى جوفها أو مضغتها أو هو بعد الدسع و قبل المضغ أو هو بأن تملاء فاها أو شدّة المضغ ، و قصع الماء عطشه سكّنه ، و قصع القملة بالظفر قتلها ، و قصع فلانا صغّره و حقّره ، و قصع اللّه شبابه أكداه ، و قصع الغلام أو هامته ضربه ببسط كفه على رأسه ، قيل : و الذى يفعل به ذلك لا يشبّ ، و غلام مقصوع و قصيع و قصع كادى الشباب . و ( حمى ) الشي‏ء يحميه حميا و حماية و محمية منعه وكلاء حمى مثل رضى محمّى و الحميّة الأنف و ( تجبّر ) الرجل إذا تكبّر ، و الجبّار من الأسماء الحسنى القاهر المتكبّر الذى لا ينال ، و الجبّار في المخلوق العاتى المتمرّد ، و المتكبّر الّذى لا يرى لأحد عليه حقا ، و الجبريّة بكسر الجيم و سكون الباء و الجبريّة بكسرات و الجبريّة بالفتحتين ، و الجبريّة بفتح الأوّل و سكون الثاني ، و الجبروة بالواو المضمومة و الجبروت و زان برهوت كلّها مصادر بمعني العظمة و الجلالة . و ( ادّرع ) الرّجل و تدّرع لبس درع الحديد و ( القناع ) بالكسر ما تقنع به المرأة رأسها و هو أوسع من المقنعة و ( العرف ) بفتح الأوّل و سكون الثاني الريح طيّبة أو منتنة و أكثر استعماله في الطيّبة و ( الخيلاء ) و الخيل و الخيلة الكبر و ( الهوادة ) اللين و الرخصة و ما يرجى به الصّلاح . الاعراب و تحذير في كلام الرضيّ بالنّصب عطف على مفعول تتضمّن و جملة اعترضته استينافية بيانية ، و تمييزا مفعول لأجله لقوله يبتلى ، و قوله : عن كبر ساعة ، متعلق بقوله : احبط ، و عن للتعليل كما في قوله تعالى و ما كان استغفار إبراهيم لابيه إلاّ عن موعدة و على فى قوله : يسلم على اللّه ، بمعني من كما في قوله تعالى اذا كتالوا على الناس أى منهم ، و قوله : بأمر أخرج به ، الباء الاولى للمصاحبة ، و الثانية للسببيّة . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة كما أشرنا إليه أطول خطب هذا الكتاب ، [ 266 ] و يخطف بالأبصار ضياؤها ، و يبهر من العقول رواؤها ، و يذهب بالأحلام انسجامها ، و قبل الشروع في شرحها فلنقدّم هنا فوايد : الاولى في اسمها و وجه تسميتها قال الرّضي « ره » : تسمّى بالقاصعة ، و هي مأخوذة من القصع و المعاني السبعة الّتي ذكرناها لتلك المادّة في بيان اللّغة كلّها ممكنة الارادة هنا . فعلي المعني الأوّل و الثاني نقول : إنّ المواعظ و النصايح لما كانت في هذه الخطبة متتابعة مردّدة من أوّلها إلى آخرها شبّهت بجرع الماء المتتابعة المبتلعة جرعة بعد جرعة ، و بجرات الناقة الّتي تقصع جرّة بعد جرّة . و على المعنى الثالث فلأنّ هذه الخطبة يذهب شموخ أنف المتكبّرين و اعتلائهم ، و يسكن نخوة بأدهم و سموّ غلوائهم إن استمعوا إليها و تدبّروا فيها ، فشبّهت بالماء المسكن للعطش . و أما على المعنى الرابع فلأنّها بما فيها من المذام و المطاعن التى لابليس و جنوده كالقاتلة لهم . و أما على المعنى الخامس فلتضمّنها تصغير ابليس و تحقيره مع اتباعه ، و هذا أحسن المعانى و أنسبها . و أما على السادس و السابع فلأنها لبلوغها الغاية في ذمّ إبليس و متابعيه من المتكبّرين ، و تجاوزها الحدّ و النهاية في الكشف عن سوأتهم ، صارت كالقاصعة اللاّطمة على رأسهم ، و صار إبليس بذلك كالمقصوع القمى‏ء الذى لا يشبّ و لا يزداد ، و كذلك متابعوه . و قيل هنا وجه آخر : و هو أنّه عليه السّلام حين خطب بهذه الخطبة كان راكبا على ناقته و هى تقصع بجرتها ، فأصل الخطبة القاصعة الخطبة الّتي كانت خطابتها على الناقة القاصعة ، ثم كثر الاستعمال فخفف و قيل : خطبة القاصعة من اضافة الشي‏ء إلى ملابسه ، ثمّ توسّع فيه فجعل القاصعة صفة للخطبة نفسها فقيل : الخطبة القاصعة . [ 267 ] الفايدة الثانية نقلوا في سبب هذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته عليه السّلام قد فسدوا و كانوا قبايل متعدّدة ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة اخرى فيصيبه أدنى مكروه فينادى باسم قبيلته ، مثلا يا للنخع يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة و إثارة الشرّ ، فيتألّب عليه فتيان القبيلة ، فينادون يا لتميم و يا لربيعة ، و يقبلون إلى ذلك الصايح فيضربونه ، فيمضى إلى قبيلته فيستصرخها فتثور الفتن و تسلّ السيوف ، و لا يكون لها أصل في الحقيقة إلاّ تعرّض الفتيان بعضهم ببعض ، و كثر ذلك فخرج عليه السّلام على ناقته فخطبهم بهذه الخطبة كسرا لصولتهم . الفايدة الثالثة قال السيد « ره » ( و هى تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السّلام و انّه أول من أظهر العصبية و تبع الحميّة و تحذير الناس من سلوك طريقته ) . أقول : للّه درّ السيّد فقد وقف على أنجد هذه الخطبة و لم يقف على أغوارها ، و خاض في ضحا ضحها و لم يلجج في غمارها ، أو أن تقريره قصر عن التعبير بما انطوى عليه ضميره ، فانّ الغرض الأصلى لأمير المؤمنين عليه السّلام من هذه الخطبة هو تقريع المتكبّرين ، و توبيخ المتجبّرين ، و تهديد المستكبرين ، و زجرهم و إزعاجهم عن التجبّر و الاستكبار ، و ردعهم عن الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة الخسيسة و الخصلة الرذيلة و لما كان اقتصاص حال ابليس أبلغ في التأدية إلى هذا الغرض و آكد في مقام الرّد و الابعاد ، و أشدّ في التهديد و الايعاد ، لا جرم صدّر الكلام باقتضاء الحال و المقام لشرح حال ابليس اللّعين ، و أطنب ببيان ما نزل به من النكال العظيم و العذاب الأليم . و قد ذكرنا في ديباجة الشرح أنّ اللاّزم على الخطيب المصقع أن يراعى حسن الابتداء و يصدّر كلامه بما يناسب الغرض المسوق لأجله الكلام . اذا عرفت ذلك ظهر لك إن كنت من الصناعة أنّ هذه الخطبة تقطر الفصاحة من أعطافها ، و تؤخذ البلاغة من ألفاظها ، و إن تدبّرت عرفت فيها حسن كفايتها [ 268 ] في أداء ما سيق الكلام لأجله ، و أنها في التحذير و التنفير عن الكبر و التهديد و التوعيد و الطرد و الابعاد للمستكبرين كلام ليس فوقه كلام ، بل إن أمعنت النظر فيها يظهر لك أنها تالى سورة البراءة ، و ما أشبهها بها . فانّها كما سيقت من أوّلها إلى آخرها لأجل تقريع الكفار و المنافقين و الكشف عن فضايحهم و الافضاح عن مخازيهم و مقابحهم ، و افتتحت باظهار البراءة منهم و لأجل ذلك لم تصدّر بالبسملة ، لأنّ بسم اللّه للأمان و الرّحمة ، و هذه السورة نزلت لرفع الامان بالسّيف ، و فاتحتها تشهد بخاتمتها . فكذلك هذه الخطبة من بدئها إلى ختمها ترهيب و تهويل و تهديد و توعيد و تخويف و تزيد على ذلك حسنا و رواء أن راعى فى مطلعها صناعة براعة الاستهلال فقال : ( الحمد للّه الّذى لبس العزّ و الكبرياء ) و هو من باب الاستعارة المكنيّة تشبيها للعزّ و الكبرياء باللّباس فيكون ذكر اللّبس تخييلا ، و الجامع أنّ اللباس كما يحيط بلابسه فكذلك العزّ و الكبرياء لما كانا محيطين بذاته أى كان ذاته غير فاقد لهما ، بل هما عين ذاته لكونهما من صفات الذات فشبّها باللباس الّذى يتلبّس به لابسه . و يجوز أن يجعل من باب الاستعارة التبعية بأن يستعار اللّبس للاتّصاف ، فيكون نسبته إلى العزّ و الكبرياء قرينة للاستعارة ، و الجامع أنّ اللباس كما يكون مختصّا بلابسه و به يعرف و يتميّز ، فكذلك هذان الوصفان لما كانا مخصوصين بذاته سبحانه استعار لاتّصافه بهما لفظ اللّبس . و معنى العزّ هو الملك و القدرة و الغلبة و العزيز من أسمائه الحسنى قال الصّدوق : هو المنيع الّذى لا يغلب ، و هو أيضا الّذى لا يعادله شى‏ء و أنه لا مثل له و لا نظير و قد يقال للملك كما قال اخوة يوسف : يا ايّها العزيز ، أى يا أيّها الملك . و قال الطبرسى : العزيز القادر الذى لا يصحّ عليه القهر ، و الكبرياء هو السلطان القاهر و العظمة القاهرة و العلوّ و الرفعة ، هذا . و انما قلنا إنّ العزّ و الكبرياء من صفات الذّات ، لأنّ صفة الذات ما لا يصحّ [ 269 ] سلبه عنه سبحانه و لا يصح تعلّق القدرة عليه . قال صدر المتألهين في شرح الكافى في الفرق بين صفة الذات و صفة الفعل : إنّ القدرة صفة ذاتية تتعلّق بالممكنات لا غير ، و نسبتها بما هى قدرة إلى طرفى الشي‏ء الممكن على السواء ، فلا يتعلّق بالواجب و لا بالممتنع ، فكلّ ما هو صفة الذات فهو أزلى غير مقدور ، و كلّ ما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور ، و بهذا يعرف الفرق بين الصّفتين فاذا نقول : لما كان علمه بالأشياء ضروريّا واجبا بالذات و عدم علمه بها محالا ممتنعا بالذات فلا يجوز أن يقال : يقدر أن يعلم و لا يقدر أن لا يعلم ، لأنّ أحد الطرفين واجب و الآخر ممتنع بالذات ، و مصحّح المقدوريّة هو الامكان ، و كذا الكلام في صفة الملك و العزّة و الحكمة و الجود و غيرها من صفات الذات كالعظمة و الكبرياء و الجلال و الجمال و الجبروت و أمثالها ، و هذا بخلاف صفات الفعل . ثمّ لما كان المستفاد من قوله : لبس العزّ و الكبرياء اتّصافه سبحانه بهما و لم يستفد منه اختصاصهما به تعالى الاختصاص الحقيقى المفيد لعدم جواز اتّصاف الغير بهما ، لا جرم أكدّ ذلك بقوله : ( و اختارهما لنفسه دون خلقه ) و المراد باختيارهما لذاته تفرّده باستحقاقهما لذاته ، فانّ المستحقّ للعزّ و الكبرياء بالذات ليس إلاّ هو و أما غيره سبحانه فعزّه و عظمته و ملكه عرضية مستفادة منه عزّ و جلّ كما قال قل اللّهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء و تنزع الملك ممّن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء فهذان الوصفان مثل ساير الصفات الذاتية ، فكما أنّ العلم و القدرة إذا نسبا إليه سبحانه و قيل : إنه عالم قادر يراد به أنه عالم بذاته و العلم ذاته و قادر بذاته و القدرة ذاته ، و إذا نسبا إلى المخلوق و قيل : زيد عالم قادر يراد به أنه عالم بعلم زايد على ذاته و يقدر بقدرة زايدة على ذاته ، فكذلك إذا قيل : فلان عزيز عظيم يراد به أنه عزيز بعزّة زايدة و عظيم بعظمة كذلك ، و أما إذا قيل : اللّه عزيز عظيم فعزّته و عظمته عين ذاته . و أيضا فالعزّ و العظمة في اللّه هو العزّ المطلق و العظمة القاهرة المطلقة لا [ 270 ] يستحقّهما غيره ، و أما في المخلوق فهو عزّ ناقص و عظمة ناقصة فقول اخوة يوسف « يا ايها العزيز » أرادوا أنّه عزيز مصر ، فالعزّ المطلق للّه الواحد القهار المتكبّر العزيز الجبّار 1 و له الكبرياء في السموات و الأرض و هو العزيز الحكيم . فقد علم بذلك أنّ العزّ المطلق الكامل و الكبرياء أى السلطان القاهر للّه سبحانه و من الصّفات المخصوصة به تعالى ، فلا يجوز لغيره أن يتعزّز و يتكبّر و يدّعى العزّ و الكبرياء لنفسه . و الى هذا ينظر ما في الحديث القدسى قال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول اللّه تبارك و تعالى : الكبرياء ردائى و العظمة ازارى فمن نازعنى واحدا منهما ألقيته فى جهنّم و لا ابالى . و في رواية أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال أبو جعفر عليه السّلام : العزّ رداء اللّه و الكبرياء ازاره فمن تناوله شيئا منه أكبّه اللّه في جهنّم ، هذا . و قد تقدّم تفصيل الكلام في بيان حقيقة الكبر و الأدلّة الواردة فى ذمّها و مفاسدها بما لا مزيد عليه في شرح المختار المأة و السابع و الأربعين . ( و جعلهما حمى و حرما على غيره ) تشبيههما بهما باعتبار أنّ الحمى كما يحمى من أن يتصرّف فيه الغير و يحفظ من أن يحام حوله ، و لو دخله الغير كان مسؤلا مؤاخذا ، فكذلك هذان الوصفان مخصوصان به سبحانه ليس لأحد أن يحوم حولهما و يدّعيهما لنفسه و لو ادّعاهما كان معاقبا مدحورا . ( و اصطفاهما لجلاله ) أى لتقدّسه و علوّه عن شبه مخلوقاته ( و جعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ) أى جعل الطرد و الابعاد عن الرّحمة و الدخول فى النار و العذاب على المتكبّرين المتعزّزين المجادلين للّه سبحانه فى عزّه و سلطانه قال « أ ليس في جهنّم مثوى للمتكبّرين » و قال « فادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبّرين » ( ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ) أى اختبرهم بالتكبّر و عدمه ، أى ----------- ( 1 ) اقتباس من الآية فى سورة الجاثية . [ 271 ] عاملهم معاملة المختبر الممتحن فهو استعارة تبعية لأنّ حقيقة الاختبار و هو طلب الخبرة و المعرفة بالشي‏ء محال على اللّه العالم بالسراير و الخبير بالصدور و الضماير ، و إنما هو في حقّ من لا يكون عارفا و لكن لما كان شانه أن لا يجازى عباده على ما يعلمه منهم أنهم سيفعلونه قبل أن يقع ذلك الفعل ، و إنما يجازيهم على تكليفهم بما كلّفهم به فيثيب المطيعين منهم و يعاقب العاصين ، فأشبه ذلك باختبار الانسان لعبيده و تميزه لمن أطاعه ممّن عصاه فاختباره لهم مجاز عن تكليفه إيّاهم و تمكينه لهم من اختيار أحد الأمرين ، ما يريده اللّه و ما يشتهيه العبد ، و قد عرفت الكلام في تحقيق اختباره أبسط من ذلك في شرح المختار الثاني و الستين . و الحاصل أنّه سبحانه امتحن بذلك ملائكته و هو يعلم المفسد من المصلح ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة . و ( ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ) فيثيب الأوّلين و هم من أصحاب اليمين بجنّة عرضها السماوات و الأرضين ، و يعاقب الآخرين و هم من أصحاب الشمال بالجحيم و لبئس مثوى المتكبّرين . ( فقال سبحانه و هو العالم بمضمرات القلوب و محجوبات الغيوب ) جملة معترضة أدمجها بين القول و مقوله تنزيها له سبحانه عن كون اختباره عن جهل كما فى غيره ، و الاعتراض هنا كما في قوله تعالى « يجعلون للّه البنات سبحانه و لهم ما يشتهون » يعنى أنّه تعالى اختبر ملائكته بأن قال لهم مع عمله بباطنهم : ( انى خالق بشرا من طين فاذا سوّيته و نفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) يعني إذا عدلت خلقته و أتممت أعضاءه و صورته و أحييته و جعلت فيه الروح ، و اضافة الروح الى نفسه للتشريف ، و معنى نفخت فيه إفاضته عليه من غير سبب و واسطة كالولادة المؤدّية إلى ذلك ، فانّ اللّه شرّف آدم و كرّمه بهذه الحالة ، و قد مضى تفصيل الكلام في شرح خلقة آدم عليه السّلام بما لا مزيد عليه في شرح الفصل العاشر من المختار الأوّل ( فسجد الملئكة كلّهم اجمعون ) طاعة لأمر ربّ العالمين ( الاّ ابليس ) استكبر و كان من الكافرين ، و قد مضى تفصيل الكلام في أمر الملائكة بالسجود له و كيفيّة [ 272 ] سجدتهم و إباء إبليس عنها و ساير ما يتعلّق بهذا العنوان فى شرح الفصل الحاديعشر من المختار الأوّل فليتذكّر ، و أشار إلى علّة امتناع إبليس من السجدة بقوله : ( اعترضته الحميّة ) و العصبيّة و الانيّة ( فافتخر على آدم بخلقه و تعصّب عليه لأصله ) أى تعزّز بخلقة النار و استوهن خلق الصلصال فقال « خلقتنى من نار و خلقته من طين » « ء أسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون » . و فى الحقيقة استفهامه ذلك كان اعتراضا على اللّه عزّ و جلّ و إنكارا عليه بأنه كيف يسوغ له أن يأمر الأشرف بتعظيم الأدنى و يرجّح المخلوق من الطين على المخلوق من النّار . و قد غلط الملعون فى اعتراضه و أخطأ في قياسه ، حيث قصر نظره بما للنار من النور و لم يمعن النظر فيما لآدم من النور الذى يضحى عنده كلّ نور و هو نور الأشباح الخمسة الذى كان آدم وعاء له و كان أمر الملائكة بالسّجود لأجله ، و قد بيّنا فساد قياس الملعون في شرح الفصل الحاديعشر من المختار الأوّل بوجوه عديدة ( فعدوّ اللّه ) إبليس ( امام المتعصّبين ) و مقتديهم حيث إنّه أوّل من أسّس أساس العصبية ( و سلف المستكبرين ) و مقدمهم لأنه أوّل من بنا بنيان الاستكبار و النخوة و اليه أشار بقوله : ( الذى وضع أساس العصبيّة و نازع اللّه رداء الجبريّة ) جعل استكباره و ادّعاءه لما ليس له و انتحاله للصفة الخاصة باللّه سبحانه و هو صفة الكبرياء و الجبروت بمنزلة منازعته إياه سبحانه ، فتجوّز بلفظ المنازعة عن ذلك . و بعبارة أوضح كما أنّ من نازع لآخر في شي‏ء يريد أن يجذب باب النزاع إلى نفسه و يستأثر به ، فكذلك ذلك الملعون لتكبّره صار بمنزلة المنازع للّه المريد للإستيثار بصفة الكبرياء . ( و ادّرع لباس التعزّز ) و التجبّر الذى هو وظيفة الرّبوبيّة ( و خلع قناع التذلّل ) و التواضع الذى هو وظيفة العبوديّة . [ 273 ] و لما قصّ قصة إبليس أمر المخاطبين بالنظر فيما آل اليه أمره و أثمره كبره ليحذروا من اقتفاء أثره ، و يجتنبوا من سلوك سننه فقال : ( ألا ترون كيف صغره اللّه بتكبره و وضعه بترفعه ) و تجبّره ( فجعله في الدّنيا ) مذموما ( مدحورا ) و قال فاخرج منها فانك رجيم . و إنّ عليك اللعنة الى يوم الدّين ( و أعدّ ) اللّه ( له في الآخرة سعيرا ) و قال « لأملأنّ جهنّم منك و ممّن تبعك منهم اجمعين » ثمّ نبّه على نكتة خلقة آدم عليه السّلام من الطين بقوله ( و لو أراد اللّه سبحانه أن يخلق آدم عليه السّلام من نور يخطف الأبصار ) أى يسلبها و يأخذها ( ضياؤه و يبهر العقول رواؤه ) أى يغلبها حسن منظره ( و طيب يأخذ الأنفاس عرفه ) أى ريحه و عطره ( لفعل ) لأنه أمر ممكن مقدور و هو سبحانه على كلّ شي‏ء قدير ( و لو فعل ) ذلك ( لظلّت الأعناق خاضعة له و لخفت البلوى فيه على الملائكة ) يعنى أنه سبحانه لو أراد أن يخلق آدم في بدء خلقته من نور باهر يخطف سنا برقه بالأبصار لكان مقدورا له سبحانه ، و لو خلقه كذلك لصارت أعناق الملائكة و ابليس خاضعة منقادة له ، و يسهل عليهم الامتحان في سجود آدم عليه السّلام و لم يشق عليهم تحمل ذلك التكليف ، و لساغ لهم السجود له و طاب أنفسهم به لما رأوا من شرف جوهره و علوّ مقامه و فضل خلقته ، لأنّ الشريف جليل القدر إنما يأبى و يستنكف من الخشوع و الخضوع لمن هو دونه ، و لذلك قال ابليس اللعين خلقتني من نار و خلقته من طين ، و أما من كان أصله مناسبا لأصله و مقارنا له في الشرف أو أعلى رتبة منه فلا ، و خفّ حينئذ البلوى . ( و لكن اللّه سبحانه ) لم يرد ذلك و لم يتعلّق مشيّته بخلقه من نور وصفه كيت كيت ، و إنما خلقه من طين و صلصال من حماء مسنون ليصعب تحمّل التكليف سجوده و يثقل حمله ، فيتميّز بذلك المحسن من المسى‏ء و المطيع من العاصى ، و يستحقّ المطيع له على ثقله مزيد الزلفى و الثواب لكون اطاعته عن محض الخلوص و التعبّد و التسليم و الانقياد ، و يستحقّ العاصى لأليم العقاب لأجل كشف عصيانه عن كونه [ 274 ] في مقام التمرّد و الانية و العناد . و كذلك جرت عادة اللّه سبحانه على أن ( يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، و نفيا للاستكبار عنهم ، و ابعادا للخيلاء منهم ) يعنى أنّه سبحانه يكلّفهم بأحكام لا يعلمون دليلها و سرّها و نكتتها و الغرض منها ، ليميّز المنقاد من المتمرّد و المتذلّل من المستكبر . ألا ترى أنّ أكثر الأحكام الشرعيّة الّتي في شرعنا مما لم يستقلّ العقل بحكمه من هذا القبيل . و كذلك غالب أحكام ساير الشرايع تعبّديات صرفة ، مثل وجوب حمل الامم السالفة قرا بينهم على أعناقهم إلى بيت المقدّس ، فمن قبل قربانه جائته نار فأكلته ، فانّ علّة وجوب حملها على الأعناق و نكتة ذلك التكليف الشاقّ غير معلومة . و كذا المصلحة في إحراق القربان ذى الحياة بالنّار ممّا لا نفهمها . و مثل ما امتحن اللّه به جنود طالوت من شرب الماء حيث قال « انّ اللّه مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منّي و من لم يطعمه فانّه منّي إلاّ من اغترف غرفة بيده » . و مثله ما اختبر به اصحاب السّبت من نهيهم عن الصيد في يوم السّبت ، فانّ العقل لا يفرق بين أيام الاسبوع و لا يدرك قبح الصّيد في ذلك اليوم وجهة النهي عنه و حسنه في ساير الأيام و جهة إباحته ، فانظر الى عظم البلوى في ذلك التكليف كيف أوقعهم التعدّى عنه في الخزى العظيم . فكانوا قردة خاسئين . كما قال سبحانه و اسئلهم أى اليهود « عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر اذ يعدون في السّبت اذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا و يوم لا يسبتون لا تاتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون إلى قوله و اخذنا الّذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عمّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين . قال في تفسير الامام قال عليّ بن الحسين عليه السّلام قال اللّه عزّ و جلّ فلما عتوا صاروا و أعرضوا و تكبّروا عن قبول الزّجر عمّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين مبعدين من الخير مبغضين ، هذا . [ 275 ] و لما ذكر عليه السّلام من بدء الخطبة إلى هنا اختصاص وصف العزّ و الكبرياء بالربّ الأعلى و أنّ المنازع له فيهما ملعون مطرود من مقام الزلفي ، و نبّه على أنّ إبليس اللعين استحقّ النار و سخط الجبّار للتعزّز و الترفّع و الاستكبار ، تخلّص إلى غرضه الأصلي من خطابة هذه الخطبة و هو نصح المخاطبين ، فأمرهم بالاعتبار بحال هذا الملعون ، و أنه كيف أحبط أعماله الّتي عملها في المدّة المتطاولة ، و الوف من السّنين بتكبّره و تمرّده عن أمر ربّ العالمين فقال : ( فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بابليس إذ أحبط ) أى أبطل ثواب ( عمله الطويل و جهده الجهيد ) أى اجتهاده المستقصى و سعيه البالغ إلى النهاية ( و كان قد عبد اللّه ( ستة آلاف سنة ) و هكذا في رواية البحار المتقدّمة في شرح الفصل الحاديعشر من المختار الأوّل عن العياشي عن ابن عطية عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : إنّ إبليس عبد اللّه في السماء في ركعتين ستة ألف سنة ، لكن في رواية القمّي المتقدّمة هناك عن زرارة عنه عليه السّلام أنه ركعهما في أربعة آلاف سنة ، و في رواية اخرى في ألفي سنة ، و في رواية رابعة في سبعة ألف سنة . قال المحدّث العلاّمة المجلسي « ره » و يمكن دفع التنافي بين أزمنة الصلاة و السجود بوقوع الجميع أو بصدور البعض موافقا لأقوال العامة تقيّة . و قوله ( لا يدرى أمن سنّي الدّنيا أم سنّي الآخرة ) لا دلالة فيه على عدم علمه عليه السّلام بذلك إذ لفظ يدرى بصيغة المجهول و يكفى في صدقه جهل المخاطبين به و إنما لم يفسّره لهم لما كان يعلمه عليه السّلام في إبهامه من المصلحة كعدم تحاشي السامعين من طول المدّة . و روى الشارح البحراني من نسخة الرّضي ما لا ندرى بصيغة المتكلّم مع الغير ، و هو أيضا لا يستلزم جهله عليه السّلام لأنّ غيره لا يدرونه فغلبهم على نفسه و باب التغليب باب واسع في المجاز . أمّا مدّة سنى الآخرة فقد اشير إليها في قوله سبحانه في سورة الحجّ « و انّ يوما عند ربّك كالف سنة ممّا تعدون » قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و ابن زيد في [ 276 ] تفسيرها : إنّ يوما من أيام الآخرة يكون كألف سنة من أيام الدّنيا . و في الصافى من إرشاد المفيد عن الباقر عليه السّلام في حديث : و أخبر أى اللّه سبحانه بطول يوم القيامة و أنّه كألف سنة مما تعدّون . و نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج اليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدّون روى في مجمع البيان عن ابن عباس في هذه الآية أنّ معناها يدبّر اللّه سبحانه أمر الدنيا فينزل القضاء و التدبير من السماء إلى الأرض مدّة أيام الدّنيا ، ثمّ يعرج الأمر و يعود التدبير اليه بعد انقضاء الدّنيا و فنائها حتّى ينقطع أمر الأمراء و حكم الحكام و ينفرد اللّه بالتدبير في يوم كان مقدار ألف سنة ، و هو يوم القيامة فالمدّة المذكورة هو مدّة يوم القيامة إلى أن يستقرّ الخلود في الدارين . قال الطبرسىّ : و يدلّ عليه ما روى إنّ الفقراء يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمأة عام . فان قلت : فما تقول لقوله سبحانه فى سورة المعارج تعرج الملائكة و الرّوح اليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و ما وجه الجمع بينه و بين الآيتين السالفتين ؟ قلت : ربما يجمع بينهما بأنّ المراد بآية السجدة أنّ الملائكة ينزل بالتدبير و الوحى و يصعد إلى السماء في يوم واحد من أيام الدّنيا مسافة ألف سنة مما تعدّون . لأنّ ما بين السماء و الأرض مسيرة خمسمأة عام لابن آدم ، فيكون نزوله خمسمأة عام و صعوده خمسمأة عام ، فمسافة الصعود و النزول إلى السماء الدّنيا في يوم واحد للملك مقدار مسيرة ألف سنة لغير الملك . و المراد بآية المعارج هو مسافة الصعود و النزول إلى السماء السابعة ، فانها مقداره مسيرة خمسين ألف سنة . و يؤيّده ما عن الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام و قد ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : اسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر ، و عرج به في ملكوت السّماوات مسيرة خمسين ألف عام أقلّ من ثلث ليلة انتهى إلى ساق العرش هذا [ 277 ] و قد يجمع بينهما بأنّ الآيتين المتقدّمتين محمولتان على مدة يوم القيامة و الآية الأخيرة اريد بها بيان مدّة الدّنيا ، يعني أنّ أوّل نزول الملائكة في الدّنيا و أمره و نهيه و قضائه بين الخلايق إلى آخر عروجهم إلى السّماء و هو يوم القيامة خمسون ألف سنة ، فيكون مقدار الدّنيا هذه المدّة لا يدرى كم مضى و كم بقى و إنّما يعلمها اللّه سبحانه . فان قلت : هذان الوجهان و إن كان يرفع بها التنافي بين الآيات إلاّ أنّه على البناء على الوجه الأول لا يبقى في الآيتين دلالة على كون مقدار يوم الآخرة ألف سنة كما هو المقصود ، و على الثاني فدلالتهما مسلمة لكنه ينافي ما ذكرتم فى الآية الثالثة من أنّ المراد بها بيان مدّة الدّنيا ما رواه فى الكافى عن الصّادق عليه السّلام إنّ للقيامة خمسين موقفا كلّ موقف مقام ألف سنة ثمّ تلا « فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة » فانّ هذه الرواية كما ترى تدلّ على أنّ مقدار القيامة خمسون ألفا ، و أنّ الآية ناظرة إلى ذلك . قلت : يمكن الجواب عنه بما أجاب به الطبرسىّ حيث قال بعد ما روى عن ابن عباس كون مقدار يوم القيامة ألف سنة ، فأمّا قوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فانه أراد سبحانه على الكافر جعل اللّه ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة ، فانّ المقامات في يوم القيامة مختلفة ، انتهى . يريد أنّه يطول ذلك اليوم في نظر الكافر هذه المدّة لشدّة عذابه ، و أمّا في حقّ المؤمن فلا . و يرشد إليه ما رواه الطبرسى عن أبى سعيد الخدري قال : قيل : يا رسول اللّه ما أطول هذا اليوم ؟ فقال : و الذى نفس محمّد بيده إنه ليخفّ على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدّنيا . و هذا كما يقال فى المثل : أيّام السرور قصار و أيّام الهموم طوال ، و يقال أيضا سنة الفراق سنة و سنة الوصال سنة ، قال الشاعر : يطول اليوم لا ألقاك فيه و حول نلتقى فيه قصير [ 278 ] هذا ما يستنبط من الأدلّة في هذا المقام و العلم عند اللّه و عند حججه الكرام عليهم الصّلاة و السّلام ، هذا . و بعد البناء على أنّ مقدار يوم من أيام الآخرة ألف سنة من أيّام الدّنيا يكون مدّة عبادة إبليس في السّماء إذا كانت ستّة آلاف سنة من سنّى الآخرة هو ألفا ألف ألف و مأة ألف ألف و ستّون ألف ألف سنة من سنى الدّنيا ، و لما رأى أمير المؤمنين عليه السّلام عدم تحمّل أذهان أكثر السّامعين لذلك أبهم القول عليهم ، و قال : لا يدرى أمن سنى الدّنيا أم سنى الآخرة . ( عن كبر ساعة واحدة ) أى أحبط عمله الذي بلغ ما بلغ لأجل كبر ساعة واحدة ( فمن ذا الذي بعد ابليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ) استفهام إنكارىّ إبطالي ، أى من الّذي يبقى بعد ابليس سالما من عذابه و سخطه سبحانه و قد جاء بمثل معصيته و اتّصف بصفته . ( كلاّ ) حرف ردع أتى بها تأكيدا لما استفيد من الجملة السّالفة و تنبيها على أنّ زعم السّلامة من العذاب للمتكبر فاسد و مدّعيه كاذب إذ ( ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا ) مصاحبا و متلبسا ( بأمر ) ذي ذنب ( أخرج به ) أى بسبب ذلك الذنب ( منها ملكا ) و كيف يتوهّم ذلك و الحال أنّ البشر لو قيس عمله إلى عمله و جهده و إن استقصى إلى جهده لم يكن إلاّ نسبة القطر إلى البحر . و التعبير عن ابليس بالملك لكونه في السّماء و طول مخالطته بالملائكة لما قدّمنا في شرح الفصل الحاديعشر من المختار الأوّل من الأدلّة على أنه كان من الجنّ دون الملائكة . و لما كان هنا مظنة أن يعترض معترض و يقول : إنا لا نسلم استلزام إخراج الملك لعدم إدخال البشر إذ يمكن أن يكون إخراجه مستندا إلى كمال قربه فانّ أدنى ذنب من المقرّبين يقع في موقع عظيم و أمّا البشر فلعدم قربه ذلك القرب لا يؤثر ذنبه ذلك التأثير فيجوز دخوله في الجنّة و إن أذنب مثل ذنب الملك و أيضا [ 279 ] فمن الجايز أن يكون تحريمه للتكبّر مخصوصا بأهل السّماء فقط أجاب 1 عليه السّلام عن ذلك الاعتراض على طريق الاستيناف البياني بقوله : ( ان حكمه في أهل السّماء و الأرض لواحد و ما بين اللّه و بين أحد من خلقه هوادة في اباحة حمى حرمه على العالمين ) . و محصّل الجواب أنّ حكمه في أهل السّماء و الأرض واحد لا اختلاف فيه و المطلوب من الجمع أن يكونوا داخرين في رقّ العبوديّة و يعرفوا ربّهم بالعظمة و الربوبيّة ، و قد جعل الكبريآء رداءه و العظمة إزاره و اختارهما لنفسه و جعلهما حمى و حرما على غيره و حرّم على جميع العالمين من أهل السّماء و الأرضين أن يحوموا حوم ذلك الحمى و ينازعوه فيهما كما عرفته في أوّل شرح هذا الفصل مفصّلا . و على ذلك فلا يبقى احتمال إباحة لأحد في دخول ذلك الحمى ، و لا تجويز أن يكون بينه و بينه هوادة و محابة و رخصة في تلبّس لباس العزّ و الكبرياء ، فمن انتحل شيئا منهما سواء كان من أهل الأرض أو من أهل السّماء صار محروما من الجنان و منازل الأبرار ، مستحقا للنيران و مهاوى الفجار و لبئس مثوى المتكبّرين و مهوى المستكبرين الترجمة از جمله خطب شريفه آن بزرگوار است كه معروف است بخطبه قاصعه از جهت اينكه متضمّن تحقير شيطان ملعون است . سيّد رضي « ره » گفته كه اين خطبه متضمّن است مذمّت ابليس را بر سركشى و تكبّر او و ترك كردن او سجده نمودن جناب آدم عليه السّلام را و اين را كه او أوّل كسى است كه اظهار سركشى نمود و متابعت غيرت و حميت كرد ، و متضمن است ترساندن مردمان را از رفتن راه او . و شرح آن در ضمن چند فصل است فصل أوّل ميفرمايد : حمد و ثنا معبود بحقى را سزاست كه پوشيده لباس عزّت و بزرگوارى را ----------- ( 1 ) جواب لما ( منه ) . [ 280 ] و اختيار فرموده اين دو وصف را براى ذات خود نه از براى خلق خود ، و گردانيده آن دو صفت را قوروق و حرام بر غير خود ، و برگزيده اين هر دو را براى جلال خود ، و گردانيده لعنت را بر كسى كه منازعت نمايد با او در آن دو وصف از بندگان خود ، پس از آن امتحان فرموده با اين ملائكه مقرّبين خود را تا اينكه تميز بدهد متواضعان ايشان را از متكبّران ، پس فرمود خداوند سبحانه و حال آنكه عالم است به پنهانى‏هاى قلبها و پوشيده‏هاى غيبها بدرستى كه من آفريننده‏ام بشريرا از گل پس زمانى كه تمام نمودم خلقت او را و دميدم در او روحى را كه پسنديده من است پس بر رو در افتيد از براى إكرام او در حالتيكه سجده كنندگان باشيد ، پس سجده كردند ملائكه همه ايشان بهيئت اجتماع مگر ابليس ملعون كه عارض شد او را حميّت و عصبيّت ، پس فخر كرد بر آدم بسبب خلقت خود ، و متعصّب شد بر او از جهت أصل خود كه آتش بود . پس دشمن خدا امام متعصّبين است و پيشرو متكبّرين كه نهاد بنياد عصبيّت را و نزاع كرد در رداء كبرياء و عظمت ، و پوشيد لباس عزّت را ، و بر كند لباس ذلّت را . آيا نمى‏بينيد چگونه تصغير و تحقير نمود او را خداى تعالى بسبب تكبّر او ، و پست كرد او را بجهت بلند پروازى او ، پس گردانيد در دنيا او را رانده شده از رحمت ، و مهيا فرمود از براى او در آخرت آتش بر افروخته را ، و اگر ميخواست خداى تعالى كه خلق نمايد جناب آدم عليه السّلام را از نورى كه بربايد ديدها را روشنى آن ، و غلبه نمايد بر عقلها نضارت زيبائى آن ، و از عطرى كه بگيرد نفسها را بوى خوش آن ، هر آينه مينمود . و اگر مينمود خلقت آن را باين قرار هر آينه ميگرديد از براى آن گردنها خضوع كننده ، و هر آينه سبك ميشد امتحان در خصوص آن بر ملائكه ، و لكن حق سبحانه و تعالى امتحان ميفرمايد مخلوقات خود را ببعض چيزها كه جاهل باشند بأصل آن از جهت تميز دادن ايشان بسبب امتحان ، و از جهت سلب نمودن گردن كشى را [ 281 ] از ايشان ، و از جهت دور گردانيدن تكبّر و تجبّر را از ايشان . پس عبرت بگيريد با آنچه كه شد از كار خدا در حق ابليس زمانى كه باطل نمود عمل دراز او را وجد و جهد بى اندازه او را و حال آنكه عبادت كرده بود خدا را در ظرف شش هزار سال معلوم نبود كه آيا آن سالها از سالهاى دنيا بود يا از سالهاى آخرت از جهت كبر يك ساعت . پس كيست بعد از ابليس كه سلامت بماند از عذاب پروردگار كه اقدام نموده باشد بمثل معصيت ابليس ، همچنين نيست ، نيست خدا كه داخل نمايد در بهشت آدمى را بأمريكه خارج نمود بسبب آن أمر از بهشت ملكى را ، بدرستى كه حكم خداوند در حق أهل آسمان و زمين يكى است ، و نيست ميان خدا و ميان هيچ أحدى از خلق أو رخصت و محبّت در مباح ساختن قوروقي را كه حرام گردانيده آن را بر جميع عالميان . الفصل الثاني فاحذروا عباد اللّه عدوّ اللّه أن يعديكم بدائه ، و أن يستفزّكم بخيله و رجله ، فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد ، و أغرق لكم بالنّزع الشّديد ، و رماكم من مكان قريب و قال ربّ بما أغويتني لازيّننّ لهم في الأرض و لاغوينّهم أجمعين قذفا بغيب بعيد ، و رجما بظنّ مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، و إخوان العصبيّة ، و فرسان الكبر و الجاهليّة ، حتّى إذا نقادت له الجامحة منكم ، و استحكمت الطّماعية منه فيكم ، فنجمت الحال من السّرّ الخفيّ إلى الأمر الجليّ ، استفحل [ 282 ] سلطانه عليكم ، و دلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم و لجات الذّلّ ، و أحلّوكم و رطات القتل ، و أوطاوكم أثخان الجراحة ، طعنا في عيونكم و حزّا في حلوقكم ، و دقّا لمناخركم ، و قصدا لمقاتلكم ، و سوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم ، فأصبح أعظم في دينكم جرحا ، و أورى في دنياكم قدحا ، من الّذين أصبحتم لهم مناصبين ، و عليهم متألّبين . فاجعلوا عليه حدّكم ، و له جدّكم ، فلعمر اللّه لقد فخر على أصلكم ، و وقع في حسبكم ، و دفع في نسبكم ، و أجلب بخيله عليكم و قصد برجله سبيلكم ، يقتنصونكم بكلّ مكان ، و يضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، و لا تدفعون بعزيمة ، في حومة ذلّ ، و حلقة ضيق ، و عرصة صوت ، و جولة بلاء . فاطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة ، و أحقاد الجاهليّة فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشّيطان و نخواته و نزغاته و نفثاته ، و اعتمدوا وضع التّذلّل على رؤسكم ، و إلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، و خلع التّكبّر من أعناقكم ، و اتّخذوا التّواضع مسلحة بينكم و بين عدوّكم إبليس و جنوده ، فإنّ له من كلّ أمّة جنودا و أعوانا ، و رجلا و فرسانا . [ 283 ] و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، و قدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ، و نفخ الشّيطان في أنفه من ريح الكبر الّذي أعقبه اللّه به النّدامة ، و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيمة . اللغة ( أعداه ) الداء أصابه مثل ما بصاحب الداء و في كلام العرب إنّ الجرب ليعدي أى يجاوز من صاحبه إلى من قاربه ، و العدوى و زان جدوى ما يعدى من جرب و غيره و ( الرجل ) بفتح الراء و سكون الجيم اسم جمع لراجل مثل ركب راكب و ( فوق ) السهم و زان قفل موضع الوتر و الجمع أفواق و فوّقت السّهم تفويقا جعلت له فوقا و إذا وضعت السّهم في الوتر لترمى به قلت أفقته إفاقة و رجمته رجما من باب نصر ضربته بالرجم و هو الحجارة و ( جمح ) الفرس اعتزّ راكبه و غلبه و ( طمع ) فيه طمعا و طماعا و طماعيّة حرص عليه و ( نجم ) الشي‏ء نجوما طلع و ظهر و ( دلف ) دلفا و دلفانا مشى مشى المقيّد و فوق الدّبيب ، و دلفت الناقة بحملها نهضت به . و ( الولجة ) محرّكة كهف يستتر فيه المارّة من مطر و غيره و ( أوطأه ) فرسه إذا حمله عليه فوطئه و أوطأوهم جعلوهم يوطئون قهرا و ( أثخن ) في القتل اثخانا أى أكثر منه و بالغ و أثخنته أوهنته بالجراحة و أضعفته قال سبحانه حتّى إذا أثخنتموهم » أى غلبتموهم و كثر فيهم الجراح و ( الخزائم ) جمع خزامة و هى حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير فيشدّ فيها الزّمام و ( ورى ) الزند يرى و ريا من باب وعد خرجت ناره ، و في لغة ورى يرى بالكسر فيهما ، و أورى بالألف أخرج ناره و ( القدح ) بالفتح إخراج النار من الزّند يقال قدح بالزند رام الايراد به و قدح فيه طعن و ( الحومة ) معظم الماء و الحرب و غيرهما و ( النزغ ) الافساد و ( المسلحة ) بفتح الميم قال في [ 284 ] النهاية القوم الذين يحفظون الثغر من العدوّ يكونون ذوى سلاح ، أو لأنّهم يسكنون المسلحة و هي كالثغر و المرقب يرقبون العدوّ لئلاّ يطرقهم على غفلة انتهى ، و فى القاموس : المسلحة بالفتح الثغر و القوم ذو و سلاح . الاعراب قوله : أن يعديكم في محلّ النصب بدل من عدوّ اللّه ، و الباء في قوله : بدائة للتعدية و في قوله : بما أغويتنى ، للقسم ، و ما مصدريّة ، و جوابه لازيننّ ، و قيل : إنها سببيّة و على التقديرين فمفعول ازيننّ محذوف أى ازيننّ لهم المعاصى ، و قذفا و رجما منتصبان على الحال ، و هما مصدران بمعنى الفاعل ، و الباء في قوله : صدقه به ، بمعنى في ، و جملة صدقه في محلّ الجرّ صفة ظنّ ، و روى صدقه أبناء الحميّة بدون لفظ به ، و استفحل جواب حتّى إذا . و اثخان الجراحة بالنصب مفعول أوّل لأوطؤكم كما في قولك : أعطيت درهما زيدا ، أى جعلوا اثخان الجراحة واطئا لهم ، لا أنه جعلهم واطئين له على أنّه مفعول ثان كما توهّمه الشارح المعتزلي ، أو أنه منصوب بنزع الخافض أى جعلوهم موطوئين باثخان 1 الجراحة قهرا و غلبة ، و على التقديرين فقوله : طعنا و حزا و دقا كلّها منصوب على الابدال من اثخان ، و قصدا و سوقا منصوبان على المصدر ، و العامل محذوف ، و يجوز انتصاب المنصوبات الخمسة جميعا على المصدر . و في بعض النسخ أوطأوكم لاثخان الجراحة ، باللاّم على المفعول له ، و على هذا فالمنصوبات الثلاثة الاول يحتمل كونها مفاعيل أوطأوا ، أى أوطأوكم الطعن أى جعلوا الطعن واطئا لكم لأجل اثخان جراحتكم ، و يحتمل انتصابها على المصدر كما مرّ ، و الباء في قوله : بخزائم ، للآلة و الاستعانة لا للمصاحبة كما توهّم ، و أورى بصيغة التفضيل عطف على أعظم ، و جرحا و قدحا منتصبان على التميز ، و جملة يقتنصون حال من رجله أو خيله ----------- ( 1 ) و الباء للصلة متعلّق بموطوئين لا بجعلوا فافهم ( منه ) [ 285 ] و قوله : فى حومة بلاء ، قال الشارح المعتزلي : حال من مفعول يقتنصون . أقول : و يجوز كونه ظرف لغو متعلّق بيضربون أو بيقتنصون بدلا من قوله : بكلّ مكان ، و أن يكون حالا من فاعل تمتنعون ، و هو أنسب و أولى ، و ما في قوله عليه السّلام من غير ما فضل ، زائدة للتأكيد . المعنى اعلم أنّه عليه السّلام لما أمر فى الفصل السابق بالاعتبار بحال إبليس و بما فعل اللّه به من الطرد و الابعاد و الاحباط لعمله ، اتبعه بهذا الفصل و أمر فيه بالتحذّر عن متابعته ، و بيّن فيه شدّة عداوته و حثّ على ملازمة التواضع و التذلّل فقال ( فاحذروا عباد اللّه ) من ( عدوّ اللّه ) إبليس ( أن يعديكم بدائه ) أى أن يجعل داءه مسريا إليكم فتكونوا متكبّرين مثله ( و أن يستفزّكم ) أى يستخفّكم ( بخيله و رجله ) قال تعالى « و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اجلب عليهم بخيلك و رجلك » . قال الطبرسي : الاستفزاز الازعاج و الاستنهاض على خفّة و اسراع ، و أصله القطع فمعنى استفزّه استزلّه بقطعه عن الصّواب أى استزلّ من استطعت منهم و أضلّهم بدعائك و وسوستك ، من قولهم صوت فلان إذا دعاه ، و هذا تهديد في صورة الأمر و قيل : بصوتك ، أى بالغنا و المزامير و الملاهي ، و قيل كلّ صوت يدعى به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان . و أجلب عليهم بخيلك 1 و رجلك الاجلاب السوق بجلبة و هى شدّة الصوت أى أجمع عليهم ما قدرت عليه من مكايدك و أتباعك و ذرّيتك و أعوانك ، فالباء مزيدة و كلّ راكب أو ماش في معصية اللّه من الانس و الجنّ فهو من خيل إبليس و رجله و قيل : هو من أجلب القوم و جلبوا ، أى صاحوا أى صح بخيلك و رجلك فاحشرهم عليهم بالاغواء ، انتهى . ----------- ( 1 ) أى صح عليهم بفرسانك و راجليك فانّ الخيل قد يطلق على الفرسان ، و منه قوله : يا خيل اللّه اركبى ( منه ) [ 286 ] ( فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد ) قال المحدّث العلاّمة المجلسي « ره » أى وضع فوق سهمه على الوتر ، و الظاهر أنّه جعل فوق بمعنى أفوق ، و إلاّ فقد عرفت في بيان اللّغة أنّ معنى فوقت السّهم جعلت له فوقا ، و على إبقاء التفويق على معناه الأصلي يكون كناية عن التهيّؤ و الاستعداد . ( و أغرق إليكم بالنزع الشديد ) أى استوفي مدّ القوس و بالغ في نزعها ليكون مرماه أبعد و وقع سهامه أشدّ . ( و رماكم من مكان قريب ) لأنّه يجرى من ابن آدم مجرى الدّم في العروق كما ورد في الحديث النبويّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كنّى عليه السّلام به عن أنّ سهامه لا تخطى ( و قال ) ما حكاه عنه عزّ و جلّ في سورة الحجر ( ربّ بما اغويتني لازيّننّ لهم في الأرض و لاغوينّهم أجمعين ) إلاّ عبادك منهم المخلصين ، أى أقسم باغوائك إيّاى لازيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا التي هي دار الغرور ، فالمراد بالأرض هي الدّنيا كما في قوله تعالى « و لكنّه أخلد إلى الأرض » و على كون الباء للسببيّة فالمعنى بسبب إغوائك إيّاى أفعل بهم ذلك . فان قلت : ظاهر الاغواء هو الاضلال فكيف جاز نسبته إلى اللّه ؟ قلت : على إبقائه على ظاهره فلا بدّ من حمله على أنّ ابليس كان جبرىّ المذهب . و أدلّة العدليّة بوجوه : أحدها أنّ المراد به التخيّب أى بما خيّبتني من رحمتك لاخيبنّهم بالدّعاء إلى معصيتك . و ثانيها أنّ معناه بما أضللتني من طريق جنّتك لاضلنّهم بالدّعاء إلى معصيتك و ثالثها أنّ معناه بتكليفك إيّاى بالسجود لآدم الذى وقعت به في الغىّ لاضلنّهم أجمعين إلاّ عبادك الذين أخلصوا العبادة للّه و انتهوا عمّا نهوا عنه . و قوله ( قذفا بغيب بعيد ) أى قال إبليس ذلك رميا بأمر غايب متوهّم على بعد خفيت اماراته و شواهده أى رميا بأمر بعيد المرمى غايب عن النظر . قال الشارح المعتزلى : و العرب تقول للشي‏ء المتوهّم على بعد : هذا قذف [ 287 ] بغيب بعيد ، و القذف في الأصل رمى الحجر و أشباهه و بالغيب الأمر الغايب و هذه اللفظة من الألفاظ القرآنيّة قال تعالى في كفّار قريش « و يقذفون بالغيب من مكان بعيد » أى يقولون هذا سحر أو هذا من تعليم أهل الكتاب أو هذه كهانة و غير ذلك مما كانوا يرمونه . قال الطبرسيّ في تفسير هذه الآية : أى يرجمون بالظنّ فيقولون لا جنّة و لا نار و لا بعث ، و هذا أبعد ما يكون من الظنّ و قيل معناه : يرمون محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالظنون من غير يقين ، و ذلك قولهم هو ساحر و هو شاعر و هو مجنون ، و جعله قذفا لخروجه في غير حقّ ، و قيل : معناه و يبعدون أمر الاخرة فيقولون لأتباعهم : هيهات هيهات لما توعدون ، و ذلك كالشي‏ء يرمى في موضع بعيد المرمي . ( و رجما بظنّ مصيب ) يعني أنّ قوله : لاغوينّهم أجمعين كان رجما بظنّ قد أصاب فيه و طابق الواقع كما يشهد به قوله سبحانه و لقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فريقا من المؤمنين و ما كان له عليهم من سلطان قال أمين الاسلام الطبرسيّ : المعنى أنّ إبليس كان قال : لاغوينّهم و لاضلنّهم و ما كان ذلك عن علم و تحقيق و إنما قاله ظنا فلما تابعه أهل الزيغ و الشرك صدّق ظنّه و حقّقه . و في بعض النّسخ و رجما بظنّ غير مصيب قال الشارح المعتزلي : و هذه الرّواية أشهر . أقول : و وجّه بوجوه أحسنها و أصوبها وجهان أحدهما أنّ قوله : لاغوينّهم بمعنى الشرك أو الكفر و الذين استثناهم بقوله إلاّ عبادك اه المعصومون من المعاصي ، و معلوم أنّ هذا الظنّ غير مصيب لأنّه ما أغوى كلّ البشر غير المخلصين الغواية التي هي الشرك و الكفر و إنما أغوى بعضهم به و بعضهم بالفسق فقط ، فيكون ظنّه أنه قادر على إضلال البشر كلّهم بالكفر ظنّا غير مصيب . و ثانيهما أنّ إبليس لما ظنّ أنه متمكّن من إجبارهم على الغىّ و الضّلال ، فقال : [ 288 ] لاغوينّهم ، مريدا به الاغواء بالجبر و سلب الاختيار حكم عليه السّلام بخطائه . و يوضح ذلك ما ذكره الطبرسي في قوله « و ما كان له عليهم من سلطان » أى و لم يكن لابليس عليهم من سلطنة و لا ولاية يتمكن بها من اجبارهم على الغىّ و الضلال ، و انما كان يمكنه الوسوسة فقط كما قال « و ما كان لى عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لى » . فان قلت : قوله « و ما كان لي عليكم من سلطان » يدلّ على أنّه لم يكن مراده بقوله : لاغوينّهم ، الاجبار و أنّه لم يكن ظانا بالقدرة على إجبارهم . قلت : قوله لاغوينّهم ، إنما قاله في بدء خلقته بتوهّم التمكّن من إجبارهم ، و قوله : و ما كان لي عليكم من سلطان إنما يقوله يوم القيامة كما يشهد به سابق الآية ، قال سبحانه و قال الشيطان لما قضى الأمر إنّ اللّه وعدكم وعد الحقّ و وعدتكم فاخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم . فمحصّل الجواب أنّه لا منافاة بين كونه في أوّل الأمر ظانا بالتمكن من الاجبار ، و بين معرفته في آخر الأمر بعدم تمكنّه منه و بكونه خاطئا في ظنّه . و قوله ( صدّقه به أبناء الحمية و اخوان العصبيّة و فرسان الكبر و الجاهلية ) تأكيد لقوله رجما بظنّ مصيب يعني أنّ إبليس ظنّ أنه يغويهم و كان هؤلاء قدغووا و ضلّوا بالحميّة و الجاهلية و التعصّب و التكبّر ، فكان ضلالهم ذلك تصديقا فعليّا منهم لابليس في ظنّه و فى قوله : لاغوينّهم ، و موجبا لاصابة ظنّه . و على الرواية المشهورة أعني رجما بظنّ غير مصيب ، فيكون هذه الجملة في معرض الاستدراك ، يعني أنّه قال ما قال لا على وجه العلم بل على سبيل الظنّ و الحسبان و المصيب للحقّ هو العلم دون التوهّم أو الظنّ ، لكن اتّفق وقوعهما لتصديق أبناء الحميّة فيه و وقوع الغواية منهم . و على هذا فالأولى أن يجعل جملة صدّقه اه استينافا بيانيا لا صفة لظنّ [ 289 ] فافهم جيّدا . ( حتّى إذا انقادت له ) الطايفة ( الجامحة ) منكم و هم الذين تقدّم ذكرهم أى أبناء الحميّة و العصبيّة و الكبر و وصفهم بالجموح لخروجهم و تمرّدهم عن انقياد ربّهم المالك لهم و لكلّ شي‏ء ( و استحكمت الطماعية ) أى الطمع ( منه فيكم ) بسبب مزيد انقيادكم له و اسراعكم إلى إجابة دعوته ( فنجمت ) أى ظهرت ( الحال من السّر الخفى إلى الأمر الجلى ) أى خرج ما بالقوّة إلى الفعل و إذ شاع آثار إغوائه ( استفحل سلطانه عليكم ) أى قوى و اشتدّ و صار فحلا ( و دلف بجنوده نحوكم ) أى نهض بهم إليكم ( فأقحموكم و لجات الذلّ ) أى ادخلوكم من غير رويّة غير ان الذّلة ( و أحلّوكم ورطات القتل ) أى أنزلوكم في مهالك القتل و الهلاكة ( و أوطأوكم اثخان الجراحة ) أى جعلوا اثخان الجراحة واطئا لكم ، و قد مرّ تفصيل معناه في بيان الاعراب و المراد به كثرة وقع جراحات جنود ابليس فيهم و كونهم مقهورين مغلوبين منكوبين بوقوع الجراحات . و فصّل كثرتها بقوله ( طعنا في عيونكم و حزّا ) أى قطعا ( في حلوقكم و دقا لمناخركم ) و هو كناية عن صدماتهم و احاطتها بالأعضاء جميعها ، فيكون ذكر العيون و الحلوق و المناخر من باب التمثيل و المراد بها ما يصيبهم من الصدمات و الجراحات من أبناء نوعهم بسبب القتل و القتال ، و لما كان منشاها جميعا هو إغواء إبليس و جنوده نسبها إليهم ، و لا يخفى ما في نسبة الطعن إلى العيون و الحزّ إلى الحلوق و الدقّ إلى المناخر من حسن الخطابة و صناعة البلاغة . ( و قصدا لمقاتلكم ) أى قصدوا قصدا لمحالّ قتلكم تحريصا على القتل ( و سوقا بخزائم القهر إلى النار المعدّة لكم ) أى ساقوكم سوقا إلى النّار المهيّاة لكم بالخزائم القاهرة لكم على السياق ، أو أنهم ساقوكم إليها بها بالقهر و الغلبة . و التعبير بالخزائم دون الازمة تشبيها لهم بالناقة الّتي تقاد بالخزامة لا الخيل المقاد بالزمام ، لأنّ الناقة إذا ما تقاد بالخزامة تكون أشدّ انقيادا و أطوع لقائدها من الخيل الّذى يقاد بالزّمام . [ 290 ] و للاشارة إلى هذه النكتة أتى بلفظ القهر و استعار لفظ الخزائم للمعاصي و السيّئات و شهوات النفس الأمّارة المؤدّية إلى النّار ، و المراد أنّ إبليس و جنوده زيّنوا الشهوات و السيّئات في نظرهم فرغبوا فيها و ركبوها فكان ذلك سببا لتقحمهم في النار و سخط الجبار . ( فأصبح أعظم في دينكم جرحا و أورى في دنياكم قدحا ) أى صار أكثر إخراجا للنار من حيث إخراجه لها أو من حيث الطعن في دنياكم و الثاني أظهر . أما جرحه في الدّنيا « في الدين ظ فمعلوم لأنّ جميع الصّدمات و المضارّ الدينية من الجرائم و الآثام من إغواء هذا الملعون . و أمّا الايراء و قدحه في الدّنيا فلا لها به نار الفتنة و الفساد و نايرة الحسد و البغضاء و العناد بين الناس الموجب للقتل و القتال و تلف الأنفس و الأموال و نحوها فجميع المضارّ الدينية و أغلب المضار الدنيويّة عند أهل النظر و الاعتبار من ثمرات هذه الشجرة الملعونة . فلذلك كان جرحه و قدحه أعظم و أشدّ ( من الذين أصبحتم لهم مناصبين و عليهم متألّبين ) أى من أعدائكم الذين نصبتم لهم العداوة و بالغتم فى عداوتهم ، و تجمّعتم أى اجتمعتم من ههنا و ههنا على قتلهم و قتالهم و استيصالهم دفعا لشرّهم عنكم . و لما نبّه عليه السّلام على أنّه عدّو مبين و أعظم المعاندين و أنّ ضرره عايد إلى الدّنيا و الدّين أمرهم بصرف عزيمتهم و همّتهم إلى عداوته فقال : ( فاجعلوا عليه حدّكم ) أى حدّتكم و سورتكم و بأسكم و سطوتكم ( و له جدّكم ) أى سبلكم و جهدكم ، ثمّ أقسم بالقسم البار تهييجا و إلهابا و تثبيتا لهم على العداوة له فقال : ( فلعمر اللّه لقد فخر على أصلكم ) أى على أبيكم آدم خيث امتنع من السجود له و قال « خلقتنى من نار و خلقته من طين » ( و وقع فى حسبكم و دفع في نسبكم ) أى عاب حسبكم و حقّر نسبكم و هو الطين حيث قال ءأسجد لمن خلقت طينا . قال أرأيتك هذا الذى كرّمت علىّ لان أخّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيّته إلا [ 291 ] قليلا ( و أجلب بخيله عليكم و قصد برجله سبيلكم ) أى صاح بفرسانه فاحشرهم عليكم بالاغواء و قصد مع راجليه سبيلكم ليزيغوكم عن الجادّة الوسطى . ( يقتنصونكم بكلّ مكان ) أى يتصيّدونكم و يجعلون ربق الذّلّ في أعناقكم ( و يضربون منكم كلّ بنان ) أى يضربون أطراف أصابعكم و يستقصون فى أذاكم و استيصالكم ( لا تمتنعون ) من ضربهم ( بحيلة و لا تدفعون ) ضرّهم ( بعزيمة ) و الحال انكم ( فى حومة ذلّ و حلقة ضيق و عرصة موت و جولة بلاء ) شرح لحالهم فى الدّنيا ، أى أنتم فى معظم ذلّ و دايرة ضيق ، لأنّ دار الدّنيا لا اتّساع فيها و معرض موت و مجال بلاء لا منجى منه . فاذا كان شأن أبليس في عداوتكم هذا الشأن من الفخر على الأصل و الوقع فى الحسب و الدفع في النسب و الاجلاب بالخيل و القصد بالرجل و غير ذلك من الامور المتقدّمة الدالة على كونه مجدّا في العداوة . ( ف ) خدوا منه حذركم و تحرّزوا من مصائده و ( اطفئوا ما كمن ) و استتر ( في قلوبكم من نيران العصبية ) و الحميّة ( و أحقاد الجاهليّة فانما تلك الحميّة ) و النخوة ( تكون في المسلم من خطرات الشيطان و نخواته و نزغاته و نفثاته ) أى وساوسه المحرّكة للفساد يعني ما استتر في قلوبكم من التعصّب و التكبّر و الحقد و الحسد نار محرقة لكم في الدّنيا و الآخرة فاطفئوها و اجتهدوا في إطفائها بماء التذلّل و التواضع و الاصلاح ، لأنّ منشأها جميعا هو الشيطان اللعين الّذي هو عدوّكم المبين ، فانّه يوسوس في صدوركم و يوقع في اخاطركم النّخوة و الحميّة و العصبيّة و ينزغ أى يفسد بينكم و بين اخوتكم المؤمنين و ينفث أى ينفخ في قلوبكم و في دماغكم ريح النخوة و الغرور و الاستكبار . فان قلت : لم قال تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان مع أنّ الحميّة في الكافر أيضا من خطراته فأىّ نكتة في الاتيان بهذا القيد ؟ قلت : لما أمر المخاطبين باطفاء نيران العصبيّة و الاستكبار معلّلا بأنها من وساوس ابليس و خطراته أتى بهذا القيد من باب الالهاب لأنّ المسلم بما له من داعية [ 292 ] الاسلام أسرع قبولا للموعظة و أحقّ بالانتصاح و الارتداع و التجنّب من سلوك مسالك الشيطان ، فكأنه قال : إن كنتم مسلمين فاتّقوا من متابعته و توقوا من اقتفاء آثاره كما تقول : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني ، قال تعالى حكاية عن مريم ( ع ) « قالت انّي أعوذ بالرّحمن منك ان كنت تقيّا » ( و اعتمدوا ) اى اقصدوا ( وضع ) تيجان ( التذلّل ) الّذى جعلتموها تحت أقدامكم ( على رؤوسكم و ) تعمّدوا ( القاء ) قلانس ( التعزّز ) الّتي جعلتموها على رؤوسكم ( تحت أقدامكم ) و لا يخفى على أهل الصّناعة لطافة هذه العبارة و شرافتها و عظم خطرها للّه درّ قائلها . ( و ) اعتمدوا ( خلع ) أطواق ( التكبّر من أعناقكم و اتّخذوا ) التذلّل و ( التّواضع مسلحة و ثغرا بينكم و بين عدوّكم إبليس و جنوده ) . و لما أمرهم باتخاذ المسلحة علّله بقوله ( فانّ له من كلّ امّة ) من الجنّ و الانس ( جنودا و أعوانا و رجلا و فرسانا ) تنبيها على كثرة جنوده و أعوانه المقتضية للجدّ في اتّخاذها توقّيا من طروقهم و اغتيالهم على غفلة هذا ، و قد مضى بيان فضل التواضع و الأخبار الواردة فيه في شرح المختار المأة و السابع و الأربعين . ثمّ ذكّرهم بقصة ابن آدم عليه السّلام لكونها في مقام التذكرة و الاعتبار أقوى تحذيرا و تنفيرا من التعزّز و الاستكبار فقال : ( و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن امّه ) أى لا تكونوا مثل قابيل الّذى تكبّر على أخيه هابيل . و إنما قال ابن امّه مع كونهما من أب و أمّ لأنّ الأخوين من أمّ أشدّ حنوا و محبة و تعاطفا من الأخوين من الأب لأنّ الأمّ هي ذات الحضانة و التربية ، و لذلك قال هارون لأخيه موسى عليهما السّلام مع كونه أخاه لأبيه و أمّه : ابن امّ إنّ القوم استضعفوني ، فذكر الامّ لكونه أبلغ في الاستعطاف ، فمقصوده عليه السّلام أنّ قابيل مع كون هابيل ابن امّه المقتضي للعطوفة و المحبة تسلّط عليه الشيطان فأنساه محبّة الاخوة فتكبّر عليه و قتله بوسوسته إليه ، فكونوا من ابليس و عداوته في حذر و لا تكونوا مثل قابيل [ 293 ] الّذى لم يتوقّ منه بل اتّبعه و تكبّر . ( من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ) بمنزلة استثناء منقطع أى غير ( ما الحقت العظمة ) و الكبرياء ( بنفسه من عداوة ) نشأت من ( الحسد و قدحت ) أى اخرجت ( الحميّة ) و التعصّب ( في قلبه من نار ) انقدت من ( الغضب و نفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر ) المؤدّى إلى قتل أخيه ( الّذى أعقبه اللّه به الندامة ) لا ندم التوبة بل ندم الحيرة أو شفقة على موت أخيه لا على ارتكاب الذنب ( و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة ) لأنّ من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل و زمن عمل بها كما أنّ من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها ، فهو لما كان أوّل من سنّ القتل فلا يقتل مقتول إلى يوم القيامة إلاّ كان له فيه شركة ، هذا . و قد تقدّم في شرح الفصل الرابع عشر من المختار الأوّل كيفيّة قتل قابيل هابيل اجمالا ، و لنورد هنا باقتضاء المقام بعض ما لم يتقدّم ذكره هناك من الآيات و الأخبار الواردة في هذا الباب . فأقول : قال اللّه عزّ و جلّ في سورة المائدة : و اتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحقّ إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما و لم يتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك 1 قال إنما يتقبّل اللّه من المتّقين . لئن بسطت إلىّ . يدك لتقلّنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنّى أخاف اللّه ربّ العالمين . إنّى أريد أن . تبوء بإثمى و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزآء الظالمين . فطوّعت له . نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين . فبعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاوارى سوأة أخى فأصبح من النادمين روى عليّ بن ابراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي عن ثوير بن أبى فاخته قال : سمعت عليّ بن الحسين عليهما السّلام يحدّث رجلا من قريش : لما قرّب ابنا آدم قرّب أحدهما أسمن كبش كان في ضانه ----------- ( 1 ) توعده بالقتل لفرط حسده له على تقبّل قربانه ، منه . [ 294 ] و قرّب الآخر ضغثا من سنبل فتقبّل من صاحب الكبش و هو هابيل و لم يتقبّل من الآخر و هو قابيل فغضب قابيل فقال لهابيل : و اللّه لأقتلنّك ، فقال هابيل إنّما يتقبّل اللّه من المتّقين . لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى إليك لاقتلك . انّي أخاف اللّه ربّ العالمين . انّي أريد أن تبوء باثمى و اثمك فتكون من اصحاب النّار . و ذلك جزآء الظالمين . فطوّعت له نفسه قتل أخيه فلم يدر كيف يقتله حتّى جاء إبليس لعنه اللّه فعلّمه فقال ضع رأسه بين حجرين ثمّ اشدخه فلما قتله لم يدر ما يصنع به ، فجاء غرابان فأقبلا متضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذى بقي الأرض بمخالبه و دفن فيه صاحبه ، قال قابيل يا ويلتي أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاوارى سوءة أخى فأصبح من النادمين فحفر له حفيرة و دفن فيها فصارت سنّة يدفنون الموتى . فرجع إلى أبيه فلم يرمعه هابيل فقال له آدم : أين تركت ابني ؟ قال له قابيل : ارسلتنى عليه راعيا ؟ فقال آدم عليه السّلام ، انطلق معى إلى مكان القربان ، و أحسّ قلب آدم عليه السّلام بالذى فعل قابيل : فلما بلغ مكان القربان استبان قتله فلعن آدم عليه السّلام الأرض التي قبلت دم هابيل ، و أمر آدم أن يلعن قابيل و نودى قابيل من السّماء لعنت كما قتلت أخاك ، و لذلك لا تشرب الأرض الدّم فانصرف آدم عليه السّلام فبكى على هابيل أربعين يوما و ليلة . فلما جزع عليه شكى ذلك إلى اللّه فأوحى اللّه إليه انّى واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل فولدت حوّا غلاما زكيّا مباركا ، فلما كان اليوم السابع أوحى اللّه إليه يا آدم إنّ هذا الغلام هبة منّى لك فسمّه هبة اللّه ، فسمّاه آدم هبة اللّه . و روى القميّ عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي أيّوب ، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال : كنت جالسا معه في المسجد الحرام فاذا طاووس « أى طاووس اليماني » في جانب الحرم يحدّث حتى قال : أ تدرى أىّ يوم قتل نصف الناس ؟ فأجابه أبو جعفر عليه السّلام فقال أو ربع الناس يا طاووس ، فقال : أو ربع النّاس ، فقال : أ تدرى ما صنع بالقاتل ؟ فقلت : إنّ هذه المسألة . فلما كان من الغد غدوت على أبى جعفر عليه السّلام فوجدته قد لبس ثيابه و هو قاعد [ 295 ] على الباب ينتظر الغلام أن يسرج له ، فاستقبلنى « فاستعجلني خ » بالحديث قبل أن أسأله فقال : إنّ بالهند أو من وراء الهند رجل معقول برجل واحدة يلبس المسح موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم أخرج أهل القرية بدلا فالناس يموتون و العشرة لا ينقصون يستقبلون بوجهه الشمس حين تطلع يديرونه معها حتى تغيب ثمّ يصبّون عليه في البرد الماء البارد و في الحرّ الماء الحارّ . قال : فمرّ عليه رجل من الناس فقال له : من أنت يا عبد اللّه ؟ فرفع رأسه و نظر إليه ثم قال : إما أن تكون أحمق الناس و اما أن تكون أعقل الناس ، إنى لقائم ههنا منذ قامت الدنيا ما سألني أحد من أنت غيرك ، ثمّ قال عليه السّلام : يزعمون أنه ابن آدم . و في الصافى من الاحتجاج قال طاووس اليماني لأبي جعفر عليه السّلام : هل تعلم أىّ يوم مات ثلث الناس ؟ فقال عليه السّلام : يا عبد اللّه لم يمت ثلث الناس قط إنما أردت ربع الناس قال : و كيف ذلك ؟ قال : كان آدم و حوّا و قابيل و هابيل فقتل قابيل هابيل فذلك ربع الناس ، قال : صدقت . قال أبو جعفر عليه السّلام هل تدرى ما صنع بقابيل ؟ قال : لا ، قال : علّق بالشمس ينضح بالماء الحارّ إلى أن تقوم الساعة و روى القمّي باسناده عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : جاء رجل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال : يا رسول اللّه رأيت أمرا عظيما ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : و ما رأيت ؟ قال : كان لي مريض و نعت له ماء من بئر بالأحقاف يستشفى به في برهوت ، قال : فانتهيت و معى قربة و قدح لآخذ من مائها و أصب في القربة ، و إذا بشي‏ء قد هبط من جوّ السّماء كهيئة السّلسلة و هو يقول : يا هذا الساعة أموت ، فرفعت رأسى و رفعت إليه القدح لاسقيه فاذا رجل في عنقه سلسلة ، فلما ذهبت انا و له القدح اجتذب حتّى علق بالشمس ، ثمّ أقبلت على الماء أغرف إذ أقبل الثانية و هو يقول العطش العطش اسقنى يا هذا السّاعة أموت ، فرفعت القدح لاسقيه فاجتذب منّى حتّى علق بالشمس حتّى فعل ذلك ثالثة و شددت قربتى و لم أسقه . [ 296 ] فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذاك قابيل بن آدم عليه السّلام قتل أخاه و هو قول اللّه عزّ و جلّ و الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشي‏ء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه و ما هو ببالغه و ما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال . و في البحار من تفسير العياشى عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : إنّ قابيل ابن آدم عليه السّلام معلّق بقرونه في عين الشمس تدور به حيث دارت في زمهريرها و حميمها إلى يوم القيامة ، فاذا كان يوم القيامة صيّره اللّه إلى النّار . و فيه من الخصال عن رجل من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سمعته يقول : إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر : أوّلهم ابن آدم الذى قتل أخاه ، و نمرود الذى حاجّ إبراهيم في ربّه ، و اثنان في بني اسرائيل هوّدا قومهم و نصّراهم ، و فرعون الذى قال : أنا ربّكم الأعلى ، و اثنان من هذه الامّة . قال العلاّمة المجلسىّ « ره » الاثنان من هذه الامّة أبو بكر و عمر . و فيه من علل الشرائع عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : كانت الوحوش و الطير و السّباع و كلّ شي‏ء خلق اللّه عزّ و جلّ مختلطا بعضه ببعض ، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت و فزعت فذهب كلّ شي‏ء إلى شكله . الترجمة فصل دويم از اين خطبه در تحذير مردمان است از متابعت شيطان و بيان شدّت عداوت آن ملعون است با انسان و تحريص خلق است بتواضع و فروتنى ميفرمايد پس حذر كنيد اى بندگان خدا از دشمن خدا از اينكه سرايت گرداند بشما درد بى‏درمان خود را ، و از اينكه بلغزاند شما را از راه راست با سواران و پيادگان خود ، پس قسم بزندگانى خودم هر آينه مهيا نمود از براى شما تير وعيد را ، و بر كشيد براى شما كمان را با كشيدن سخت ، و انداخت بسوى شما از مكان نزديك و گفت آن ملعون أى پروردگار من بسبب مأيوس نمودن تو مرا از رحمت خود هر آينه البته زينت مى‏دهم از براى ايشان معاصى را در دنيا و هر آينه البته بضلالت [ 297 ] مى‏اندازم همه ايشان را مگر بندگان خالص تو را در حالتى كه اندازنده بود بامر غايب از حواس كه دور بود ، و در حالتى كه رجم كننده بود بگمان و ظن ناصواب . تصديق نمود او را بآن ظنّ پسران حميّت ، و برادران عصبيّت ، و سواران تكبّر و جاهليّت تا آنكه زمانى كه گردن نهاد براى او سركشان شما ، و مستحكم شد طمع او در شما ، پس ظاهر شد حال و حالت از سرّ نهان بسوى امر روشن نمايان قوت يافت سلطنت او بر شما ، و سرعت نمود با لشگر خود بسوى شما . پس انداختند شما را در غارهاى ذلت و نازل نمودند شما را در گودالهاى كشتن ، و پامال كردند شما را با شدّت جراحت با نيزه زدن در چشمهاى شما ، و با بريدن در گلوهاى شما ، و با كوفتن سوراخهاى دماغ شما ، و قصد كردند قصد كردنى محلهاى كشتن شما را ، و راندند راندنى شما را بحلقه‏هاى بينى مهار با قهر و غلبه بسوى آتشيكه مهيا شده بود از براى شما . پس گرديد آن ملعون بزرگتر در دين شما از حيثيّت جراحت زدن در دنياى شما بيرون آرنده‏تر آتش از حيثيّت خارج كردن آتش از آن كسان كه گرديديد شما از براى ايشان آشكارا عداوت كننده ، و بر ايشان جمعيّت فراهم آورنده ، پس بگردانيد بر ضرر او حدّت و تيزى خود را ، و از براى دفع او جدّ و جهد خود را . پس قسم ببقاى پروردگار فخر كرد شيطان بر أصل شما كه خاك است ، و طعن كرد در حسب شما ، و ايراد نمود در نسب شما ، و كشيد سواران خود را بر شما ، و قصد كرد با مصاحبت پيادگان خود راه شما را در حالتى كه شكار كنند شما را در هر مكان ، و ميزنند از شما همه اطراف انگشتان را ، امتناع نمى‏توانيد بكنيد با هيچ حيله ، دفع نمى‏توانيد شرّ ايشان را با هيچ عزيمتى در حالتى كه شما در معظم مذلت و خوارى هستيد ، و در حلقه تنگى و تنگنائى و در عرصه موت و فنا و در گردش بلا مى‏باشيد پس خاموش كنيد آنچه كه پنهان است در قلبهاى شما از آتش سوزان تعصّب و كينهاى زمان جاهليّت ، و جز اين نيست كه اين حميّت جاهليّت ميباشد در مرد [ 298 ] مسلمان از وسوسهاى شيطان و نخوتهاى او ، و از فسادهاى او ، و از دميدنهاى او و قصد نمائيد نهادن تواضع را بر سرهاى خودتان ، و انداختن تكبّر را بزير قدمهاى خودتان ، و كندن گردن كشى را از گردنهاى خود ، و اخذ نمائيد فروتنى را سنگر در ميان خود و ميان دشمن خود كه ابليس و لشگر او است ، پس بدرستى كه مر او راست از هر گروهى لشگريان و اعوان و پيادگان و سواران . و مباشيد مثل قابيل تكبّر كننده بر پسر مادر خود كه هابيل بود بدون فضل و مزيّتى كه گردانيده باشد خدا او را و غير از اينكه لاحق نمود عظمت و تكبّر بنفس او از عداوتى كه ناشى بود از حسد ، و آتش زد حميّت و عصبيّت در قلب او از آتش غضب ، و دميد شيطان در دماغ او از باد كبر و نخوت چنان كبريكه در پى در آورد او را خداى تعالى بسبب آن كبر ندامت و پشيمانى را ، و لازم گردانيد بر او مثل گناهان جميع قاتلين و كشندگان را تا روز قيامت . الفصل الثالث ألا و قد أمعنتم في البغي ، و أفسدتم في الأرض ، مصارحة للّه بالمناصبة ، و مبارزة للمؤمنين بالمحاربة ، فاللّه اللّه في كبر الحميّة ، و فخر الجاهليّة ، فإنّه ملاقح الشّنآن ، و منافخ الشّيطان الّلاتي خدع بها الامم الماضية ، و القرون الخالية ، حتّى أعنقوا في حنادس جهالته ، و مهاوي ضلالته ، ذللا عن سياقه ، سلسا في قياده ، أمرا تشابهت القلوب فيه ، و تتابعت القرون عليه ، و كبرا تضايقت الصّدور به . ألا فالحذر الحذر عن طاعة ساداتكم و كبرائكم الّذين تكبّروا [ 299 ] عن حسبهم ، و ترفّعوا فوق نسبهم ، و ألقوا الهجينة على ربّهم ، و جاحدوا اللّه ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، و مغالبة لالائه ، فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، و دعائم أركان الفتنة ، و سيوف اعتزاء الجاهليّة . فاتّقوا اللّه و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، و لا لفضله عندكم حسّادا ، و لا تطيعوا الأدعياء الّذين شربتم بصفوكم كدرهم ، و خلطتم بصحّتكم مرضهم ، و أدخلتم في حقّكم باطلهم ، فهم أساس الفسوق ، و أحلاس العقوق ، اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، و جندا بهم يصول على النّاس ، و تراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، و دخولا في عيونكم ، و نفثا في أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، و موطى‏ء قدمه و مأخذ يده . فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه وصولاته و وقايعه و مثلاته ، و اتّعظوا بمثاوي خدودهم ، و مصارع جنوبهم ، و استعيذوا باللّه من لواقح الكبر ، كما تستعيذون به من طوارق الدّهر . فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و أوليائه ، و لكنّه ( لكنّ اللّه خ ) سبحانه كره إليهم التّكابر ، و رضي لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم ، و غفّروا في التّراب [ 300 ] وجوههم ، و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، و كانوا قوما مستضعفين ، و قد اختبر هم اللّه بالمخمصة ، و ابتلاهم بالمجهدة ، و امتحنهم بالمخاوف و مخضهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرّضا و السّخط ، بالمال و الولد ، جهلا بمواقع الفتنة و الإختبار في مواضع الغنى و الإقتار ، فقد قال تعالى : أ يحسبون أنّما نمدّهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون . فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم ، و قد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون عليهما السّلام على فرعون و عليهما مدارع الصّوف ، و بأيديهما العصيّ ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه ، فقال : ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ ، فهلاّ ألقي عليهما أساورة من ذهب ، اعظاما للذّهب و جمعه ، و احتقارا للصّوف و لبسه . اللغة ( امعن ) في الأرض ذهب فيها بعيدا ، و أمعن في الطلب أى جدّ و أبعد و ( صارح ) بما في نفسه أى أبداه و ( الحميّة ) الحرب و العداوة أى عاديته و أظهرت له العداوة و ( لقحت ) المرأة و النخلة لقحا إذا حملت و القحت ، و النخلة وضعت طلع الذكور [ 301 ] فى طلع الأناث و القح الفحل الناقة أحبلها و الملاقح بفتح الميم الفحول جمع ملقح و زان محسن يقال ألقحت الرياح الشجر إذا حملتها فهى لواقح و ملاقح كذا قال الفيروز آبادى . ( و الشنآن ) بفتح الأوّل و الثانى و سكونه البغض و الشنان و زان رماد لغة فيه و ( المنافخ ) جمع منفخ بالفتح مصدر نفخ و نفخ الشيطان نفثه و وسوسته و يقال للمتطاول إلى ما ليس له : نفخ الشيطان في أنفه و يقال : رجل ذو نفخ أى فخر و كبر و ( القرون الخالية ) جمع قرن و هو من القوم سيّدهم و رئيسهم و كلّ امّة هلكت فلم يبق منها احد و الوقت من الزمان و ( أعنق ) اعناقا أسرع و العنق ضرب من السير فسيح سريع . و ليلة ظلماء ( حندس ) أى شديدة الظلمة و ( المهاوى ) جمع مهواة و هى الوهدة المنخفضة من الأرض يتردّى الصيد فيها ، و قيل : الوهدة العميقة و تهاوى الصيد في المهواة سقط بعضه أثر بعض و ( الذّلل ) جمع ذلول و هو المنقاد من الابل و غيره قال تعالى : فاسلكى سبل ربّك ذللا و ( الهجينة ) الخصلة القبيحة ، و في بعض النسخ الهجنة و زان مضغة ، قال في القاموس : الهجنة بالضمّ من الكلام ما تعيبه و الهجين اللّئيم و عربىّ ولد من أمة أو من أبوه خير من أمّه و برذونة هجين غير عتيق . و ( أساس ) قال الشارح المعتزلى بالمدّ جمع أساس و الموجود فيما رأيته من النسخ بصيغة المفرد و ( الاعتزاء ) الادّعاء و الشعار في الحرب و ( الأدعياء ) جمع الدّعى و هو من انتسب الى أبيه و عشيرته أو يدّعيه غير أبيه فهو فاعل من الأوّل و مفعول من الثانى قال تعالى : لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم . ( و شربتم لصفوكم ) قال الشارح المعتزلى و يروى ضربتم أى مزجتم ، و يروى شريتم اى ابتعتم و استبدلتم و ( الاحلاس ) جمع حلس بالكسر و هو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له فقيل لكلّ ملازم أمر هو حلس له ، هكذا قال الشارح المعتزلي و الجزرى و ( سرق ) السمع مجاز و استرق السمع استمعه مختفيا و استرق الشي‏ء و تسرّقه سرقه شيئا فشيئا . [ 302 ] ( و نفثا في أسماعكم ) و يروى نثا في أسماعكم من نثّ الحديث أفشاه و ( وقعت ) بالقوم وقيعة و اوقعت بهم قتلت و اثخنت و ( المثاوى ) جمع المثوى من ثوى بالمكان نزل فيه و ( غفر ) وجهه ألصقه بالعفر و هو وجه الأرض أو التراب و عفّرت بالتثقيل مبالغة و ( مخض ) السقاء مخضا حرّكه شديدا ليخرج زبد اللّبن الذى فيه ، و يروى و محصّهم بالحاء و الصاد المهملتين من التمحيص و هو التطهير و ( أقتر ) لعياله اقتارا و قتر تقتيرا أى ضيق في النفقة و ( المدارع ) جمع مدرعة بالكسر و هى كالكساء و تدرّع الرّجل لبس المدرعة و ( العصيّ ) كقسيّ جمع عصا . الاعراب مصارحة و مبارزة منصوبان على المفعول له أو على التميز ، و قوله : فاللّه اللّه بنصبهما على التحذير ، و ذللا حال من فاعل اعنقوا ، و عن فى قوله : عن سياقه بمعنى اللاّم ، و فى بعض النسخ على سياقه فعلى للاستعلاء المجازى . و قوله : أمرا تشابهت القلوب فيه قال القطب الراوندى : أمرا منصوب لأنّه مفعول و ناصبه المصدر الّذى هو سياقه و قياده تقول سقت سياقا وقدت قيادا ، و اعترض عليه الشارح المعتزلي بأنّه غير صحيح ، لأنّ مفعول هذين المصدرين ، محذوف تقديره عن سياقه إيّاهم و قياده إيّاهم ، و قال الشارح : إنه منصوب بتقدير فعل اى اعتمدوا أمرا ، و كبرا معطوف عليه أو ينصب كبرا على المصدر بأن يكون اسما واقعا موقعه كالعطاء موضع الاعطاء . أقول : و الأظهر عندى أن يجعل أمرا منصوبا بنزع خافض متعلّق بقوله اعنقوا ، أى اسرعوا إلى أمر و كبر ، و على هذا التأم معنى الكلام بدون حاجة إلى التكلّف و حذف الفعل . و عن فى قوله تكبّروا عن حسبهم إمّا بمعنى من كما فى قوله تعالى هو الذى يقبل التوبة عن عباده أو بمعنى اللاّم كما في قوله تعالى و ما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة فعلى الأوّل فهى بمعنى من النشوية ، و على الثاني فبمعنى [ 303 ] اللاّم التعليلية . و مكابرة و مغالبة منصوبان على المفعول له و العامل جاحدوا ، و الباء في قوله : شربتم بصفوكم بمعني مع على رواية شربتم بالباء الموحّدة ، و على رواية شريتم بالياء المثناة التحتانيّة فللمقابلة ، و استراقا مفعول لأجله لقوله : ينطق أو لقوله : اتّخذهم ابليس ، و الثاني أولى . و قوله تعالى إنما نمدّهم به الآية لفظة ما موصولة اسم إنّ و جملة نمدّهم به صلة ما لا محلّ لها من الاعراب ، و جملة نسارع مرفوعة المحلّ خبر إنّ ، و الرابط محذوف أى نسارع لهم به . و الباء في قوله بما ترون بمعني في ، و جملة ألا تعجبون إلى قوله من ذهب مقول قال ، و إعظاما مفعول لأجله لقال ، و يحتمل الانتصاب على الحال فيكون المصدر بمعني الفاعل أى قال ذلك معظما للذّهب و محتقرا للصّوف . المعنى اعلم أنه لما حذّر في الفصل السابق من التكبّر و رغّب في التواضع عقّبه بهذا الفصل تأكيدا لما سبق ، و صدّره بتوبيخ المخاطبين على البغى و الفساد فقال : ( ألا و قد أمعنتم فى البغى ) أى بالغتم فى السعى بالفساد و العدول عن القصد و الخروج عن الاعتدال ( و أفسدتم في الأرض ) أى صرتم مفسدين فيها ، و علّل امعانهم فى البغى بقوله : ( مصارحة للّه بالمناصبة ) أى لأجل مواجهتكم له سبحانه بالمعاداة و كشفكم عن عداوته تعالى صراحة بالترفّع و التكبّر . روى في الكافى عن أبى جعفر عليه السّلام قال : الكبر رداء اللّه و المتكبّر ينازع اللّه فى ردائه . و فيه عن حكيم قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أدنى الالحاد ، فقال : إنّ الكبر أدناه . و علّل الافساد في الأرض بقوله : ( و مبارزة للمؤمنين بالمحاربة ) لأنّ الكبر [ 304 ] و العظمة و الرفعة على الخلق مثير للفساد ، مؤدّ إلى الحرب و الجدال ، لأنّ المتكبّر لا يقدر أن يحبّ للمؤمن ما يحبّ لنفسه و لا يتمكّن من ترك الرذائل كالحقد و الحسد و التقدّم فى الطرق و المجالس و طرد الفقراء عن المجالسة و الموانسة و الغلظة في القول و عدم الرفق بذوى الحاجات و التطاول على الناس و الانف عن سماع الحقّ و قبوله ، كلّ ذلك خوفا من أن يفوته عزّه ، و معلوم أنّ هذه الخصال القبيحة لا محالة تكون سببا للمحاربة للمؤمنين ، بل لمحاربة اللّه سبحانه كما قال في الحديث القدسى : من أهان لى وليّا فقد بارزنى بالمحاربة . ( فاللّه اللّه في كبر الحميّة و فخر الجاهليّة ) أى اتّقوه عزّ و جلّ فيهما ، لأنّهما من صفة الكافر لا المسلم و المؤمن قال تعالى إذ جعل الّذين كفروا فى قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة . و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في رواية الكافي : إذا خلق اللّه العبد في أصل الخلقة كافرا لم يمت حتى يحبّب اللّه إليه الشّر فيقرب منه ، فابتلاه بالكبر و الجبريّة ، فقسا قلبه ، و ساء خلقه ، و غلظ وجهه ، و ظهر وخشه 1 ، و قلّ حياؤه ، و كشف اللّه ستره و ركب المحارم فلم ينزع عنها ، ثمّ ركب معاصى اللّه ، و أبغض طاعته ، و وثب على النّاس لا يشبع من الخصومات ، فاسألوا اللّه العافية و اطلبوها منه . و من ذلك ظهر حسن ما علّل التوقّى من الكبر و الفخر به و هو قوله ( فانّه ) أى كلّ من الكبر و الفخر ( ملاقح الشنآن ) أى سبب توليد البغض و العداوة كما أنّ الفحول سبب توليد النتاج ، و التعبير بصيغة الجمع بملاحظة تكثّر أقسام الكبر و تعدّد أنواعه باعتبار ما به التكبّر من العلم و الثروة و المال و كثرة العشيرة و حسن الصوت و الجمال و غيرها مما هو منشا الكبر و التفاخر ( و منافخ الشيطان ) أى نفخاته و نفثاته كما قال في الفصل السّابق : و انما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان و نفثاته ، و قال أيضا : و نفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر . ----------- ( 1 ) الوخش الرّدى من كلّ شي‏ء و رذال الناس ، ق [ 305 ] و وصف المنافخ بأنّها ( اللاّتي خدع بها الامم الماضية ) كقوم نوح و هود و عاد و ثمود و فرعون و نمرود و غيرهم ممّن تكبّر و كذّب الرّسل لما زيّن لهم الشيطان نخوتهم فخدعهم و أضلّهم عن السّبيل ( و القرون الخالية ) عطف تفسير أي الامم الهالكة و الرؤساء الخالية منهم الدّنيا ، و على جعل القرن بمعنى الوقت فيحتاج إلى تقدير مضاف أى خدع بها أهل الأزمنة التي خلت منهم ، و على الأوّل فالصّفة بحال متعلّق الموصوف ، و على الثاني فهى بحال الموصوف نفسه . و قوله ( حتّى اعنقوا في حنادس جهالته و مهاوى ضلالته ) غاية لخداع الشيطان أى انتهى خداعه للامم السابقة إلى أن أسرعوا في ظلمات جهالته التى لا يهتدون فيها ، و مهاوى ضلالته الّتى يردوا فيها و لم يقدروا على الخروج منها ( ذللا عن سياقه سلسا فى قياده ) أى حالكونهم ذليلين لسوقه سهل الانقياد لقوده ( أمرا ) أى إلى أمر 1 أى جبريّة و تكبّر ( تشابهت القلوب فيه ) أى صار قلوبهم كلّ منها شبيها بالآخر فى قبوله ( و تتابعت القرون عليه ) أى تتابعت على التسليم و الانقياد له ( و كبرا ) أى إلى كبر ( تضايقت الصّدور به ) و لم تسع لا خفائه و كتمانه من جهة كثرته و شدّته . و لمّا شاهد عليه السّلام أنّ عمدة منشأ تكبّرهم و تعصّبهم هو اتّباع الرّؤساء حذّرهم عن متابعتهم بقوله ( ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم ) و التكرير لتأكيد التحذير و أن لا يكونوا مثل الكافرين الذين يوم تقلب وجوههم فى النّار يقولون يا ليتنا أطعنا اللّه و أطعنا الرّسولا ، و قالوا ربّنا إنا أطعنا سادتنا و كبرائنا فأضلّونا ، السبيلا ، ربّنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعنا كبيرا ، أى أطعنا قادة الكفر و أئمة الضّلال . قال الطبرسيّ : و السيّد المالك المعظم الذى يملك تدبير السواد الأعظم و هو جمع الأكثر أى أطعنا هؤلاء فأضلّونا عن سبيل الحقّ و طريق الرشاد بنا ، ربّنا آتهم ضعفين من العذاب لضلالتهم في نفوسهم و إضلالهم إيّانا ، و العنهم لعنا كبيرا مرّة بعد ----------- ( 1 ) متعلق بقوله : اعنقوا . م [ 306 ] اخرى و زدهم غضبا إلى غضبك و سخطا إلى سخطك . و قال في سورة الشعراء حكاية لحال التابعين و المتبوعين و لمقالتهم فكبكبوا فيها هم و الغاوون . و جنود إبليس اجمعون . قالوا و هم فيها يختصمون . تاللّه ان . كنّا لفي ضلال مبين . اذ نسوّيكم بربّ العالمين . و ما اضلّنا إلاّ المجرمون . فما لنا من شافعين . و لا صديق حميم . و وصف الكبراء و السادات بأنهم ( الذين تكبّروا عن حسبهم و ترفّعوا فوق نسبهم ) قال الشارح المعتزلي : أى جهلوا أنفسهم و لم يفكروا في أصلهم من النطف المستقذرة و من الطين المنتن و نحوه . قال الشارح البحراني : و الأظهر عندي أن يراد بتكبّرهم عن حسبهم و تجبّرهم بما يعدون في أنفسهم من الجود و السخاء و الشجاعة و نحوها من المآثر أو ما يعدون في آبائهم من المفاخر . قال في القاموس : الحسب ما تعدّه من مفاخر آبائك أو المال أو الدّين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح أو الشرف الثابت في الآباء و الحسب و الكرم قد يكونان لمن لا آباء له شرفاء و الشرف و المجد لا يكونان إلاّ بهم . روى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم آفة الحسب الافتخار و العجب . و فيه عن عقبة الأسدي قال : قلت لأبى جعفر عليه السّلام : أنا عقبة بن بشير الأسدي و أنا في الحسب الضخم من قومي « عزيز فى قومى خ » ، قال : فقال : ما تمنّ علينا بحسبك إنّ اللّه رفع بالايمان من كان الناس يسمّونه وضيعا إذا كان مؤمنا ، و وضع بالكفر من كان يسمّونه شريفا إذا كان كافرا ، فليس لأحد فضل على أحد إلاّ بالتقوى . و المراد بترفّعهم فوق نسبهم وضعهم أنفسهم في مقام لا يليق بهم لا يقتضى نسبهم وضعها فيه ، و المراد بنسبهم إما طرف الآباء خاصّة أو مع الأقرباء أيضا فيكون هذا الكلام منه عليه السّلام مبتنيا على ما كان يعرفه في هؤلاء الكبراء و السّادات من عدم الشرف و المجد في آبائهم ، أو كنّى بنسبهم عن أصلهم الذي انتسابهم إليه و هو الطين و الحمأ [ 307 ] المسنون كما قال في الدّيوان المنسوب إليه : فان يكن لهم في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين و الماء و يحتمل أن يريد به النطفة التي اختلاقهم منها و انتسابهم إليها ، و على أىّ تقدير ففي هاتين الجملتين طعن على الرؤساء ، و إزراء على افتخارهم و تكبّرهم بالحسب و النسب روى في الكافي عن أبي حمزة الثمالي قال قال لي عليّ بن الحسين عليهما السّلام : عجبا للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثمّ غدا هو جيفة . و فيه عن السّكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : أتا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجل فقال يا رسول اللّه أنا فلان بن فلان حتّى عدّ تسعة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أما أنك عاشرهم في النار . و فى كتاب الروضة من الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن حنان قال سمعت أبي يروى عن أبي جعفر عليه السّلام قال : كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون و يرقون في أنسابهم حتّى بلغوا سلمان ، فقال له عمر بن الخطاب : أخبرني من أنت و من أبوك و ما أصلك ؟ فقال : أنا سلمان بن عبد اللّه كنت ضالاّ فهداني اللّه جلّ و عزّ بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و كنت عائلا فأغنانى اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و كنت مملوكا فأعتقني اللّه بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، هذا حسبي و نسبي . قال : فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلمان يكلّمه فقال له سلمان : يا رسول اللّه ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون و يرفعون في أنسابهم حتّى إذا بلغوا إلىّ قال عمر بن الخطاب : من أنت و ما أصلك و ما حسبك ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فما قلت له يا سلمان ؟ قال قلت له : أنا سلمان بن عبد اللّه كنت ضالاّ فهدانى اللّه عزّ ذكره بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و كنت عائلا فأغناني اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كنت مملوكا فأعتقنى اللّه عزّ ذكره بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا نسبي و هذا حسبي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : يا معشر قريش إنّ حسب الرّجل دينه ، و مروّته خلقه ، و أصله عقله ، قال اللّه عزّ و جلّ « إنّا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه اتقيكم » . ثمّ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لسلمان : ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلاّ بتقوى اللّه [ 308 ] عزّ و جلّ ، و إن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل . و قد مضت مطالب و روايات مناسبة للمقام في شرح الخطبة المأة و السابعة و الأربعين عند التعرّض لمعالجات الكبر فتذكّر ، هذا . و قوله ( و ألقوا الهجينة على ربّهم ) أى نسبوا الخصلة القبيحة إلى اللّه سبحانه قال الشارح المعتزلي : أى نسبوا ما في الأنساب من القبح بزعمهم إلى ربهم مثل أن يقولوا للرجل : أنت عجميّ و نحن عرب ، فانّ هذا ليس إلى الانسان بل هو إلى اللّه فأىّ ذنب له فيه . ( و جاحدوا اللّه على ما صنع بهم ) أى أنكروه عزّ و جلّ على الذي أحسن به إليهم و أنعم به عليهم ، و ذلك لأنّ ما منحهم اللّه عزّ ذكره به من الثروة و العزّة و المجد و الشرف و علوّ النسب و نحوها من صنايعه و عطاياه تعالى كلّها نعم عظيمة موجبة لشكر المنعم و ثنائه ، و لما جعلوا ذلك سبب التنافس و التكبّر و الاعتلاء على من ليس فيه هذا السودد و الشرف و على الفقراء و الضعفاء كان ذلك منهم كفرانا للنعم و جحودا للمنعم و إنكارا له فيما أوجبه عليهم من الشكر و الثناء و الانقياد لأمره و نهيه . و هذا معنى قوله ( مكابرة لقضائه ) يعني أنّ جحودهم لأجل مقابلتهم لما أمر اللّه به و فرضه عليهم من الشكر و مخالفتهم له ما للقرآن ( و مغالبة لآلائه ) أى أنبيائه و أوصيائه الذينهم أعظم الآلاء و النعماء . و لما حذّر من طاعة السادات و الكبراء و وصفهم بأوصاف منفرة علّله بقوله ( فانهم قواعد أساس العصبية ) يعنى بهم قوام الكبر و العصبية و ثباته كما أنّ قوام الأساس بقواعده و استحكامه بها . روى في الكافي باسناده عن الزهرى قال : سئل علىّ بن الحسين عليهما السّلام عن العصبية فقال : العصبية التى يأثم عليها صاحبها أن يرى الرّجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، و ليس من العصبية أن يحبّ الرّجل قومه و لكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم . [ 309 ] و فيه عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكوني عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : من كان فى قلبه حبّة من خردل من عصبية بعثه اللّه يوم القيامة مع أعراب الجاهلية . و بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : من تعصّب عصبه اللّه بعصابة من نار . و عن منصور بن حازم عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : من تعصّب أو تعصّب له فقد خلع ربق الايمان من عنقه . ( و دعائم أركان الفتنة ) شبّه الفتنة ببيت ذي أركان و دعامة على سبيل الاستعارة بالكناية ، و ذكر الأركان تخييل و الدعائم ترشيح ، و جعلهم بمنزلة الدعائم له لأنّ قيام البيت و أركانه كما يكون بالدعامة و العماد فكذلك هؤلاء بهم ثبات الفتن و قوامها . ( و سيوف اعتزاء الجاهلية ) و المراد باعتزاء الجاهلية هو نداؤهم يا لفلان يا لفلان فيسمّون قبيلتهم فيدعونهم إلى المقاتلة و إثارة الفتنة كما أشرنا إليه في شرح الفصل الأول فى سبب خطابته عليه السّلام بهذه الخطبة : و انما أضاف هذه الاعتزاء إلى الجاهلية لأنّ ذلك كان شعارا للعرب فيها كما روى في وقعة بدر أنّ أبا سفيان لما أرسل ضمضم بن عمرو الخزاعي إلى مكّة ليخبر قريش بخروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للتعرّض بعيرهم أوصاه أن يخرم ناقته و يقطع اذنها حتى يسيل الدّم و يشقّ ثوبه من قبل و دبر فاذا دخل مكّة يولّى وجهه إلى ذنب البعير و يصيح بأعلى صوته يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير ادركوا و ما ادريكم تدركون فانّ محمّدا و الصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم ، و لما وافى مكّة و اعتزى هذا العزاء تصايح الناس و تهيّأوا للخروج و انما جعلهم بمنزلة السيوف لاعتزاء الجاهلية لكونهم سبب قوّة للمغترّين و يستمدّ منهم فى مقام الاعتزاء و المهيج للحرب و القتال ، و بهم يضرم ناره فشبّههم بالسيّف الذى هو آلة ممدّة للحرب ، و به يستعان فيها . [ 310 ] و يجوز أن يكون من حذف المضاف أى أصحاب سيوف اعتزاء الجاهلية ، قاله بعض الشارحين و ما ذكرته ألطف و أحسن . ثمّ عاد إلى الأمر بالتقوى فقال : ( فاتّقوا اللّه و لا تكونوا لنعمه أضدادا ) أى لا تكونوا مضادّين لنعمه سبحانه بالبغى و الكبر الموجبين للكفران الموجب لزوال النعم و تبدّلها بالنقم كما قال تعالى فبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتى اكل خمط و أثل و شي‏ء من سدر قليل . ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازى إلاّ الكفور . ( و لا لفضله عندكم حسادا ) يجوز أن تكون اللاّم زايدة للتقوية فالمسجود نفس الفضل أى لا تكونوا حاسدين بفضله و إحسانه الذى عندكم ، و أن تكون للتعليل فالمحسود محذوف في الكلام أى لا تكونوا حاسدين لأنفسكم لأجل فضله كما تحسدون الناس على ما آتيهم اللّه من فضله . فوجه تشبيههم بالحساد على الاحتمال الأوّل أنّ الحاسد إذا بلغ الغاية في حسده يتمنّى و يطلب موت المحسود و عدمه فكان هؤلاء بما فيهم من الكبر و الكفران بمنزلة الطالب لزوال الفضل و المتمنّى لانقطاعه فاشبهوا بالحاسد له . و على الاحتمال الثاني أنّ الحاسد إنما يطلب زوال النعمة من المحسود ، فهؤلاء لمّا تكبّروا و بغوا صاروا كأنّهم يحسدون أنفسهم و يطلبون زوال ما آتيهم اللّه من فضله منها ، و على أىّ تقدير ففي الكلام من الدلالة على المبالغة ما لا يخفى . ( و لا تطيعوا الأدعياء ) المنتحلين للاسلام العارين من مراسمه ( الذين شربتم بصفوكم كدرهم ) أى مزجتم بأصفى من امور دينكم و دنياكم بكدرهم فشربتموهما معا ، و المراد بكدرهم ما يوجب تكدّر عيش المطيعين لهم في الدّنيا من الحسد و البغض و القتل و القتال و غير ذلك ممّا ينشأ من طاعة الأدعياء و إثارتهم للشّر و الفساد ، و ما يوجب تكدّر الامور الدّينيّة و زوال خلوصها من البخل و الحقد و الحسد و البغضاء و نحوها من المنهيات و المعاصي الّتي يرتكبها التابعون بسبب اطاعة المتبوعين ، و على رواية شريتم باليآء المثناة فالمعنى أنكم استبدلتم كدرهم بالصافي و اشتريتم الأوّل بالثاني . [ 311 ] ( و خلطتم بصحّتكم مرضهم ) أى خلطتم بصحة قلوبكم مرض قلوبهم فحذف المضاف و اقيم المضاف إليه مقامه ، و المراد بصحّة القلوب سلامتها لقبول الحقّ ، و بمرضها فتورها عن قبوله كما أنّ المرض في البدن هو فتور الأعضاء . قال تعالى في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا قال الزمخشرى في الكشاف : استعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة و مجازا فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول في جوفه مرض ، و المجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد و الغلّ و الحسد و الميل إلى المعاصى و العزم عليها و استشعار الهوى و الجبن و الضعف و غير ذلك مما هو فساد و آفة شبيهة بالمرض ، كما استعيرت الصحّة و السّلامة في نقايض ذلك و المراد به ما في قلوبهم من سوء الاعتقار و الكفر أو من الغلّ و الحسد و البغضاء ، لأنّ صدورهم كانت تغلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين غلاّ و حنقا و يبغضونهم البغضاء الّتي وصفها اللّه في قوله قد بدت البغضاء من افواههم و ما تخفى صدورهم اكبر و يتحرّقون عليهم حسدا إن تمسسكم حسنة تسؤهم . ( و أدخلتم في حقكم باطلهم ) المراد بالحقّ هو الايمان و التعبّد بالعبادات الموظفة و المواظبة على صالح الأعمال ، و بالباطل ما يقابل ذلك مما يؤدّى إلى الهلكات و يحلّ في الورطات من الكذب و النفاق و البخل و الحسد و الكبر و غيرها من الرذايل . ( و هم اساس الفسوق ) أى هؤلاء الأدعياء الذين نهيتكم عن طاعتهم أصل الفسوق و عليهم ابتناؤه ، و المراد بالفسوق إمّا خصوص الكذب كما في قوله تعالى لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحجّ على ما فسّر به في غير واحد من الأخبار ، و كونهم أصلا له بما فيهم من وصف النّفاق الملازم للكذب إذ المنافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، أو مطلق الخروج عن طاعة اللّه و هو الأظهر . ( و أحلاس العقوق ) أى ملازمو العقوق لزوم الحلس للبعير ، و المراد بالعقوق مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإمام من بعده و ترك متابعتهم و الخروج عن طاعتهم الواجبة بقوله عزّ و جلّ أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و أولى الأمر منكم و إنما عبّر عن مخالفتهما عليهما السّلام بالعقوق لأنهما أبوا هذه الامّة . ( اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ) أى أخذهم مطايا أى مراكب تمطو أى تسرع [ 312 ] في السير إلى الضلال ، و إنما شبّههم بالمطايا لأنّ المطية حين تركب صارت منقادة لراكبها يسوقها حيث أراد ، فهؤلاء لما اعطوا قيادهم لابليس يقصد بهم نحو الضّلال ذللا و يسوقهم إليه جعلهم مطايا له . ( و جندا بهم يصول على الناس ) أى أعوانا له كما قال تعالى استحوذ عليهم الشيطان فأنسيهم ذكر اللّه أولئك حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون بهم يستطيل على الناس ليصرفهم عن طاعة الرّب إلى طاعته . ( و تراجمة ينطق على ألسنتهم ) و إنما جعلهم ترجمانا له لأنّ أقوالهم كأفعالهم لما كانت صادرة عن إغواء إبليس و وسوسته تابعة لرضاه كان أحكامهم أحكامه ، و كلامهم كلامه ، و نطقهم نطقه ، فصار ما يصدر عن ألسنتهم ترجمة لقوله و صاروا بمنزلة الترجمان له . و هذا الكلام نظير ما تقدّم منه عليه السّلام في الخطبة السابعة من قوله : اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا و اتّخذهم له أشراكا ، فباض و فرخ في صدورهم و دبّ و درج في حجورهم ، فنظر بأعينهم و نطق بألسنتهم اه . و علّل نطقه على ألسنتهم بقوله ( استراقا لعقولكم ) أى لأجل سرقة عقولكم شيئا فشيئا و هو كناية عن إغفاله لهم بأقواله الكاذبة عن ذكر الحقّ و الآخرة و ترغيبهم إلى الباطل كما قال تعالى و من يتّخذ الشيطان وليّا من دون اللّه فقد خسر خسرانا مبينا . يعدهم و يمنّيهم و ما يعدهم الشيطان الاّ غرورا فانّ وعده قد يكون بالخواطر الفاسدة ، و قد يكون بلسان أوليائه كما اشير إليه في قوله من شرّ الوسواس الخنّاس . الذى يوسوس في صدور النّاس . من الجنّة و النّاس . روى عن عليّ بن إبراهيم القمىّ عن الصّادق عليه السّلام في هذه الآية قال : ما من قلب إلاّ و له اذنان : على إحداهما ملك مرشد و على الاخرى شيطان مغتر ، هذا يأمره و هذا يزجره كذلك من النّاس شيطان يحمل النّاس على المعاصى كما يحمل الشيطان من الجنّ . و أصرح من الآيتين ايضاحا للمرام قوله سبحانه و كذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّا شياطين الانس و الجنّ يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء [ 313 ] ربّك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون . و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون . قال الطبرسي في تفسير الكلبي عن ابن عبّاس إنّ إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الانس و فريقا إلى الجنّ فشياطين الجنّ و الانس أعداء الرسل و المؤمنين ، فيلتقي شياطين الانس و شياطين الجنّ في كلّ حين فيقول بعضهم لبعض : أضللت صاحبي بكذا فأضلّ صاحبك بمثلها ، فذلك وحى بعضهم إلى بعض . و روى عن أبي جعفر عليه السّلام أيضا أنّه قال : إنّ الشياطين يلقي بعضهم بعضا فيلقي إليه بالغوى « ما يغوى ظ » به الخلق حتّى يتعلّم بعضهم من بعض . قال الطبرسي : يوحى بعضهم إلى بعض أى يوسوس و يلقى خفية زخرف القول أى المموّه المزين الذى يستحسن ظاهره و لا حقيقة له و لا أصل و قوله و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ، أى لتميل إلى هذا الوحى بزخرف القول أو إلى هذا القول المزخرف قلوب الذين لا يؤمنون . فقد ظهر بذلك أنّ الأدعياء الذين اتّخذهم إبليس مطايا ضلال و جنودا و تراجمة له هم عبارة عن شياطين الانس ، فينطق إبليس بلسانهم بزخرف القول و تميل إليه أفئدة الناس فتسترق بذلك عقولهم و يقترفون أى يكتسبون ما هم مكتسبون من الجرائم و الآثام . و بذلك أيضا يظهر معنى قوله ( و دخولا في عيونكم ) لأنّه يزيّن بتوسّط أتباعه و شياطينه من الانس المعاصى في نظر الناس ، و يموّه بزخرف قوله زينة الحياة الدّنيا في أعينهم فيصرفهم عن النظر إلى آيات اللّه ، و هذا معنى الدّخول في العيون . و به ظهر أيضا معنى قوله ( و نفثا في أسماعكم ) لأنّه يلقى إليهم بوساطة أوليائه زخرف القول فيستمعون إلى لغو حديثه و لا يستمعون إلى آيات اللّه التي إذا تليت عليهم زادتهم ايمانا . و قوله ( فجعلكم مرمى نبله و موطا قدمه و مأخذ يده ) تفريع على ما سبق [ 314 ] و بمنزلة النتيجة له ، يعنى أنه إذا استرق عقولكم و دخل عيونكم و نفث أسماعكم فجعلكم بذلك هدفا لسهامه أي وساوسه الموقعة في هلاك الأبد كما أنّ السّهم يهلك من يصيبه ، و جعلكم محلاّ لوطى أقدامه أى داخرا ذليلا مهينا إذ من شأن الموطوء بالقدم الذّلة و المهانة ، و مأخذا ليده أى أسيرا في يد اقتداره نافذا حكمه فيكم متصرّفا فيكم كيف يشآء كما هو شأن الأسير المقيّد المغلول . ثمّ أمر بالاعتبار بما أصاب المتكبّرين من العذاب الأليم و السّخط العظيم فقال : ( فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم ) لأجل استكبارهم ( من بأس اللّه و صولاته و وقايعه و مثلاته ) أى عذابه و عقوباته كما نطق به الكتاب الكريم قال و في موسى إذ أرسلناه الى فرعون بسلطان مبين . فتولّى بركنه و قال ساحر . أو مجنون . فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليمّ و هو مليم . و في عاد إذ ارسلنا عليهم الرّيح . العقيم . ما تذر من شي‏ء أتت عليه الاّ جعلته كالرّميم . و في ثمود إذ قيل لهم تمتّعوا . حتّى حين . فعتوا عن أمر ربّهم فاخذتهم الصّاعقة و هم ينظرون . فما استطاعوا . من قيام و ما كانوا منتصرين . و قوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين إلى غير هؤلاء من المتكبّرين المتجبّرين المتمرّدين عن عبوديّة ربّ العالمين فانظروا إلى عاقبة امورهم . ( و اتّعظوا بمثاوى خدودهم و مصارع جنوبهم ) أى منازل خدودهم و مساقط جنوبهم و ما هم عليه من غمّ الضّريح و ردم الصّفيح و ضيق الأرماس و شدّة الابلاس و اختلاف الأضلاع و استكاك الأسماع و ظلمة اللّحد و خيفة الوعد . ( و استعيذوا باللّه من لواقح الكبر ) أى أسبابه المولدة له و المحصّلة اياه ( كما تستعيذونه من طوارق الدّهر ) و هى نوازله و آفاته بل ليكن استعاذتكم من الاولى أشدّ و أقوى من استعاذتكم من الثانية ، لأنّ لواقح الكبر ألم اخروىّ و طوارق الدّهر ألم دنيوىّ و الألم الاخروىّ أشدّ تأثيرا و أخزى ، فيكون بالاستعاذة و التوقّى أجدر و أحرى . [ 315 ] ثمّ أشار إلى حميّة الكبر مطلقا و انه لا رخصة فيه لأحد من آحاد المكلّفين فقال : ( فلو رخّص اللّه ) عزّ و جلّ ( في الكبر ) و أحلّه ( لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و أوليائه ) وجه الملازمة أنّ الترخيص فيه إنما يكون مع اشتماله على المصلحة و خلوّه عن المفسدة و لو كان كذلك لرخّص فيه الأنبياء و الأولياء و من يخطرهم من فوائده و منافعه لمكانتهم لديه و قربهم إليه و إلاّ لزم تفويت ما تضمّنه من المصلحة في حقّهم و هو غير معقول بما لهم من الزلفي و القرب . ( و لكن ) التالى أعنى الترخيص فيه للأنبياء و الأولياء باطل فالمقدّم مثله ، و أشار إلى بطلان التالي بأنّ ( اللّه كرّه إليهم التكابر و رضى لهم التواضع ) كما يدلّ عليه العمومات و الاطلاقات الناهية عن التكبّر من دون استثناء لأحد ، و الآمرة بالتواضع كذلك مضافة إلى الخطابات الخاصّة بهم في الصّحف السّماوية و الأحاديث القدسيّة . ( فألصقوا بالأرض خدودهم و عفّروا في التراب وجوههم ) امتثالا لما امروا به من التواضع و التذلل للخالق . ( و خفضوا أجنحتهم و كانوا قوما مستضعفين ) امتثالا لما امرو به من التواضع للخلايق قال العلاّمة المجلسيّ « ره » : خفض الجناح كناية عن لين الجانب و حسن الخلق و الشفقة ، و مثله الشارح البحراني قال : لفظ الأجنحة مستعار من الطاير ليد الانسان و جانبه باعتبار ما هو محلّ البطش و النفرة ، و خفض الجناح كناية عن لين الجانب . و الأحسن ما في الكشاف قال في تفسير قوله تعالى و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع كسر جناحه و خفضه ، و إذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع و لين الجانب ، و منه قول بعضهم : و أنت الشهير بخفض الجناح فلاتك في رفعه أجدلا ينهاه عن التكبّر بعد التواضع و أراد بقوله و كانوا قوما مستضعفين كونهم متّصفين بالضعف و المسكنة في نظر الناس و ضيق العيش في الدّنيا كما أوضحه بقوله : [ 316 ] ( و قد اختبرهم اللّه بالمخمصة ) و الجوع ( و ابتلاهم بالمجهدة ) و المشقة ( و امتحنهم بالمخاوف ) و الأهاويل ( و مخضهم ) أى حركهم و زلزلهم ، أو خلّصهم و طهّرهم إن كان من التمحيص ( بالمكاره ) و الشدايد . و لما ذكر عليه السّلام محبوبية التواضع للّه سبحانه و مكروهية التكابر له تعالى و اتّصاف أنبيائه و ملائكته المقرّبين مع مكانتهم لديه و مرضيّين عنده بوصف التواضع و التذلل و الجوع و الفقر و المسكنة فرّع عليه قوله : ( فلا تعتبروا الرّضا و السخط بالمال و الولد ) أى إذا عرفتم أنّ رضى اللّه عن أنبيائه و أوليائه بمالهم من الذلّ و الجهد و المشاق ، فلا تجعلوا رضاه منوطا بزهرة الحياة الدّنيا من الأموال و الأولاد و سخطه منوطا بعدمها ( جهلا بمواقع الفتنة ) و الابتلاء ( و الاختبار في مواضع الغنى ) و الفقر ( و الاقتار ) أى لا تجعلوا المال و الولد علامة الرضا و عدمهما دليلا على السّخط من أجل جهلكم بمواقع الامتحان في مواضع الثروة و الفقر ، إذ ربما يكون الابتلاء بالفقر و المسكنة لأجل النيل إلى مقام الزلفي لا من جهة السّخط كما في حقّ الأولياء المقرّبين من الأنبياء و المرسلين ، و يكون الابتلاء بالمال و الثروة للاستدراج و الازدياد في المعصية لا من جهة الرضى كما يشهد به الكتاب الكريم . ( ف ) قد ( قال ) اللّه ( تعالى ) في سورة المؤمنين ( أ يحسبون انّما نمدّهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) أى أ يحسبون أنّ الذى أمددناهم به تعجيل لهم في الخير . قال في الكشاف : المعنى أنّ هذا الامداد ليس إلاّ استدراجا لهم إلى المعاصى و استجرارا إلى زيادة الاثم و هم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات و فيما لهم فيه نفع و إكرام و معاجلة بالثواب قبل وقته كما يفعل بأهل الخير من المسلمين و قوله : بل ، استدراك لقوله : أ يحسبون ، يعنى هم أشباه البهائم لا فطنة بهم و لا شعور حتّى تأمّلوا و يتفكّروا أ هو استدراج أو مسارعة في الخير . فقد ظهرن ذلك أنّ الامداد بالمال و البنين و البسط في الرّزق قد يكون نقمة [ 317 ] و بلاء لا رحمة و عطاء كما في حقّ فرعون و ملائه الكافرين المستكبرين المسبوق ذكرهم في الآية الشريفة ، و يكون الضيق و الاقتار تفضّلا و إحسانا لا سخطا و حرمانا كما في حقّ الأولياء المستضعفين من عباد اللّه المكرمين . ( فانّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم ) لا يخفي حسن ارتباط هذه الجملة بسابقتها و ليس كلاما منقطعا عما قبله يستدعى ابتداء يكون معلّلا به كما زعمه الشارح البحراني ، لأنه عليه السّلام لما نبّه أنّ المال و الولد ليس مناطا للرّضا و السّخط ، و لا الامداد بهما لأجل تعجيل الخير ، بل لأجل الاختبار و الافتتان للغاوين المستكبرين المكذّبين للرّسل عقّبه بهذا الكلام توضيحا و تبيينا ، و المراد به أنه تعالى يمتحن المستكبرين بما أعطاهم من الأموال و الأولاد و القناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الأنعام و الحرث و نحوهما من متاع الحياة الدّنيا ببعث أوليائه المستضعفين في نظرهم إليهم ، و عقّبه بذكر قصّة موسى و فرعون لزيادة الايضاح فقال : ( و ) ل ( قد دخل ) كليم اللّه ( موسى بن عمران و معه أخوه هارون عليهما السّلام على فرعون ) اللعين بالرّسالة من ربّ العالمين ( و عليهما مدارع الصّوف و بأيديهما العصى ف ) دعياه إلى الايمان باللّه و التصديق به و ( شرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه ) و إنما شرطا له ذلك لأنّ قبول الدّعوة مع هذا الشرط أسهل فهو أقطع لوزره ( فقال ) نحوة و استكبارا للملاء حوله ( ألا تعجبون من هذين ) الاتيان باسم الاشارة للتحقير كما في قوله أ هذا الذى يذكر آلهتكم أى هذا الحقير المسترذل يعنى به إبراهيم عليه السّلام . ( يشرطان لى دوام العزّ و بقاء الملك و هما ) متلبّسان ( بما ترون من حال الفقر و الذّل فهلا القى عليهما أساورة من ذهب ) . قال صاحب التلخيص : هلاّ في الماضى للتنديم ، و قال شارح التلخيص و مع هذا فلا يخلو من ضرب من التوبيخ و اللوم على ما كان يجب أن يفعله المخاطب قبل أن يطلب منه ، انتهى . [ 318 ] و على هذا فالمراد استحقارهما و توبيخهما على الخلوّ من الزينة و التجمل ، فانهم كانوا إذا سوّروا رجلا سوّروه بسوار من ذهب و طوّقوه بطوق من ذهب . و قد ورد في الكتاب الكريم حكاية هذا المعنى عن فرعون نحو ما أورده أمير المؤمنين عليه السّلام هنا قال تعالى في سورة الزّخرف و نادى فرعون في قومه يا قوم أليس لى ملك مصر و هذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون . أم أنا خير من . هذا الذى هو مهين و لا يكاد يبين . فلو لا القى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين . أى أفلا تبصرون هذا الملك العظيم و قوّتى و ضعف موسى ، بل أنا خير من هذا الذي هو ضعيف حقير و لا يكاد يفصح بكلامه و حججه للعقدة الّتي في لسانه ، فلو لا القى عليه أسورة من ذهب و مقاليد الملك إن كان صادقا و إنما قال ذلك ( اعظاما للذّهب و جمعه و احتقارا للصّوف و لبسه ) . تذييل ينبنى أن نورد هنا شطرا من قصّة بعث موسى عليه السّلام إلى فرعون اللّعين . قال المحدّث العلاّمة المجلسى قدّس اللّه روحه في المجلّد الخامس من البحار : قال الثعلبي : قال العلماء بأخبار الماضين : لما كلّم اللّه موسى و بعثه إلى مصر خرج و لا علم له بالطريق ، و كان اللّه تعالى يهديه و يدلّه و ليس معه زاد و لا سلاح و لا حمولة و لا شي‏ء غير عصاه و مدرعة صوف و قلنسوة من صوف و نعلين ، يظلّ صائما و يبيت قائما و يستعين بالصيد و يعول الأرض حتى ورد مصر ، و لما قرب من مصر أوحى اللّه إلى أخيه هارون يبشّروه بقدوم موسى عليه السّلام و يخبره أنّه قد جعله لموسى وزيرا و رسولا معه إلى فرعون ، و أمره أن يمرّ يوم السّبت لغرّة ذى الحجة متنكرا إلى شاطى النيل ليلقى في تلك الساعة بموسى قال : فخرج هارون و أقبل موسى عليه السّلام فالتقيا علي شط النيل قبل طلوع الشمس فاتفق أنه كان يوم ورود الأسد الماء ، و كان لفرعون أسد تحرسه في غيضة محيطة [ 319 ] بالمدينة من حولها ، و كانت ترد الماء غبّا ، و كان فرعون إذ ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سورا في كلّ سور رساتيق و أنهار و مزارع و أرض واسعة ، في ربض 1 كلّ سور سبعون ألف مقاتل . و من وراء تلك المدينة غيضة تولى فرعون غرسها بنفسه و عمل فيها و سقاها بالنيل ثمّ أسكنها الأسد ، فنسلت و توالدت حتى كثرت ، ثمّ اتخذها جندا من جنوده تحرسه ، و جعل خلال تلك الغيضة طرقا تقضى من يسلكها إلى باب من أبواب المدينة معلومة ليس لتلك الأبواب طريق غيرها فمن أخطأ وقع في الغيضة فأكلته الأسد ، و كانت الاسود إذا وردت النيل ظلّ عليها يومها كلّها ، ثمّ تصدر مع اللّيل . فالتقى موسى و هارون عليهما السّلام يوم ورودها فلما أبصرتهما الأسد مدّت أعناقها و رؤوسها إليهما و شخصت أبصارها نحوهما و قذف اللّه في قلوبها الرّعب فانطلقت نحو الغيضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضا حتى اندست في الغيضة ، و كان له ساسة يسوسونها و ذادة يذودونها و يشلونها 2 بالناس ، فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون و لم يشعروا من أين أتوا . فانطلق موسى و هارون عليهما السّلام في تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدينة الأعظم الذى هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون ، و كان منه يدخل و منه يخرج ، و ذلك ليلة الاثنين بعد هلال ذى الحجة بيوم ، فأقاما عليه سبعة أيام فكلّمهما واحد من الحراس و زبرهما و قال لهما : هل تدريان لمن هذا الباب ؟ فقال : إنّ هذا الباب و الأرض كلّها و ما فيها لربّ العالمين و أهلها عبيد له ، فسمع ذلك الرّجل قولا لم يسمع مثله قط و لم يظنّ أنّ أحدا من الناس يفصح بمثله ، فلما سمع ما سمع أسرع إلى كبرائه الذين فوقه فقال لهم : سمعت اليوم قولا و عاينت عجبا من رجلين هو أعظم عندى و أفظع و أشنع مما أصابنا في الأسد ، و ما كانا ليقدما على ما أقدما عليه الاّ بسحر عظيم ، و أخبرهم القصّة ، فلا يزال ذلك يتداول بينهم حتّى انتهى إلى فرعون . ----------- ( 1 ) ربض المدينة بالتحريك ما حولها ، م . ----------- ( 2 ) اشليت الكلب على الصيد أغريته ، م . [ 320 ] و قال السّدى : سار موسى عليه السّلام بأهله نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف امّه و هى لا تعرفه و إنما أتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل 1 و نزل في جانب الدار ، فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه امّه فأخبرته أنّه ضيف ، فدعاه فأكل معه فلما أن قعد تحدّثا فسأله هارون فقال : من أنت ؟ قال : أنا موسى ، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسى : يا هارون انطلق معى الى فرعون فانّ اللّه عزّ و جلّ قد أرسلنا إليه ، فقال هارون : سمعا و طاعة ، فقامت امّهما فصاحت و قالت : انشد كما اللّه أن تذهبا إلى فرعون فيقتلكما ، فأبيا و مضيا لأمر اللّه سبحانه فانطلقا إليه ليلا ، فأتيا الباب و التمسا الدّخول عليه ليلا ، فقرعا الباب ففزع فرعون و فزع البواب ، و قال فرعون : من هذا الذى يضرب بابى الساعة فأشرف . عليهما البّواب فكلّمهما موسى : أنا رسول ربّ العالمين فأتى فرعون فأخبره و قال : إنّ هنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول ربّ العالمين . و قال محمد بن إسحاق بن يسار : خرج موسى عليه السّلام لما بعثه اللّه سبحانه حين قدم مصر على فرعون هو و أخوه هارون حتّى وقفا على باب فرعون يلتمسان الاذن عليه و هما يقولان : إنا رسول « لا » ربّ العالمين فأذنوا بنا هذا الرّجل ، فمكثا سنتين يغدوان إلى بابه و يروحان لا يعلم بهما و لا يجترى أحد أن يخبره بشأنهما حتّى دخل عليه بطال له يلعب عنده و يضحكه فقال له : أيّها الملك إنّ على بابك رجلا يقول قولا عظيما عجيبا يزعم أنّ له إلها غيرك ، فقال : ببابى ؟ ادخلوه ، فدخل موسى و معه هارون على فرعون ، فلما وقفا عنده قال فرعون لموسى : من أنت ؟ قال : أنا رسول ربّ العالمين ، فتأمّله فرعون فعرفه . فقال له : « أ لم نربّك فينا وليدا و لبثت فينا من عمرك سنين . و فعلت فعلتك الّتي فعلت و أنت من الكافرين » معناه على ديننا هذا الّذى تعيبه قال : فعلتها إذا و انا من الضّالين المخطئين و لم أرد بذلك القتل ففررت منكم لمّا خفتكم فوهب ----------- ( 1 ) كسميدع نوع من المرق . [ 321 ] لي ربّي حكما أى نبوّة و جعلني من المرسلين ثمّ أقبل موسى ينكر عليه ما ذكر فقال و تلك نعمة تمنّها علىّ أن عبّدت بني اسرائيل أى اتّخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم تسترق من شئت أى إنّما صيّرني إليك ذلك قال فرعون و ما ربّ العالمين . قال ربّ السّموات و الأرض و ما بينهما ان كنتم موقنين . قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون » إنكارا لما قال « قال » موسى ربّكم و ربّ آبائكم الأوّلين . قال فرعون إنّ رسولكم الّذي ارسل إليكم لمجنون يعني ما هذا الكلام صحيح إذ يزعم أنّ لكم إلها غيرى « قال موسى ربّ المشرق و المغرب و ما بينهما ان كنتم تعقلون . قال » فرعون لموسى « لئن اتّخذت إلها غيرى لأجعلنّك من . المسجونين . قال أ و لو جئتك بشي‏ء مبين » تعرف به صدقي و كذبك و حقّي و باطلك . « قال فرعون فات به ان كنت من الصادقين . فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين » فاتحة فاها قد ملأت ما بين سماطي فرعون واضعة لحييها الأسفل في الأرض و الأعلى في سور القصر حتّى رأى بعض من كان خارجا من مدينة مصر رأسها ، ثمّ توجهت نحو فرعون لتأخذه فارفض عنها النّاس و زعر عنها فرعون و وثب عن سريره و أحدث حتّى قام به بطنه في يومه ذلك أربعين مرّة و كان فيما يزعمون أنه لا يسعل و لا يصدع و لا يصيبه آفة مما يصيب الناس و كان يقوم في أربعين يوما مرّة و كان اكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثقل فيحتاج إلى القيام به و كان هذه الأشياء ممّا زيّن له أن قال ما قال لأنّه ليس له من الناس شبيه . قالوا : فلما قصدته الحيّة صاح يا موسى انشدك باللّه و حرمة الرضاع إلاّ أخذتها و كففتها عنّى و إنى او من بك و ارسل معك بني اسرائيل ، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثمّ نزع يده من حبيبه فأخرجها بيضاء من الثلج لها شعاع كشعاع الشمس ، فقال له فرعون : هذه يدك فلما قالها فرعون أدخلها موسى جيبه ثمّ أخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكلّ منها الأبصار و قد أضآءت ما حولها يدخل نورها في البيوت و يرى من الكوا من وراء الحجب ، فلم يستطع فرعون النظر اليها ، ثمّ ردّها موسى إلى جيبه ثمّ أخرجها فإذا هي على لونها الأوّل . [ 322 ] قالوا : فهمّ فرعون بتصديقه فقام اليه هامان و جلس بين يديه فقال له : بينا أنت اله تعبد إذا أنت تابع لعبد ، فقال فرعون لموسى : أمهلني اليوم الى غدو أوحى اللّه تعالى إلى موسى أن قل لفرعون إنك إن آمنت باللّه وحده عمرتك في ملكك و رددت شابا طريا ، فاستنظره فرعون ، فلما كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربّه فقال هامان : و اللّه ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوما واحدا و نفخ في منخره ثمّ قال له هامان أنا أردك شابا ، فأتا بالوسمة فخضبه بها فلما دخل عليه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك ، فأوحى اللّه إليه لا يهولنك ما رأيت فانه لا يلبث الاّ قليلا حتّى يعود إلى الحالة الاولى . و في بعض الروايات أنّ موسى و هارون عليهما السّلام لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق فأتيا على عجوز من أقرباء امّهما و وجّه فرعون الطلب في أثرهما ، فلما دخل عليهما اللّيل ناما في دارها و جائت الطلب إلى الباب و العجوز منتبهة ، فلمّا أحسّت بهم خافت عليهما فخرجت العصا من صبر 1 الباب و العجوز تنظر ، فقاتلهم حتّى قتلت منهم سبعة أنفس ثمّ عادت و دخلت الدار ، فلما انتبه موسى و هارون عليهما السلام أخبرتهما بقصّة الطلب و نكاية العصا منهم فآمنت بهما و صدقتهما . ثمّ قال الثعلبي : قالت العلماء بأخبار الأنبياء : إنّ موسى و هارون وضع فرعون أمرهما و ما أتيا به من سلطان اللّه سبحانه على السحر و قال للملاء من قومه إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما فما ذا تأمرون أ أقتلهما ؟ فقال العبد الصالح خربيل مؤمن آل فرعون : « أ تقتلون رجلا أن يقول ربّي اللّه و قد جاءكم بالبينات من ربّكم إلى قوله فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاء قال فرعون ما اريكم إلاّ ما ارى و ما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد . و قال الملاء من قوم فرعون أرجه و أخاه . و ابعث في المدائن حاشرين . يأتوك بكلّ سحّار عليم » و كانت لفرعون مدائن فيها ----------- ( 1 ) الصبر بالكسر شق الباب ، لغة [ 323 ] السحرة عدّة للامر إذا حزيه . 1 و قال ابن عبّاس : قال فرعون لما رأى من سلطان اللّه فى اليد و العصا : إنا لا نغالب موسى إلاّ بمن هو مثله ، فأخذ غلمانا من بني اسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال له الغرماء يعلّمونهم السحر كما يعلّمون الصبيان الكتاب في الكتاب فعلّموهم سحرا كثيرا و واعد فرعون موسى موعدا ، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم و معهم معلّمهم ، فقالوا له : ماذا صنعت ؟ فقال : قد علّمتهم سحرا لا يطيقه سحر أهل الأرض إلاّ أن يكون أمر من السماء فانّه لا طاقة لهم به ، ثمّ بعث فرعون الشرطي في مملكته فلم يترك ساحرا في سلطانه إلاّ أتى به . و اختلفوا فى عدد السحرة الذين جمعهم فرعون . فقال مقاتل : كانوا اثنين و سبعين ساحرا اثنان منهم من القبط و هما رأسا القوم و سبعون من بنى اسرائيل . و قال الكلبى كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم و كان الّذى يعلّمهم ذلك رجلين مجوسيّين من أهل نينوى . و قال السّدى كانوا بضعا و ثلاثين ألفا . و قال عكرمة سبعين ألفا . و قال محمّد بن المنكدر ثمانين ألفا . فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلاّ ساحر ماهر ، ثمّ اختار منهم سبعمأة ، ثمّ اختار من اولئك السبعمأة سبعين من كبرائهم و علمائهم . قال مقاتل و كان رئيس السحرة اخوين بأقصى مداين مصر ، فلما جائهما رسول فرعون قالا لامّهما دلّينا على قبر أبينا ، فدلّتهما عليه فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا : إنّ الملك وجّه الينا أن نقدم عليه لأنه أتاه رجلان ليس معهما رجال و لا سلاح و لهما عزّ و منعة و قد ضاق الملك ذرعا من عزّهما و معهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شي‏ء تبلع الحديد و الخشب و الحجر ، فأجابهما أبوهما انظر إذا هما ناما ----------- ( 1 ) حزيه الامر اى اصابه ، لغة [ 324 ] فان قدرتما أن تسلا العصا فسلاها ، فانّ الساحر لا يعمل سحره و هو نائم ، و إن عملت العصا و هما نائمان فذلك أمر ربّ العالمين و لا طاقة لكما به و لا للملك و لا لجميع أهل الدّنيا ، فأتياهما في خفية و هما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا . قالوا : ثمّ واعدوه يوم الزينة و كانوا يوم سوق عن سعيد بن جبير ، و قال ابن عباس كان يوم عاشورا و وافق ذلك يوم السّبت في أوّل يوم من السنة و هو يوم النيروز و كان يوم عيد لهم يجتمع اليه الناس من الآفاق ، قال عبد الرّحمن بن زيد بن اسلم و كان اجتماعهم للميقات بالاسكندرية و يقال بلع ذنب الحيّة من وراء البحيرة يومئذ . قالوا : ثمّ قال السحرة لفرعون « أئنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين . قال فرعون نعم و انكم إذا لمن المقرّبين » عندى في المنزلة ، فلما اجتمع النّاس جاء موسى عليه السّلام و هو متّكي على عصاه و معه أخوه هارون حتّى اتا الجمع و فرعون في مجلسه مع أشراف قومه فقال موسى للسحرة حين جاءهم « ويلكم لا تفتروا على اللّه كذبا فيستحكم بعذاب و قد خاب من افترى » فتناجي السحرة بينهم و قال بعضهم لبعض ما هذا قول ساحر فذلك قوله تعالى فتنازعوا أمرهم بينهم و أسرّوا النجوى فقالت السحرة لنأتينّك اليوم بسحر لم تر مثله ، و قالوا بعزّة فرعون إنّا لنجن الغالبون و كانوا قد جاؤا بالعصىّ و الحبال تحملها ستّون بعيرا . فلما أبوا إلاّ الاصرار على السّحر قالوا لموسى : إما أن تلقى و إما أن نكون أوّل من ألقى ، قال بل ألقوا أنتم فألقوا حبالهم و عصيّهم فاذا هي حيّات كأمثال الجبال قد ملأت الوادى يركب بعضها بعضها تسعى ، فذلك قوله تعالى يخيّل اليه من سحرهم انها تسعى . فأوجس في نفسه خيفة موسى و قال و اللّه ان كانت لعصيّا في أيديهم و لقد عادت حيّات و ما يعدّون عصاى هذه أو كما حدث نفسه فأوحى اللّه تعالى اليه « لا تخف انك انت الأعلى . و ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر و لا يفلح الساحر حيث أتى » . ففرّج عن موسى و ألقى عصاه من يده فاذا هى ثعبان مبين كأعظم ما يكون أسود مدلهم على أربع قوائم غلاظ شداد و هو أعظم و أطول من البختى و له ذنب يقوم [ 325 ] عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه و عنقه و كاهله لا يضرب ذنبه على شي‏ء إلاّ حطمه و قصمه و يكسر بقوائمه الصخور الصمّ الصّلاب و يطحن كلّ شى‏ء و يضرم حيطان البيوت بنفسه نارا ، و له عينان تلتهبان نارا و منخران تنفخان سموما ، و على مفرقه كأمثال الرّماح ، و صارت الشعبتان له فيما سعته اثنا عشر ذراعا ، و فيه أنياب و اضراس و له محيح و كشيش و صرير و صريف فاستعرضت ما القى السحرة من حبالهم و عصيّهم و هي حيّات في عين فرعون و أعين الناس تسعى تلقفها و تبتلعها واحدا واحدا حتّى ما يرى في الوادى قليل و لا كثير مما ألقوا ، و انهزم الناس فزعين هاربين منقلبين ، فتزاحموا و تساقطوا و وطي‏ء بعضهم بعضا حتّى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام و مواطى‏ء الأقدام خمسة و عشرون ألفا ، و انهزم فرعون فيمن انهزم منخوبا 1 مرعوبا عازبا عقله و قد استطلق بطنه في يومه ذلك أربعمأة مرّة ثمّ بعد ذلك إلى أربعين مرّة في اليوم و الليلة على الدوام إلى أن هلك . فلما انهزم الناس و عاين السحرة ما عاينوا و قالوا لو كان سحرا لما غلبنا و لما خفى علينا أمره ، و لئن كان سحرا فأين حبالنا و عصيّنا ، فالقوا سجّدا و قالوا آمنا بربّ العالمين ربّ موسى و هرون ، و كان فيهم اثنان و سبعون شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر و كانوا علماء السحرة و كان رئيس جماعتهم أربعة نفر سابور و عادور و حطحط و مصّفادهم الذين آمنوا و رأوا ما رأوا من سلطان اللّه ثمّ آمنت السحرة كلّهم . فلما رأى فرعون ذلك اسف و قال لهم متجلّدا « ء أمنتم له قبل أن آذن لكم انّه لكبيركم الّذى علّمكم السحر فلا قطعنّ ايديكم و ارجلكم من خلاف و لاصلبنّكم في جذوع النخل و لتعلمنّ ايّنا اشدّ عذابا و ابقى . فقالوا لن نؤثرك على ما جائنا . من البيّنات و الّذى فطرنا فاقض ما انت قاض انّما تقضي هذه الحياة الدّنيا . انّا آمنّا بربّنا ليغفر لنا خطايانا و ما اكرهتنا عليه من السحر و اللّه خير و ابقى » فقطع ايديهم و أرجلهم من خلاف و صلبهم على جذوع النّخل و هو أوّل من فعل ذلك فأصبحوا سحرة كفرة و امسوا شهداء بررة و رجع فرعون مغلوبا معلولا ، ----------- ( 1 ) المنخوب الجبان الذى لا فؤاد له ، م . [ 326 ] ثمّ أبى إلاّ إقامة على الكفر و التمادى فيه فتابع اللّه تعالى بالآيات و أخذه و قومه بالسنين إلى أن أهلكهم . و خرج موسى عليه السّلام راجعا إلى قومه و العصا على حالها حيّة تتبعه و تبصبص حوله و تلوذ به كما يلوذ الكلب الألوف بصاحبه و الناس ينظرون إليها ينخزلون و يتضاغطون حتّى وصل موسى عليه السّلام عسكر بنى اسرائيل و أخذ برأسها فاذا هى عصاه كما كانت أوّل مرّة ، و شتّت اللّه على فرعون أمره و لم يجد على موسى سبيلا ، فاعتزل موسى في مدينته و لحق بقومه و عسكروا مجتمعين الى أن صاروا ظاهرين كافرين و الحمد للّه ربّ العالمين . الترجمة فصل سيّم از اين خطبه در توبيخ مخاطبين است ببغى و فساد ميفرمايد : آگاه باشيد كه بغايت مبالغه مشغول شديد و ستم و فساد كرديد در زمين از جهت آشكارا مقابل شدن خدا بعداوت و مبارزت نمودن مؤمنان بمحاربه ، پس بترسيد از خدا در گردن كشى از حميّت و نازش جاهليّت ، پس بدرستيكه كبر توليد كننده عداوت و دشمنيست ، و مواضع نفس زدن شيطان ملعون است كه فريب داد بآن امّتهاى گذشته و قرنهاى سابقه را تا اينكه سرعت كردند آن امّتها در تاريكيهاى جهالت او ، و مواضع افتادن ضلالت او ، در حالتيكه رام بودند از راندن آن ملعون ، و روان بودند در كشيدن آن بسوى امرى كه متشابه شد قلبها در آن ، و متابع شد قرنها بر آن و بسوى كبريكه تنگ شد سينها بسبب آن . آگاه باشيد پس البته حذر نمائيد از اطاعت آقايان خود و بزرگان خود كه تكبّر نمودند از جهت حسب خودشان ، و اظهار رفعت نمودند بالاى نسب خود ، و انداختند كار زشت و قبيح را بر پروردگار خود ، و انكار خدا نمودند بر احسانى كه بايشان كرده بود بجهت انكار كردن بر قضاى او ، و غلبگى جستن مر نعمتهاى او را . پس بدرستيكه آن رؤساء قاعدهاى بناى عصبيّت است و ستونهاى ركنهاى [ 327 ] فتنه و شمشيرهاى نسبت دادن جاهليّت . پس پرهيز نمائيد از خدا و مباشيد مر نعمتهاى او را ضدّها و نه احسان او را كه در نزد شما است حسد كنندها ، و اطاعت ننمائيد به كسانيكه ادّعاى اسلام ميكنند و عارى از شرايط اسلام ميباشند همچنان أشخاصيكه آشاميديد بآب صافى خودتان آب گل آلود ايشان را ، و آميختيد بتندرستى خود كه خلوص ايمان است ناخوشى ايشان را كه عبارتست از نفاق و عصيان ، و داخل كرديد در حق خود باطل ايشان را ، و ايشان بنيان فسقند و ملازمين عقوق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و امام عليه السّلام اخذ كرد شيطان لعين ايشان را شتران باركش گمراهى ، و لشگرانى كه بايشان حمله ميكند بر مردمان و ترجمانهائى كه حرف ميزند بر زبانهاى ايشان بجهت دزديدن او عقلهاى شما را ، و بجهت داخل شدن در ديدهاى شما و دميدن در گوشهاى شما ، پس گردانيد شيطان شما را نشان گاه تير خود ، و محلّ رفتار قدمهاى خود و موضع گرفتن دست خود . پس عبرت بگيريد بآنچه رسيد بامتهائى كه استكبار كردند پيش از شما از سطوت خدا و حملهاى او و عذابهاى او و عقوبات او ، و متّعظ بشويد بمقامهاى رخسارهاى ايشان در قبرها ، و مواضع افتادن پهلوهاى ايشان ، و پناه بريد بخدا از اسبابى كه توليد كبر مينمايند چنانكه پناه ميبريد باو از حوادث روزگار . پس اگر رخصت ميداد خداوند متعال در كبر نمودن از براى احدى از بندگان خود را هر آينه رخصت ميداد در آن از براى خواص انبياى خود ليكن خدا مكروه گردانيد بسوى ايشان تكبّر را ، و خوش داشت از براى ايشان تواضع و فروتنى را ، پس چسبانيدند آن پيغمبران در زمين رخسارهاى خودشان را از غايت تواضع و خشوع ، و ماليدند رويهاى خود را در خاك از فرط تذلّل و خضوع ، و خفض جناح كردند از براى مؤمنان ، و بودند آن پيغمبران قومهاى ضعيف شمرده شده كه امتحان فرمود ايشان را خداى تعالى بگرسنگى ، و مبتلا گردانيد ايشان را بأنواع مشقّت و زحمت ، و امتحان فرمود ايشان را باسباب خوف ، و اختبار كرد ايشان را باقسام مكروهات . [ 328 ] پس اعتبار مكنيد خوشنودى و غضب خدا را بكثرت مال و فرزند و فقدآن از جهت نادانى شما بمواقع امتحان در جاهاى توانگرى و درويشى ، پس بتحقيق فرموده است خداى عزّ و جلّ در قرآن مجيد « آيا گمان ميكنند ايشان كه آن چيزيكه مدد ميدهيم و زياده ميگردانيم ايشان را بآن از مال و اولاد تعجيل ميكنيم از براى ايشان در خيرات آن جهان بلكه نميدانند كه اين از بابت استدراج و مهلت است نه از جهت سود و منفعت » . پس بدرستى كه حقتعالى امتحان ميفرمايد بندگان خود را كه متكبّرانند در نزد خودشان بدوستان مقرّبان خود كه ضعيف شمرده ميشود در ديدهاى آن متكبّران ، و بتحقيق كه داخل شد موسى بن عمران عليه السّلام در حالتيكه با او بود برادر او هارون عليه السّلام بر فرعون ملعون و بر ايشان بود خرقهاى پشمين ، و بر دست ايشان بود عصاى چوبين ، پس شرط كردند از براى فرعون اگر مسلمان شود باقى بودن پادشاهى او را ، و هميشگى عزّت و سلطنت او را ، پس گفت فرعون بقوم خود از روى حقارت : آيا تعجّب نمى‏كنيد از اين دو شخص كه شرط ميكنند از براى من دوام رفعت و بقاء ملك و مملكت را و حال آنكه ايشان بآن حالى است كه مى‏بينيد از حالت فقر و ذلت ، پس چرا انداخته نشد بر ايشان دست برنجها از طلا ، اين گفتار فرعون از جهت بزرگ شمردن طلا و جمع كردن آن بود ، و بجهت حقير شمردن پشم و پوشيدن آن كه موسى و هارون پوشيده بودند . الفصل الرابع و هو مرويّ في الكافي باختلاف تطلع عليه انشاء اللّه تعالى . و لو أراد اللّه سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، و معادن العقيان ، و مغارس الجنان ، و أن يحشر معهم طير [ 329 ] السّماء ، و وحوش الارض لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء ، و بطل الجزاء و اضمحلّت الأنباء ، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين ، و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، و لا لزمت الأسماء معانيها ، و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم ، و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملا العيون و القلوب غنى ، و خصاصة تملا الأبصار و الأسماع أذى . و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، و تشدّ إليه عقد الرّجال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الإعتبار ، و أبعد لهم في الإستكبار ، و لامنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّيات مشتركة ، و الحسنات مقتسمة . و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن يكون الإتّباع لرسله ، و التّصديق بكتبه ، و الخشوع لوجهه ، و الإستكانة لأمره ، و الإستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة ، و كلّما كانت البلوى و الإختبار أعظم ، كانت المثوبة و الجزآء أجزل . ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم صلوات اللّه [ 330 ] عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ و لا تنفع ، و لا تسمع و لا تبصر ، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للنّاس قياما ، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتائق الدّنيا مدرا ، و أضيق بطون الأودية قطرا ، بين جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عيون وشلة ، و قرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، و لا حافر ، و لا ظلف ، ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، و غاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة ، من مفاوز قفار سحيقة ، و مهاوي فجاج عميقة ، و جزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلّلون للّه حوله ، و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، و شوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، و امتحانا شديدا ، و اختبارا مبينا ، و تمحيصا بليغا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، و وصلة إلى جنّته . و لو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، و مشاعره العظام ، بين جنّات و أنهار ، و سهل و قرار جمّ الأشجار ، داني الثّمار ، ملتفّ النبى متّصل القرى ، بين برّة سمراء ، و روضة خضراء ، و أرياف محدقة ، [ 331 ] و عراص مغدقة ، و رياض ناضرة ، و طرق عامرة ، لكان قد صفّر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، و لو كانت الأساس المحمول عليها ، و الأحجار المرفوع بها ، بين زمرّدة خضراء ، و ياقوتة حمراء ، و نور و ضياء ، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ في الصّدور ، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، و لنفى معتلج الرّيب من النّاس . و لكنّ اللّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ، و يتعبّدهم بألوان المجاهد ، و يبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر عن قلوبهم ، و إسكانا للتّذلّل في نفوسهم ، و ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه . اللغة ( الذهبان ) بالضمّ و الكسر جمع الذهب كاذهاب و ذهوب و ( العقيان ) بالكسر ذهب ينبت كما في القاموس ، و قيل : الذهب الخالص و هو الانسب هنا بملاحظة المعادن و ( رام ) الشي‏ء روما كقال طلب و ( ضامه ) ضيما كضاره لفظا و معنى ، و في القاموس ضامه حمقه و استضامه انتقصه فهو مضيم و مستضام و الضيم . و ( شابه ) شوبا من باب قال خلطه مثل شوب اللبن بالماء فهو مشوب و قولهم ليس فيه شائبة ، قال الفيومي ذلك يجوزان يكون مأخوذا من هذا و معناه ليس فيه شي‏ء مختلط به و ان قلّ كما قيل ليس فيه علقة و لا شبهة و أن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية هكذا استعمله الفقهاء و لم أجد فيه نصّا ، نعم قال الجوهرى الشائبة واحدة الشوائب و هى الأدناس و الأقذار . [ 332 ] و ( قياما ) مصدر و زان صيام و ( الوعر ) من الأرض ضدّ السّهل ( و البقاع ) كجبال جمع بقعة بالضمّ و الفتح و هى القطعة من الأرض على غير هيئة الّتي إلى جنبها . و ( النتايق ) جمع نتيقه فعلية بمعنى مفعولة من النتق و هو الرفع و الجذب . قال الشارح البحراني : و سمّيت المدن و الأماكن المشهورة و المرتفعة نتائق لارتفاع بنائها و شهرتها و علوّها عن غيرها من الأرض كأنها جذبت و رفعت ، و قال بعض الشارحين : النتايق البقاع المرتفعة و أراد مكة و كنى بنتقها عن شهرتها و علوها بالنسبة إلى ما استفل عنها من البلاد . و قال الشارح المعتزلي أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة نتاق أى كثيرة الحمل و الولادة و يقال : ضيعة منتاق أى كثيرة الريع فجعل عليه السّلام الضياع ذات المدر التي يثار للحرث نتايق . و قال عليه السّلام : إنّ مكة أقلّها إصلاحا للزرع لأنّ أرضها حجرية . أقول : و الأظهر عندى أن يكون النتايق مأخوذة من قولهم أنتق فلان إذا حمل مظلّة من الشمس ، و المظلّة بالفتح و الكسر الكبير من الأخبية و تسمية البلاد بها لاشتمالها على الدّور و الأبنية التي تستظلّ بها . و ( المنتجع ) بفتح الجيم اسم مفعول من انتجع القوم إذا ذهبوا لطلب الماء و الكلاء في موضعهما و ( المفازة ) الموضع المهلك من فوّز بالتشديد إذا مات ، لأنّها مظنّة الموت و ( القفر ) من الأرض الّتي لا نبات بها و لا ماء ( يهلّلون للّه ) من التهليل و في بعض النسخ يهلّون من أهلّ المحرم رفع صوته بالتلبية عند الاحرام و كلّ من رفع صوته فقد أهلّ إهلالا و استهلّ استهلالا بالبناء فيهما للفاعل . و ( رمل ) فلان رملا من باب طلب و رملانا بالتحريك فيهما هرول و ( الشعث ) محرّكة انتشار الأمر و مصدر الأشعث للمغبر الرأس و شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغيّر و تلبّد لقلّة تعهّده بالدّهن ، و الشعث أيضا الوسخ ، و رجل شعث وسخ الجسد ، و شعث الرأس أيضا و هو أشعث أغبر أى من غير استحداد و لا تنظف ، و الشعث أيضا الانتشار و التفرّق كما يتشعّث رأس السّواك . [ 333 ] و ( السرابيل ) جمع السّربال و هو القميص و ( البرّة ) بالضمّ واحدة البرّ و هى الحنطة و ( أرياف ) جمع ريف بالكسر أرض فيها زرع و خصب و ما قارب الماء من أرض العرب أو حيث يكون به الخضرة و المياه و الزّروع . و ( أحدقت ) الروضة صارت حديقة ، و الحديقة الرّوضة ذات الشجرة و البستان من النخل و الشجر او كلّ ما أحاط به البناء ، أو القطعة من النخل هكذا في القاموس و قال الفيومى : و الحديقة البستان يكون عليه حايط فعيلة بمعنى مفعولة ، لأنّ الحايط أحدق بها أى أحاط ، ثمّ توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان و إن كان بغير حايط و الجمع حدائق . و ( عراص ) جمع عرصة ككلاب و كلبة و هى البقعة الواسعة الّتى ليس بها بناء و ( مغدقة ) فيما رأيناه من النسخ بالغين المعجة و الدال المهملة من الغدق بالتحريك و هو الماء الكثير ، و أغدق المطر كثر قطره ، و يجوز أن يكون من العذق بالذال المعجمة مثل فلس و هو النخلة بحملها و بالكسر القنو منها و العنقود من العنب إو إذا اكل ما عليه و ( المعتلج ) مصدر بمعنى الاعتلاج من اعتلج الأمواج اضطربت و تلاطمت ، و اعتلج الأرض طال نباتها ، و يجوز كونه مفعولا من الاعتلاج و في بعض النسخ بصيغة الفاعل و الكلّ صحيح و ( الفتح ) بضمتين الباب الواسع المفتوح و ( الذلل ) بضمتين أيضا جمع ذلول بالفتح من الذلّ بالضّم و الكسر ضدّ الصّعوبة . الاعراب قوله : لفعل ، جواب لو ، و قوله : و لما وجب ، عطف على قوله لسقط ، و الأسماء بالنصب كما في أكثر النسخ مفعول لزمت ، و في شرح البحراني عن نسخة الرضيّ « قده » بالرفع على الفاعل و المعنى واحد حسبما تعرفه إنشاء اللّه ، و الفاء في قوله : فكانت النيات ، فصيحة ، و قوله : امورا خبر يكون ، و خاصة ، صفة له ، و له ، متعلق بها قدم عليها لتوكيد الاختصاص ، و جملة لا يشوبها في محلّ الرّفع صفة ثانية جى‏ء بها لمزيد التوكيد [ 334 ] و قوله : بأحجار ، متعلق بقوله : اختبر ، و حجرا و مدرا و قطرا منصوبات على التميز ، و جملة لا يزكو بها في محلّ الجرّ صفة لقرى ، و ذللا ، حال من فاعل يهزّوا و له ، متعلّق بقوله : يرملون ، و ابتلاء و امتحانا و اختبارا و تمحيصا منصوبات على المصدر و حذف العوامل من ألفاظها اى ابتلاهم اللّه بهذه المشاق ابتلاء و امتحنهم بها امتحانا و هكذا و يحتمل الانتصاب على المفعول له أى يفعلون ما ذكر من التكاليف الشاقة للابتلاء العظيم الذى ابتلوا به ، و جملة لكان جواب لو أراد . المعنى اعلم أنه عليه السّلام لما ذكر في الفصل السابق اختبار اللّه لعباده المستكبرين بأوليائه المستضعفين ، و مثّل بقصّة بعث موسى و هارون عليهما السّلام إلى فرعون ، اتبعه بهذا الفصل و نبّه عليه السّلام فيه على وجه الحكمة في بعث ساير الأنبياء و الرّسل بالضعف و المسكنة و الفقر و الفاقة و الضرّ و سوء الحال ، و في وضع بيته الحرام الذى جعله قبلة للأنام بواد غير ذى زرع و بلد قفر و أرض وعر ، و أشار أنّ الحكمة في ذلك كلّه هو الابتلاء و الاختبار و هو قوله عليه السّلام . ( و لو أراد اللّه سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم ) أى حين بعثهم ( أن يفتح لهم كنوز الذّهبان و معادن العقيان و مغارس الجنان ) لينفقوا منها و يكونوا ذى سعة و منعة و عزّ و رفعة تدفع بها اعتراض الجاحدين ، و تنقطع ألسن المعاندين ، و لم يقولوا فيهم مثل ما قالوه لنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم « ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشى في الأسواق لو لا انزل اليه ملك فيكون معه نذيرا . او يلقى اليه كنز او تكون له جنّة يأكل منها و قال الظالمون ان تتّبعون الاّ رجلا مسحورا » . ( و أن يحشر معهم طير السّماء و وحوش الأرض ) احتشاما و إعظاما لقدرهم و إجلالا لشأنهم في أعين المبعوثين إليهم ( لفعل ) ذلك كلّه لأنه عزّ و جلّ على كلّ شي‏ء قدير ، و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . و محصّله أنّ فتح الكنوز و المعادن و حشر الطيور و الوحوش امور ممكنة في نفسها ، و هو سبحانه قادر على جميع الممكنات و عالم بها ، و لو تعلّقت إرادته بها [ 335 ] مع عموم قدرته عليها لزم وقوعها . ( و ) لكنه لم يتعلّق إرادته بها فلم يفعلها و لم تقع إذ ( لو فعل ) لترتّب عليه مفاسد كثيرة و امور كلّها خلاف مقتضى الحكمة الالهيّة و النظم الأصلح و هى ستّة امور : أحدها ما أشار إليه بقوله ( لسقط البلاء ) أى لو وقع هذه الأمور لسقط ابتلاء المتكبّرين بالمستضعفين من الأنبياء و المرسلين و ارتفع اختبارهم بهم ، إذ مع وقوعها ارتفع الضعف عنهم و انتفى علّة الاستضعاف ( و ) ثانيها أنه ( بطل الجزاء ) لأنّ الجزاء مترتّب على التسليم للأنبياء و على امتثال التكاليف الالهيّة على وجه الخلوص ، و مع كون الأنبياء حين بعثهم بزينة الملوك و السلاطين يكون الانقياد لهم و امتثال أو امرهم و نواهيهم عن رغبة مائلة أو رهبة قاهرة ، فلا تكون طاعتهم عن إخلاص حتى يستحقّ المطيعون للجزاء كما هو واضح لا يخفى . ( و ) ثالثها أنه ( اضمحلّت الأنباء ) اى أخبار الأنبياء ، و المراد باضمحلالها انمحاؤها و ذهاب أثرها . و ذلك لأنّ الغرض الأصلى من بعثهم و رسالتهم أن يجذبوا الخلق إلى الحقّ الأوّل عزّ و جلّ و يزهّدوهم عن الدّنيا و يرغّبوهم في الآخرة ، فاذا فتحت لهم أبواب الكنوز و المعادن ، و اشتغلوا بزخارف الدّنيا و كانوا بزّى أهلها لم يؤثّر موعظتهم في القلوب و لم يبق وقع للرسالة عند الناس ، و لا وجدوا للمبعوثين إليهم مقالا و تعريضا عليهم بأن يقولوا يا أيّها الرّسل لم تقولون ما لا تفعلون ، أنتم تزهّدونا عن الدّنيا و ترغبون فيها ، و ترغّبونا في الآخرة و اشتغالكم بغيرها ، فيبطل بذلك المقصود الأصلى من البعث و اضمحلّت الرسالة إذا هذا . و قال الشارح البحراني في وجه اضمحلال الأنباء ما محصّله : إنّ الأنبياء و إن كانوا أكمل الخلق نفوسا و أقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانية ، إلاّ أنهم محتاجون إلى الريّاضة التّامة بالاعراض عن الدّنيا و طيباتها و هو الزهد الحقيقى ، [ 336 ] فيكون تركهم للدّنيا شرطا في بلوغ درجات الوحى و الرّسالة و تلقّى أخبار السّماء ، فلو خلقوا منغمسين في الدّنيا و فتحت عليهم أبوابها لا نقطعوا من حضرة جلال اللّه ، و اضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأنباء ، و انقطع عنهم الوحى ، و انحطّوا عن مراتب الرسالة . قال : و قال بعض الشارحين : أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد و الوعيد و الاخبار عن أحوال الجنة و النار و أحوال القيامة انتهى . و الأظهر بل الأولى ما قلناه ، لأنّ استلزام انفتاح أبواب الكنوز و المعادن لانقطاع الوحى و الرسالة و الانحطاط عن درجة النبوّة ممنوع و على فرض التسليم فابداء الملازمة بين المقدّم و التالى غير خال عن التكلّف ، و مثله الكلام فيما حكاه عن بعض الشارحين ، فتدبّر . ( و ) رابعها أنه ( لما وجب للقابلين ) لدعوة الرسل أى المتصدّقين لهم المؤمنين بهم ( أجور المبتلين ) الممتحنين ، لأنه إذا سقط البلاء و الامتحان حسبما عرفته آنفا لا يبقى مبتلى و لا مبتلى به ، فلا يكون قبول القابلين و تصديقهم للرسل عن وجه الابتلاء حتى يحسب لهم الأجر و الجزاء بذلك . ( و ) خامسها أنه ( لا استحقّ المؤمنون ) باللّه و بأنبيائه و رسله ( ثواب المحسنين ) لعدم كون ايمانهم عن وجه الاخلاص حسبما عرفته ، فلا يكونون محسنين حتّى يستحقّوا الثواب الجزيل و الجزاء الجميل ، و إنما المؤمنون المحسنون الذين اذا سمعوا ما انزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع مما عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين و ما لنا لا نؤمن باللّه و ما جاءنا من الحقّ و نطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصالحين فأثابهم اللّه بما قالوا جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك جزآء المحسنين . ( و ) سادسها أنّه ( لالزمت الأسماء معانيها ) برفع الأسماء و نصبها على اختلاف النسخ ، و المراد واحد و هو ارتفاع الملازمة بينها و بين المعانى و انفكاك [ 337 ] احداهما عن الاخرى ، لأنّ اطلاق اسم المسلم على المسلم حينئذ و تسميته به لمحض ماله من صورة الاسلام لا لوجود معنى الاسلام و حقيقته فيه ، إذ المفروض أنّ إسلامه عن رغبة أو رهبة لا عن وجه الحقيقة و التمحيص و الاخلاص ، فيصدق الاسم بدون المعني ، و كذلك التسمية بالمؤمن و المصدق و العابد و الزاهد و الراكع و الساجد و غيرها ، هذا . و لما نبّه عليه السّلام أنّ اللّه سبحانه لو أراد بالأنبياء إذ بعثهم انفتاح الكنوز و المعادن و المغارس و حشر الوحوش و الطيور لترتّب عليه هذه الأمور السّتة الّتي كلّها خلاف الحكمة و المصلحة أراد التنبيه بما هو مقتضي النظم الأصلح فقال على وجه الاستدراك : ( و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله ) حيث بعثهم ( اولى قوّة في عزائمهم ) و جدّ في تبليغ ما امروا به من تكاليف ربّهم بالقتال و الجهاد و الصّبر على تحمّل المكاره و الأذى . و قد قال بعض المفسّرين في قوله تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل إنّ من للتبيين لا للتبعيض و انّ كلّ الرسل اولو عزم لم يبعث اللّه رسولا إلاّ كان ذا عزم و حزم و رأى و كمال و عقل ، و وصفهم بالعزم لصبرهم و ثباتهم في تبليغ الرّسالات و انفاذ ما امروا به . ( و ) جعلهم مع ذلك ( ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ) لاتّصافهم بالضّر و المسكنة و الفقر و الفاقة ( مع قناعة تملا القلوب و العيون غني و خصاصة ) أى جوع ( تملا الابصار و الأسماع اذى ) . قال الشارح البحراني : استعار وصف الملاء للقناعة باعتبار استلزامها لقوّة غنائهم و قلّة حاجتهم إلى شي‏ء من متاع الدّنيا بحيث لا تميل نفوسهم و لا عيونهم إلى شي‏ء من زينتها و قيناتها ، فكأنّها قد امتلأت فلا تتسع لشي‏ء من ذلك فتطلبه و كذلك للخصاصة باعتبار استلزامها لقوّة الأذى في أسماعهم و أبصارهم ، إذ الجوع المفرط مستلزم لأذى هاتين القوّتين لتحلّل الأرواح الحاملة لهما و ضعفهما فكانّ الأذى حشو أبصارهم و أسماعهم بحيث لا تتّسع لغيره ، كلّ ذلك طلبا لكمال الاستعداد لأنّ البطنة تورث [ 338 ] القسوة و تذهب الفطنة و تزيل الرقة و تستلزم رذايل كثيرة لا دواء لها إلاّ الخصاصة ، هذا . و قوله ( و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام و عزّة لا تضام ) قياس اقتراني آخر من الشكل الأوّل أيضا تأكيد للقياس المتقدّم ذكره ، أى لو أراد اللّه بالأنبياء إذ بعثهم أن يكونوا أهل قوّة و قدرة لا يمكن أن تطلب و تقصد لبلوغها الغاية و أهل عزّة و قهر و غلبة لا يمكن أن تنتقص أو تظلم أى يظلم صاحبها لانتهائها النهاية . ( و ) أهل ( ملك ) و سلطنة ( تمتدّ نحوه أعناق الرجال و تشدّ إليه عقد الرّحال ) أى يأمله الآملون ، و يرجوه الراجون فانّ كلّ من أمل شيئا لا سيّما إذا كان ملكا عظيما يطمح إليه بصره و يسافر برغبته إليه و يحيط مطايا الآمال عنده ، فكنّى عن ذلك بمدّ العنق و شدّ عقد الرّحال . و الحاصل أنّ الأنبياء لو بعثوا بالقدرة و القوّة و الملك و السلطنة ( لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ) أى أسهل في اعتبارهم بحالهم و أسرع في إجابتهم لدعوتهم كما هو المشاهد بالتجربة ، فانّ الملوك لا تصعب اجابتهم كما تصعب اجابة الفقراء لا سيّما على المتكبّرين المتجبّرين ( و أبعد لهم في الاستكبار ) لأنّ الملوك أبعد من أن يتكبّر عليهم و يستنكف من طاعتهم بخلاف البائس الفقير . ( و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ) على الايمان ( أو رغبة مائلة بهم ) إليه ( فكانت النيّات ) إذا ( مشتركة ) بين اللّه و بين ما يأملونه من الشهوات ، غير خالصة له تعالى من هوى الأنفس كما قال « أرأيت من اتّخذ إلهه هويه » . ( و الحسنات مقتسمة ) بينه تعالى و بين تلك الشهوات ( و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ) و أنبيائه ( و التصديق بكنبه ) و صحفه السماوية ( و الخشوع لوجهه ) و الخنوع لذاته ( و الاستكانة ) و التمكين ( لأمره و الاستسلام ) و الانقياد ( لطاعته امورا له خاصة ) أى مختصّة به ممحّضة له كما قال « و ما امروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين » ( لا يشوبها ) أى تلك الامور ( من غيرها شائبة ) رغبة أو رهبة . و انما أراد عزّ و جل اختصاص هذه الامور له و خلوصها من شوب الرغبة و الرهبة لعظم البلوى و الامتحان حينئذ ( و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة [ 339 ] و الجزاء أجزل ) هذا . و لما نبّه عليه السّلام على وجه الحكمة و المصلحة في بعث الأنبياء بالخصاصة و المسكنة ، و أنّ الوجه في ذلك هو الامتحان و الابتلاء ليترتّب على اتّباعهم عظيم الأجر و جزيل الجزاء ، أردفه بالتّنبيه على حكمة وضع البيت الحرام بأوعر البقاع و أقفر البلدان فقال : ( ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم عليه السّلام إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ) بنى بها البيت ( لا تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع ) هذا باعتبار مجموع الأحجار أو بملاحظته في نظر الخلق فلا ينافي ما مرّ في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى من أنّ حجر الأسود أوّل ملك آمن و أقرّ بالتوحيد و النّبوة و الولاية و أنّه يجي‏ء يوم القيامة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك و حفظ الميثاق . ( فجعلها بيته الحرام ) و وصفه به لأنّه حرام على المشركين دخوله و حرام إخراج من تحصّن به منه حسبما عرفت في شرح الخطبة الاولى . قال الرّماني : و إنّما سمّي به لأنّ اللّه حرّم أن يصاد عنده و أن يعضد شجره ، و لأنّه أعظم حرمة . قال في مجمع البيان : و في الحديث مكتوب في أسفل المقام إنّي أنا اللّه ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السماوات و الأرض و يوم وضعت هذين الجبلين ، و حففتها بسبعة أملاك حفا ، من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقّه مذعنا بالربوبيّة حرّمت جسده على النار . ( الّذى جعله للنّاس قياما ) أى مقيما لأحوالهم في الدّنيا و الآخرة و يستقيم به امورهم الدنيويّة و الاخرويّة يقال : فلان قيام أهله أى يستقيم به شئونهم قال سبحانه جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياما للناس أى لمعايشهم و مكاسبهم يستقيم به امور دينهم و دنياهم يلوذ به الخائف و يأمن فيه الضعيف و يربح عنده التّجار باجتماعهم عنده من ساير الأطراف ، و يغفر بقصده للمذنب و يفوز حاجّه بالمثوبات . [ 340 ] روى في مجمع البيان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : من أتى هذا البيت يريد شيئا للدّنيا و الآخرة أصابه . و قال ابن عبّاس : معناه جعل اللّه الكعبة امنا للنّاس بها يقومون أى يؤمنون ، و لولاها لفنوا و هلكوا و ما قاموا ، و كان أهل الجاهليّة يامنون به فلو لقي الرّجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله ، و قيل : معني قوله : قياما للناس ، انهم لو تركوا عاما واحدا لا يحجّونه ما نوظروا ان يهلكوا . و رواه علىّ بن إبراهيم عنهم عليهم السّلام قال ما دامت الكعبة يحجّ الناس إليها لم يهلكوا فاذا هدمت و تركوا الحجّ هلكوا . ( ثمّ وضعه ) أى البيت ( بأوعر بقاع الأرض حجرا ) أى أصعب قطعها و أغلظها من حيث الحجر ( و أقلّ نتائق الدّنيا مدرا ) أى أقلّ بلدانها و مدنها من حيث التراب و المدر ، و بذلك لم يكن صلاحية الزرع و الحرث كما قال إبراهيم « ربّ إنّي أسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع » : ( و أضيق بطون الأودية قطرا ) من حيث الناحية و الجانب ( بين جبال خشنة ) غليظة ( و رمال دمثة ) لينة ، و الوصف بها إشارة إلى بعدها من الانبات لأنّ الرّمل كلّما كان ألين و أسهل كان أبعد من أن ينبت و لا يزكو به الدّواب أيضا لأنّها تتعب في المشي به . ( و عيون وشلة ) قليلة الماء ( و قرى منقطعة ) بعضها عن بعض ( لا يزكو بها خفّ و لا حافر و لا ظلف ) أى لا يزيد و لا ينمو بتلك الأرض ذوات الخفّ كالابل و الحافر كالخيل و البغال و الظلف كالبقر و الغنم ، و عدم نمائها بها لما عرفت من قلّة مائها و نباتها و خشونة جبالها و سهولة رمالها و خلوّها من المرتع و المرعى . ( ثمّ أمر آدم عليه السّلام و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ) أى يعطفوا و يميلوا جوانبهم معرضين عن كلّ شي‏ء متوجّهين إليه قاصدين العكوف لديه ، و قد مضى في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى عن أبي جعفر عليه السّلام انّ آدم عليه السّلام أتى هذا البيت ألف آتية على قدميه منها سبعمأة حجّة و ثلاثمأة عمرة ، و مضى هناك حجّ ساير الأنبياء [ 341 ] و الرّسل عليهم السّلام فلينظر ثمة ( فصار ) البيت ( مثابة ) و مرجعا ( لمنتجع أسفارهم ) كناية عما يرومونه في سفرهم اليه من المآرب و المقاصد و المنافع و التجارات كما قال عزّ من قائل « و إذ جعلنا البيت مثابة للناس و امنا » و قال « و ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم اللّه » . ( و غاية لملقى رحالهم ) أى مقصد القصد ( تهوى اليه ثمار الأفئدة ) ثمرة الفؤاد كما قيل سويداء القلب أى تميل و تسقط باطن القلوب إليه ، و هويها كناية عن سرعة سيرها يعني أنّه سبحانه جعل القلوب مايلة إليه محبّة له إجابة لدعاء إبراهيم عليه السّلام حيث قال و اجعل افئدة من الناس تهوى اليهم . قال الشارح البحراني هوى الأفئدة ميولها و محبّتها إلاّ أنّه لما كان الّذى يميل الى الشي‏ء و يحبّه كأنّه يسقط إليه و لا يملك نفسه استعير لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب و السعى اليه ، و الحاصل أنّ القلوب تسعى و تتوجّه إليه . ( من مفاوز قفار سحيقة ) أى الأفلاء 1 البعيدة ( و مهاوى فجاج عميقة ) أى من الوهاد و الطرق العميقة الّتي بين الجبال و وصفها بالعمق على حدّ قوله تعالى و على كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ( و جزائر بحار منقطعة ) وصف الجزائر بالانقطاع إما باعتبار انقطاع الماء عنها ، أو باعتبار انقطاعها عن ساير بقاع الأرض بسبب إحاطة البحر بها . و قوله ( حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا ) غاية لقوله تهوى ، أى تسرع إليه قلوب الحاج من المفاوز و المهاوى إلى أن يحرّكوا المناكب مطيعين منقادين . قال الشارح البحراني : و كنّي بهزّ مناكبهم عن حركاتهم في الطواف بالبيت إذ كان ذلك من شأن المتحرّك بسرعة . و قال المحدّث العلامة المجلسيّ قده : هو كناية عن السفر إليه مشتاقين . ( يهلّلون للّه حوله ) أى حول البيت ، و على رواية يهلّون فالمراد أنّهم يرفعون ----------- ( 1 ) جمع فلاوهى جمع فلاة و هى الأرض التى لا ماء فيها ، منه [ 342 ] أصواتهم بالتلبية ، و على هذه الرواية فلا بدّ من التخصيص بغير المتمتّع و المعتمر بالعمرة المفردة فانّ وظيفتهما قطع التلبية إذا شاهدا بيوت مكة أو حين يدخلان الحرم . روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إذا دخلت مكة و أنت متمتّع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية ، و حدّ بيوت مكّة الّتي كانت قبل اليوم عقبة المدينين ، فانّ الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن ، فاقطع التلبية و عليك بالتكبير و التحميد و التهليل و الثناء على اللّه عزّ و جلّ بما استطعت . و روى مرازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الابل أخفافها في الحرم و بمعناهما أخبار كثيرة . و أما فضل الاهلال فقد روى في الوسائل عن الصّدوق « ره » قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام ما من مهلّ يهلّ بالتلبية إلاّ أهلّ من عن يمينه من شي‏ء إلى مقطع التراب ، و من عن يساره إلى مقطع التراب ، و قال له الملكان : ابشر يا عبد اللّه و ما يبشّر اللّه عبدا إلاّ بالجنّة . ( و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ) أى يهرولون على أقدامهم للّه سبحانه حالكونهم أشعث الرّؤوس متلبّد الشعور متغيّر الألوان مغبّر الوجوه و الأبدان وسخ الأجساد . ( قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ) يحتمل أن يكون المراد بالسرابيل الثياب المعهودة بالاحرام على وجه الاستعارة تشبيها لها بالسرابيل في إحاطتها بالبدن فيكون المقصود بنبذها وراء ظهورهم طرحها على عواتقهم و مناكبهم كما هو المعهود في لبس ثوب الاحرام ، و أن يكون المراد بها مطلق المخيط من الثياب من باب المجاز المرسل فيكون النبذ وراء الظهور كناية عن خلعها عن الأبدان ، و الثاني أظهر . ( و شوّهوا ) أى قبّحوا ( باعفاء الشعور ) أى اكثارها و إطالتها ( محاسن خلقهم ) ابتلاهم اللّه سبحانه بهذه المشاق و البليات ( ابتلاءا عظيما و امتحانا شديدا و اختبارا مبينا و تمحيصا بليغا ) أى امتحانا كاملا ( جعله اللّه سببا لرحمته و وصلة إلى جنّته ) أى جعل حجّ البيت و البلاء بهذه الابتلاآت العظيمة و التكاليف الشديدة سببا [ 343 ] لشمول رحمته و طريقا للوصول إلى جنّته كما يشهد به الأخبار الواردة في فضل الحجّ ، و قد مضى جملة منها في شرح الفصل الثامن عشر من المختار الأوّل ، هذا و لما نبّه عليه السّلام على وجه المصلحة في بناء البيت بالأحجار و وضعه بأوعر البقاع و تكليف ولد آدم عليه السّلام بالحجّ إليه على الكيفيّات الخاصّة المتضمنة للتواضع و التذلل و أشار إلى أنّ المصلحة في ذلك هو التمحيص و الامتحان و الاستعداد بذلك لافاضة رحمة اللّه و الوصول إلى جنّته و الاستحقاق لجزيل الجزاء و مز يد الثواب أراد بالتنبيه على أنّ وضعه بغير هذا المكان من الأمكنة البهيجة المستحسنة كان موجبا لتصغير الجزاء و تقليل الثواب و هو خلاف المصلحة فقال : ( و لو أراد اللّه سبحانه أن يضع بيته الحرام و مشاعره العظام ) أى مواضع المناسك ( بين جنّات و أنهار و سهل و قرار ) من الأرض ( جمّ الأشجار دانى الثمار ) دنوّها كناية عن كثرتها و سهولة تناولها كما قال سبحانه في وصف الجنّة قطوفها دانية ( ملتفّ البنى ) أى مشتبك العمارات ( متّصل القرى ) بكثرتها ( بين برّة سمراء ) أى حنطة حسن اللّون ( و روضة خضراء ) ذات الخضرة و النضارة ( و أرياف محدقة ) مشتملة على الحدائق و البساتين ( و عراص مغدقة ) ذات الماء الكثير و المطر ( و رياض ناضرة و طرق عامرة ) بكثرة المارة . ( لكان ) جواب لو أى لو أراد اللّه سبحانه أن يضع بيته بين هذه الأمكنة الحسنة ذات البهجة و النضارة لكان قادرا عليه لكنه خلاف الوجه الأصلح لأنّه يلزم حينئذ أن يكون سبحانه ( قد صغّر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ) لما قد مرّ من أنّ الاختبار و البلوى كلّما كانت أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل . و لما نبّه عليه السّلام في الشرطية المتقدّمة على أنّ وضع البيت الحرام في غير هذا المكان الذى هو فيه الآن خلاف الحكمة و المصلحة اتبعها شرطيّة اخرى و نبّه عليه السّلام فيها على أنّ بناءه بغير هذه الأحجار المتعارفة التي بنى بها أيضا خلاف مقتضى الحكمة و هو قوله : ( و لو كان الأساس المحمول عليها ) البيت ( و الأحجار المرفوع بها بين [ 344 ] زمرّدة خضراء و ياقوتة حمراء و نور و ضياء ) أى لو كان بنائه بالأحجار المعدنية كالزمرّد و الياقوت و الجواهر النفيسة المتلألاة النيّرة و المضيئة ( لخفّف ذلك مسارعة الشكّ في الصدور ) أى سرعته ، و في بعض النسخ بالضاد المعجمة بمعنى المقاربة و في بعضها بالصاد المهملة بمعنى المغالبة . قال الشارح البحراني : و تلخيصه أنّه تعالى لو جعل الأساس المحمول عليها بيته الحرام من هذه الأحجار المنيرة المضيئة لخفّف ذلك مسارعة الشّك في الصدور إذ يراد شكّ الخلق في صدق الأنبياء و عدم صدقهم و شكّهم في أنّ البيت بيت اللّه أو ليس ، فانه على تقدير كون الأنبياء بالحال المشهور من الفقر و الذلّ و كون البيت الحرام من هذه الأحجار المعتادة يقوّى الشك في كونهم رسلا من عند اللّه و في كون البيت بيتا له ، و على تقدير كونهم في الملك و العزّ و كون البيت من الأحجار النفيسة المذكورة ينتفى ذلك الشكّ ، إذ يكون ملكهم و نفاسة تلك الأحجار من الامور الجاذبة إليهم و الداعية إلى محبّتهم و المسارعة إلى تصديقهم و الحكم بكون البيت بيت اللّه لمناسبة في كماله ما ينسبه الأنبياء إلى اللّه سبحانه من الوصف بأكمل طرفى النقيض و لكون الخلق أميل إلى المحسوس و استعار لفظ المسارعة للمغالبة بين الشك في صدق الأنبياء و الشك في كذبهم فانّ كلاّ منهما يترجّح على الآخر . و بذلك أيضا ظهر معنى قوله عليه السّلام ( و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ) فانّ حجّ البيت المبنى بالطوب و المدر و القيام بوظايفه و إقامة مناسكه مع ما فيه من المشاق العظيمة و الرّياضات التى لا يكاد أن تتحمل عادة لا يتأتي إلاّ مع جهاد النفس و مجاهدة إبليس ، بخلاف ما لو كان مبنيّا بالجواهر النفيسة الشريفة من الياقوت و الزمرّد و الزبرجد و نحوها بين جنات و أنهار و أشجار في أرض سهل و قرار فانّ النفوس حينئذ كانت تميل إليه و ترغب إلى رؤيته فلا تبقى إذا حاجة إلى مجاهدة نفسانية أو شيطانية . و يوضح ذلك الحديث الّذي قدّمنا روايته عن الفقيه في شرح الفصل الثامن عشر من المختار الأول ، و نعيد روايته هنا من الكافي باقتضاء المقام ، و مزيد ايضاحه [ 345 ] للغرض المسوق له هذا الفصل من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فأقول : روى ثقة الاسلام الكلينىّ عطر اللّه مضجعه عن محمّد بن أبيعبد اللّه عن محمّد بن أبي يسر « نصر خ » عن داود بن عبد اللّه عن عمرو بن محمّد عن عيسى بن يونس قال : كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصرى فانحرف عن التوحيد ، فقيل له : تركت مذهب أصحابك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة ، فقال : إنّ أصحابي كان مخلطا كان يقول طورا بالقدر و طورا بالجبر ، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه و قدم مكّة متمرّدا و انكارا على من يحجّ و كان يكره العلماء مجالسته و مسائلته لخبث لسانه و فساد ضميره ، فأتى أبا عبد اللّه عليه السّلام : فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال : يا أبا عبد اللّه إنّ المجالس أمانات و لا بدّ لكلّ من به سعال أن يسعل أ فتأذن لي في الكلام ؟ فقال عليه السّلام : تكلّم ، فقال : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، و تلوذون بهذا الحجر ، و تعبدون هذا البيت المعمور بالطوب و المدر ، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ، إنّ من فكر هذا و قدر علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم و لا ذى نظر ، فقل فانك رأس هذا الأمر و سنامه ، و أبوك اسّه و تمامه . فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه استوخم الحقّ و لم يستعذ به فصار الشيطان وليّه و قرينه ، و ربّه يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره ، و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في اتيانه ، فحثّهم على تعظيمه و زيارته ، و جعله محلّ أنبيائه و قبلة للمصلّين إليه فهو شعبة من رضوانه . و طريق يؤدّى إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، و مجمع العظمة و الجلال خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام فأحقّ من اطيع فيما امر و انتهى عما نهى عنه و ذكر اللّه منشى الأرواح و الصور ، هذا . و أما قوله ( و لنفي معتلج الريب من الناس ) فانه ربما يعترى الشك على ذوى العقايد الضعيفة أنّه لو كان هذا البيت بيته سبحانه لبناه بما يليق عزّه و جلاله من الحسن و البهاء و العزّ و الشرف و مع بنائه على هذا الوصف كان ينتفي اعتلاج الريب منهم قطعا . [ 346 ] ( و لكن اللّه ) عزّ و جلّ لم يبنه بهذا الوصف ، و إنما بناه بالأحجار الغير النفيسة اختبارا و امتحانا و تمحيصا و ابتلاء فانّه ( يختبر عباده بأنواع الشدائد ) و المشاق كتروك الاحرام و المناسك العظام ( و يتعبّدهم بألوان المجاهد ) من مجاهدة النفس و مجاهدة إبليس التي عرفت ( و يبتليهم بضروب المكاره ) التي تكرهها الطباع و ترغب عنها النفوس ( اخراجا للتكبّر ) المبعد من اللّه سبحانه ( عن قلوبهم و اسكانا للتذلّل ) و التواضع المقرّب إليه تعالى ( في نفوسهم و ليجعل ذلك ) الاستعداد الحاصل لهم من الاختبار و الابتلاء ( أبوابا فتحا ) مفتوحة ( الى فضله ) و احسانه ( و أسبابا ذللا ) سهلة ( لعفوه ) و غفرانه . تكملة هذا الفصل من الخطبة رواه ثقة الاسلام الكليني « قده » باختلاف لما أورده السيّد « ره » هنا فأحببت ايراده بروايته مع بيان غريب موارد الاختلاف فأقول : قال في الكافي و روى انّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال في خطبة له : و لو أراد اللّه جلّ ثناؤه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان و معادن البلدان و مغارس الجنان و أن يحشر طير السّماء و وحش الأرض معهم لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء و اضمحلّ الابتلاء ، و لما وجب للقايلين أجور المبتلين و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين ، و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين و لذلك لو أنزل اللّه من السماء آية فظلّت « لظلّت خ ل » أعناقهم لها خاضعين ، و لو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعين . و لكن اللّه جلّ ثناؤه جعل رسله أولي قوّة في عزائم نيّاتهم ، و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة تملا القلوب و العيون غناه ، و خصاصة يملا الأسماع و الأبصار اذاه . و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك يمدّ نحوه أعناق الرّجال و يشدّ إليه عقد الرّحال لكان أهون على الخلق في الاختبار ، و أبعد لهم في « من خ » [ 347 ] الاستكبار ، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيّات مشتركة و الحسنة مقتسمة . و لكن اللّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام اليه امور له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة ، و كلّ ما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل . ألا ترون أنّ اللّه جلّ ثناؤه اختبر الأوّلين من لدن آدم عليه السّلام الى آخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذى جعله للنّاس قياما ، ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتايق الدّنيا مدرا ، و أضيق بطون الأودية معاشا ، و أغلظ محالّ المسلمين مياها بين جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عيون وشلة ، و قرى منقطعة ، واتر من مواضع قطر السماء ، واتر [ داثر كذا في كا ] ليس يزكو به خف و لا ظلف و لا حافر . ثم أمر آدم عليه السّلام و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، و غاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متّصلة و جزائر بحار منقطعة ، و مهاوى فجاج عميقة ، حتى يهزّوا مناكبهم ذللا للّه حوله ، و يرملوا على اقدامهم شعثا غبرا ، قد نبذوا القنع و السرابيل ورآء ظهورهم ، و حسروا بالشعور حلقا عن رؤوسهم ، ابتلاءاً عظيما ، و اختبارا كبيرا ، و امتحانا شديدا ، و تمحيصا بليغا ، و فتونا مبينا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، و وصلة و وسيلة إلى جنّته . و علّة لمغفرته ، و ابتلاءاً للخلق برحمته . و لو كان اللّه تبارك و تعالى وضع بيته الحرام ، و مشاعره العظام ، بين جنّات و أنهار ، و سهل قرار ، جم الأشجار ، دانى الثمار ، ملتفّ النبات ، متّصل القرى ، من برّة سمرآء ، و روضة خضراء ، و أرياف محدقة ، و عراص معذقة ، و زروع ناضرة ، و طرق عامرة ، و حدائق كثيرة ، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ثمّ لو كانت الأساس المحمول عليها ، أو الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضرآء و ياقوتة حمرآء ، و نور و ضيآء لخفّف ذلك مصارعة الشك في الصّدور ، و لوضع [ 348 ] مجاهدة ابليس عن القلوب ، و لنفي معتلج الريب من الناس . و لكن اللّه عزّ و جلّ يختبر عبيده بأنواع الشدائد ، و يتعبّدهم بألوان المجاهدة ، و يبتليهم بضروب المكاره إخراجا للتكبّر من قلوبهم ، و إسكانا للتذلل في أنفسهم ، و ليجعل ذلك أبوابا إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه ، و فتنة كما قال الم احسب النّاس أن يتركوا أن يقولون آمنّا و هم لا يفتنون . و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين . بيان قوله عليه السّلام « و اتر من مواضع قطر السماء » و اتر أى منفرد منقطع من الوتر و هو الفرد ، و واتر الثاني يحتمل أن يكون تأكيدا لفظيّا للأوّل ، و أن يراد به أنّه ناقص من حيث النبات من وتره ماله نقصه ، أو أنه مأخوذ من الوتيرة و هي قطعة تستدقّ و تغلظ من الأرض . و قوله « و حسروا بالشعور » من حسره حسرا كشفه ، أى كشفوا شعورهم لأجل حلقها عن رؤوسهم ، و فتنه فتنا « و فتونا » اختبره « و عراص معذقة » ضبطه في النسخة الّتي عندنا بفتح الميم و العين المهملة و الذال المعجمة ، أى محال العذق « و الاس » مثلثة أصل البناء كالأساس و الاسس محرّكة و أصل كلّ شي‏ء جمعه أسياس و زان أسباب و قوله « كما قال الم احسب اه » شاهد لقوله : فتنة يعنى أنّ اللّه يختبر العبيد و يتعبّدهم بالشدايد و المجاهد لأجل الامتحان و تميّز الجيّد من الرّدى و المؤمن من المنافق كما نصّ به سبحانه في كتابه المجيد ، ليثيب المؤمنين بحسن ايمانهم و يعاقب المنافقين . الترجمة ميفرمايد و اگر اراده ميفرمود خداوند متعال به پيغمبران خود وقتى كه مبعوث نمود ايشان را اينكه بگشايد براى ايشان خزانهاى طلا و معدنهاى زر [ 349 ] خالص و محلهاى كاشتن باغها را ، و اينكه جمع نمايد با ايشان مرغ آسمان و وحشيهاى زمينها را هر آينه مينمود ، و اگر مينمود اينها را هر آينه ساقط ميشد امتحان و ابتلاء ، و باطل ميشد جزا و ثواب ، و بهم ميخورد خبرهاى پيغمبران ، و هر آينه واجب نمى‏گرديد از براى قبول كنندگان احكام دين اجرهاى ممتحنين ، و مستحق نمى‏شد مؤمنان ثواب نيكوكاران را ، و لازم نمى‏گرديد اسمها به معنى‏هاى حقيقى خود و ليكن حق سبحانه و تعالى گردانيده است پيغمبرهاى خود را صاحبان قوّت در عزمهاى خود ، و صاحبان ضعف در آنچه مى‏بيند آن را چشمها از حالت‏هاى فقر و پريشانى ايشان با قناعتى كه پر ميكند قلبها و چشم‏ها را از حيثيّت بى نيازى ، و با گرسنگى كه پر گرداند ديدها و گوشها را از حيثيّت اذيّت . و اگر بودندى پيغمبرها أهل قوّتى كه قصد كرده نشود ، و أهل عزّتى كه مغلوب و مظلوم نگردد ، و صاحب سلطنت و ملكى كه كشيده‏شود بجانب آن گردنهاى مردمان ، و بسته شود بسوى او گرههاى پالانهاى مركبان ، هر آينه ميشد آسان‏تر بر خلق در عبرت بر داشتن از ايشان ، و دورتر از براى ايشان از تكبّر نمودن بر ايشان ، و هر آينه ايمان مى‏آوردند آن خلق از ترس و خوفى كه قهر كننده باشد ايشان را ، يا از رغبت و طمعى كه ميل آورنده باشد ايشان را و مى‏بود نيتهاى خلق غير خالص و مشوب برهبت و رغبت ، و أعمال حسنه ايشان قسمت يافته و مخلوط بريا و سمعت . و ليكن حق تعالى اراده فرمود اين را كه باشد متابعت پيغمبران او و تصديق كتابهاى او و فروتنى براى ذات او ، و تمكين كردن براى حكم او ، و گردن نهادن براى طاعت او كارهائى كه مختص بأو باشد كه مشوب نباشد بآنها چيزى از رياء و سمعت ، و هر قدر امتحان و ابتلاء بزرگ‏تر باشد ثواب و جزاء زياد تر گردد . آيا نمى‏بينيد كه خداوند تعالى امتحان فرموده اولين را از نزد جناب آدم [ 350 ] عليه السّلام تا آخرين از اين عالم با سنگهائى كه نه ضرر دارد و نه منفعت ، و نمى‏بينند و نميشنود پس گردانيد آنها را بيت الحرام خود چنان بيتى كه گردانيده آنرا از براى خلق بر پا دارنده أحوال ايشان در دنيا و آخرت پس نهاد آن خانه را به دشوارترين بقعهاى زمين از جهت سنگ ، و كمترين شهرهاى زمين از جهت كلوخ و تنگ‏ترين ميانهاى واديها از حيثيّت قطر در ميان كوههاى درشت و ريكهاى نرم و چشمهاى كم آب و دههاى بريده كه ميان آنها باير است و خراب كه فربه نميشود در آنها شتر و اسب و گوسفند و گاو و أمثال آنها . بعد از آن امر كرد خداوند عالم جناب آدم و فرزندان او را كه بر گردانند اطراف و جوانب خود را بسوى آن ، پس گرديد بيت الحرام محل باز گشت از براى قصد منفعت سفرهاى ايشان ، و نهايت از براى انداختن بار هاى ايشان . ميافتد بسوى آن يعنى مايل ميشود بآن باطن قلبها از بيابانهاى بى آب و علف دور دراز ، و از درّهاى واقعه در ميان كوهها كه گروند و از جزيره‏هاى درياها كه بريده‏اند از ساير قطعات زمين بجهت احاطه آب تا آنكه حركت ميدهند دوشهاى خودشان را در حالت ذلت ، تهليل و تكبير مى‏گويند از براى خداوند در آن ، و مى‏دوند بر قدمهاى خودشان در حالتيكه ژوليده مو غبار آلوده باشند براى معبود بحق در حالتيكه أنداخته‏اند پيراهنها را پس پشتهاى خود هنگام احرام ، و زشت سازنده‏اند بجهت زياد كردن مويها نيكوهاى خلقت خود را در موسم حج امتحان فرمود خداوند ايشان را با اين كارها امتحان بزرگ و امتحان با شدّت و امتحان آشكار و امتحان كامل گردانيد خداوند حجّ آن خانه را و ابتلاء اين بليّات را سبب رحمت خود ، و مايه اتّصال بسوى جنّت خود . و اگر اراده مينمود حق تعالى اينكه بگذارد بيت الحرام خود و مواضع مناسك حج خود را در ميان باغهاى خوش ، و نهرهاى دلكش ، و زمين نرم و هموار متصفه با كثرت درخت‏ها ، و با نزديكى ميوها و با تويهم بودن بناها ، و با اتصال [ 351 ] دهها ميان گندم مايل بسرخى ، و مرغزار سبز و خرّم ، و كشت‏زارهاى مشتمله بر بساتين ، و عرصه‏هاى موصوفه بزيادتى آب ، و زراعتهاى تر و تازه ، و راههاى آباد و معموره هر آينه ميشد ، پروردگار كوچك و حقير ميكرد مقدار جزا را بر حسب ضعف و سستى بلا . و اگر بودى بنائى كه نهاده شده بود بر او بناى حرم و سنگهائى كه بلند شده با آن خانه خدا ميان زمرّد سبز و ياقوت سرخ و سنگهاى درخشنده و نور بخشنده هر آينه سبك مينمود اينوضع بنا شتابيدن شك را در سينها و هر آينه فرو نهادى مجاهده شيطان لعين را از قلبها ، و هر آينه نابود كردى اضطراب شك را از مردمان و ليكن خداى تعالى امتحان ميفرمايد بندگان خود را با أنواع سختيها ، و بندگى ميخواهد از ايشان با گوناگون مجاهدها ، و مبتلا ميسازد ايشان را بأقسام مكروهات از جهت بيرون كردن تكبّر از قلبهاى ايشان ، و ساكن نمودن تذلل در نفسهاى ايشان ، و تا بگرداند اين را درهاى گشاده شده بسوى فضل و انعام خود ، و واسطهاى رام شده براى عفو و مغفرت خود . الفصل الخامس فاللّه اللّه في عاجل البغي ، و آجل و خامة الظّلم ، و سوء عاقبة الكبر ، فإنّها مصيدة إبليس العظمى ، و مكيدته الكبرى ، الّتي تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ، فما تكدي أبدا ، و لا تشوى أحدا لا عالما لعلمه ، و لا مقلاّ في طمره ، و عن ذلك ما حرس اللّه عباده [ 352 ] المؤمنين بالصّلوات ، و الزّكوات ، و مجاهدة الصّيام في الأيّام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم ، و تخشيعا لأبصارهم ، و تذليلا لنفوسهم ، و تخفيضا لقلوبهم ، و إذهابا للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا ، و التصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، و لحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلّلا ، مع ما في الزّكاة من صرف ثمرات الأرض و غير ذلك إلى أهل المسكنة و الفقر أنظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر ، و قدع طوالع الكبر ، و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشي‏ء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء غيركم ، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا ( ما خ ) يعرف له سبب و لا علّة ، أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، و طعن عليه في خلقته ، فقال : أنا ناريّ و أنت طينيّ ، و أمّا الأغنياء من مترفة الامم فتعصّبوا لاثار « إلى آثار خ » مواقع النّعم فقالوا نحن اكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذّبين . فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ، و محامد الأفعال ، و محاسن الامور الّتي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء من [ 353 ] بيوتات العرب ، و يعاسيب القبائل بالأخلاق الرّغيبة ، و الأحلام العظيمة ، و الأخطار الجليلة ، و الأثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، و الوفاء بالذّمام ، و الطّاعة للبرّ ، و المعصية للكبر ، و الأخذ بالفضل ، و الكفّ عن البغي ، و الإعظام للقتل ، و الإنصاف للخلق ، و الكظم للغيظ ، و اجتناب الفساد في الأرض . و احذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال ، و ذميم الأعمال ، فتذكّروا في الخير و الشّرّ أحوالهم ، و احذروا أن تكونوا أمثالهم ، فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، و زاحت الأعداء له عنهم ، و مدّت العافية عليهم « فيه بهم خ » ، و انقادت النّعمة له معهم ، و وصلت الكرامة عليه حبلهم : من الإجتناب للفرقة ، و اللّزوم للالفة ، و التّحاضّ عليها ، و التّواصي بها ، و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ، و أوهن منّتهم من تضاغن القلوب ، و تشاحن الصّدور ، و تدابر النّفوس ، و تخاذل الأيدي . و تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال [ 354 ] التّمحيص و البلاء ، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، و أجهد العباد بلاء و أضيق أهل الدّنيا حالا ، اتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب و جرّعوهم جرع المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة ، و قهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، و لا سبيلا إلى دفاع . حتّى إذا رأى اللّه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، و الإحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ، فأبد لهم العزّ مكان الذّلّ ، و الأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما ، و أئمّة أعلاما ، و بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الامال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، و الأهوآء مؤتلفة « متّفقة خ » ، و القلوب معتدلة ، و الأيدي مترادفة ، و السّيوف متناصرة ، و البصائر نافذة ، و العزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، و تشتّتت الالفة ، و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعّبوا مختلفين ، و تفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللّه عنهم لباس كرامته ، و سلبهم غضارة نعمته ، و بقي قصص أخبارهم فيكم ، عبرا للمعتبرين منكم . [ 355 ] اللغة ( البغي ) الظلم و العلوّ و الاستطالة و العدول عن الحقّ و تجاوز الحدّ و ( وخم ) وخامة كشرف شرافة ثقل و طعام وخيم ثقيل ردى غير موافق و ( المصيدة ) بكسر الميم و سكون الصاد المهملة و فتح الدال آلة الصّيد من الشبكة و نحوها و ( المكيدة ) و زان معيشة مصدر بمعني الكيد و ( ساوره ) مساورة دائبة ، و سورة الخمر و غيرها حدّتها ، و من البرد شدّته ، و من السّلطان سطوته و اعتداؤه . و ( اكدى ) الحافر إذا بلغ في حفره إلى موضع صلب لا يمكنه حفره ، و اكدت المطالب إذا صعبت في وجه طالبها فعجز عنها و ( اشوت ) الضربة تشوى أخطات فلم تصب المقتل ، و أشواه يشويه إذا رماه فلم يصب مقتله ، و رجل ( مقلّ ) و أقلّ فقير و ( الطمر ) بالكسر الثوب الخلق و البالى من الثياب من غير الصوف و الجمع أطمار . و ( عتاق ) الوجوه إما من العتق و هو الكرم و الشرف و الجمال و الحريّة و النجابة قال في القاموس : و العتاق من الخيل النجائب ، أو من العتيق و هو الخيار من كلّ شي‏ء ، و في بعض النسخ و عتايق الوجوه جمع عتيقة يقال أمة عتيقة أى خارجة عن الرق و ( التمويه ) التدليس يقال موّهت النحاس أو الحديد تمويها أى طليته بالذهب أو الفضة و ( مواقع ) النعم جمع موقع اسم مكان و يحتمل المصدر و ( المجداء ) جمع مجيد مثل فقهاء و فقيه و هو الرفيع العالى و الكريم الشريف الفعال ( و النجداء ) كفقهاء أيضا جمع نجيد و هو الشجاع الماضي فيما يعجز غيره . ( و اليعسوب ) أمير النحل و رئيس القوم و ( الأخطار ) جمع خطر بالتحريك كأسباب و سبب و هو القدر و المنزلة و ( الجوار ) بالكسر أن تعطي الرّجل ذمّة فيكون بها جارك فتجيره و مصدر جاور يقال جاوره مجاورة و جوارا و جوارا بالضمّ و الكسر صار جاره و ( الذّمام ) أيضا الحق و الحرمة و ما يذمّ به الرّجل على إضاعته من العهد . و ( مدّت العافية ) بالبناء للمفعول كما هو الظاهر أو بالبناء على الفاعل من قولهم مدّ الماء إذا جرى و سال ، و في بعض النسخ و مدّت العافية فيه بهم ، و في بعضها عليه بهم و ( الفقرة ) بالكسر ما انتظم من عظام الصّلب من الكاهل إلى العجز و الجمع فقر [ 356 ] كعنب و ( سام ) فلانا أمرا أى كلّفه إياه و أكثر ما يستعمل في الشرّ و العذاب قال سبحانه يسومونكم سوء العذاب . ( و المرار ) بالضمّ شجر مرّ إذا اكلت منه الابل قلصت مشافرها و ( الاملاء ) جمع الملاء و هو الجماعة و ( قصص أخبارهم ) في بعض النسخ بكسر القاف جمع قصّة ، و في بعضها بالفتح كصدر من قصصت الخبر قصا حدّثت به على وجهه ، و الأوّل أولى . الاعراب قوله : فانّها مصيدة إبليس ، الضمير راجع إلى كلّ من البغي و الظلم و الكبر أو الأخير فقط و هو الأظهر ، و التأنيث باعتبار الخبر كما في قولهم : و ما كانت امّك فانّ الضمير إذا وقع بين مرجع مذكر و خبر مؤنّث أو بالعكس فالأولى رعاية جانب الخبر كما صرّح به علماء الأدب . و قوله : عن ذلك ما حرس اللّه ، قال الشارح المعتزلي : لفظة ما زائدة مؤكدة أى و عن هذه المكايد التى هى الظلم و البغى و الكبر حرس اللّه عباده فعن متعلّقة بحرس . قال : و قال القطب الراوندى رحمه اللّه : يجوز أن تكون مصدرية فيكون موضعها رفعا بالابتداء و خبر المبتداء قوله لما في ذلك ، و يجوز أن يكون نافية أى لم يحرس اللّه عباده عن ذلك إلجاء و قهرا ، بل فعلوا اختيارا من أنفسهم . و الوجه الأوّل باطل لأنّ عن على هذا التقدير يكون من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه ، و أيضا فان لما في ذلك لو كان هو الخبر لتعلّق لام الخبر بمحذوف أى حراسة اللّه تعالى لعباده عن ذلك كائنة لما في ذلك من تعفير الوجوه ، و هذا كلام غير مفيد إلاّ على تأويل بعيد لا حاجة إلى تعسّفه . و الثاني يأباه سياق الكلام ، لأنّ قوله : تسكينا و تخشّعا ، و قوله : لما في ذلك ، تعليل للحاصل الثابت لا للمنفي المعدوم ، انتهى . أقول : أما ما ذكره القطب الراوندى فغير خال من التكلّف حسبما قاله الشارح المعتزلي ، و لكن اعتراض الشارح عليه بأنّ عن على هذا التقدير من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه ممنوع ، لمنع عدم جواز تقديم معمول المصدر عليه [ 357 ] مطلقا و إنما هو مسلم في المفعول الصريح لضعف عمله ، و أمّا الظرف و أخوه فيكفيهما رايحة الفعل . قال نجم الأئمة الرضيّ : و أنا لا أرى منعا من تقديم معموله عليه إذا كان ظرفا أو شبهه ، نحو قولك : اللّهم ارزقني من عدوّك بالبراءة و إليك الفرار قال تعالى و لا تاخذكم بهما رأفة و قال فلمّا بلغ معه السعى و مثله في كلامهم كثير و تقدير الفعل في مثله تكلّف . و أما ما ذكره الشارح من المعني فلا باس به و إن كان يتوجّه عليه أنّ الأصل عدم زيادة ما و أن جعل مرجع اسم الاشارة هو الظلم و البغى و الكبر يأبى عنه الذوق السليم . و الأظهر عندي أنّ عن في قوله : عن ذلك للتعليل كما في قوله تعالى و ما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة أو بمعني من النشوية و ذلك إشارة إلى تساور هذه المكايد في القلوب و تأثيرها في النفوس تساور السّموم القاتلة ، و أن يكون الظرف مستقرا في موضع الرفع خبرا مقدّما على مبتدئه و هو قوله : ما حرس اللّه ، لكونه في تأويل المصدر ، و المعني أنّ حراسة اللّه لعباده بالصلاة و الزكاة و الصيام لأجل مفاسد هذه المكائد أو أنّها ناشئة من ذلك الفساد ، و هو تأثيرها في النفوس تأثير السّموم ، و على هذا فيتمّ الكلام لفظا و معني على أحسن التئام و انتظام ، فافهم و اغتنم . و تسكينا و تخشيعا و تذليلا و تخفيضا و اذهابا منصوبات على المفعول له و العامل حرس ، و عن ، في قوله : عن علّة ، للتعليل أو بمعني من النشوية ، و غيركم ، بالنصب استثناء من قوله : أحدا ، و العامل وجدت ، و قوله : بالاخلاق الرغيبة ، متعلّق بقوله : تفاضلت . و لفظة في في قوله : و مدّت العافية فيه ، بمعني اللاّم كما في قوله تعالى فذلكنّ الّذى لمتنّني فيه و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها ، و قوله : من الاجتناب ، بيان لأمر و جملة : اتّخذتهم الفراعنة ، استيناف بياني لا محلّ لها من الاعراب . [ 358 ] المعنى اعلم أنه لما نبّه في الفصل السابق على أنّ المطلوب من العباد هو التواضع و التذلّل و اخلاص النية و العمل ، مستشهدا على ذلك ببعث الأنبياء العظام و السفرآء الكرام بحال الذلّ و الفاقة و الفقر و الخصاصة ، و بوضع البيت الحرام بأقفر البلاد و أوعر الجبال ، و ختم الفصل بأنّ التواضع و التذلّل باب مفتوح للفضل و الاحسان ، و سبب ذلول للعفو و الغفران ، عقّبه بهذا الفصل تذكيرا للمخاطبين ، و ترغيبا لهم على ملازمة هذين الوصفين و الأخذ بهما ، و تحذيرا لهم عن الأخذ بضدّهما و هو التكبر و الخيلاء ، و تنبيها على أنّ الغرض الأصلي في وضع ساير العبادات من الصلاة و الزكاة و الصيام بكيفيّاتها المخصوصة أيضا هذا المعني أعني التذلّل و الاستكانة فقال عليه السّلام : ( فاللّه اللّه في عاجل البغي و آجل و خامة الظلم و سوء عاقبة الكبر ) أى اتقوا اللّه سبحانه و احذروه تعالى فيما يترتّب على البغي و الظلم عاجلا و آجلا من العقوبات الدنيويّة و الاخروية ، و الاتيان في الأوّل بالعاجل و في الثاني بالآجل لمجرّد التفنن لا للاختصاص . و المعانى المتقدّمة للبغى كلّها محتملة هنا إلاّ أنّ الأنسب الأظهر بمساق الخطبة أنّ المراد به العدول عن الحقّ و التجاوز عن الحد او السّعى فى الفساد ، أو الخروج عن طاعة الامام و أمّا سوء عاقبة الكبر فلكونه مؤدّيا إلى الهلاك الاخروى الموجب للعذاب الأليم و النكال العظيم كما يفصح عنه تعليله وجوب الحذر عنه أو عنه و عن سابقيه بقوله : ( فانّها مصيدة ابليس العظمى ) الّتى يصيد بها القلوب و يأخذها و يملكها أخذ الصياد للصيّد بشركه و حبائله . قال الشارح البحرانى : و وصفها بالعظم باعتبار قوّة الكبر و كثرة ما يستلزمه من الرذائل . ( و مكيدته الكبرى ) أى خديعته الكبيرة و كيده القوى ، لأنّه يحسّنه فى نظر المتكبّر و يزيّنه و يذكر محاسنه مع أنها مقابح في الواقع ، فيوقعه فيه بتمويهه [ 359 ] و تلبيسه من حيث لا يعلم . و وصفه بالكبر لما نبّه عليه بقوله ( الّتى تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ) فانّ تزيين ما فى باطنه تلك المفسدة العظيمة و ذلك السّم الناقع ، و تحسينه في نظر المتكبّر و ايقاعه له فيها من حيث لا يشعر إن هو إلاّ كيد عظيم و حيلة كبيرة . و كنّى بتساورها عن شدّة تأثيرها و حدّتها فى القلوب ، و شبّهه بمساورة السّموم القاتلة تأكيدا للشدّة و توضيحا لها ، بل نقول إنّها أشدّ تأثيرا منها ، لأنّ تأثير السموم فى البدن و تأثير تلك الخصلة الذميمة فى القلب ، و الأوّل موجب للألم الجسمانى و الهلاك الدنيوى ، و الثانى للألم الرّوحانى و الهلاك الاخروى . و قوله ( فما تكدى أبدا و لا تشوى أحدا ) تفريع على التشبيه و توضيح لوجه الشبه ، يعنى أنّ السّموم القاتلة كما لا يمنع من تأثيرها فى الأبدان مانع ، و لا يقاومها شى‏ء من الطبايع ، و لا تخطى من اصابة مقاتل احد من آحاد الناس ، فكذلك تلك المكيدة لابليس لا يردّها من مساورة القلوب شي‏ء أصلا ، و لا يدفعها منها دافع أبدا ، و لا يكاد أن يقاومها أحد من النّاس أو يقابلها واحد من العقول ، فتخطى من أصابتها و اهلاكها . و لمزيد توكيد العموم المستفادة من قوله لا تشوى أحدا من حيث كونه نكرة في سياق النفي أتى بقوله ( لا عالما بعلمه و لا مقلاّ في طمره ) يعني أنّ العالم مع ماله من الكياسة و العلم بقبح هذه الصّفة الخبيثة و كونها من مكائد ابليس لا يكاد ينجو منها فضلا عن الجاهل ، و كذلك المقلّ المفتقر مع فقره و اعوازه للمال الّذى يتكبّر به لا يخلص من تلك المكيدة فكيف بالغني الواجد لأسباب الطغيان و الخيلاء ، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى ، هذا . و لما كانت الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح و المفاسد الكامنة كما عليه بناء العدلية من الامامية و المعتزلة ، و كان جعل العبادات الموظفة من الشارع لتحصيل تلك المصالح و دفع هذه المفاسد و نبه عليه السّلام على أنّ في الكبر مفسدة عظيمة و سوء العاقبة و أنّه بمنزلة السموم القاتلة أشار بقوله : [ 360 ] ( و عن ذلك ما حرس اللّه عباده المؤمنين بالصّلوات و الزّكوات و مجاهدة الصيام في الأيام المفروضات ) إلى أنّ وجود هذه المفاسد في الكبر صار علّة و منشئا لجعل تلك العبادات ، فانها لاشتمالها على التواضع و التّذلّل المنافي للكبر و المضادّ له أمر اللّه سبحانه عباده المؤمنين بها حراسة لهم و حفظا عن الكبر و مفاسده العظيمة ، و حثّا على التواضع و مصالحه الخطيرة كما أمر بالحجّ مع ماله من الكيفيّات المخصوصة و باتباع الرّسل مع ما لهم من الذّل و المسكنة لهذه النكتة أيضا حسبما عرفت في الفصل المتقدّم تفصيلا . أما اشتمال الصلاة على التواضع و تنافيها للتكبّر فلكون مدارها بأفعالها و أركانها و أجزائها و شرايطها على ذلك كما يأتي ذكره في كلامه عليه السّلام . و أمّا كون ذلك علّة لجعلها و تشريعها فيدلّ عليه صريحا ما رواه في الفقيه قال : كتب الرضا علي بن موسى عليهما السّلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله : انّ علّة الصلاة أنها إقرار بالرّبوبيّة للّه تعالى ، و خلع الانداد و قيام بين يدى الجبّار جل جلاله بالذّل و المسكنة و الخضوع و الاعتراف و الطلب للاقالة من سالف الذّنوب ، و وضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظاما للّه عزّ و جلّ ، و أن يكون ذاكرا غير ناس و لا بطر ، و يكون خاشعا متذلّلا راغبا طالبا للزّيادة في الدّين و الدنيا ، مع ما فيه من الايجاب و المداومة على ذكر اللّه بالليل و النهار لئلا ينسي العبد سيّده و مدبّره و خالقه ، فيبطر و يطغى ، و يكون في ذكره لربّه و قيامه بين يديه زجرا عن المعاصي و مانعا له من الفساد . و هذه الرواية 1 كما دلّت على كون الصلاة مانعة من الكبر ، فكذا دلّت ----------- ( 1 ) و التذييل بهذا الكلام نظرا إلى جعل الضمير فى قوله ( ع ) فانها مصيدة ابليس راجعا الى البغى و الظلم و الكبر جميعا لا الاخير فقط و إلى جعل المشار إليه بقوله و عن ذلك ما حرس اللّه مساورة جميع هذه المعاصى الثلاث للقلوب لا الى مساورة خصوص الكبر فتدبر جيدا « منه ره » [ 361 ] على كونها مانعة من البغي و الظلم المتقدّم ذكرهما في كلامه عليه السّلام و غيرهما من المعاصي جميعا ، و هو نصّ قوله تعالى « انّ الصّلوة تنهى عن الفحشاء و المنكر » . و أمّا اشتمال الزكاة على التواضع فلأنّها شكر للنعمة المالية كما أنّ العبادات البدنية شكر للنعمة البدنيّة و ظاهر أنّ شكر النعمة ملازم للتذلّل و مناف للتكبّر على المنعم ، و من حيث إنها مستلزمة للتعاطف و الترحّم على الفقراء و الضعفاء و المساكين تلازم الايتلاف بهم و تنافي التكبّر عليهم أيضا كما يدلّ على ذلك : ما رواه فى الوسائل عن الصدوق « ره » باسناده عن محمّد بن سنان عن الرضا عليه السّلام أنه كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : إنّ علة الزكاة من أجل قوت الفقراء و تحصين أموال الأغنياء ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ كلّف أهل الصّحة القيام بشان أهل الزمانة و البلوى ، كما قال اللّه تبارك و تعالى لتبلونّ في اموالكم و انفسكم في أموالكم إخراج الزكاة و في أنفسكم توطين الأنفس على الصبر ، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم اللّه عزّ و جلّ ، و الطمع في الزيادة مع ما فيه من الزيادة و الرأفة و الرّحمة لأهل الضعف و العطف على أهل المسكنة و الحثّ لهم على المواساة ، و تقوية الفقراء و المعونة لهم على أمر الدّين ، و هو « مو » عظة لأهل الغنى و عبرة لهم ليستدلّوا على فقراء الآخرة بهم ، و ما لهم من الحثّ في ذلك على الشكر للّه تبارك و تعالى لما خوّلهم و أعطاهم ، و الدّعاء و التضرّع و الخوف من أن يصيروا مثلهم في امور كثيرة في أداء الزكاة و الصّدقات و صلة الأرحام و اصطناع المعروف . و أمّا تضمّن الصيام للتّذلّل و تنافيه للتكبّر فلكونه موجبا لكسر سورة النفس الأمارة و ذلّتها ، و سببا لتباعد الشيطان عنه ، و اندفاع وسوسته المنبعثة عنها الكبر و يرشد الى ذلك : ما رواه في الفقيه قال : و كتب أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليهما السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله : علّة الصّوم عرفان مسّ الجوع و العطش ليكون ذليلا مستكينا [ 362 ] مأجورا محتسبا صابرا ، و يكون ذلك دليلا له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات ، واعظا له في العاجل دليلا على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر و المسكنة في الدّنيا و الآخرة . و في الفقيه أيضا قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأصحابه : ألا اخبركم بشي‏ء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كتباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : الصّوم يسوّد وجهه ، و الصّدقة تكسر ظهره ، و الحب في اللّه و الموازرة على العمل الصالح يقطع و تينه ، و لكلّ شي‏ء زكاة و زكاة الأبدان الصّيام ، هذا . ثمّ المراد بمجاهدة الصّيام بذل الجهد له و احتمال مشاقّه و نسبة المفروضات إلى الأيام من باب المجاز العقلي و الاسناد إلى الزمان كما في مثل نهاره صائم أى الأيام المفروض فيها الصيام . هذا تفصيل حصول الحراسة بهذه العبادات عن الكبر و أشباهه ، و إجماله ما أشار اليه عليه السّلام بقوله ( تسكينا لأطرافهم ) أى للأعضاء و الجوارح . روى في الوسائل عن عليّ عليه السّلام في حديث الأربعمأة قال : ليخشع الرجل في صلاته فانّ من خشع قلبه للّه عزّ و جلّ خشعت جوارحه ، فلا يعبث بشي‏ء اجلسوا في الركعتين حتّى تسكن جوارحكم ثمّ قوموا فانّ ذلك من فعلنا ، إذا قام أحدكم من الصلاة فليرجع يده حذاء صدره ، فاذا كان أحدكم بين يدى اللّه جلّ جلاله فيتحرى بصدره و ليقم صلبه و لا ينحنى . و روى في مجمع البيان عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أما أنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه . ( و تخشيعا لأبصارهم ) . روى في الكافي عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع و الاقبال على صلاتك فانّ اللّه تعالى يقول الّذينهم في صلوتهم خاشعون . روى في الصافي عن القمي في تفسير هذه الآية قال غضّك بصرك في صلاتك [ 363 ] و أقبالك عليها . و في الصافى روى أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته ، فلما نزلت الآية طأطأ رأسه و رمى ببصره إلى الأرض . ( و تذليلا لنفوسهم و تخفيضا لقلوبهم ) باستحضار عظمة اللّه عزّ و جلّ و استشعار هيبته . فقد قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق . و قال الصادق عليه السّلام : لا تجتمع الرغبة و الرهبة في قلب أحد إلاّ وجبت له الجنّة فاذا صلّيت فاقبل بقلبك على اللّه عزّ و جلّ الحديث . و فى الوسائل عن الخصال باسناده عن عليّ عليه السّلام في حديث الأربعمأة قال عليه السّلام لا يقومنّ أحدكم في الصلاة متكاسلا و لا ناعسا ، و لا يفكرّن في نفسه فانه بين يدى ربّه عزّ و جلّ و إنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه . ( و اذهابا للخيلاء ) و التكبّر ( عنهم ) و علّل ذلّة النفوس و خفض القلوب و إذهاب الخيلاء بقوله ( لما في ذلك ) فهو علّة للعلّة أى في ذلك المحروس به المتقدّم ذكره ( من تعفير عتاق الوجوه ) أى كرايمها و شرايفها و احرارها ( بالتراب تواضعا ) و تذلّلا ( و إلصاق كرايم الجوارح ) و هى المساجد السّبعة ( بالأرض تصاغرا ) . روى في الفقيه عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال : كان موسى ابن عمران عليه السّلام إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض و خدّه الأيسر بالأرض . قال : و قال أبو جعفر عليه السّلام أوحى اللّه إلى موسى بن عمران عليه السّلام أتدرى لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي ؟ قال موسى عليه السّلام : لا يا ربّ ، قال : يا موسى إني قلبت عبادى ظهرا و بطنا فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لى نفسا منك ، يا موسى إنك إذا صلّيت وضعت خديك على التراب . ( و لحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلّلا ) فانّ الجوع يلحق البطن بالمتن و يوجب ذلة النفس و قمعها عن الانهماك في الشهوات و زوال الأشر و البطر و الخيلاء عنها ( مع ما في الزكاة من ) علّة اخرى لتشريعها و هو ( صرف ثمرات الأرض ) من الغلاّت [ 364 ] الأربع ( و غير ذلك ) من الأنعام الثلاثة و النقدين ( إلى أهل المسكنة و الفقر ) المنصوص بهم في الكتاب الكريم بقوله إنّما الصدقات للفقراء و المساكين و المسكين أسوء حالا من الفقير . روى في الكافي عن أبي بصير قال : قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام : قول اللّه عزّ و جلّ إنما الصّدقات للفقراء و المساكين قال عليه السّلام : الفقير الّذى لا يسأل الناس و المسكين أجهد منه و البائس أجهدهم ، فكلّ ما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره ، و كلّ ما كان تطوّعا فإسراره أفضل من إعلانه ، و لو أنّ رجلا يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية كان ذلك حسنا جميلا . ( انظروا إلى ما فى هذه الأفعال ) و هى الصلاة و الزكاة و الصّيام ( من قمع نواجم الفخر ) أى اذلال ما تبدو و تظهر من خصال الفخر و الخيلاء ( و قدع طوالع الكبر ) أى كفّ ما تطلع من آثار الكبر و الاعتلاء . و ان شئت مزيد المعرفة بأسرار هذه العبادات أعنى الصّيام و الصلاة و الزكاة و بشرايطها و آدابها و علل وجوبها و غير ذلك مما يتعلّق بها ، فعليك بمراجعة شرح المختار المأة و التسع ، هذا . و لما حذّرهم عليه السّلام من البغى و الظلم و الكبر أردفه بتوبيخهم على العصبيّة و العناد من دون علّة مقتضية لذلك فقال : ( و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشي‏ء من الأشياء إلاّ عن علة ) مقتضية لتعصّبه حاملة له عليه ( تحتمل ) و فى بعض النسخ تحمل ( تمويه الجهلاء ) أى تلبيس الأمر عليهم حتّى يزعمون لمكان جهالتهم صحّة تلك العلّة مع بطلانها في نفس الأمر ( أو حجّة ) و دليل ( تليط بعقول السفهاء ) أى تلتصق بعقولهم و يظنّون بمالهم من السفاهة حقّيتها مع أنها باطلة في الحقيقة ( غيركم ) فيقبلونها أى ما وجدت أحدا يتعصّب بشي‏ء إلاّ وجدت تعصّبه ناشئا من علّة غيركم ، و بعبارة اخرى وجدت كلّ أحد يتعصّب لعلّة إلاّ انتم . ( فانّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب و لا علة ) حاملة لتمويه الجهلاء و ملتصقة [ 365 ] بعقول السفهاء . و ليس المراد نفى مطلق السبب للعصبيّة ، لما قد مرّ في شرح الفصل الأوّل و الثالث من الخطبة من أنّ سبب تعصّبهم و ثوران الفتنة بينهم هو اعتزاء الجاهلية الّذى كان بينهم ، و إنّما المراد نفى سبب ذلك الاعتزاء ، يعنى أنكم تتعصّبون لأمر و هو الاعتزاء ليس لذلك الأمر سبب معروف ظاهر مقبول و لو عند الجهال فاذا لم يكن للاعتزاء سبب مقبول تكون سببيّته للعصبيّة أيضا سخيفة هيّنة ، فيكون تعصّبهم له بمنزلة التعصّب لا لعلّة ، هذا . و لما ذكر اجمالا أنّ تعصّب كلّ متعصّب من العالمين فانّما هو علّة مقتضية له أراد تفصيل ذلك الاجمال بالاشارة إلى بعض علل التعصّب الناشى من المتعصّبية فقال : ( أما إبليس ) اللعين و هو رئيس المتعصّبين و المستكبرين ( فتعصّب على آدم لأصله ) و استكبر عليه بشرف جوهره على زعمه لكونه مخلوقا من النار ( و طعن عليه فى خلقته ) لكونه مخلوقا من الطين ، ففضل نفسه عليه قياسا للفرع على الأصل فى الشرف و الخسة ( فقال أنا نارىّ و أنت طيني ) فكانت علة تعصّبه أنه تعزّز بخلقة النار و استوهن خلق الصلصال . روى في الكافى عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إنّ الملائكة يحسبون أنّ ابليس منهم و كان فى علم اللّه أنّه ليس منهم فاستخرج ما فى نفسه بالحميّة و الغضب ، فقال خلقتنى من نار و خلقته من طين . و قد مرّ تفصيل الكلام فى قياسه و بطلان قياسه فى شرح الفصل الحادى عشر من المختار الأوّل و شرح الفصل الأوّل من هذا المختار الذى نحن بصدد شرحه ، من أراد الاطلاع عليه فليراجع الفصلين . ( و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم ) أى الامم المترفة و هم الذين أطغتهم النعمة أو المتنعّمون الذين لا يمنع من تنعّمهم أو المتروكون يصنعون ما يشاؤن و لا يمنعون ( فتعصّب و الآثار مواقع النعم ) . [ 366 ] قال المحدّث العلاّمة المجلسىّ « ره » : مواقع النعم هى الأموال و الأولاد ، و آثارها هى الترفّه و الغنى و التلذّذ بها . و بمثله قال الشارح البحرانى حيث قال : مواقعها هى الأموال و الأولاد ، و آثار تلك المواقع هى الغنى و الترفّه بها و التنعّم و الالتذاذ و كان تعصّبهم لذلك و فخرهم به ، ثمّ قال : و يحتمل أن يريد بالنعم الأموال و الأولاد و بمواقعها وقوعها ، فانه كثيرا ما يريد بمفعل المصدر و آثارها هى الغنى و الترفّه كما قدّمنا . و كيف كان فالمقصود أنّ تعصّب المترفين و تفاخرهم إنما كان بسبب كثرة الأموال و الأولاد كما أقرّوا به ( فقالوا نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذّبين ) و هو اقتباس من الآية الشريفة في سورة سباء قال سبحانه و ما أرسلنا في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا بما ارسلتم به كافرون . و قالوا نحن اكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذّبين . قال الطبرسي « و ما ارسلنا في قرية من نذير » أى من نبىّ مخوف باللّه تعالى « إلاّ قال مترفوها » أى جبابرتها و اغنياؤها المتنعّمون فيها « إنا بما أرسلتم به كافرون » و في هذا بيان للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ أهل قريته جروا على منهاج الأوّلين ، و إشارة إلى أنّه كان اتباع الأنبياء فيما مضى الفقراء و أوساط الناس دون الأغنياء . ثمّ بين سبحانه علّة كفرهم بأن قال و قالوا نحن اكثر أموالا و أولادا أى افتخروا بأموالهم و أولادهم ظنّا بأنّ اللّه سبحانه انما خوّلهم المال و الولد كرامة لهم عنده فقالوا إذا رزقنا و حرمتم فنحن اكرم منكم و أفضل عند اللّه تعالى فلا يعذّبنا على كفرنا بكم و ذلك قوله و ما نحن بمعذّبين و لم يعلموا أنّ الأموال و الأولاد عطآء من اللّه تعالى يستحقّ به الشكر عليهم ، و ليس ذلك للاكرام و التفضيل ، هذا . و لمّا وبّخهم على التعصّبات الباطلة أرشدهم إلى التعصّبات المرغوبة في الشريعة فقال : ( فإن كان و لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ) و في بعض النسخ لمكارم الأخلاق و المعنى واحد ، و قد مضى تفصيلها في شرح الفصل الثالث من الخطبة [ 367 ] السادسة و الثمانين ، و أقول هنا : روى في الوسائل من الخصال عن الحسن بن عطية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : المكارم عشر فان استطعت أن تكون فيك فلتكن فانها تكون فى الرجل و لا تكون في ولده ، و تكون في ولده و لا تكون في أبيه ، و تكون في العبد و لا تكون في الحرّ : صدق النّاس « البأس خ » ، و صدق اللسان ، و ادآء الامانة ، و صلة الرحم ، و إقراء الضيف ، و إطعام السائل ، و المكافاة على الصنايع ، و التذمّم للجار ، و التذمّم للصّاحب ، و رأسهنّ الحياء . و فى الوسائل من معانى الأخبار و أمالى الصّدوق عن حماد بن عثمان قال : جاء رجل الى الصادق عليه السّلام فقال : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبرني عن مكارم الأخلاق فقال : العفو عمّن ظلمك ، و صلة من قطعك ، و إعطاء من حرمك ، و قول الحقّ و لو على نفسك ( و محامد الأفعال ) . روى في الوسائل من المجالس عن المفضّل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام إنّه قال : عليكم بمكارم الأخلاق ، فانّ اللّه عزّ و جلّ يحبّها ، و إيّاكم و مذامّ الأفعال فانّ اللّه عزّ و جلّ يبغضها ، و عليكم بتلاوة القرآن « إلى أن قال » و عليكم بحسن الخلق فانّه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ، و عليكم بحسن الجوار فانّ اللّه جلّ جلاله أمر بذلك ، و عليكم بالسّواك فانّه مطهّرة و سنّة حسنة ، و عليكم بفرائض اللّه فأدّوها ، و عليكم بمحارم اللّه فاجتنبوها . ( و محاسن الامور الّتى تفاضلت فيها المجداء و النجداء ) أى اولوا لشّرف و الكرم و الشجاعة ( من بيوتات العرب و يعاسيب القبايل ) أى رؤسائها و ساداتها و ذلك : مثل ما رواه في الكافي عن حبيب بن ثابت عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال : لم يدخل الجنّة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطلب ، و ذلك حين أسلم غضبا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث السلا الذى القى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانّ تعصّبه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دخوله في الاسلام إنما نشأ من فرط الغيرة و العصبيّة بمقتضى سودده و شرف نسبه و علوّ حسبه و هكذا كان عادة الأشراف و الأنجاد فانهم انّما كانوا يتعصّبون و يتفاضلون ( بالأخلاق الرغيبة ) المرغوب فيها ( و الأحلام ) أى العقول ( العظيمة و الأخطار ) أى الأقدار [ 368 ] و المراتب ( الجليلة و الآثار المحمودة ) . و قد اشير اليها في الحديث النّبوي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المروىّ في الوسائل قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّ خياركم أولو النّهى ، قيل : يا رسول اللّه من أولو النهى ؟ قال : هم اولو الأخلاق الحسنة ، و الأحلام الرزينة ، و صلة الأرحام ، و البررة بالأمّهات و الآباء ، و المتعاهدون بالجيران و اليتامى ، و يطعمون الطعام و يفشون السلام فى العالم و يصلّون و الناس نيام غافلون . و لما قال : فان كان و لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الأخلاق و محامد الأفعال نبّه على تفصيلها بقوله ( فتعصّبوا لخلال الحمد ) أى للخصال المحمودة و أورد منها هنا عشرا . الاولى ما أشار إليه بقوله ( من الحفظ للجوار ) يحتمل أن يكون المراد به حسن المجاورة و حفظ حقوق الجيران . ففى الكافى عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : حسن الجوار يعمر الدّيار و ينسى الأعمار . و عن أبى مسعود قال : قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام : حسن الجوار زيادة في الأعمار و عمارة الدّيار . و في الوسائل عن الصّدوق باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث المناهي قال : من اذى جاره حرّم اللّه عليه ريح الجنّة و مأواه جهنّم و بئس المصير ، و من ضيّع حقّ جاره فليس منّا ، و ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورثه . قال بعض الأعلام : ليس حسن الجوار كفّ الأذى فقط ، بل تحمّل الأذى منه أيضا ، و من جملة حسن الجوار ابتداؤه بالسلام ، و عيادته في المرض ، و تعزيته في المصيبة ، و تهنيته في الفرح ، و الصفح عن زلاّته ، و عدم التطلّع على عوراته ، و ترك مضايقته فيما يحتاج إليه من وضع جذوعه على جدارك ، و تسلّط ميزابه إلى دارك [ 369 ] و ما أشبه ذلك . و يحتمل أن يكون المراد بالجوار أن تعطى رجلا ذمّته و أمانا يكون بذلك جارك ، قال الطريحى : و فى الحديث أيّما رجل نظر إلى رجل من المشركين فهو جارحتى يسمع كلام اللّه أى في أمن لا يظلم و لا يؤذي و على هذا فمعنى الحفظ للجوار هو المحافظة على ما اعطيته من الذمام و القيام بلوازمه و عدم الاضاعة له . ( و ) الثانية ( الوفاء بالذمام ) أى الوفاء بالعهد و الأمان . روى في الوسائل عن الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفليّ عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت له : ما معنى قول النّبي صلّى اللّه عليه و آله : المسلمون تتكافا دماؤهم و يسعى بذمّتهم أدناهم ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لو أنّ جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال : اعطونى الأمان حتى ألقى صاحبكم و اناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به . و فيه عن الصّدوق بسنده عن حبّة العرنى قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : من ائتمن رجلا على دمه ثمّ خاس به فأنا من القاتل برى‏ء و إن كان المقتول في النار . ( و ) الثالثة ( الطاعة للبرّ ) قيل : البرّ اسم جامع للخير كلّه فيكون المراد من طاعته الانقياد له و الاتيان بالخيرات ، و يجوز أن يكون بمعنى البارّ أو بحذف المضاف أى لذى البرّ على حدّ قوله تعالى ليس البرّ أن تأتوا البيوت من ظهورها و لكنّ البرّ من اتّقى أى البارّ ، أو ذو البرّ هو المتّصف بالتقوى ، و على هذا فالمراد بالطاعة للبرّ هو الطاعة للأبرار المتّقين . ( و ) الرابعة ( المعصية للكبر ) أى المجانبة و المخالفة له بالملازمة للتواضع و انّما عبر بلفظة المعصية لتقدّم لفظ الطاعة و كونها في قبالها ، فعبّر بها لحسن المجاورة و مراعاة للنظير و هو من محاسن البلاغة . ( و ) الخامسة ( الأخذ بالفضل ) يجوز أن يراد بالفضل التفضّل و الاحسان على الغير ، و أن يراد به العمل الصالح و على أيّ تقدير فأخذه عبارة عن المواظبة عليه و بهما فسّر قوله سبحانه و يمتّعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمّي و يؤت كلّ ذى [ 370 ] فضل فضله قال أمين الاسلام الطبرسى قيل : إنّ الفضل بمعنى التفضّل و الافضال أى و يؤت كلّ ذى إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل بيد أو رجل جزاء إفضاله ، فيكون الهاء في فضله عايدا إلى ذى الفضل ، و قيل : إنّ معناه يعط كلّ ذي عمل صالح فضله أى ثوابه على قدر عمله ، فانّ من كثرت طاعته في الدّنيا زادت درجاته في الجنّة و على هذا فالأولى أن تكون الهاء في فضله عائدا إلى اسم اللّه . أقول : و يرشد إلى المعنيين ما روى في الكافي عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ ابن الحسين عليهما السّلام قال : سمعته يقول : إذا كان يوم القيامة جمع اللّه تبارك و تعالى الأوّلين و الآخرين في صعيد واحد ثمّ ينادى مناد أين أهل الفضل ؟ قال : فيقوم عنق من الناس فتلقّاهم الملائكة فيقولون : ما كان فضلكم ؟ فيقولون : كنّا نصل من قطعنا ، و نعطى من حرمنا ، و نعفو عمن ظلمنا ، قال : فيقال لهم : صدقتم ادخلوا الجنّة . ( و ) السادسة ( الكفّ عن البغى ) أى عن الظلم و الاعتداء و الاستطالة و العدول عن الحقّ . روى في الكافي عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ أعجل الشرّ عقوبة البغي . و عن السكونى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : يقول ابليس لجنوده : القوا بينهم الحسد و البغي فانّهما يعدلان عند اللّه الشرك . أى يعدلانه في الاخراج من الدّين و العقوبة و التأثير في فساد نظام الخلق . ( و ) السابعة ( الاعظام للقتل ) أى تعظيمه و عدّه عظيما ، و المراد قتل النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ فانّه من أكبر الكبائر و أعظم الذنوب قال تعالى و من يقتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّم خالدا فيها و غضب اللّه عليه و لعنه و أعدّ له عذابا عظيما » روى الصّدوق في عقاب الأعمال عن جابر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال أوّل ما يحكم اللّه في القيامة في الدّماء فيوقف ابنى آدم فيفصل بينهما ، ثمّ الذين يلونهم من أصحاب الدّماء حتّى لا يبقى منهم أحد ، ثمّ الناس بعد ذلك فيأتي المقتول قاتله [ 371 ] فيشخب دمه في وجهه فيقول : هذا قتلنى ، فيقول أنت قتلته ، فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا . و عن سعيد الأزرق عن أبى عبد اللّه عليه السّلام فى رجل قتل رجلا يقال له : مت أىّ ميتة شئت إن شئت يهوديا و إن شئت نصرانيا و ان شئت مجوسيا . و عن أبى الجارود عن محمّد بن علىّ صلوات اللّه عليهما قال : ما من نفس يقتل برّة و لا فاجرة إلاّ و هو يحشر يوم القيامة معلّقا بقاتله بيده اليمنى و رأسه بيده اليسرى و أوداجه تشخب دما يقول : يا ربّ سل هذا بم قتلنى ، و إن « فان ظ » كان قتله فى طاعة اللّه عزّ و جلّ أثيب القاتل و ذهب بالمقتول إلى النار ، و إن كان فى طاعة فلان قيل له : اقتله كما قتله ، ثمّ يفعل اللّه فيهما مشيّته . ( و ) الثامنة ( الانصاف للخلق ) روى في الكافى عن السّكونى عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : سيّد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ، و مواساة الأخ فى اللّه ، و ذكر اللّه على كلّ حال . و عن أبى حمزة الثمالى عن علىّ بن الحسين عليهما السّلام قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في آخر خطبته : طوبى لمن طاب خلقه و طهرت سجيّته و صلحت سريرته و حسنت علانيته و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله ، و أنصف الناس من نفسه و عن زرارة عن أبى جعفر عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام فى كلام له : ألا انّه من ينصف الناس من نفسه لم يزده اللّه إلاّ عزّا . و عن محمّد بن مسلم عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب . رجل لم تدعه قدرته في حال فى غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده ، و رجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة ، و رجل قال بالحقّ فيما له و عليه . ( و ) التاسعة ( الكظم للغيظ ) روى فى الكافى عن مالك بن حصين السكونى قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : ما من عبد كظم الغيظ إلاّ زاده اللّه عزّ و جلّ عزّا فى الدّنيا و الآخرة ، و قد قال اللّه عزّ و جلّ و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و اللّه [ 372 ] يحبّ المحسنين و أثابه اللّه مكان غيظه ذلك . و عن سيف بن عميرة قال حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ اللّه قلبه يوم القيامة رضاه . و عن عبد اللّه بن منذر عن الوصافى عن أبى جعفر عليه السّلام قال : من كظم غيظا و هو يقدر على إمضائه حشا اللّه قلبه أمنا و ايمانا يوم القيامة . ( و ) العاشرة ( اجتناب الفساد فى الأرض ) و هو الدّعوة إلى عبادة غير اللّه أو أخذ المال و قتل النفس بغير حقّ أو العمل بالمعاصى ، و بها جميعا فسّر قوله سبحانه تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا فى الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين هذا . و لما أمرهم بأخذ مكارم الخصال و محامد الأفعال و أن يكون تعصّبهم لها أردفه بالتحذير عن مذامّ الأفعال و ذمايم الأعمال بالتنبيه على سوء ما نزل بآخذيها من العذاب الأليم و الخزى العظيم و هو قوله : ( و احذروا ما نزل بالامم ) السابقين ( قبلكم من المثلات ) و العقوبات ( بسوء الأفعال و ذميم الأعمال ) أى سوء أفعالهم و ذميم أعمالهم . ( فتذكّروا فى الخير و الشرّ أحوالهم ) أى تذكّروا اختلاف حالاتهم و لا حظوا تفاوتها فى الخير الناشى من الأخذ بصالح الأعمال و اللّزوم للايتلاف و الاتّفاق ، و الشّر الناشى من الأخذ بسوء الأفعال و سلوك مسلك العناد و الافتراق . ( و احذروا أن تكونوا أمثالهم ) بأن ينزل عليكم المثلاث أيضا بسوء أفعالكم و ذميم أعمالكم . ( فاذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم ) بالخير و الشرّ و النعمة و النقمة . ( ف ) اسلكوا مسلك الخير و ( الزموا كلّ أمر لزمت العزّة به حالهم ) أى شأنهم ( و زاحت الأعداء له عنهم ) أى زالت و بعدت أعداؤهم عنهم لأجل ذلك الأمر ( و مدّت العافية فيه عليهم ) أى انبسطت و جرت العافية عليهم لأجله و العافية هو كفّ أذى النّاس عنهم و كفّ أذاهم عن النّاس ( و انقادت النعمة له معهم ) لكونه [ 373 ] سببا معدّا لافاضة النعم عليهم ( و وصلت الكرامة عليهم حبلهم ) قال البحرانى استعار لفظ الوصل لاجتماعهم عن كرامة اللّه لهم حالكونهم على ذلك الأمر و رشّح بذكر الحبل . ( من الاجتناب للفرقة و اللزوم للالفة ) بيان للأمر الموجب لعزّتهم و لساير ما تقديم من الخصايص الأربعة 1 يعنى أنّ الأمر الذى لزمت العزّة به شأنهم هو التجنب من الاختلاف و الافتراق و اللزوم للمحبّة و الايتلاف ( و التحاضّ ) أى الحثّ و الترغيب من الطرفين ( عليها و التواصى ) أى وصيّة بعضهم بعضا ( بها ) أى بتلك الالفة . و اتركوا مسلك الشرّ ( و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ) أى ظهرهم ( و أوهن منّتهم ) أى قوّتهم . ( من تضاغن القلوب ) يعنى أنّ الأمر الموجب لكسر ظهرهم هو انطواء قلوبهم على الحقد ( و تشاحن الصّدور ) أى تباغضها و إعلانها بالعداوة ( و تدابر النفوس ) أى تقاطعها و مصارمتها و هجران بعضها عن بعض و أصله أنّ من يعادى أحدا يولّيه دبره بعداوته و يعرض عنه بوجهه ( و تخاذل الأيدى ) أى لا ينصر بعضهم بعضا ، و إضافة التخاذل إلى الأيدى لأنّ الأغلب أن يكون التناصر بها . و لما ذكر على وجه العموم أنّ كلّ أمّة من الامم السابقة ترافدت أيديهم و تناصروا و تعاونوا كان ذلك سببا لعزّتهم و ابعاد الأعداء عنهم ، و كلّ امّة افترقوا و تقاطعوا استلزم ذلك ذلّهم و كسر شوكتهم و ضعف قوّتهم ، عقّبه بتذكير حال خصوص المؤمنين الماضين ، و أنّ اجتماع كلمتهم جعلهم ملوكا في أقطار الأرضين و اختلافها أوجب خلع لباس العزّ عنهم و كونهم مقهورين بعد ما كانوا قاهرين و هو قوله : ( و تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص و البلاء ) أى حال الاختبار و الابتلاء ( ألم يكونوا أثقل الخلايق أعباء ) أى أثقالا ----------- ( 1 ) و هى ازاحة الاعداء و مدّ العافية و انقياد النعمة و وصل الكرامة ، منه . [ 374 ] ( و أجهد العباد بلاء و أضيق أهل الدّنيا حالا ) و بيّن شدة ابتلائهم و ضيق حالهم بقوله : ( اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ) و المراد بهم إما فراعنة مصر كما سنشير اليه و تقديم ذكرهم في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و الاحدى و الثمانين و يدلّ عليه صريحا : ما فى البحار من تفسير القمّي عن أبي الجارود عن أبى جعفر عليه السّلام في قوله تعالى و قال موسى إلى قوله : ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين فانّ قوم موسى عليه السّلام استعبدهم آل فرعون و قالوا : لو كان لهؤلاء على اللّه كرامة كما يقولون ما سلطنا عليهم ، الحديث أو مطلق العتاة كما قال الشارح المعتزلي ( فساموهم ) أى كلّفوهم و أذاقوهم ( سوء العذاب و جرّعوهم جرع المرار ) أى سقوهم المرار جرعة بعد جرعة ، و يستعار شرب المرار لكلّ من يلقى شديد المشقة . و المراد بسومهم سوء العذاب إمّا خصوص ذبح الأبناء و ترك البنات ، فيكون جرع المرار إشارة إلى ساير شدايدهم ، أو الأعمّ منه و من ساير أعمالهم الشاقة ، فيكون عطف و جرّعوهم جرع المرار ، من قبيل عطف المسبّب على السبب ، يعنى أنهم عذّبوهم بسوء العذاب من الذّبح و غيره ، فاشربوهم بسبب ذلك التعذيب جرع المرار إلى كلّ من المعنيين ذهب المفسّرون في تفسير قوله تعالى و إذ نجّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبّحون أبناءكم و يستحيون نساءكم و في ذلكم بلاء من ربّكم عظيم . قال امين الاسلام الطبرسي : فرعون اسم لملك العمالقة كما يقال لملك روم قيصر ، و لملك الفرس كسرى ، و لملك الترك خاقان ، و لملك اليمن تبّع ، فهو على هذا بمعنى الصفة ، و قيل : إنّ اسم فرعون مصعب بن الرّيان ، و قال محمد بن إسحاق : هو الوليد بن مصعب . قال الطبرسي : فصّل سبحانه في هذه الآية النعمة الّتي أجملها فيما قبل فقال : [ 375 ] و اذكروا إذ نجّيناكم اى خلصناكم ، من قوم فرعون و أهل دينه ، يسومونكم يلزمونكم سوء العذاب ، و قيل : يذيقونكم و يكلّفونكم و يعذّبونكم ، و الكلّ متقارب و اختلفوا في العذاب الذى نجّاهم اللّه منه فقال بعضهم : ما ذكر في الآية من قوله يذبّحون أبناءكم و يستحيون نساءكم و هذا تفسيره . 1 و قيل : أراد به ما كانوا يكلّفونهم من الأعمال الشاقّة ، فمنها أنّهم جعلوهم أصنافا فصنف يخدموهم ، و صنف يحرثون لهم ، و من لا يصلح منهم للعمل ضربوا عليهم الجزية و كانوا يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم مع ذلك ، و يدلّ عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم يسومونكم سوء العذاب و يذبّحون أبناءكم فعطفه على ذلك يدلّ على أنه غيره ، و معناه يقتلون أبناءكم و يستحيون نساءكم يستبقونهنّ و يدعونهنّ احياء ليستعبدن و ينكحن علي وجه الاسترقاق ، و هذا أشدّ من الذّبح ، و في ذلكم أى في سومكم العذاب و ذبح الأبناء ابتلاء عظيم من ربّكم ، لما خلى بينكم و بينه حتى فعل بكم هذه الأفاعيل . و السبّب في قتل الأبناء أنّ فرعون رأى في منامه كان نارا أقبلت من بيت المقدّس حتى اشتملت على بيوت مصر فاحترقتها و احترقت القبط و تركت بنى إسرائيل ، فهاله ذلك و دعا السّحرة و الكهنة ، و القافة فسألهم عن رؤياه ، فقالوا إنه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك و زوال ملكك و تبديل دينك ، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل و جمع القوابل فقال لهنّ لا يسقط في أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قتل و لا جارية إلاّ تركت و وكّل بهنّ ، فكنّ يفعلن ذلك و أسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل ، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له : إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل فيذبح صغارهم و يموت كبارهم و يوشك أن يقع العمل علينا ، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة و يتركوا سنة فولد ----------- ( 1 ) و فى تفسير الامام عليه السلام و كان من عذابهم الشديد انه كان فرعون يكلفهم عمل البناء و الطين و يخاف ان يهربوا من العمل فامرهم بتقييدهم و كانوا ينقلون ذلك على السلاليم الى السطوح فربما سقط الواحد منهم فمات او زمن فلا يحقلون بهم ، الحديث . [ 376 ] هارون في السنة الّتى لا يذبحون فيها فترك ، و ولد موسى في السّنة الّتي يذبحون فيها . و في البحار عن الثعلبي في كتاب عرايس المجالس لما مات الريان بن الوليد فرعون مصر الأول صاحب يوسف عليه السّلام و هو الذى ولىّ يوسف خزائن أرضه و أسلم على يديه ، فلما مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني ، فدعاه يوسف عليه السّلام إلى الاسلام فأبي ، و كان جبّارا و قبض اللّه تعالى يوسف عليه السّلام في ملكه ثمّ هلك و قام بالملك بعده أخوه أبو العباس بن الوليد بن مصعب بن الريان بن اراشة بن مروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوز بن سام بن نوح عليه السّلام ، و كان أعتى من قابوس و أكبر و أفجر ، و امتدّت أيام ملكه و أقام بنو إسرائيل بعد وفاة يوسف و قد نشروا و كثروا و هم تحت أيدى العمالقة و هم على بقايا من دينهم مما كان يوسف و يعقوب و إسحاق و إبراهيم عليهم السّلام شرعوا فيهم من الاسلام متمسّكين به ، حتى كان فرعون موسى الذى بعثه اللّه إليه و لم يكن منهم فرعون أعتى على اللّه و لا أعظم قولا و لا أقسى قلبا و لا أطول عمرا في ملكه و لا أسوء ملكة لبني إسرائيل منه و كان يعذّبهم و يستعبدهم فجعلهم خدما و خولا و صنفهم في أعماله فصنف يبنون و صنف يحرسون ، و صنف يتولون الأعمال القذرة و من لم يكن من أهل العمل فعليه الجزية كما قال تعالى يسومونكم سوء العذاب . ( فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة و قهر الغلبة ) أى لم يزالوا أذلاّء هالكين مقهورين مغلوبين في أيدى الفراعنة و أتباعهم ( لا يجدون حيلة في امتناع ) منهم ( و لا سبيلا إلى دفاع ) عنهم . ( حتّى إذا ) طالت بهم المدّة و بلغت الغاية المشقّة و الشدّة و ( رأى اللّه سبحانه جدّ الصّبر منهم ) أى رأى منهم أنهم مجدّون في الصّبر ( على الاذى في محبّته و الاحتمال ) أى التحمل ( للمكروه من خوفه ) و خشيته . ( جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ) و من سوء العذاب مخرجا ( فأبدلهم العزّ مكان الذلّ و الأمن مكان الخوف ) كما قال عزّ من قائل و اورثنا القوم الذين كانوا [ 377 ] يستضعفون مشارق الأرض و مغاربها الّتي باركنا فيها و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا و دمّرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون و قال أيضا و لقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين . من فرعون انه كان عاليا من المسرفين . و لقد اخترناهم على علم على العالمين أى نجّينا الذين آمنوا بموسى عليه السّلام من العذاب المهين ، يعنى قتل الأبناء و استخدام النساء و تكليف المشاق و الاستعباد بعد سنين متطاولة و مدد متمادية . روى الصّدوق في كتاب كمال الدّين و اتمام النعمة عن سعيد بن جبير عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين عن أبيه سيّد الشهداء الحسين بن عليّ عن أبيه سيد الوصيّين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته و أهل بيته فحمد اللّه و أثنا عليه ثمّ حدّثهم بشدّة تنالهم تقتل فيها الرجال و تشقّ بطون الحبالى و تذبح الأطفال حتّى يظهر اللّه في القائم من ولد لاوى بن يعقوب و هو رجل أسمر طوال و نعته لهم بنعته فتمسّكوا بذلك ، و وقعت الغيبة و الشدّة على بنى اسرائيل و هم ينتظرون قيام القائم أربعمأة سنة حتّى إذا بشّروا بولادته و رأوا علامات ظهوره و اشتدّت البلوى و حمل عليهم بالحجارة « بالخشب و الحجارة خ ل » . و طلب الفقيه الذى كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر ، و راسلهم « و طلبوا خ ل » فقالوا كنا مع الشدّة نستريح إلى حديثك ، فخرج بهم إلى الصحارى و جلس يحدّثهم حديث القائم و نعته و قرب الأمر ، و كانت ليلة قمراء . فبيناهم كذلك حتّى طلع عليهم موسى عليه السّلام و كان في ذلك الوقت حدث السّن قد خرج من دار فرعون يظهر النزهة ، فعدل عن موكبه و أقبل إليهم و تحته بغلة و عليه طيلسان خزّ . فلمّا رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام اليه و انكبّ على قدمه فقبّلها ثمّ قال : الحمد للّه الذى لم يمتنى حتّى أرانيك ، فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنّه صاحبهم فأكبّوا على الأرض شكرا للّه عزّ و جلّ فلم يزدهم على أن قال : أرجو أن يعجّل [ 378 ] اللّه فرجكم . ثمّ غاب بعد ذلك و خرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب عليه السّلام ما أقام فكانت الغيبة الثانية أشدّ عليهم من الاولى ، و كانت نيفا و خمسين سنة ، و اشتدّت البلوى عليهم . و استتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنّا ، فخرج إلى بعض الصحارى و استدعاهم و طيّب نفوسهم و أعلمهم أنّ اللّه عز و جلّ أوحى إليه أنّه مفرّج عنهم بعد أربعين سنة ، فقالوا بأجمعهم : الحمد للّه ، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد للّه ، فقالوا : كلّ نعمة من اللّه ، فأوحى اللّه إليه قل لهم : قد جعلتها عشرين سنة ، فقالوا : لا يأتي بالخير إلاّ اللّه ، فأوحى اللّه تعالى إليه قل لهم : قد جعلتها عشرا ، فقالوا : لا يصرف السوء إلاّ اللّه ، فأوحى اللّه إليه قل لهم : لا تبرحوا فقد أذنت لكم في فرجكم . فبيناهم كذلك إذ طلع موسى عليه السّلام راكبا حمارا فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه ، و جاء موسى عليه السّلام حتّى وقف عليهم فسلّم عليهم فقال له الفقيه : ما اسمك ؟ قال : موسى ، قال : ابن من ؟ قال : ابن عمران ، قال : ابن من ؟ قال : ابن فاهت بن لاوى بن يعقوب ، قال : بما ذا جئت ؟ قال : جئت بالرّسالة من عند اللّه عزّ و جلّ ، فقام إليه فقبّل يده ثمّ جلس بينهم فطيّب نفوسهم و أمرهم أمره ثمّ فرّقهم ، فكان بين ذلك الوقت و بين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة . ( فصاروا ) أى المؤمنون بعد غرق فرعون و جنوده ( ملوكا حكاما و أئمة أعلاما ) كما يدلّ عليه قوله سبحانه في سورة القصص و نريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين . قال الطبرسى : المعنى أنّ فرعون كان يريد إهلاك بنى اسرائيل و إفنائهم و نحن نريد أن نمنّ عليهم و نجعلهم أئمة أى قادة و رؤساء في الخير يقتدى بهم عن ابن عباس ، و قيل : نجعلهم ولاة و ملوكا عن قتادة ، و هذا القول مثل الأوّل ، لأنّ الذين جعلهم اللّه ملوكا فهم أئمة و لا يضاف إلى اللّه سبحانه ملك من يملك الناس ظلما و عدوانا ، و قد قال سبحانه فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما و الملك [ 379 ] من اللّه هو الذى يجب أن يطاع فالأئمة على هذا ملوك مقدّمون في الدّين و الدّنيا يطأ الناس أعقابهم . و فى سورة المائدة و اذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم اذ جعل فيكم انبياء و جعلكم ملوكا و آتاكم ما لم يؤت احدا من العالمين اى اذكروا نعمة اللّه و أياديه لديكم إذ جعل فيكم أنبياء يخبرون بالغيب و تنصرون بهم على الأعداء و لم يبعث فى أمّة ما بعث فى بنى اسرائيل من الأنبياء ، و قيل : هم الأنبياء الذين كانوا بعد موسى عليه السّلام مقيمين فيهم إلى زمن عيسى عليه السّلام مبيّنون لهم أمر دينهم ، و جعلكم ملوكا أى جعل منكم أو فيكم ، و قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون ، و قيل : لما كانوا مملوكين فى أيدى القبط فأنقذهم و جعلهم مالكين لأنفسهم و امورهم سماهم ملوكا ، و آتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، من فلق البحر و تظليل الغمام و المنّ و السّلوى و غيرها مما أكرمهم اللّه تعالى به . ( و ) قد ( بلغت الكرامة من اللّه لهم ما ) أى إلى مقدار ( لم تذهب الآمال إليه بهم ) أى إلى ذلك المقدار ، يعني بلغت كرامة اللّه لهم إلى غاية الغايات و فوق ما يأمله الآملون و يرجوه الراجون ، حيث آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين . و لذلك منّ اللّه عليهم في موضعين من سورة البقرة بقوله يا بني اسرائيل اذكروا نعمتى الّتي أنعمت عليكم و أنّي فضّلتكم على العالمين و ذلك إنّ اللّه سبحانه فلق لهم البحر و أنجاهم من فرعون و أهلك عدوّهم و أورثهم ديارهم و أموالهم و أنزل عليهم التوراة فيها تبيان كلّ شي‏ء يحتاجون إليه و أعطاهم ما أعطاهم في التيه ، و ذلك أنهم قالوا أخرجتنا من العمران و البنيان إلى مفازة لا ظلّ فيها و لا كنّ فأنزل اللّه عليهم غماما أبيض رقيقا ليس بغمام المطر أرقّ و أطيب و أبرد منه فأظلّهم و كان يسير معهم إذا ساروا ، و يدوم عليهم من فوقهم إذا نزلوا ، فذلك قوله تعالى و ظلّلنا عليكم الغمام يعني في التيه تقيكم من حرّ الشمس . و من جملة كرامته تعالى لهم أنّه جعل لهم عمودا من نور يضي‏ء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر ، فقالوا : هذا الظلّ و النور قد حصل فأين الطعام فأنزل اللّه [ 380 ] تعالى عليهم المنّ . و اختلفوا فيه ففي تفسير الامام هو الترنجبين و به قال الضحاك ، و قال مجاهد : هو شي‏ء كالصمغ كان يقع على الأشجار و طعمه كالشهد ، و قال وهب : هو الخبز الرقاق ، و قال السّدى : هو عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه ، و قال عكرمة : هو شي‏ء أنزله عليهم مثل الربّ الغليظ . و قال الزجاج : جملة المنّ ما يمنّ اللّه به ممّا لا تعب فيه و لا نصب فقالوا : يا موسى قتلنا هذا المنّ حلاوته فادع لنا ربّك يطعمنا اللحم فأنزل اللّه عليهم السّلوى . و اختلفوا فيه أيضا ففي تفسير الامام هو السماني أطيب طير لحما يسترسل لهم فيصطا دونه ، و قال ابن عباس و الاكثر : هو طاير يشبه السّماني ، و قال أبو العالية و مقاتل : هو طير حمر و كانت السّماء تمطر عليهم ذلك ، و قيل : كانت طيرا مثل فراخ الحمام طيّبا و سمينا قد تمعط ريشها و زغبها فكانت الريح تأتي بها إليهم فيصبحون و هو في معسكرهم . و من جملة كراماته لهم أنهم عطشوا في التيه فقالوا يا موسى من أنزلنا الشراب ، فاستسقى لهم موسى ، فأوحى اللّه سبحانه أن اضرب بعصاك الحجر ، قال ابن عبّاس : كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرّجل أمر أن يحمله فكان يضع في مخلاته ، فاذا احتاجوا إلى الماء ألقاه و ضربه بعصاه فسقاهم ، و كان يسقى كلّ يوم ستمأة ألف . و منها أنهم قالوا لموسى : من أين لنا اللباس فجدّد اللّه لهم ثيابهم التى كانت عليهم حتّى لا تزيد على كرور الأيام و مرور الأعوام إلاّ جدة و طراوة لا تخلق و لا تبلى ، و قد مضى تفصيل التيه فى شرح الخطبة المأة و الخامسة و السّتين ، هذا . و لما أمر بالتدبر فى أحوال المؤمنين الماضين و تبدّل ذلّهم بالعزّ و خوفهم بالأمن و انتقالهم من عبوديّة الفراعنة إلى الملك و السلطنة ، و بلوغهم من كرامة اللّه إلى ما لم تذهب إليه الآمال ، عقّبه بالأمر بالنظر في حالهم و التّنبيه على أنّ المستلزم لتلك الخيرات كلّها إنما كان هو الالفة و الاجتماع ، و أنهم ما دامت كلمتهم متّفقة و قلوبهم مؤتلفة كان العزّ و السلطنة فيهم مستقرّة ، و لمّا اختلفت الآراء [ 381 ] و تشتّتت الأهواء عاد جميعهم إلى الشتات و عزّهم إلى البتات ، فأبدلوا الذّل مكان العزّ ، و الخوف مكان الأمن و صار مآل أمرهم عبرا للمعتبرين و تذكرة للمتدبّرين و هو قوله : ( فانظروا كيف كانوا ) فى مبدء أمرهم بعد الخلاص من استرقاق الفراعنة ( حيث كانت الأملاء ) أى الجماعات و الأشراف ( مجتمعة و الأهواء مؤتلفة و القلوب معتدلة ) محفوظة من الميل إلى طرف الافراط أو التفريط ( و الأيدى مترادفة ) أى مترافدة متعاونة ( و السّيوف متناصرة ) نسبة التناصر إلى السّيوف من باب التوسّع و الاسناد إلى السبب ( و البصائر نافذة ) أى ماضية غير متردّدة فإنّ من نفذت بصيرته في أمر لا يبقى له تردّد فيه لعلمه به و تحققه إيّاه ( و العزائم واحدة ) أى الارادات الجازمة اللازمة على طلب الحقّ متفقة . ( ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين و ملوكا على رقاب العالمين ) الاستفهام للتقرير بما بعد النفى و المقصود التنبيه على أنهم صاروا ملوكا و أربابا بسبب اتّصافهم بشئون الالفة ، و ملازمتهم لمراسم المحبّة فأمر المخاطبين بالنظر في حالهم ليقتفوا آثارهم في الايتلاف و الاجتماع ، فينالوا به الفوز العظيم ، ثمّ أمرهم بالنظر الى مآل أمرهم فقال : ( فانظروا إلى ما صاروا إليه فى آخر امورهم ) و احذروا أن تكونوا مثلهم فى النفاق و الافتراق فتقعوا فى مهواة الذّلة و مفازة الهلكة ، فانهم ( حين وقعت الفرقة و تشتّتت ) أى تفرّقت ( الالفة و اختلفت الكلمة و الأفئدة و تشعّبوا ) أى صاروا شعوبا و قبائل حال كونهم ( مختلفين و تفرّقوا متحاربين ) و فى بعض النسخ متحزّبين أى اختلفوا أحزابا ( قد خلع اللّه عنهم ) بسبب التفرّق و الاختلاف ( لباس كرامته ) و عزّته ( و سبلهم غضارة نعمته ) أى طيّبها و لذّتها ( و بقى قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم ) و محصّل ما ذكره عليه السّلام أنّهم خلعوا من لباس الكرامة و سلبوا من غضارة النعمة ، و نزعوا من الملك و السلطنة بسبب افتراق الكلمة و اختلاف الآراء و تفرّقهم [ 382 ] بالحرب و البغى و الفساد و سفك الدّماء فضربت 1 عليهم الذّلة و المسكنة و بآؤا بغضب من اللّه ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه و يقتلون النبيّين بغير الحقّ ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون . و الى ذلك اشير فى قوله سبحانه فى سورة المائدة : و لقد جائتهم رسلنا بالبيّنات ثمّ إنّ كثيرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون قال الباقر عليه السّلام المسرفون هم الذين يستحلّون المحارم و يسفكون الدّماء . و فى الجاثية و لقد آتينا بنى اسرائيل الكتاب و الحكم و النّبوة و رزقناهم من الطيّبات و فضّلناهم على العالمين . و آتيناهم بيّنات من الأمر فما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم . و فى سورة الاسراء و قضينا إلى بنى اسرائيل في الكتاب لتفسدنّ فى الأرض مرّتين و لتعلنّ علوّا كبيرا . فإذا جآء وعد اوليهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولى بأس . شديد فجاسوا خلال الدّيار و كان وعدا مفعولا . ثمّ رددنا لكم الكرّة و أمددناكم . بأموال و بنين و جعلناكم أكثر نفيرا . إن أحسنتم أحسنتهم لأنفسكم و إن أسأتم فلها فاذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة و ليتبّروا ما علوا تتبيرا . قال البيضاوى : و قضينا إلى بني اسرائيل أوحينا إليهم وحيا مقتضيا في التوراة ، لتفسدنّ في الأرض إفسادتين اولاهما مخالفة أحكام التوراة و قتل شعيا و قتل ارميا ، و ثانيتهما قتل زكريّا و يحيى و قصد قتل عيسى عليه السّلام ، فإذا جاء وعد عقاب أوليهما بعثنا عليكم عبادا لنا بخت النصر عامل لهراسف على بابل و جنوده ، و قيل جالوت ، و قيل سخاريب من أهل نينوى ، أولى بأس شديد ذوى قوّة و بطش في الحرب شديد ، فجاسوا تردّدوا لطلبكم ، خلال الدّيار وسطها للقتل و الغارة ، قتلوا كبارهم و سبوا صغارهم و حرّقوا التوراة و خربوا المساجد ، ثمّ رددنا لكم الكرّة أى الدّولة و الغلبة عليهم على الذين بعثوا عليكم ، و ذلك بأن ألقى اللّه في قلب بهمن بن اسفنديار ----------- ( 1 ) اقتباس من الآية فى سورة البقرة م [ 383 ] لما ورث الملك من جدّه كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم ، فردّ اسراءهم إلى الشام و ملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من اتباع بخت نصر ، أو بأن سلّط داود على جالوت فقتله و جعلناكم اكثر نفيرا ، مما كنتم و النفير من ينفر مع الرّجل من قومه ، و قيل : جمع نفروهم المجتمعون للذهاب ، فاذا جاء وعد الآخرة ، وعد العقوبة الآخرة ليسؤوا وجوهكم أى بعثناهم ليسؤوا وجوهكم ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها ، و ليتبّروا ليهلكوا ما علوا ما غلبوه و استولوا عليه أو مدّة علوّهم ، تتبيرا و ذلك بأن سلّط اللّه عليهم الفرس مرّة اخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوايف اسمه جورز و قيل جردوس . قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرا بينهم فوجد فيه دما يغلى ، فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منّا فقال : ما صدقتموني فقتل عليه الوفا منهم فلم يهدء الدّم ، ثمّ قال : إن لم تصدّقوني ما تركت منكم أحدا ، فقالوا : إنّه دم يحيى عليه السّلام ، فقال : لمثل هذا ينتقم منكم ربّكم ، ثمّ قال : يا يحيى قد علم ربّي و ربّك ما أصاب قومك من أجلك فاهدء باذن اللّه قبل أن لا ابقى أحدا منهم ، فهدء . و فى البحار من قصص الأنبياء بالاسناد إلى الصّدوق باسناده إلى وهب بن منبه قال : كان بخت نصر منذ ملك يتوقّع فساد بني اسرائيل يعلم أنّه لا يطيقهم إلاّ بمعصيتهم ، فلم يزل يأتيه العيون بأخبارهم حتّى تغيّرت حالهم و فشت فيهم المعاصي و قتلوا أنبياءهم و ذلك قوله تعالى و قضينا الى بني اسرائيل إلى قوله فاذا جاء وعد أوليهما يعني بخت نصر و جنوده أقبلوا فنزلوا بساحتهم . فلما رأوا ذلك فزعوا إلى ربّهم و تابوا و صابروا على الخير و أخذوا على أيدى سفهائهم و أنكروا المنكر و أظهروا المعروف فردّ اللّه لهم الكرّة على بخت نصر و انصرفوا بعد ما فتحوا المدينة ، و كان سبب انصرافهم أنّ سهما وقع في جبين فرس بخت نصر فجمح به حتّى أخرجه من باب المدينة . ثمّ إنّ بني اسرائيل تغيّروا فيما برحوا حتّى كرّ عليهم و ذلك قوله تعالى فاذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم فأخبرهم ارميا أنّ بخت نصر يتهيّأ بالمسير [ 384 ] إليكم و قد غضب اللّه عليكم و أنّ اللّه تعالى جلّت عظمته يستتيبكم لصلاح آبائكم و يقول هل وجدتم أحدا عصاني فسعد بمعصيتي أم هل علمتم أحدا أطاعني فشقى بطاعتي و أمّا أحباركم و رهبانكم فاتّخذوا عبادى خولا يحكمون فيهم بغير كتابى حتّى انسوهم ذكرى ، و أما ملوككم و امراؤكم فبطروا نعمتى فغرّتهم الحياة الدّنيا ، و أمّا قرّاؤكم و فقهاؤكم فهم منقادون للملوك يبايعونهم على البدع و يطيعونهم فى معصيتى ، و أما الأولاد فيخوضون مع الخائضين ، و في كلّ ذلك البسهم العافية فلا بدلنّهم بالعزّ ذلاّ و بالأمن خوفا إن دعوني لم اجبهم ، و إن بكوا لم أرحمهم . فلما بلّغهم ذلك نبيّهم كذّبوه و قالوا : و قد أعظمت الفرية على اللّه تزعم أنّ اللّه معطل مساجده من عبادته ، فقيّدوه ، و سجنوه . فأمر بخت نصر و حاصرهم سبعة أشهر حتى اكلوا خلاهم و شربوا أبوالهم ، ثمّ بطش بهم بطش الجبّارين بالقتل و الصّلب و الاحراق و جدع الانوف و نزع الألسن و الأنياب و وقف النساء . فقيل له : إنّ لهم صاحبا كان يحذرهم بما أصابهم ، فاتّهموه و سجنوه ، فأمر بخت نصر فاخرج من السجن فقال له : أكنت تحذر هؤلاء ؟ قال : نعم قال : و أنّى علمت ذلك ؟ قال : أرسلني اللّه به إليهم ، قال : فكذّبوك و ضربوك ؟ قال : نعم ، قال : لبئس القوم قوم ضربوا نبيّهم و كذّبوا رسالة ربّهم فهل لك أن تلحق بي فاكرمك و إن أحببت أن تقيم في بلادك امنتك ؟ قال ارميا : إنّي لم أزل في أمان اللّه منذ كنت لم أخرج منه و لو أنّ بني اسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم يخافوك . فأقام ارميا عليه السّلام مكانه بارض ايليا و هى حينئذ خراب و قد هدم بعضها فلما سمع به من بقي من بني اسرائيل اجتمعوا فقالوا عرفنا أنّك نبيّنا فانصح لنا ، فأمرهم أن يقيموا معه ، فقالوا : ننطلق إلى ملك مصر نستجير ، فقال ارميا عليه السّلام : إن ذمّة اللّه أو في الذمم ، فانطلقوا و تركوا ارميا ، فقال لهم الملك : أنتم في ذمّتي . [ 385 ] فسمع ذلك بخت نصر فأرسل إلى ملك مصر ابعث بهم إلىّ مصفدين و إلاّ آذنتك بالحرب ، فلما سمع ارميا عليه السّلام بذلك أدركته الرّحمة لهم فتبادر إليهم لينقذهم ، فورد عليهم و قال : إنّ اللّه تعالى جلّ ذكره أوحى إلىّ أنّي مظهر بخت نصر على هذا الملك و آية ذلك انه تعالى أرانى موضع سرير بخت نصر الذى يجلس عليه بعد ما يظفر بمصر ، ثمّ عمد فدفن أربعة أحجار في ناحية من الأرض . فصار إليهم بخت نصر فظفر بهم و أسرهم ، فلما أراد أن يقسم الفى‏ء و يقتل الأسارى و يعتق منهم كان منهم ارميا فقال له بخت نصر : أراك مع أعدائى بعد ما عرضتك له من الكرامة ، فقال ارميا عليه السّلام : إنّى جئتهم مخوفا اخبرهم خبرك ، و قد وضعت لهم علامة تحت سريرك هذا و أنت بأرض بابل ، ارفع سريرك فانّ تحت كلّ قائمة من قوائمه حجرا دفنته بيدى و هم ينظرون ، فلما رفع بخت نصر سريره وجد مصداق ما قال ، فقال لارميا : إنّى لأقتلنهم إذ كذّبوك و لم يصدّقوك ، فقتلهم و لحق بأرض بابل . الترجمة پس بترسيد از خدا در عذاب دنيوى بغى ، و عذاب اخروى سنگينى ظلم ، و بدى عاقبت كبر ، پس بدرستى كه اينها أسباب شكار بزرگ شيطان است ، و حيله بزرگتر او كه ميجهد در قلبهاى مردان مثل جستن زهرهاى كشنده ، پس عاجز نميشود هرگز ، و خطا نمى‏كند از مقتل أحدى ، نه از اهل علم بجهت علم خود ، و نه از فقير پوشيده در لباس فقر خود . و از اينست نگاه داشتن خداوند بندگان مؤمنان خود را بوسيله نمازها و زكاتها وجد و جهد روزه گرفتن در أيامى كه فرض شده‏اند بجهت ساكن كردن اعضا و جوارح ايشان ، و خاشع نمودن چشمهاى ايشان ، و رام گردانيدن نفسهاى ايشان ، و پست و متواضع فرمودن قلبهاى ايشان ، و بيرون بردن تجبّر از ايشان براى آنكه در اين مذكوراتست از ماليدن رخسارهاى شريفه بخاك از جهت تواضع ، و از چسباندن [ 386 ] اعضاء كريمه بزمين از جهت حقارت ، و از ملحق شدن شكمها بپشتها در روزه گرفتن از جهت ذلّت ، علاوه بآنچه در زكاة است از صرف كردن ميوهاى زمين و غير آن بسوى درويشان و فقيران ، نظر نمائيد بسوى آنچه در اين اعمال است از ذليل ساختن ظاهر شوندهاى فخر ، و از نگاه داشتن از طلوع كنندهاى كبر . و بتحقيق نظر كردم بنظر بصيرت پس نيافتم أحدى را از أهل عالم كه تعصّب كند براى چيزى از چيزها مگر بجهت علّتى كه حامل اشتباه كارى جاهلان شود و بجهت دليلى كه چسبد بعقلهاى سفيهان بغير از شما ، پس بدرستيكه شما تعصّب مينمائيد بجهت چيزيكه شناخته نميشود از براى آن هيچ سبب و علّتى . أما شيطان ملعون پس تعصّب كرد و تكبّر نمود بجناب آدم عليه السّلام بجهت أصل خود كه آتش بود ، و طعن كرد بر او در خلقت أو ، پس گفت بآدم عليه السّلام : من از آتش خلق شده‏ام و تو از گل آفريده شده ، و أمّا توانگران از متنعّمان امّتها پس تعصّب كردند بجهت آثار وقوع نعمتها پس گفتند ما بيشتريم از حيثيّت أموال و أولاد و نيستيم ما عذاب شدگان . پس اگر لا بدّ شود از عصبيّت پس بايد كه شود عصبيّتها بجهت مكارم أخلاق و كارهاى پسنديده و امورات نيكو كه تفاخر ميكردند در آنها صاحبان مجدت و نجدت از خانواده‏هاى عربها و رئيسان قبيلها بخلقهاى مرغوبه ، و عقلهاى بزرگ و مرتبه‏هاى بلند ، و اثرهاى پسنديده . پس تعصّب نمائيد بخصلتهاى ستوده از محافظت حقّ همسايگى ، و وفا نمودن بعهد و امان ، و اطاعت نمودن نيكوكار ، و مخالفت نمودن كبر ، و فرا گرفتن فضل و باز ايستادن از بغى ، و بزرگ شمردن كشتن ناحق ، و انصاف كردن از براى خلق و فرو خوردن خشم نزد فوران غضب ، و پرهيز كردن از فساد در زمين . و بترسيد از چيزى كه نازل شد بامتها كه پيش از شما بودند از عقوبتها بسبب بدى فعلها و زشتى عملها ، پس متذكّر باشيد در نيكى و بدى أحوال ايشان را ، و حذر نمائيد از آنكه باشيد امثال ايشان ، پس وقتى كه تفكر كرديد در تفاوت دو حالت [ 387 ] ايشان يعنى حالت خوب و حالت بد ايشان . پس لازم شويد هر كارى را كه لازم شد بسبب آن كار عزّت بحال ايشان و دور شد دشمنان بجهت آن كار از ايشان و ممدود شد رستگارى در آنكار بايشان ، و منقاد شد نعمت از براى آنكار با ايشان ، و وصل كرد كرامت و بزرگوارى بر آن كار ريسمان ايشانرا كه عبارتست آن كار از اجتناب و پرهيز كردن از نفاق و افتراق و لازم شدن بايتلاف و اتّفاق ، و ترغيب كردن بر آن ، و وصيّت نمودن بآن و اجتناب نمائيد از هركارى كه شكست مهره پشت ايشان را ، و سست كرد قوت ايشان را از كينه جوئى قلبها بيكديگر ، و دشمنى سينه‏ها ، و پشت بيكديگر كردن نفسها ، و خوار كردن دستها يكديگر را . و تدبّر نمائيد در حال گذشتگان از مؤمنين كه پيش از شما بودند كه چگونه بودند در حال ابتلا و امتحان ، آيا نبودند ايشان سنگين‏ترين خلق از حيثيّت بارهاى گران ، و كوشش كننده‏ترين خلق از حيثيّت بلا ، و تنگ‏ترين اهل دنيا از حيثيّت حال ، اخذ كرد ايشانرا فرعونيان بندگان و غلامان ، پس عذاب كردند ايشانرا به بدترين عذاب ، و آشاميدند ايشان را جرعه‏هاى تلخ ، پس بود هميشه حال ايشان در ذلّت هلاكت ، و در قهر غلبه در حالتى كه نمى‏يافتند حيله و علاجى در امتناع از ظلم ايشان ، و نه راهى بسوى دفع كردن بلاى ايشان . تا آنكه چون ديد خداوند متعال كوشش در صبر از ايشان بر اذيّت در محبّت او ، و متحمّل شدن مكروه را از خوف او ، گردانيد براى ايشان از تنگيهاى بلا و محنت گشايش ، پس بدل كرد بر ايشان عزّت را بجاى ذلّت ، و أمنيت را بجاى خوف ، پس گشتند پادشاهان و حاكمان و امامانى كه علمهاى هدايتند ، و رسيد كرامت از جانب خدا براى ايشان بمقامى كه نمى‏برد آرزوها ايشانرا بآن مقام . پس نظر نمائيد بديده اعتبار كه چگونه بودند ايشان وقتى كه بود جماعتها متّفق ، و خواهشات موافق ، و قلبها معتدل ، و دستها يارى يكديگر كننده ، و شمشيرها رو بنصرت يكديگر نهنده ، و بصيرتها نافذ ، و عزيمتها متّحد ، آيا نبودند ايشان مالكها [ 388 ] در اطراف زمينها ، و پادشاهان بر گردن عالميان . پس نظر كنيد بسوى آنچه كه برگشتند بآن در آخر كارهاى خودشان وقتى كه واقع شد پراكندگى ، و پراكنده شد پيوستگى ، و مختلف شد گفتار و قلوب ، و منتشر شدند در حالتى كه مختلف بودند ، و متفرّق گشتند در حالتى كه محارب يكديگر بودند ، بر كند خداى تعالى از ايشان لباس كرامت خود را ، و سلب نمود از ايشان لذّت نعمت خود را ، و باقى ماند قصّه‏هاى خبرهاى ايشان در شما عبرتها از براى عبرت كنندگان از شما . الفصل السادس فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل عليهم السّلام فما أشدّ اعتدال الأحوال ، و أقرب أشتباه الأمثال ، تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الافاق ، و بحر العراق ، و خضرة الدّنيا إلى منابت الشّيح ، و مها في الرّيح ، و نكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر و وبر ، أذلّ الامم دارا ، و أجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، و لا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، و الأيدي مختلفة ، و الكثرة متفرّقة في بلاء أزل ، و إطباق جهل ، من بنات موؤودة ، و أصنام معبودة ، و أرحام مقطوعة ، و غارات مشنونة . [ 389 ] فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملّته طاعتهم ، و جمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، و أسالت لهم جداول نعيمها ، و التفّت الملّة بهم عوائد بركتها ، فأصبحوا في نعمتها غرقين ، و عن خضرة عيشها فكهين ، و قد تربّعت الامور بهم في ظلّ سلطان قاهر ، و أوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، و تعطّفت الامور عليهم في ذرى ملك ثابت ، فهم حكّام على العالمين و ملوك في أطراف الأرضين ، يملكون الامور على من كان يملكها عليهم ، و يمضون الأحكام في من كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة و لا تقرع لهم صفاة . اللغة ( الأكاسرة ) جمع كسرى بالكسر و الفتح لقب من ملك الفرس معرّب خسرو أى واسع الملك و يجمع على كياسرة و أكاسر أيضا و كلّها خلاف القياس و القياس كسرون و زان عيسون . و ( القياصرة ) جمع قيصر لقب من ملك الرّوم و ( الرّيف ) بالكسر أرض فيها زرع و خصب و ما قارب الماء من أرض العرب أو حيث يكون به الخضر و المياه و الزّروع و ( الشيّح ) بالكسر نبت معروف يقال له بالفارسيّة درمنه و ( هفت الريح ) هفوا هبت و هفت به أى حركته و ( عالة ) جمع عائل مثل قادة و قائد و هو ذو العيلة أى الفقر قال تعالى و ان خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من فضله . [ 390 ] و ( الدّبر ) محرّكة الجرح في ظهر البعير من دبره القتب أى عقره و ( الوبر ) للبعير بمنزلة الصّوف للغنم و ( وئد ) بنته دفنها في التراب حيّة قال تعالى « و إذا الموؤدة سئلت بأىّ ذنب قتلت و ( شنّ الغارة ) عليهم صبّها من كلّ وجه و ( تفكّه به ) تمتّع بأكله و الفاكهة التّمر و العنب و الثّمر كلّه ، و في بعض النسخ فاكهين بدل فكهين أى ناعمين ، و بها قرء قوله تعالى و نعمة كانوا فيها فاكهين و قال الاصمعى فاكهين مازحين و المفاكهة الممازحة . ( و تربّعت ) الامور بهم اعتدلت من قولهم : رجل ربعة و امرأة ربعة أى معتدل و حذف الهاء في المذكر لغة و فتح الباء فيهما أيضا لغة و قال الشارح المعتزلي و غيره : تربّعت بمعنى أقامت من قولك ربع بالمكان أى أقام به ( الذّرى ) جمع ذروة بالضمّ و الكسر و هى أعلى الشي‏ء و ( الغمز ) العصر و الكبس باليد قال الشاعر : و كنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما و ( القناة ) الرّمح و ( الصّفاة ) الصّخرة و الحجر الأملس . الاعراب جملة يحتازونهم في محلّ النّصب على الحال من الأكاسرة و القياصرة و تحتمل الاستيناف البياني ، و قوله : عالة مساكين ، حال مترادفة ، و قوله : اخوان دبر و وبر ، بدل ، و جملة : لا يأوون ، حالية ، و الفاء في قوله : فالأحوال مضطربة ، فصيحة : و قوله : في بلاء أزل ، متعلّق بمقدّر أى كائنون في بلاء أزل ، فيكون خبرا لمبتداء محذوف و يحتمل الحال لقوله متفرّقة و اضافة بلاء إلى الأزل معنويّة بمعنى من و كذا اضافة اطباق إلى الجهل هكذا قال الشّارح البحرانى و لا بأس به ، و من في قوله : من بنات بيانيّة . و قوله : في عوائد بركتها ، قال الشّارح المعتزلي و البحراني : متعلّق بمحذوف [ 391 ] و موضعه نصب على الحال أى جمعتهم الملّة كائنة في عوائد بركتها أقول : و يجوز تعلّقه بقوله و التفّت فيكون مفعولا بالواسطة . و قوله : و عن خضرة عيشها قال الشّارح المعتزلي : عن متعلّقة بمحذوف تقديره ، فأصبحوا فاكهين فكاهة صادرة عن خضرة عيشها أى خضرة عيش النّعمة سبب لصدور الفكاهة و المزاح عنه أقول : لا حاجة إلى تقدير المحذوف لجواز تعلّقها بقوله فاكهين و كونها بمعنى من النشوية أو بمعنى اللاّم كما في قوله تعالى و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة . المعنى اعلم أنّه لمّا ذكر في الفصل السّابق محاسن الالفة و الاتّفاق و مفاسد الفرقة و الافتراق ، و أمر بالتدبّر في أحوال الماضين و أنّ الفتهم في بداية حالهم أوجبتهم العزّة و الكرامة ، و فرقتهم في آخر أمرهم سلبتهم غضارة النعمة فبقى قصص أخبارهم عبرا للمعتبرين من المخاطبين ، اتبعه بهذا الفصل تفصيلا لما أجمله من قصص أخبارهم و تنبيها على جهة العبرة في تلك القصص فقال : ( فاعتبروا بحال ولد إسماعيل ) الذّبيح ( و بني إسحاق ) بن إبراهيم الخليل ( و بني إسرائيل ) يعقوب بن إسحاق سلام اللّه عليهم ، و علّل وجوب الاعتبار بقوله : ( فما أشدّ اعتدال الأحوال و أقرب اشتباه الأمثال ) يعني أنّ أحوالكم أشدّ اعتدالا و تناسبا لأحوالهم و أنّ أمثالكم أي صفاتكم أكثر قربا و مشابهة لصفاتهم فاذا كانت الأحوال معتدلة متناسبة ، و الصّفات متشابهة متماثلة وجب لكم الاعتبار بحالهم ، و أشار إلى جهة العبرة فيهم بقوله : ( تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة ) أى ملوك الفرس ( و القياصرة ) أى ملوك الروم ( أربابا لهم ) أى مالكين لرقابهم ، و كانت العرب تسمّى الملوك أربابا كما في قوله تعالى و قال للّذى ظنّ أنّه ناج منهما اذكرني عند ربّك فأنساه الشّيطان ذكر ربّه . و المراد من المربوبين كما ذكره الشارح المعتزلي : بنو إسماعيل ، فالضمير [ 392 ] في أمرهم و تشتتهم و تفرّقهم راجع إليهم ، و المراد من الأرباب بنو إسحاق و بنو إسرائيل لأنّ الأكاسرة من بني اسحاق ، ذكره كثير من أهل العلم ، و القياصرة من ولد اسحاق أيضا ، لأنّ الرّوم بنو العيص بن اسحاق ثمّ قال الشارح : فان قلت : فبنو اسرائيل أىّ مدخل لهم ههنا . قلت : لأنّ بني اسرائيل كانوا ملوكا بالشام حاربوا العرب من بني اسماعيل غير مرّة و طردوهم عن الشام و ألجأوهم إلى المقام ببادية الحجاز ، و يصير تقدير الكلام فاعتبروا بحال ولد اسماعيل مع بني اسحاق و بني اسرائيل ، و تخصيص ملوك بني اسحاق أى الأكاسرة و القياصرة بالذكر دون ملوك بني اسرائيل لأنّ العرب لم تكن تعرف ملوك ولد يعقوب حتّى يذكر أسمائهم في الخطبة ، بخلاف ولد اسحاق فانهم كانوا يعرفون ملوكهم من بنى ساسان و بني الأصفر ، هذا ملخّص ما قاله الشّارح هنا . أقول : و هو مع أنّه غير خال عن التكلّف مخالف لظاهر كلامه عليه السّلام فانه كما ترى ظاهر فى كون الضمائر في أمرهم و تشتّتهم و تفرّقهم و لهم جميعا راجعة إلى بني اسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل جميعهم ، و نصّ فى كون الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم مسلّطين عليهم ، و لا حاجة إلى تجشّم الاستدلال فى انتهاء نسبهم إلى ولد إسحاق ، فانّ تسلّطهم على العرب و اليهود و غيرهم و بعبارة اخرى على بنى إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل ملاء منه كتب التواريخ و السير ، فلا وجه لتخصيص المقهورين بالعرب و القاهرين من الأكاسرة و القياصرة ببني إسحاق و بنى إسرائيل من ملوك الشام كما زعمه الشّارح . فان قلت : الوجه في مصير الشّارح إلى هذه التكلّفات كلّها ما ذكره فى كلامه قبل ما حكينا عنه ملخّصا ، من أنّه لا نعرف أحدا من بنى اسرائيل احتازتهم الأكاسرة و القياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية إلاّ أن يقال يهود خيبر و النضير و بنى قريظة و بنى قيقاع ، و هؤلاء نفر قليل لا يعتدّ بهم ، مع أنّ فحوى الخطبة مانع من إرادتهم أيضا ، لأنّهم لم يكونوا أهل دبر و وبر ، و إنّما كانوا ذوى حصون و قلاع [ 393 ] فهذا الوجه ألجأ الشّارح إلى تخصيصه المقهورين بالعرب خاصّة . قلت : غرض أمير المؤمنين عليه السّلام من سوق كلامه حسبما عرفت سابقا و تعرفه أيضا أحكام لحوق الذّل على فرق الأنام بسبب التفرّق و اختلاف الكلام من أيّ فرقة كانت ، و ذكر بني إسماعيل و إسحاق و إسرائيل من باب التمثيل و الاستطراد و مزيد التوضيح لهذا المرام ، و من المعلوم أنّ الذلّ اللاّحق ببنى إسرائيل من أجل اختلاف الآراء أظهر و أجلى من الذلّ اللاّحق ببنى إسماعيل ، فكون كلامه ذلك إشارة إلى مقهوريّة الفرقتين جميعا أثبت لهذا الغرض و أدخل فى التوضيح . و ما قاله الشارح فى وجه تخصيص الأذلاّء المقهورين بالفرقة الثانية فقط من عدم المعرفة بمن يحتازه الأكاسرة و القياصرة إلى البادية من بنى إسرائيل . ففيه أوّلا أنّه بعد ثبوت قوّة سلطنة الأكاسرة و القياصرة و استيلائهم على البلدان و كون هممهم مقصورة على فتح الأمصار و على القتل و النّهب في الأصقاع و الأقطار تارة بالعراق و توابعها ، و أخرى بالشام و مضافاتها ، فالعادة قاضية بانجلاء أهلها منها حتما ، و هربهم منها إلى البوادى و المفاوز البعيدة حفظا للدّماء ، و حذرا من النّهب و الاستيصال ، فعدم المعرفة بأعيان المحتازين المشرّدين و عدم وجدانهم لا يدلّ على عدم الوجود بعد شهادة الاستقراء و قضاء العادة و إفادة ظاهر كلامه عليه السّلام له . و ثانيا أنّ مفاد كلامه عليه السّلام كما ترى أنّ بني إسماعيل و إسحاق و إسرائيل كانوا مشرّدين عن عقر دارهم إلى البوادي بفعل الأكاسرة و القياصرة ، يكفى في صدق هذا الكلام و صحّته كون المشرّدين من مجموع الفرق الثلاث و إن كان من بعضها قليلا كبنى إسرائيل على زعم الشّارح ، و من البعض الآخر كثيرا كبنى إسماعيل ، فلا حاجة على ذلك إلى تمحّل التكلّف أصلا . و بعد هذا كلّه فلا بأس بأن نذكر طرفا ممّا وقع على بنى إسماعيل و بنى إسرائيل من القتل و الغارة فى دولة الأكاسرة و القياصرة بملاحظة اقتضاء المقام و مسيس الحاجة . [ 394 ] فأقول : أمّا بنو اسرائيل أعني العرب فقد قال في روضة الصّفا : إنّ شابور ذالأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام من الأكاسرة لمّا بلغ سنّه ستّ عشر سنة انتخب من أصحابه من العجم أربعة آلاف من أنجادهم ، فسار معهم إلى حدود فارس ، و كان هناك جماعة من الأعراب أكثروا في تلك الحدود من القتل و النّهب و الفساد ، فقتل منهم من وجد ، و هرب الباقون ، و لم يبق منهم في أطراف دجلة و الفرات عين و لا أثر ، ثمّ سار إلى البحرين و قطيف و الحجر ، فقتل من قبايل تميم و بكر بن وائل و عبد قيس و غيرها جمّا غفيرا . فلمّا ملّ من القتل أمر بأن يثقب أكتاف من بقي من الأعراب و يدخل في ثقبها الحبال ، فلقّب من ذلك بذي الأكتاف . و لمّا قضى وطره من استيصال العرب توجّه إلى بلاد الرّوم و دخل قسطنطنية و جرى له مع قيصر قصّة مشهورة في الكتب مأثورة ، و فوّض إليه قيصر بلدة نصيبين بين الشام و العراق فأوفد إليها اثني عشر ألفا من أهل اصبهان و فارس و ساير البلاد فتوطّنوا فيها ، و لم يبق من العرب باقية في ملكه و ملك ساير الأكاسرة . و أمّا بنو اسرائيل فقد ظهر مقهوريّتهم ممّا ذكرنا في شرح الفصل المتقدّم و نزيد توضيحا بذكر ما أورده الطبرسي في تفسير الآية المتقدّمة هناك أعني قوله تعالى و قضينا الى بني اسرائيل إلى قوله و ليتبّروا ما علوا تتبيرا . قال الطبرسي : اختلف المفسّرون في القصّة عن هاتين الكرّتين اختلافا شديدا ، قالوا : لمّا عتى بنو اسرائيل في المرّة الاولى سلّط اللّه عليهم ملك فارس و قيل : بخت نصر ، و قيل : ملكا من ملوك بابل ، فخرج إليهم و حاصرهم و فتح بيت المقدس و خرب المسجد و أحرق التوراة و ألقي الجيف في المسجد ، و قتل على دم يحيى سبعين ألفا و سبي ذراريهم و أغار عليهم و أخرج أموالهم و سبي سبعين ألفا و ذهب بهم إلى بابل فبقوا في يده مأة سنة يستعبدهم المجوس و أولادهم . ثمّ تفضّل اللّه عليهم بالرّحمة فأمر ملكا من ملوك فارس عارفا باللّه سبحانه تعالى ، فردّهم إلى بيت المقدس فأقاموا به مأة سنة على الطريق المستقيم و الطاعة [ 395 ] و العبادة . ثمّ عادوا الى الفساد و المعاصي ، فجائهم ملك من ملوك الرّوم اسمه انطياحوس فخرّب بيت المقدس و سبا أهله ، و قيل : غزاهم ملك الرّوميّة و سباهم عن حذيفة . و قال محمّد بن إسحاق : كانت بنو اسرائيل يعصون اللّه تعالى و فيهم الأحداث و اللّه يتجاوز عنهم ، و كان أوّل ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أنّ اللّه تعالى بعث إليهم شعيا قبل مبعث زكريّا عليه السّلام ، و شعيا هو الذى بشّر بعيسى و بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و كان لبنى إسرائيل ملك كان شعيا يرشده و يسدّده ، فمرض الملك ، و جاء سنجاريب إلى بيت المقدس بستمأة ألف راية ، فدعى اللّه سبحانه شعيا فبرء الملك و مات جمع سنجاريب و لم ينج منهم إلاّ خمس نفر منهم سنجاريب فهرب و ارسلوا خلفه من يأخذه ، ثمّ أمر سبحانه باطلاقه ليخبر قومه بما نزل بهم ، فأطلقوه و هلك سنجاريب بعد ذلك بسبع سنين . و استخلف بخت نصر ابن ابنه فلبث سبع عشر سنة و هلك ملك بني اسرائيل و مرج أمرهم و تنافسوا في الملك ، فقتل بعضهم بعضها ، فقام شعيا فيهم خطيبا و وعظهم بعظات بليغة و أمرهم و نهاهم فهمّوا بقتله ، فهرب و دخل شجرة فقطعوا الشجرة بالمنشار فبعث اللّه اليهم ارميا من سبط هارون ثمّ خرج من بينهم لما رأى من أمرهم ، و دخل بخت نصر و جنوده بيت المقدس و فعل ما فعل ، ثمّ رجع إلى بابل بسبايا بني إسرائيل فكانت هذه الدّفعة الأولى . و قيل أيضا : إنّ سبب ذلك كان قتل يحيى بن زكريّا ، و ذلك إنّ ملك بني اسرائيل أراد أن يتزوّج بنت ابنته « امرأته خ » فنهاه يحيى عليه السّلام و بلغ أمّها فحقدت عليه و بعثته على قتله فقتله ، و قيل إنّه لم يزل دم يحيى يغلى حتّى قتل بخت نصر منهم سبعين ألفا أو اثنين و سبعين ألفا حتّى سكن الدّم . و ذكر الجميع أنّ يحيى بن زكريّا هو المقتول في الفساد الثاني ، قال مقاتل : و كان بين الفساد الأوّل و الثاني مأتا سنة و عشر سنين . و قيل إنما غزى بنى اسرائيل فى المرّة الاولى بخت نصر و في المرّة الثانية [ 396 ] ملوك فارس و الرّوم و ذلك حين قتلوا يحيى فقتلوا منهم مأة ألف و ثمانين ألفا و خرب بيت المقدس ، فلم يزل بعد ذلك خرابا حتّى بناه عمر بن الخطاب ، فلم يدخله بعد ذلك روميّ إلاّ خائفا . فقد ظهر بذلك تسلّط الأكاسرة و القياصرة على بني إسماعيل و إسرائيل بسبب اختلاف كلماتهم و تشتّتهم و فسادهم في الأرض و أنّهم كانوا يشرّدونهم عن بلادهم و أوطانهم فيظهر به معنى قوله عليه السّلام : ( يحتازونهم ) أى يبعدونهم ( عن ريف الآفاق ) أى الأماكن المشتملة على المزارع و المراتع و المنتجع من بلاد الشام و أراضى العرب القريبة من الماء ( و بحر العراق ) و هو دجلة و الفرات ( و خضرة الدّنيا إلى منابت الشيح ) و هى أرض العرب الخالى من الماء و الكلاء ( و مها فى الرّيح ) أى المواضع الّتى تهفو فيها الرياح و تهبّ من الفيافى و الصّحارى ( و نكد المعاش ) أى ضيقه و قلّته ( فتركوهم عالة ) أى فقراء ( مساكين إخوان دبر و وبر ) أى معاشرين بجمال دبراء عجفاء عقراء ، و هو إشارة إلى سوء الحال و ضيق المعاش ، فانّ استعمال الجمل الأدبر و التعيّش بوبره علامة الضّر و المسكنة . قال الشارح المعتزلى إنّهم أجدبوا حتّى أكلوا الدّم بالوبر و كانوا يسمّونه العلهز ، انتهى . و قد مضى في شرح الخطبة السّادسة و العشرين فصل واف فى ضيق حال العرب و سوء معاشهم قبل بعثة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . ( أذلّ الامم دارا ) لعدم المعاقل و الحصون المنيعة و إن كان لبعضهم حصن فلم يكن بحيث يحصن من عدوّ ذى عدد و قوّة ( و أجدبهم قرارا ) أى مستقرّا لخلوّه من الزّرع و الثّمر و الخصب ( لا ياؤون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ) أى لا يلتجئون و لا ينضّمون إلى من يحبّهم و يحضنهم إذا دعوه و استغاثوا به كما يحمى الطّاير فرخه بجناحه و يحضنه . و وصف الدّعوة بوصف الاعتصام لأنّ من عادة العرب إذا هجم عليهم عدوّ لا يتمكّنون من مقاومته يستغيثون بساير القبايل و يستنجدونهم ، فيعتصمون بالاستنجاد [ 397 ] و الدّعوة عن الشّر و المكروه قال الشّاعر : ألا يا أمّ زنباغ أقيمى صدور العيس نحو بنى تميم هنالك لو دعوت أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم ( و لا إلى ظلّ الفة يعتمدون على عزّها ) إضافة ظلّ إلى الفة من إضافة المشبّه به إلى المشبّه ، و وجه الشبّه أنّ الظّل سبب الرّاحة و السّلامة من حرارة الشمس و الالفة سبب الرّاحة و السلامة من نار العدوّ ، و وصف الالفة بالاعتماد لأنّ الالفة مستلزم للعزّ ، فبا لاعتماد عليها يحصل العزّ اللاّزم منها . و لمّا بيّن مساوى حالاتهم من الفقر و الفاقة و الذلّة و ضيق المعاش و غيرها فرّع عليه قوله : ( فالأحوال ) أى أحوالهم ( مضطربة و الأيدى مختلفة و الكثرة متفرّقة ) كائنين ( في بلاء أزل و أطباق جهل ) أى في شدّة بلاء و طبقات من الجهل أى جهل متراكم بعضه فوق بعض قال الشارح البحراني : و في نسخة الرّضي و إطباق بكسر الهمزة فيكون المعني و جهل مطبق عليهم عام . ثمّ فصل ما نشأ من هذا الجهل من القبايح و الفضايح بقوله ( من بنات موؤودة ) أى مدفونة حيّة فقد كانت العرب يئدون البنات و يرشد إليه قوله تعالى و إذا الموؤودة سئلت بأىّ ذنب قتلت . و قيل إنّه مختصّ بني تميم و استفاض منهم في جيرانهم ، و قيل : بل كان ذلك أى الوئد في بني تميم و قيس أسد و هذيل و بكر بن وائل و يؤيّدة قوله و كذلك زيّن لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم . و اختلفوا في سبب الوئد فقيل : هو الفقر و الاملاق ، قالوا : و ذلك إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعا عليهم فقال ، اللّهم اشدد وطأتك على مضروا جعل عليهم سنين كسنى يوسف ، فاجدبوا سبع سنين حتّى أكلوا الوبر بالدّم فوأدوا البنات لفقرهم ، و يدلّ على ذلك قوله سبحانه و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و ايّاهم . و قيل : بل الأنفة و لحوق العار بهم من أجلهنّ ، و ذلك إنّ تميما منعت النعمان بن [ 398 ] المنذر الخراج سنة من السّنين فوجّه إليهم أخاه الريّان بن المنذر فأغار عليهم و استاق النّعم و سبى الذّرارى ، فوفدت بنو تميم الى النعمان و استعطفوه ، فرقّ عليهم و أعاد عليهم السّبى و قال كلّ امرأة اختارت أباها ردّت عليه و إن اختارت صاحبها تركت عليه ، فكلّهنّ اخترن أباهنّ إلاّ بنت قيس بن عاصم فانها اختارت من سباها ، فنذر قيس بن عاصم المنقرى التميمى أن لا تولد له بنت إلاّ وئدها ، ثمّ اقتدى به كثير من بني تميم . و اختلف في كيفيّة الوئد فقيل : كان الرّجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسها جبّة من صوف أو شعر لترعى له الابل و الغنم فى البادية ، و إن أراد قتلها تركها حتّى إذا بلغت قامتها ستّة أشبار فيقول لامّها طيّبيها و زيّنيها حتّى أذهب بها إلى أقاربها ، و قد حفر لها بئرا فى الصّحرا فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها : انظرى فيها ، ثمّ يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتّى يستوى البئر بالأرض . و قيل : كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمتها في الحفرة ، و إذا ولدت ابنا أمسكته . و كانت صعصعة بن ناجية ممّن منع الوئد ، فافتخر الفرزدق به فى قصيدته الّتي يهجوبها جريرا ، و هو قوله : و منّا الّذى أحيى الوئيد و غالب و عمرو و منا حاجب و الأقارع و قد حكينا في ديباجة الشّرح ، عن ابن أبى الدّنيا أنّه قال : لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة ، و هو الّذى أحيى ألف موؤودة و حمل على ألف فرس . و روى الشّارح المعتزلى هنا قال : إنّ صعصعة لمّا وفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : يا رسول اللّه إنّي كنت أعمل فى الجاهليية عملا صالحا فهل ينفعنى ذلك اليوم ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : و ما عملت ؟ قال : أضللت ناقتين عشراوين فركبت جملا و مضيت فى بغائهما فرفع لى بيت جريد فقصدته فإذا شيخ جالس بفنائه فسألته عن الناقتين فقال : ما نارهما ؟ قلت : ميسم بنى دارم قال : هما عندى و قد أحيى اللّه [ 399 ] بهما قوما من أهلك من مضر ، فجلست معه ليخرجهما إلىّ فاذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها : ما وضعت ؟ فان كان سقيا شاركنا في أموالنا و إن كان حائلا 1 أوئدناها ، فقالت العجوز : وضعت أنثى ، فقلت له : أ تبيعها ؟ قال : و هل تبيع العرب أولادها ؟ قلت : إنّما أشترى حياتها و لا أشترى رقّها ، قال : فبكم ؟ قلت : احتكم ، قال : بالنّاقتين و الجمل ، قلت : ذاك لك على أن يبلغني الجمل و إيّاها ، قال : قد بعتك ، فاستنقذتها منه بالجمل و النّاقتين و آمنت بك يا رسول اللّه و قد صارت لى سنّة فى العرب أن اشترى كلّ موؤودة بناقتين عشراوين و جمل ، فعندى إلى هذه الغاية ثمانون و مأتا موؤودة قد أنقذتهنّ ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لا ينفعك ذلك لأنّك لم تبتغ به وجه اللّه و إن تعمل فى إسلامك عملا صالحا تصب عليه . ( و أصنام معبودة ) قد مضى فى شرح الفصل السّادس عشر من المختار الأوّل أنّ جمهور العرب كانوا عند بعثة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبدة أصنام ، و مضى هناك تفصيل أصنامهم المعبودة و لا حاجة إلى الاعادة . ( و أرحام مقطوعة و غارات مشنونة ) أى مصبوبة من كلّ جهة ، فانّ القتل و الغارة و قطع الأرحام كانت من شعار العرب في الجاهلية و قد أشار إلى ذلك و إلى بعض ما تقدّم هنا من حالات العرب فى الفصل الأوّل من المختار السّادس و العشرين حيث قال عليه السّلام هناك : إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين ، و أمينا على التّنزيل ، و أنتم معشر العرب على شرّ دين و في شرّ دار ، بين حجارة خشن ، و حيّات صمّ ، تشربون الكدر ، و تأكلون الجشب ، و تسفكون دماءكم ، و تقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة ، و الآثام بكم معصوبة . و قد ألّف إبراهيم بن مسعود الثقفى كتابا سمّاه كتاب الغارات جمع فيه غارات العرب و حروبهم ، و إن شئت ارشدك إلى اثنين من تلك الحروب و الغارات فانّهما انموزج منها . أحدهما ما كان بين الأوس و الخزرج من الحروب الّتى تطاولت مأة و عشرين سنة ----------- ( 1 ) الانثى من أولاد الابل ، م . [ 400 ] إلى أن ألف اللّه بين قلوبهم بالاسلام . و ثانيهما ما كان بين تغلب و بكر بن وابل أربعين سنة حتّى صار من أمثال العرب السّائرة أشأم من البسوس . قيل : إنها امرأة كانت لها ناقة فرآها كليب ترعى فى حماه و قد كسرت بيض طائر كان قد أجاره ، فرمي ضرعها بسهم فوثب جساس 1 إلى كليب فقتله ، فهاجت الحرب بين بكر و تغلب « تغلب و بكرظ » بن وابل أربعين سنة . قال التفتّازاني : البسوس زارت اختها البهيلة و هى امّ جساس بجار لها من جرم زياد له ناقة و كليب قد حمى أرضا من العالية فلم يكن يرعاها إلاّ إبل جساس لمصاهرة بينهما ، فخرجت فى ابل جساس ناقة الجرمى ترعى فى حمى كليب فأنكرها كليب فرماها فاختلّ زرعها « ضرعها ظ » فولّت حتّى بركت بفناء صاحبها و زرعها « ضرعها ظ » تشخب دما و لبنا ، و صاحت البسوس : و اذلاّه و اعزبتاه ، فقال جساس ايّتها الحرّة اهدئى فو اللّه لأعقرنّ فحلا هو أعزّ على أهله منها ، فلم يزل جساس يتوقّع عزّة كليب حتّى خرج و تباعد عن الحىّ فبلغ جساسا خروجه ، فخرج على فرسه و اتّبعه فرمى صلبه حتّى وقف عليه ، فقال كليب : يا عمرو أغثنى بشربة من ماء فاجهز عليه و نشب الشّر بين تغلب و بكر أربعين سنة . و هذا انموزج من شنّ الغارات فى العرب و قطع الأرحام أوردناه تبصرة لك و توضيحا لكلامه عليه السّلام هذا . و لمّا ذكر ما كانت العرب عليه قبل بعثة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الضّيم و الذّل و الفقر و الجهل ، أردفه بالتّنبية على أعظم ما أنعم اللّه سبحانه به عليهم من بعث النّبى الكريم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليهم و تبديل سوء حالهم بحسن الحال ببركة هذه النعمة العظيمة فقال : ( فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم حين بعث إليهم رسولا ) كريما ( فعقد ) أى ----------- ( 1 ) جساس بن مرة قاتل كليب بن وابل م [ 401 ] اللّه سبحانه أو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ( بملّته طاعتهم ) لأنّ طاعتهم قد كانت في الجاهليّة تابعة لأهوائهم الباطلة ، متشتّتة بتشتّت الآراء المختلفة ، فلذلك اتّخذوا لهم آلهة فأطاع كلّ منهم إلهه و صنمه فعقد الملّة طاعتهم للّه تعالى بعد الانتشار و عبادة الأصنام . ( و جمع على دعوته ) أى الرّسول ( الفتهم ) بعد طول تضاغن القلوب و تشاحن الصّدور ، و أشار إلى تفصيل مواقع نعم اللّه بقوله : ( كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ) شبّه النعمة أى نعمة الاسلام الحاصلة بالبعثة فى انبساطها عليهم بالطاير الباسط لجناحه على فرخه على سبيل الاستعارة بالكناية و ذكر الجناح تخييل و النّشر ترشيح . ( و أسالت ) أى أجرت ( لهم جداول نعيمها ) و الكلام في هذه القرينة مثله في سابقتها ، فانّه عليه السّلام شبّه النعمة بالنّهر العظيم الّذي تسيل منه الجداول و الأنهار الصّغار إلى المحال القابلة و المواضع المحتاجة ، فأثبت الجداول تخييلا و الاسالة ترشيحا ، و وجه الشبّه أنّ جريان الجداول من النهر سبب لحياة الموات من الأرض و كذلك إفاضة أنواع النّعم و شؤون الخيرات من نعمة الاسلام الّتي هي أعظم النعماء في الموادّ المستعدّة سبب لحياة القلوب الميّتة بموت الجهل و الضّلالة مضافة الى الثّمرات الدّنيويّة . ( و التقّت الملّة بهم عوائد بركتها ) أى جمعتهم ملّة الاسلام بعد ما كانوا متفرّقين في منافعها و معروفاتها الحاصلة ببركتها ، فكان تلك المنافع ظرفا لاجتماعهم حاوية لهم محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف . ( فأصبحوا ) أى صاروا بحواية عوائدها لهم ( في نعمتها غرقين ) و التعبير به مبالغة في احاطة النعمة عليهم من جميع الجهات إحاطة الماء بالغرقى و الغائصين . ( و عن خضرة عيشها فكهين ) أى اشربن فرحين بسعة المعاش و طيبه ، أو ناعمين مازحين من خضرة العيش . ( و قد تربعت الامور بهم ) أى اعتدلت امورهم و استقامت ( في ظلّ سلطان قاهر ) اى سلطان الاسلام الغالب على ساير الأديان ( و آوتهم الحال ) أى ضمّتهم حسن حالهم [ 402 ] و أنزلتهم ( الى كنف عزّ غالب ) أى إلى جانبه و ناحيته أو كناية عن حرزه كما في قولك : أنت في كنف اللّه ، أى حرزه و ستره ( و تعطّفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت ) أى أقبلت السعادات الدّنيويّة و الأخرويّة عليهم بعد إدبارها عنهم إقبال الشفيق العطوف على من يشفق و يتعطف عليه في أعالي السّلطنة الثّابتة المستقرّة . ( فهم حكّام على العالمين و ملوك فى أطراف الأرضين يملكون الامور ) أى امور الملك و السلطنة ( على من كان يملكها عليهم ) من الكفرة الفجرة ( و يمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ) من كفّار مكّة ، و قريش و غيرهم من عبدة الأوثان ( لا تغمز لهم قناة و لا تقرع لهم صفاة ) إشارة إلى قوّتهم و عدم تمكّن الغير من قهرهم و غلبتهم . قال الشارح المعتزلي : و يكنّي عن العزيز الّذى لا يضام فيقال : لا يغمز له قناة ، أى هو صلب و القناة إذا لم تكن في يد الغامز كانت أبعد عن الحطم و الكسر ، قال : و لا تقرع لهم صفاة مثل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزّته و قوّته . تبصرة لمّا كان أوّل هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّنا للاشارة إلى ملك الأكاسرة ، و آخرها متضمّنا للاشارة إلى بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اقتصاص حال أهل الجاهليّة في دولة الأكاسرة و أيّام الفترة و حين البعثة و بعدها أحببت أن أورد هنا رواية متضمّنة لهذا المرام ، مبيّنا فيها أسماء الملوك مفصّلا من زمن عيسى إلى زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أسماء المبعوثين قبله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأنبياء و الرّسل عليهم السّلام لمزيد ارتباطها بالمقام فأقول : روى الصّدوق في كتاب اكمال الدّين عن أبيه و محمّد بن الحسن « رض » قالا : حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى عن العبّاس بن معروف عن عليّ بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن محمّد بن اسماعيل القرشي عمّن حدّثه عن إسماعيل بن أبي رافع عن أبيه أبي رافع قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إنّ جبرئيل نزل عليّ بكتاب فيه خبر الملوك ملوك الأرض قبلي ، و خبر من بعث قبلي من الأنبياء [ 403 ] و الرّسل و هو حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة إليه قال : لمّا ملك اشبح بن اشجان و كان يسمى الكيس و كان قد ملك مأتى و ستّا و ستّين سنة . ففي سنة إحدى و خمسين من ملكه بعث اللّه عزّ و جل عيسى بن مريم عليه السّلام و استودعه النور و العلم و الحكم و جميع علوم الأنبياء قبله ، و زاده الانجيل ، و بعثه إلى بيت المقدس الى بني إسرائيل يدعوهم إلى كتابه و حكمته و إلى الايمان باللّه و رسوله ، فأبى أكثرهم إلاّ طغيانا و كفرا ، فلمّا لم يؤمنوا به دعا ربّه و عزم عليه ، فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا فلم يزدهم ذلك إلاّ طغيانا و كفرا ، فأتى بيت المقدس فمكث يدعوهم و يرغبهم فيما عند اللّه ثلاثا و ثلاثين سنة حتّى طلبه اليهود و ادّعت أنّها عذّبته و دفنته في الأرض ، و ادّعا بعضهم أنّهم قتلوه و صلبوه ، و ما كان اللّه ليجعل لهم سلطانا عليه و إنّما شبّه لهم و ما قدروا على عذابه و دفنه و على قتله و صلبه لقوله عزّ و جلّ إنّى متوفّيك و رافعك إلىّ و مطهّرك من الّذين كفروا و لم يقدروا على قتله و صلبه لأنّهم لو قدروا على ذلك كان تكذيبا لقوله تعالى : و لكن رفعه اللّه اليه بعد أن توفّاه عليه السّلام . فلمّا أراد أن يرفعه أوحى إليه أن استودع نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون ابن حمّون الصّفا خليفة على المؤمنين ، ففعل ذلك فلم يزل شمعون في قومه يقوم بأمر اللّه عزّ و جلّ و يهتدى بجميع مقال عيسى في قومه من بني إسرائيل و جاهد الكفّار ، فمن أطاعه و آمن به فيما جاء به كان مؤمنا ، و من جحده و عصاه كان كافرا حتّى استخلص ربّنا تبارك و تعالى و بعث في عباده نبيّا من الصّالحين و هو يحيى بن زكريّا عليه السّلام و قبض شمعون . و ملك عند ذلك اردشير بن اشكان « زار كان خ ل » أربع عشرة سنة و عشرة أشهر ، و في ثمان سنين من ملكه قتلت اليهود يحيى بن زكريا عليه السّلام . و لمّا أراد اللّه سبحانه أن يقبضه أوحى إليه أن يجعل الوصيّة في ولد شمعون و يأمر الحواريّين و أصحاب عيسى عليه السّلام بالقيام معه ففعل ذلك . [ 404 ] و عندها ملك سابور بن أردشير ثلاثين سنة حتّى قتله اللّه و استودع علم اللّه و نوره و تفصيل حكمته في ذريّته يعقوب بن شمعون و معه الحواريّون من أصحاب عيسى عليه السّلام و عند ذلك ملك بخت نصر مأة سنة و سبعا و ثمانين سنة ، و قتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريّا و خرّب بيت المقدّس و تفرّقت اليهود في البلدان . و في سبعة و أربعين سنة من ملكه بعث اللّه عزّ و جلّ العزيز نبيّا إلى أهل القرى الّتي أمات اللّه عزّ و جلّ أهلها ثمّ بعثهم له و كانوا عن قرى شتّى فهربوا فرقا من الموت فنزلوا في جوار عزيز و كانوا مؤمنين و كان عزير يختلف إليهم و يسمع كلامهم و إيمانهم و احبّهم على ذلك ، و آخاهم عليه فغاب عنهم يوما واحدا ثمّ أتاهم فوجدهم صرعى موتى فحزن عليهم ، و قال « أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها » تعجّبا منه حيث أصابهم قد ماتوا أجمعين في يوم واحد ، فأماته اللّه عزّ و جلّ عند ذلك مأة عام فلبث « و هى خ ل » فيهم مأة سنة ثمّ بعثه اللّه و ايّاهم و كانوا مأة ألف مقاتل ثمّ قتلهم اللّه أجمعين لم يفلت منهم أحد على يدى بخت نصر . و ملك بعده مهروية بن بخت نصر ستّ عشر سنة و ستّ و عشرين يوما . و أخذ عند ذلك دانيال و حفر له جبّا في الأرض و طرح فيه دانيال عليه السّلام و أصحابه و شيعته من المؤمنين فالقى عليهم النّيران ، فلمّا رأى أنّ النّار ليست تقربهم و لا تحرقهم استودعهم الجبّ و فيه الأسد و السّباع و عذّبهم بكلّ لون من العذاب حتّى خلّصهم اللّه عزّ و جلّ منه و هم الذين ذكرهم اللّه في كتابه العزيز فقال عزّ و جلّ قتل أصحاب الاخدود . النّار ذات الوقود . فلمّا أراد اللّه أن يقبض دانيال أمره أن يستودع نور اللّه و حكمته مكيخا بن دانيال ففعل . و عند ذلك ملك هرمز ثلاثة و ستّين « ثلاثين خ ل » سنة و ثلاثة أشهر و أربعة أيّام . و ملك بعده بهرام ستّة و عشرين سنة . [ 405 ] و ولّي أمر اللّه مكيخا بن دانيال و أصحابه المؤمنين و شيعته الصديقون غير أنّهم لا يستطيعون أن يظهروا الايمان في ذلك الزّمان و لا أن ينطقوا به . و عند ذلك ملك بهرام بن بهرام سبع سنين ، و في زمانه انقطعت الرّسل فكانت الفترة . و ولّي الأمر مكيخا بن دانيال و أصحابه المؤمنين فلمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يقبضه أوحى إليه في منامه أن استودع « يستودع » نور اللّه و حكمته ابنه انشو بن مكيخا و كانت الفترة بين عيسى و بين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعمأة و ثمانين سنة و أولياء اللّه يومئذ في الأرض ذرّية انشو بن مكيخا يرث ذلك منهم واحد بعد واحد ممّن يختاره الجبار عزّ و جل فعند ذلك ملك سابور بن هرمز اثنين و سبعين سنة ، و هو أوّل من عقد التّاج و لبسه . و ولىّ أمر اللّه يومئذ انشو بن مكيخا . و ملك بعد ذلك اردشير أخو سابور سنتين ، و في زمانه بعث اللّه الفتية أصحاب الكهف و الرّقيم . و ولىّ أمر اللّه يومئذ في الأرض رسيحا « رشيحاء خ ل » بن انشوبن مكيخا . و عند ذلك ملك سابور بن اردشير خمسين سنة . و ولىّ امر اللّه يومئذ رسيحاء بن انشو . و ملك بعده يزدجرد بن سابور احدى و عشرين سنة و خمسة أشهر و تسعة عشر يوما . و ولّى أمر اللّه يومئذ في الأرض رسيحا عليه السّلام ، و لما أراد اللّه عزّ و جل أن يقبض رسيحا أوحى اليه أن استودع علم اللّه و نوره و تفصيل حكمته نسطورس بن رسيحا . فعند ذلك ملك بهرام جور ستّا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و ثمانية عشر يوما . و ولّى أمر اللّه يومئذ نسطورس بن رسيحا . و عند ذلك ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام سبعة و عشرين سنة . و ولىّ أمر اللّه يومئذ نسطورس بن رسيحا و أصحابه المؤمنين ، فلمّا أراد اللّه [ 406 ] عزّ و جلّ أن يقبضه أوحى اليه في منامه أن استودع نور اللّه و حكمته و كتبه مرعيدا . و عند ذلك ملك فلاس بن فيروز أربع سنين . و ولىّ أمر اللّه عزّ و جل مرعيدا . و ملك بعده قباد بن فيروز ثلاثا و اربعين سنة . و ملك بعده جاماسف اخو قباد ستّا و أربعين « خ ل ستين » سنة و ولىّ أمر اللّه يومئذ في الأرض مرعيدا . و عند ذلك ملك كسرى 1 بن قباد ستّا و أربعين سنة و ثمانية أشهر و ولىّ أمر اللّه يومئذ مرعيدا عليه السّلام و اصحابه و شيعته المؤمنين ، فلمّا أراد اللّه عزّ و جل أن يقبض مرعيدا أوحى اليه في منامه ان استودع نور اللّه و حكمته بحيراء الرّاهب ففعل فعند ذلك ملك هرمز بن كسرى ثلاث و ثمانين سنة . و ولىّ أمر اللّه يومئذ بحيرا و أصحابه المؤمنون و شيعته الصدّيقون . و عند ذلك ملك كسرى بن هرمز بن پرويز و ولىّ امر اللّه يومئذ بحيرا . حتّى إذا طالت المدّة و انقطع الوحى و استخفّ بالنعم و استوجب الغير و درس الدّين و تركت الصلاة و اقتربت السّاعة و كثرت الفرق و صار النّاس في حيرة و ظلمة و أديان مختلفة و أمور متشتّتة و سبل ملتبسة و مضت تلك القرون كلّها و مضى صدر منها على منهاج نبيّها عليه السّلام و بدّل آخر نعمة اللّه كفرا و طاعته عدوانا فعند ذلك استخلص اللّه عزّ و جل لنبوّته و رسالته من الشجرة المشرفة الطيّبة و الجرثومة 2 المتحيّزة « المتمرة خ ل » 3 الّتى اصطفاها اللّه عزّ و جلّ في سابق علمه و نافذ قوله قبل ابتداء خلقه ، و جعلها منتهى خيرته و غاية صفوته و معدن خاصيّته محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اختصّه بالنبوّة و اصطفاه بالرّسالة و أظهر بدينه الحق ليفصل بين عباد اللّه القضاء ، و يعطي في الحقّ جزيل العطاء ، و يحارب أعداء رب السّماء و جمع عند ذلك ربّنا تبارك و تعالى ----------- ( 1 ) و هو المعروف بأنوشيروان كما في روضة الصفا ، منه . ----------- ( 2 ) جرثومة الشي‏ء اصله ، م ----------- ( 3 ) أتمر النخلة اى صارت حاملة للتمر . م [ 407 ] لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علم الماضين و زاده من عنده القرآن الحكيم بلسان عربىّ مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فيه خبر الماضين و علم الباقين . بيان ما في هذه الرّواية من كون الفترة بين عيسى و محمّد أربعمأة و ثمانين سنة مخالف لما في البحار من كتاب كمال الدّين بسنده عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : كان بين عيسى و بين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسمأة عام منها مأتان و خمسون عاما ليس فيها نبيّ و لا عالم ظاهر ، قلت : فما كانوا ؟ قال : كانوا متمسّكين بدين عيسى ، قلت : فما كانوا ؟ قال : مؤمنين ثمّ قال عليه السّلام : و لا تكون الأرض إلاّ و فيه عالم . و فيه أيضا من الاحتجاج قال : سأل نافع مولى ابن عمر أبا جعفر عليه السّلام كم بين عيسى و بين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من سنة ؟ قال : اجيبك بقولك أم بقولى ؟ قال : أجبني بالقولين قال عليه السّلام : أمّا بقولي فخمسمأة سنة ، و أمّا قولك فستّمأة سنة . قال المحدّث العلاّمة المجلسي بعد نقل هذه الأخبار : و المعوّل على هذين الخبرين ، ثمّ قال : و يمكن تأويل الخبر المتقدّم بأن يقال : لم يحسب بعض زمان الفترة من أوّلها لقرب العهد بالدّين . أقول : أمّا أنّ التعويل على ما تضمّنه الخبران من كون المدّة بينهما خمسمأة عام فلا غبار عليه لشهرته ، و أمّا التّأويل الّذى ذكره في الخبر فليس بذلك البعد و لكن في خصوص هذه الفقرة منه إلاّ أنّ السنين المشخّصة فيه لكلّ من السلاطين بين عيسى و محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يزيد مجموعها على تسعمأة سنة و منافاته لكون المدّة بينهما خمسمأة سنة كما في الخبرين واضح و لا يمكن دفعه بالتّأويل المذكور ، و الجمع بينهما محتاج إلى التأمل . [ 408 ] الترجمة پس عبرت برداريد بحالت فرزندان جناب اسماعيل و پسران جناب إسحاق و فرزندان جناب يعقوب عليهم السّلام پس چه قدر سخت است معتدل شدن حالت شما با حالات ايشان ، و چه نزديكست مشابهت صفات شما بصفتهاى ايشان ، تدبّر نمائيد كار ايشان را در حال پراكندگى ايشان و متفرّق بودن ايشان در شبهائى كه بودند پادشاهان فارس و روم پادشاه ايشان ، در حالتي كه دور ميكردند ايشانرا از كشت زار آفاق و از درياى عراق كه شطّ و فراتست ، و از سبزى دنيا يعنى بلاد معموره بسوى مواضع روئيدن درمنه 1 و مكانهاى وزيدن باد و تنگى معاش . پس گذاشتند پادشاهان ايشان را در حالتى كه فقرا و مساكين بودند برادران شتران مجروح صاحب كرك در حالتى كه ذليل‏ترين امّتها بودند از حيثيت خانه ، و قحطترين ايشان بودند از حيثيّت منزل و مقرّ ، نمى‏توانستند خودشان را بچسبانند و پناه برند بسوى جناح دعوتى كه طلب حفظ كنند با آن ، و نه بسوى سايه الفتى كه اعتماد نمايند بر عزّت آن . پس احوال ايشان پريشان بود و دستهاى ايشان مختلف ، و جمعيت و كثرت ايشان متفرّق ، در شدّت بلا و جهالت عام از دختران زنده در گور شده ، و بتهاى عبادت كرده شده ، و رحمهاى بريده شده ، و غارتهاى ريخته شده از هر طرف . پس نظر كنيد بمواقع نعمتهاى خداوند بر ايشان وقتى كه مبعوث فرمود بسوى ايشان پيغمبرى را يعنى محمّد مصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، پس منعقد ساخت با ملّت خود اطاعت ايشانرا ، و جمع فرمود با دعوت خود الفت ايشان را چگونه منتشر ساخت و فراخ گردانيد نعمتى كه بر ايشان بود بال كرامت خود را ، و جارى ساخت بر ايشان نهرهاى ناز و نعمتهاى خود ، و پيچيده شد ملّت بايشان يعنى جمع نمود دين اسلام ايشانرا در منافع بركت خود . ----------- ( 1 ) با تركى پوشان . م [ 409 ] پس گرديدند در نعمت ملت غرق شدگان ، و از سبزى و طراوت عيش آن شادمان ، بتحقيق كه مستقيم شد كارهاى ايشان در سايه سلطان غالب ، و نازل كرد ايشانرا حالت ايشان بسوى پناه عزّت قاهر ، و مهربانى كردند كارها بر ايشان در بلنديهاى پادشاهى ثابت . پس ايشان حاكمانند بر عالميان ، و پادشاهانند در أطراف زمينها ، مالك مى‏شوند در كارها بر كسانى كه مالك بودند در آن كارها بر ايشان ، و امضا مى‏كنند و جارى مى‏سازند حكمها را در اشخاصى كه امضاء مى‏نمودند آن كارها را در ايشان فشرده نمى‏شود براى ايشان هيچ نيزه بجهت قوت ايشان ، و كوبيده نمى‏شود مر ايشانرا هيچ سنگى بجهت غايت قدرت و جرأت ايشان . هذا آخر الجزء الحاديعشر من هذه الطبعة النفيسة القيمة ، و قد تمّ تصحيحه و تهذيبه و ترتيبه بيد العبد السيد ابراهيم الميانجى عفى عنه و عن والديه ، و ذلك في اليوم الثالث عشر من شهر رجب الاصبّ ، يوم ميلاد الامام عليّ بن ابيطالب أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين سنة 1382 و يليه انشاء اللّه الجزء الثانى عشر و أوله : « الفصل السابع » و الحمد للّه ربّ العالمين [ 2 ] ج 12 بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الفصل السابع ألا و إنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطّاعة ، و ثلمتم حصن اللّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، و إنّ اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الامّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة ، الّتي ينتقلون « يتقلّبون خ ل » في ظلّها ، و يأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ، لأنّها أرجح من كلّ ثمن ، و أجلّ من كلّ خطر و اعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، و بعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلّقون من الإسلام إلاّ باسمه ، و لا تعرفون من الإيمان إلاّ رسمه ، تقولون : النّار و لا العار ، كأنّكم تريدون أن تكفؤا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، و نقضا لميثاقه ، الّذي وضعه اللّه لكم حرما في أرضه ، و أمنا بين خلقه ، و إنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرين و لا أنصار ينصرونكم إلاّ المقارعة بالسّيف ، حتّى يحكم اللّه بينكم ، و إنّ عندكم الأمثال [ 3 ] من بأس اللّه و قوارعه ، و أيّامه و وقايعه فلا تستبطؤا وعيده جهلا بأخذه ، و تهاونا ببطشه ، و يأسا من بأسه ، فإنّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي « القرون الماضية خ ل » بين أيديكم إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر ، فلعن اللّه السّفهاء لركوب المعاصي ، و الحلماء لترك التّناهي ، ألا و قد قطعتم قيد الإسلام ، و عطّلتم حدوده ، و أمتّم أحكامه اللغة ( نفضت ) الورقة من الشجرة أسقطته ، و نفضت الثوب نفضا حرّكته ليزول عنه الغبار و نحوه فهو منتفض و ( ثلمت ) الاناء ثلما من باب ضرب كسرته من حافته فهو منثلم ، و الثلمة في الحايط و غيره الخلل و الجمع ثلم مثل غرفة و غرف و ( الخطر ) محرّكة السّبق الّذى يتراهن عليه ، و خطر الرّجل خطرا وزان شرف شرفا إذا ارتفع قدره و منزلته فهو خطير و ( الأحزاب ) جمع حزب و هو الطّائفة من النّاس و تحزّب القوم صاروا أحزابا ، و يوم الأحزاب هو يوم الخندق و ( كفات ) الاناء قلبته و أكفأته مثله و ( بطش به ) من باب نصر و ضرب أخذه بالعنف و السّطوة كأبطشه ، و البطش الأخذ الشديد في كلّ شي‏ء و ( تناهوا عن المنكر ) نهي بعضهم بعضا . الاعراب قال الشارح المعتزلي : الباء في قوله : بنعمة ، متعلّقة بقوله : امتنّ ، و في من قوله فيما عقد بينهم متعلّقة بمحذوف و موضعها نصب على الحال ، انتهى [ 4 ] و الظاهر من سياق كلامه أنّ ذا الحال هو قوله : بنعمة ، أى امتنّ بنعمة حاصلة فيما عقدآه ، و لا يضرّ تقدّمها عليه لكونها ظرفا يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره ، و يجوز أن يكون ذو الحال قوله : على جماعة إى امتنّ على جماعة هذه الأمّة حالكونهم ثابتين مستقرّين فيما عقد بينهم . و قوله : النّار و لا العار منصوبان بفعل مضمر ، أى ادخلوا النّار و لا تلتزموا العار ، و انتهاكا مفعول لأجله لقوله : تريدون ، أو لقوله : تكفؤا ، و الثاني أظهر و أقرب . و قوله : لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرين قال الشّارح المعتزلي : الرّواية المشهورة هكذا بالنّصب و هو جائز على التشبيه بالنّكرة كقولهم معضلة و لا أبا حسن لها ، انتهى . أقول : قال نجم الأئمة بعد اشتراط كون اسم لا النّافية للجنس نكرة : و اعلم أنّه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخلال بنكرة فينتصب و ينزع منه لام التعريف إن كان فيه ، نحو لا حسن في الحسن البصرى ، و لا صعق في الصعق ، أو فيما اضيف إليه نحو لا امرء قيس و لا ابن زبير ، و لتأويله بالمنكر وجهان : إمّا أن يقدّر مضاف هو مثل فلا يتعرّف بالاضافة لتوغّله في الابهام ، و إمّا أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الحلّة كانّه اسم جنس موضوع لافادة ذلك المعني ، لأنّ معني قضيّة و لا أبا حسن لها لا فيصل لها إذ هو عليه السّلام كان فيصلا في الحكومات على ما قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أقضاكم عليّ ، فصار اسمه كالجنس المفيد لمعني الفصل و القطع كلفظ الفيصل ، انتهى . و عليه فالتّاويل في كلامه أن يراد بقوله لا جبرئيل و لا ميكائيل أنّه لا ناصر لكم و لا معاون ، هذا . و على الرّواية الغير المشهورة فالرّفع في الجميع بالابتداء على أن لا ملغاة عن العمل ، و هو أحد الوجوه الخمسة الّتي ذكرها علماء الأدب في نحو لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه ، و على أىّ تقدير فالخبر محذوف و جملة ينصرونكم وصف أو حال و الأوّل أظهر و أولى من جعلها خبرا أيضا كما ذهب إليه الشّارح البحراني . و قوله : إلاّ المقارعة بالسّيف ، يروى بالنصب و بالرّفع [ 5 ] أمّا النّصب فعلي أنّه استثناء من الأسماء الواقعة بعد لاء التّبرية لعمومها بعد تأويل الأوّلين منها بالنّكرة حسبما عرفت ، فانّ الكلام بعد التأويل المذكور بمنزلة لا عوان و لا ناصرين ينصرونكم إلاّ المقارعة ، و يجوز جعل المستثنى منه ضمير الجمع في ينصرون العايد الى الأسماء المذكورة ، و على أىّ تقدير فالظّاهر أنّ الاستثناء متّصل بعد ارتكاب التاويل المذكور لا منقطع كما قاله الرّاوندى . و أمّا الرّفع فعلي أنّه بدل من الأسماء المذكورة على روايتها بالرّفع ، أو من ضمير ينصرون على روايتها بالنّصب ، و الرّفع هو المختار كما قاله علماء الأدب في مثل ما فعلوه إلاّ قليل و إلاّ قليلا ، أى فيما إذا وقع المستثنى بالاّ في كلام غير موجب و ذكر المستثنى منه أنّه يجوز النّصب و يختار البدل . و مرادهم بالكلام الغير الموجب كما قاله نجم الأئمة أن يكون المستثنى مؤخّرا من المستثنى منه المشتمل عليه نفى أو نهى ، فيدخل فيه الضّمير الرّاجع قبل الاستثناء بالاّ على اسم صالح لأن يبدل منه معمول للابتدا أو أحد نواسخه نحو قولك ما أحد ضربته إلاّ زيدا يجوز لك الابدال من هاء ضربته لأنّ المعني ما ضربت أحدا إلاّ زيدا ، فقد اشتمل النفى على هذا الضمير من حيث المعنى ، و كذلك إذا كان الضمير فى صفة المبتداء نحو ما أحد لقيته كريم إلاّ زيدا ، فانّه بمنزلة ما لقيت أحدا كريما إلاّ زيدا . فعلم بذلك انّ جعل جملة ينصرون في كلامه عليه السّلام صفة أو خبرا لا يوجب التفاوت في الابدال من الضمير الّذي فيه . قال نجم الأئمة : و الابدال من صاحب الضمير أولى لأنّه الاصل و لا يحتاج الى تاويل آه . فان قلت : فعلى الابدال يكون بدل غلط فكيف به فى كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الّذي هو أفصح الكلام ؟ قلت : كلاّ بل هو بدل اشتمال ، لأنّ نصرة جبرئيل و ميكائيل و المهاجر و الأنصار لما كان بمقارعة السّيوف حسن ذلك للابدال ، هذا ما يقتضيه النظر الجلى . و أمّا الذى يقتضيه النظر الدّقيق فهو أن جعل انتصاب المقارعة على رواية النصب [ 6 ] بالمصدر كما قاله الشارح المعتزلي أولى ، لافادته الدّوام و الثبوت . بيان ذلك أنهم قد قالوا إنّ المصدر إذا وقع مثبتا بعد نفي داخل على اسم لا يكون خبرا عنه إلاّ مجازا لكونه صاحب هذا المصدر يحذف عامله قياسا نحو ما زيد إلاّ سيرا ، و ما الدّهر إلاّ تقلّبا ، و ما كان زيد إلاّ سيرا ، فانّ سيرا لا يجوز جعله خيرا عن زيد ، لأنّ زيدا صاحب السير لا نفس السير ، و هكذا لا يصحّ جعل تقلّبا خبرا عن دهر ، فلا بدّ من أن يكون العامل محذوفا أى ما زيد إلاّ يسير سيرا ، و ما الدّهر إلاّ يتقلّب تقلّبا ، و فيما نحن فيه لا أنصار ينصرونكم إلاّ تقارعوا المقارعة بالسيف . قال نجم الأئمة : و إنّما وجب حذف الفعل لأنّ المقصود من هذا الحصر وصف الشي‏ء بدوام حصول الفعل منه و لزومه له ، و وضع الفعل على الحدوث و التجدّد فلما كان المراد التنصيص على الدّوام و اللزوم لم يستعمل العامل أصلا لكونه إما فعلا و هو موضع على التجدّد ، أو اسم فاعل و هو مع العمل كالفعل لمشابهته ، فصار العامل لازم الحذف ، فان أرادوا زيادة المبالغة جعلوا المصدر نفسه خبرا نحو ما زيد إلاّ سير كما ذكرنا فى المبتداء في قولنا إنما هي أقبال و إدبار ، فينمحى إذا عن الكلام معني الحدوث أصلا لعدم صريح الفعل و عدم المفعول المطلق الدّال عليه ، انتهى . و به يعلم أنه على رواية الرّفع يجوز أن يكون ارتفاعه على الخبر قصدا إلى المبالغة كما فى ما زيد إلاّ سير ، فافهم جيّدا . المعنى اعلم أنّه لمّا أمر المخاطبين في الفصل السابق بالاعتبار بحال بني إسماعيل و بنى إسرائيل ، عاد في هذا الفصل إلى تقريعهم و توبيخهم كما فى أكثر الفصول السّابقة بقلّة الطّاعة و أخذ طريق الجاهليّة فقال : ( ألا و انّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطّاعة ) و التعبير بلفظ النّفض دون الترك للاشارة إلى طرحهم له و إعراضهم عنه ، فانّ من يخلى الشى‏ء من يده [ 7 ] ثمّ ينفض يده منه يكون أشدّ تخلية ممن لا ينفضها ، بل يقنع بتخليته فقط . و تشبيه الطاعة بالحبل من تشبيه المعقول بالمحسوس و وجه الشّبه أنّ الحبل آلة الوصلة بين الشيئين و الطاعة سبب الاتّصال بقرب الخالق ، و لذلك أمر اللّه سبحانه بالاعتصام به فى قوله « و اعتصموا بحبل اللَّه جميعا و لا تفرّقوا » . ( و ثلمتم حصن اللّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ) استعار حصن اللّه للاسلام ، و رشح بذكر المضروب ، و الجامع بين المستعار منه و المستعار له أنّ الحصن سبب الحفظ و الوقاية من شرّ الأعداء ، و الاسلام سبب السّلامة من شرّ الأعداء في الدّنيا و من حرّ النّار في الآخرة ، يعني أنّكم كسرتم حصن الاسلام الّذى كنتم متحصّنين فيه متحفّظين به بأحكام الجاهليّة و هي التفرّق و الاختلاف و العصبيّة و الاستكبار . و لمّا وبّخهم على ترك الطاعة و ثلم الاسلام بالافتراق و الاختلاف رغّبهم في الاعتصام بحبل الايتلاف و الاجتماع بالتّنبيه على أنّه أعظم نعمة أنعم اللّه سبحانه بها على عباده و هو قوله : ( و انّ اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة ) أى منّ عليهم ( فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة الّتي ينتقلون ) و في بعض النسخ يتقلّبون ( في ظلّها و يأوون إلى كنفها ) أى ينزلون و يسكنون إلى جانبها و ناحيتها . و المراد بحبل الالفة هو الاسلام الموجب للايتلاف و الارتباط بينهم استعار له الحبل لذلك . ( بنعمة ) أى امتنّ عليهم بنعمة عظيمة ( لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ) و المراد بتلك النعمة نفس هذه الالفة أو الاسلام الموجب لها ، فانّها نعمة عظيمة يترتّب عليها من المنافع الدّنيويّة و الأخروية ما لا تحصى ، و يندفع بها من المضار الدّنيوية و الاخرويّة ما لا تستقصى . و في هذه الفقرات تلميح إلى قوله تعالى في سورة آل عمران يا ايّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه حقَّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون . و اعتصموا بحبل اللَّه جميعا و لا تفرّقوا و اذكروا نعمة اللَّه عليكم اذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته [ 8 ] إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها 1 قال الطبرسي : أي تمسّكوا بحبل اللّه و هو دين اللّه و الاسلام قاله ابن عبّاس ، و لا تفرّقوا معناه و لا تتفرّقوا عن دين اللّه الّذي أمركم فيه بلزوم الجماعة و الايتلاف على الطاعة و اثبتوا عليه . و اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم . قيل : أراد ما كان بين الأوس و الخزرج من الحروب الّتي تطاولت مأة و عشرين سنة إلى أن ألّف اللّه بين قلوبهم بالاسلام فزالت تلك الأحقاد . و قيل : هو ما كان بين مشركى العرب من الطوائل ، و المعنى احفظوا نعمة اللّه و منته عليكم بالاسلام و بالايتلاف ، و رفع ما كان بينكم من التنازع و الاختلاف ، فهذا هو النفع الحاصل لكم فى العاجل مع ما أعدّ لكم من الثواب الجزيل فى الآجل ، إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم ، بجمعكم على الاسلام و رفع البغضاء و الشحناء عن قلوبكم . فأصبحتم بنعمته ، أى بنعمة اللّه إخوانا متواصلين و أحبابا متحابّين ، بعد أن كنتم متحاربين متعادين . و كنتم على شفا حفرة من النار ، أى و كنتم يا أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على طرف حفرة ----------- ( 1 ) قال فى مجمع البيان فى وجه نزول هذه الآية قال : مقاتل : افتخر رجلان من الأوس و الخزرج . فقال الأوسى : منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، و منّا حنظلة غسيل الملائكة ، و منّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدين ، و منّا سعد بن معاذ الذى اهتزّ عرش الرّحمن له و رضى بحكمه فى بنى قريظة . و قال الخزرجى : منّا أربعة أحكموا القرآن ابىّ بن كعب ، و معاذ بن جبل ، و زيد ابن ثابت ، و ابو زيد ، و منّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار و رئيسهم . فجرى الحديث بينهما فغضبا و تفاخرا و ناديا ، فجاء الأوس إلى الأوسى و الخزرج إلى الخزرجى و معهم السلاح ، فبلغ ذلك النبىّ ( ص ) فركب حمارا و أتاهم ، فأنزل اللّه الآيات فقرأها عليهم ، فاصطلحوا ، منه . [ 9 ] من جهنّم لم يكن بينكم و بينها إلاّ الموت . فأنقذكم اللّه منها بأن أرسل إليكم رسولا و هداكم للايمان و دعاكم إليه فنجوتم باجابته من النار . و انما قال : فأنقذكم منها و إن لم يكونوا فيها ، لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها حيث كانوا مستحقّين لها . و بما ذكرنا كلّه علم أنّ هذه النعمة أعنى نعمة الالفة و المحابّة على الاسلام أعظم نعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة . ( لأنّها ) موجبة لسعادة النشأتين و عزّ الدّارين و للانقاذ من النار و الدّخول فى جنّات تجرى من تحتها الأنهار و النزول فى منازل الأبرار و ( أرجح من كلّ ثمن ) كما يشير اليه قوله تعالى « لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم و لكن اللَّه ألف بينهم ( و أجلّ من كلّ خطر ) و شرف و مزيّة لجمعها جميع أقسام الشرف ، إذ بها يتمكّن من دركها و تحصيلها و الوصول إليها . ( و اعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ) قال الشارح المعتزلى : الأعراب على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من آمن به من أهل البادية و لم يهاجر إليه ، و هم ناقصوا المرتبة عن المهاجرين لجفائهم و قسوتهم و توحّشهم و تشتّتهم في بعد من مخالطة العلماء و سماع كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و فيهم انزل : « الأعراب أشدّ كفراً و نفاقاً و أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه على رسوله » و ليست هذه الآية عامّة في كلّ الأعراب بل خاصّة ببعضهم ، و هم الّذين كانوا حول المدينة و هم : جهنية ، و أسلم ، و أشجع ، و غفار ، و اليهم أشار سبحانه بقوله « و ممّن حولكم من الأَعراب منافقون » و كيف يكون كلّ الأعراب مذموما و قد قال تعالى « و من الأعراب من يؤمن باللَّه و اليوم الآخر و يتّخذ ما ينفق قربات عند اللَّه » و صارت هذه الكلمة جارية مجرى المثل ، انتهى و قال الشهيد الثاني : المراد بالأعراب من أهل البادية و قد أظهر الشهادتين على وجه حكم باسلامه ظاهرا و لا يعرف من معني الاسلام و مقاصده و أحكامه سوى الشهادتين آه . [ 10 ] إذا عرفت ذلك فأقول : قد ظهر لك في شرح الخطبة المأة و الثامنة و الثمانين أنّ حقيقة المهاجرة هو الهجرة إلى حضور الحجّة لمعرفته و العلم بوجوب اطاعته و امتثال أحكامه ، و على هذا فمقصوده عليه السّلام بقوله : صرتم بعد الهجرة أعرابا ، توبيخهم على أنّهم بعد ما كانوا عارفين به و بمقامه عليه السّلام و وجوب طاعته و عالمين بأحكام الشرع و آدابه و وظايف الاسلام كما هو شأن المهاجر ، قد تركوا ذلك كلّه و صاروا مثل الأعراب الّذين لا يعرفون إلاّ ظاهر الاسلام كما قال عزّ و جلّ « أجدر أن لا يعلموا حدود ما انزل اللَّه » أى أحرى بأن لا يعلموا حدود اللّه في الفرايض و السنن و الحلال و الحرام . يعني أنكم قد صرتم بالعصبيّة و الاستكبار و العناد و إثارة الفتن بمنزلة الأعراب الجاهلين بما لهم و ما عليهم بعد ما كنتم عارفين بذلك كلّه . ( و بعد الموالات أحزابا ) أى بعد الالفة و الاجتماع أحزابا متعادية متشتّتة مختلفة الآراء ، أى صرتم حزبا حزبا و طائفة طائفة كلّ منكم يخالف آخرين ، و كلّ حزب بما لديهم فرحون . ( ما تتعلّقون من الاسلام إلاّ باسمه و لا تعرفون من الايمان إلاّ رسمه ) لما جعلهم أعرابا أحزابا اتبعه بهذه الجملة و لكمال الاتّصال بينهما وصلها بسابقته و ترك العاطف . و المراد أنّهم لم يأخذوا من الاسلام و أحكامه شيئا إلاّ اسمه فيسمّون باسم المسلم ، و لا يعرفون من الايمان إلاّ صورته دون ماهيّته و حقيقته ، و في بعض النسخ لا تعقلون بدل لا تعرفون ، و المقصود واحد . ( تقولون النّار و لا العار ) كلمة جارية مجرى المثل يقولها أهل الحميّة و الانفة من تحمل الضيم و الذّل على نفسه أو من ينسب إليه من قومه و خاصّته استنهاضا و الهابا بها إلى النضال و الجدال فاذا قيلت في حقّ كان ثوابا و إذا قيلت في باطل كان خطاء . و لمّا كان غرض المخاطبين منها هو الشرّ و الفساد و إثارة الفتنة المخالفة لوظايف الاسلام شبّه حالهم في أعمالهم و أقوالهم بقوله : [ 11 ] ( كأنّكم تريدون أن تكفؤا الاسلام على وجهه ) بأنّهم يريدون أن يكبّوا و يقلبوا الاسلام على وجهه ، تشبيها له بالاناء المقلوب على وجهه فكما أنّه بعد قلبه لا يبقي فيه شي‏ء أصلا و يخرج ما كان فيه من حيّز الانتفاع ، فكذلك الاسلام الّذى لم يراع حدوده و احكامه كأنّه لم يبق منه شي‏ء ينتفع به ، و هو من الاستعارة المكنيّة و ذكر الكفاء تخييل . و قوله ( انتهاكا لحريمه ) أراد به أنّ فعلكم ذلك كاشف عن كون غرضكم منه الانتهاك كالكفّار و المنافقين و أعادى الدّين الذين لا غرض لهم إلاّ إبطال الاسلام و هتك حريمه ( و نقضا لميثاقه ) و هى حدوده و شرايطه المقرّرة و وظايفه المأخوذة فيه ( الذى وضعه اللّه لكم حرما في أرضه ) لمنعه الآخذين به و المواظبين له من الرّفث و الفسوق و الجدال . ( و أمنا بين خلقه ) أى سبب أمن أى أمانا لهم من شرّ الأعداء و من تعدّى كلّ منهم إلى الآخر . و المراد بنقضهم ميثاقه تركهم لوظايفه المقرّرة ، و قطعهم لما أمر اللّه به أن يوصل ، و سعيهم في إثارة الفتنة و الفساد و القتل و القتال ، قال سبحانه « الّذين ينقضون عهد اللَّه من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل و يفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون » . قال الطبرسيّ : الذين ينقضون عهد اللّه ، أى يهدمونه أى لا يفون به ، و عهد اللّه وصيّته إلى خلقه على لسان رسوله بما أمرهم به من طاعته و نهيهم عنه من معصيته و نقضهم لذلك تركهم العمل به من بعد ميثاقه قال في الصّافي : أى تغليظه و أحكامه و يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل قال الطبرسيّ : معناه امروا بصلة النبيّ و المؤمنين فقطعوهم ، و قيل : امروا بصلة الرّحم و القرابة فقطعوها و قيل : امروا بأن يصلوا القول بالعمل ففرّقوا بينهما بأن قالوا و لم يعملوا و قيل : معناه الأمر بوصل [ 12 ] كلّ من أمر اللّه بصلته من أوليائه و القطع و البرائة من أعدائه ، و هذا أقوى لأنّه أعمّ . و في الصّافي أقول : و يدخل في الآية التفريق بين الأنبياء و الكتب في التصديق و ترك موالاة المؤمنين و الجمعة و الجماعات المفروضة و ساير ما فيه رفض خير أو تعاطى شرّ لأنّه يقطع الوصلة بين اللّه و بين العبد الّتى هى المقصودة بالذات من كلّ وصل و فصل . و يفسدون في الأرض قيل : نقضهم العهد ، و قيل أراد كلّ معصية تعدّى ضررها إلى غير فاعلها . و في الصّافي يفسدون بسبب قطع ما في وصله نظام العالم و صلاحه اولئك هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بما صاروا إلى النيران و حرموا الجنان ، فيا لها خسارتا لزمتهم عذاب الأبد و حرّمتهم نعيم الأبد . ثمّ حذّرهم و خوّفهم بقوله ( و إنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ) يعني أنّكم إن قطعتم حبل الاسلام العاقد بينكم و الجامع لجمعيّتكم و تمسّكتم بغيره من حمية أو جماعة أو كثرة عشيرة مع الخروج عن طاعة سلطان الاسلام و التفرّق فيه فانّ ذلك يوجب أن يطمع فيكم الكفّار و يحاربونكم . ( ثمّ لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرين و لا أنصار ينصرونكم ) كما كانوا ينصرون في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ( إلاّ المقارعة ) أى المضاربة و قرع بعضكم بعضا ( بالسّيف حتّى يحكم اللّه بينكم ) و بينهم بغلبة أحد الفريقين على الآخر . ثمّ ذكّرهم بالعقوبات النّازلة على الامم الماضية في القرون الخالية بخروجهم عن طاعة اللّه سبحانه فقال : ( و انّ عندكم الأمثال ) الّتي ضربها اللّه لكم بأهل القرون الماضية كما قال « و لقد أنزلنا اليكم آيات بيّنات و مثلا من الّذين خلوا من قبلكم و موعظة للمتّقين » و قال أيضا « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس و قروناً بين ذلك كثيراً . و كلاّ ضربنا له الأمثال و كلاّ تبّرنا تتبيراً » [ 13 ] ( من بأس اللّه ) و عذابه لهم ( و قوارعه ) أى دواهيه و افزاعه الّتي كانت تقرع القلوب بشدّتها ( و أيّامه ) الّتي انتقم اللّه فيها من القرون الاولى . قال الطبرسيّ في قوله : و ذكّرهم بأيّام اللّه : معناه و أمرناه 1 بأن يذكّر قومه وقايع اللّه في الامم الخالية و اهلاك من أهلك منهم ليحذروا ذلك . أقول : و من تلك الأيام ما اشير إليه في قوله « انّا ارسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمرّ . تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل منقعر » و في قوله « فأخذهم عذاب يوم الظلّة إنّه كان عذاب يوم عظيم » و في قوله « و أمّا عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية . سخّرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيّام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية » . ( و وقايعه ) أى نوازله الشّديدة و عقوباته الواقعة بالعاصين المتمرّدين كما اشير اليها في قوله عزّ و جلّ « فكلاّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً و منهم من أخذته الصيحة و منهم من خسفنا به الأرض و منهم من أغرقنا و ما كان اللَّه ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون » . و غرضه عليه السّلام من التذكير بهذه الأمثال توعيد المخاطبين و تهديدهم من أن يقارفوا ما قارف أهل القرون المتقدّمة من الذّنوب و الآثام ، فتنزل عليهم ما نزل بهم من البأس و العذاب ، و لذلك فرّع عليه قوله : ( فلا تستبطؤا وعيده ) أى لا تعدّوا ما أوعدكم به من العذاب بطيئا بعيدا فانّه قريب كما قال « إنّهم يرونه بعيداً و نريه قريبا » . و لا تبطؤا إبطاءه للعذاب طمعا منكم في أنّ إبطاءه يوجب ذهابه ، و إمهاله يوجب إهماله كما هو الغالب في وعيد غيره سبحانه ، فانّ تأخيره غالبا يوجب عدم وقوعه إمّا لحصول الغفلة و النسيان من الموعد ، أو لأنه ربّما يفوته من طلب أو يعجزه من هرب ، و أمّا اللّه الحىّ القيّوم القهّار ذو القوّة المتين و البأس الشّديد فانّه لبالمرصاد و لا يخلف الميعاد ، و المخاطبون لما قاسوه عزّ شأنه بغيره و وعيده بوعيد ----------- ( 1 ) أى موسى المتقدّم ذكره فى الآية ، [ 14 ] غيره استبطؤه لذلك و انما وقعوا في هذا الزّعم الفاسد . ( جهلا بأخذه و تهاونا ببطشه و يأسا من بأسه ) يعنى أنّ جهلكم بمؤاخذته الشديدة ، و تهاونكم ببطشه الناشى من تأخير وقوعه ، و يأسكم من بأسه الناشي من طول مدّة البأس صار علّة للاستبطاء فأوجب ذلك جسارتكم على اقتراف الجرائم و اقتحامكم في ورطات الآثام . كما أنّ أهل القرون الاولى قد وقعوا في الهلاك الدّائم و استحقوا العذاب الأليم أيضا من الجهالة بأخذه كما اشير إليه في الكتاب الكريم في قوله « و إذا قيل إنّ وعد اللَّه حقّ و الساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظنُّ إلاّ ظناً و ما نحن بمستيقنين » . و من التهاون ببطشه كما حكاه سبحانه عنهم بقوله عقيب هذه الآية « و بدا لهم سيئآت ما عملوا و حاق بهم ما كانوا به يستهزؤن » و بقوله « و لقد استهزء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن » . و من اليأس من بأسه كما اخبر عنهم بقوله « فعقروا الناقة و عتوا عن أمر ربّهم و قالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين » . و أما أهل العرفان و الايقان فيعرفون بنور الايمان و اليقين بما أخبر به الأنبياء و المرسلين و شهد به الكتاب المكنون أنّ وعده عزّ و جلّ و وعيده واقعان لا محالة و أنّ أخذه و بطشه و بأسه و إن تأخر حقّ محقّق لا ريب فيه كما قال « و لا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين » و قال « و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحلّ قريباً من دارهم حتى يأتي وعد اللَّه إنّ اللَّه لا يخلف الميعاد . و لقد استهزء برسل من قبلك فأمليت للّذين كفروا ثمّ أخذتهم فكيف كان عقاب » . و يعلمون أنّ التأخير و الامهال في العقاب لاقتضاء الحكمة الالهيّة و لو يعجّل 1 اللّه للنّاس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم . ----------- ( 1 ) اقتباس من الآية فى سورة يونس ( ع ) ( منه ) [ 15 ] و لكنه يمهل المؤمنين من باب اللّطف حتّى يتوبوا و يتداركوا الذّنوب بالانابة و الاستغفار . و يمهل الظالمين و يذر الذين لا يرجون لقائه في طغيانهم يعمهون من باب الاستدراج كما قال تعالى « و لا يحسبنّ الذين كفروا انما نملى لهم خير لأنفسهم انما نملى لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين » هذا . و لما ذكّرهم بأمثال الذين خلوا من قبل و نهاهم عن استبطاء وعيد اللّه سبحانه أردفه بالتنبيه على عمدة سبب الاستحقاق القرون الخالية للطعن و العتاب و اللّعن و العقاب و هو ارتفاع الرّكن الأعظم من الاسلام أى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر من بينهم ، و غرضه بذلك تحذير المخاطبين و تنبيههم على أنهم مثلهم في استحقاق اللّعن لارتفاع هذه الخصلة العظيمة من بينهم أيضا و لذلك أتى بالفاء التفريعيّة فقال : ( فانّ اللّه سبحانه لم يلعن القرون الماضية ) و لم يحرمهم من رحمته الواسعة ( إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) كما اشير إليه في قوله سبحانه « لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون » . قال الطبرسيّ : أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال : لعن الذين كفروا الآية ، معناه لعنوا على لسان داود فصاروا قردة و على لسان عيسى فصاروا خنازير . قال و قال أبو جعفر الباقر عليه السّلام و أما داود فانه لعن أهل ايلة لما اعتدوا في سبتهم و كان اعتداؤهم في زمانه فقال : اللّهم البسهم اللعنة مثل الرّدا و مثل المنطقة على الحقوين ، فمسخهم اللّه قردة ، فأمّا عيسى عليه السّلام فانه لعن الذين انزلت عليهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك قال الطبرسيّ : و انما ذكر اللعن على لسانهما إزالة للابهام بأنّ لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من العقوبة ، ثمّ بيّن اللّه تعالى حالهم فقال : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، أى لم يكن ينهى بعضهم بعضا و لا ينتهون أى لا يكفّون عما نهوا عنه [ 16 ] قال ابن عباس : كان بنو اسرائيل ثلاث فرق : فرقة اعتدوا في السّبت ، و فرقة نهوهم و لكن لم يدعوا مجالستهم و لا مؤاكلتهم ، و فرقة لما رأوهم يعتدون ارتحل عنهم و بقى الفرقتان المعتدية و الناهية المخالطة فلعنوا جميعا . و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر و لتأخذن على يد السفيه و لتاطرنه 1 على الحقّ اطراء أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض و يلعنكم كما لعنهم . و فى الوسائل عن الحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول عن الحسين عليه السّلام قال : و يروى عن عليّ عليه السّلام : اعتبروا أيها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول : « لو لا ينهيهم الرّبّانيّون و الأحبار عن قولهم الاثم » و قال « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا يفعلون » و إنما عاب اللّه عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة المنكر و الفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالونه منهم ، و رهبة مما يحذرون ، و اللّه يقول : « فلا تخشوا الناس و اخشوني » و قال : « المؤمنون بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر » فبدء اللّه بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا ادّيت و اقيمت استقامت الفرايض كلّها و هيّنها و صعبها ، و ذلك إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع ردّ المظالم ، و مخالفة الظالم ، و قسمة الفى‏ء و الغنايم ، و أخذ الصدقات من مواضعها و وضعها في حقّها . و قد تقدّم هذا الحديث مع حديث آخر مناسب للمقام و بعض الكلام في الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر في شرح الفصل الثاني من المختار المأة و الخامس و الخمسين ( فلعن اللّه السفهاء ) أى الجهّال ( لركوب المعاصي و الحلماء ) أى ذوى العقول و الاناة و في بعض النسخ الحكماء بدله ( لترك التناهى ) ----------- ( 1 ) الاطر عطف الشى‏ء ، ق [ 17 ] و هذه الجملة إمّا اخباريّة أتى بها أيضاحا للجملة المتقدّمة أعنى قوله : إنّ اللّه لم يلعن القرون الماضية إلاّ لتركهم اه ، و يؤيّده إضمار فاعل لعن و إسقاط لفظ الجلالة في بعض النّسخ و إمّا انشائيّة دعائية منه عليه السّلام أتى بها قياما منه بوظيفته اللاّزمة ، فانّ لعنه عليهم نهى لهم عن المنكر و هو مقتضى وظيفة الامامة . فعلى الاحتمال الأوّل يكون المراد بالسّفهاء و الحلماء سفهاء القرون الماضية و حلماءهم . و على الاحتمال الثاني سفهاء المخاطبين و حلماءهم ، و أوضح استحقاقهم للّعن و دخولهم في زمرة الملعونين بقوله : ( ألا و قد قطعتم قيد الاسلام ) أى حبل الالفة عليه بالاعتزاء و العصبيّة ( و عطلتم حدوده ) أى تركتم وظايفه المقرّرة الّتي لم يجز التّعدّى و التّخطي منها ( و أمتّم أحكامه ) أى أبطلتم أحكامه التي كان يلزم عليكم إحياؤها و العمل بها . و قد كان من جملة تلك الحدود و الأحكام المتروكة المعطلة أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر ، فانّ القيام بهما غالبا شأن الرّؤساء و الكبراء ، و قد كانوا قائمين بخلافه و كانوا يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و لذلك حذّر عن طاعتهم و متابعتهم في الفصل الثالث من هذه الخطبة و قال : إنّهم قواعد أساس العصبيّة و دعائم أركان الفتنة و سيوف اعتزاء الجاهليّة . الترجمة آگاه باشيد بدرستى كه شما بتحقيق افشانده‏ايد دستهاى خود را از ريسمان اطاعت و بالمرّه اعراض كرده‏ايد از آن ، و خراب نموده‏ايد حصار خدا را كه زده شده است بر شما با أحكام جاهليّت ، و بدرستى خداى تبارك و تعالى منّت نهاده بر جماعت اين امّت در آنچه منعقد ساخته در ميان ايشان از ريسمان اين الفت ، چنان الفتى كه بر مى‏گردند در سايه آن ، و نازل ميشوند در پناه‏گاه آن با نعمتى [ 18 ] كه نمى‏شناسد احدى از مخلوقان قيمت آن را ، از جهت اينكه آن افزونتر است از هر بهائى ، و بزرگتر است از هر منزلت و مزيّتى . و بدانيد بدرستى كه شما گرديديد بعد از مهاجرت و معرفت برسومات و آداب شريعت مثل عربان باديه نشين بى‏معرفت ، و بعد از دوستى و موالاة طوايف مختلفه متعلّق نمى‏شويد از اسلام مگر اسم آن را ، و نمى‏شناسيد از ايمان مگر رسم آن را مى‏گوئيد : النار و لا العار ، داخل آتش بشويد قبول ننگ و عار ننمائيد گويا كه مى‏خواهيد برگردانيد اسلام را بر روى آن بجهت هتك احترام آن ، و بجهت شكستن پيمان آن چنان اسلامى كه نهاده است آن را خداى تعالى براى شما حرم در زمين خود ، و ايمنى در ميان خلقان خود . و بدرستى كه اگر شما ملتجى بشويد بسوى غير آن يعنى اگر اعتماد نمائيد بر غير دين اسلام محاربه مى‏كنند با شما كفّار ، بعد از آن نه جبرئيل است و نه ميكائيل و نه مهاجرين و نه انصار كه نصرت كنند شما را مگر كوفتن يكديگر با شمشير آبدار تا آنكه حكم كند خداوند متعال در ميان شما . و بدرستى كه در نزد شما است داستانها از شدّت عذاب خدا و عقوبات كوبنده أو و روزهاى سخت او و واقعه‏هاى نكال او ، پس بعيد نشماريد وعده عذاب او را از جهت جهالت شما بمؤاخذه او ، و از جهت استخفاف بعنف و سطوت او ، و از جهت نوميدى از عذاب او . پس بدرستى كه خداوند لعنت نفرمود قرنهاى گذشته را مگر بجهت ترك كردن ايشان امر بمعروف و نهى از منكر را ، پس لعنت كرده خدا سفيهان را بجهت ارتكاب معصيتها ، و دانايان را بجهت ترك نهى كردن از مناهى ، آگاه باشيد بدرستى كه شما بريديد بند محكم اسلام را ، و معطل كرديد حدّهاى نظام او را و فانى نموديد و باطل كرديد أحكام او را . [ 19 ] الفصل الثامن ألا و قد أمرني اللّه بقتال أهل البغي و النّكث و الفساد في الأرض فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، و أمّا القاسطون فقد جاهدت ، و أمّا المارقة فقد دوّخت ، و أمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ، و رجّة صدره ، و بقبت بقيّة من أهل البغي و لئن أذن اللّه في الكرّة عليهم لاديلنّ منهم إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا . أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب ، و كسرت نواجم قرون ربيعة و مضر . و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرابة القريبة ، و المنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره و أنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، و يكنفني في فراشه ، و يمسّني جسده ، و يشمّني عرفه ، و كان يمضغ الشّي‏ء ثمّ يلقمنيه ، و ما وجد لي كذبة في قول ، و لا خطلة في فعل . و لقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره ، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما ، و يأمرني بالإقتداء به ، و لقد كان يجاور في [ 20 ] كلّ سنة بحراء فأراه و لا يراه غيري ، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خديجة و أنا ثالثهما ، أرى نور الوحي و الرّسالة ، و أشمّ ريح النّبوّة . و لقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقلت : يا رسول اللّه ما هذه الرّنة ؟ فقال : هذا الشّيطان قد أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ، و ترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبيّ ، و لكنّك وزير ، و إنّك لعلى خير . اللغة ( دوّخه ) ذلّله و ( الرّدهة ) وزان تمرة حفرة في الجبل يجتمع فيها الماء و الجمع رده كتمر قال في القاموس : و شبه اكمة خشنة و جمعه رده محرّكة و ( كفيته ) بالبناء على المفعول من كفانى اللّه مؤنته قتله أو دفع عنّى شرّه و ( صعق ) صعقا و صعقا و صعقة غشى عليه فهو صعق ككتف و الصّعق محرّكة شدّة الصّوت و الصّاعقة الموت و كلّ عذاب مهلك و صيحة العذاب . و ( الوجبة ) وزان تمرة الاضطراب للقلب و ( الرّجّة ) الحركة و الزلزلة و ( أدلت ) من فلان غلبته و قهرته أى صرت ذادولة و ( تشذّر ) تبدّد و تفرّق و ( الكلاكل ) الصّدور و الواحد الكلكل و ( النواجم ) جمع ناجمة من نجم الشي‏ء أى طلع و ظهر و ( القرن ) من الحيوان الرّوق و موضعه من رأسنا أو الجانب الأعلى من الرّأس و الجمع قرون . و ( ربيعة و مضر ) وزان صرد قبيلتان من قريش معروفتان يضرب لهما المثل [ 21 ] في الكثرة نسبتهما إلى أبويهما و هما ربيعة و مضرابنا نزار بن معدّ بن عدنان و يقال للأوّل ربيعة الفرس و للثاني مضر الحمراء بالاضافة ، لأنّ ربيعة اعطي الخيل من ميراث أبيه و مضر اعطى الذّهب . و ( الوليد ) الصّبي و المولود و ( يكنفنى ) أى يجعلني في كنفه و الكنف محرّكة الحرز و الجانب و السّتر ، و كنف الطاير جناحه و ( العرف ) وزان فلس الرائحة و أكثر استعماله في الطيبة و ( الخطلة ) بالفتح المرّة من الخطل محرّكة و هو الخفّة و السرعة و الكلام الفاسد الكثير فهو خطل ككتف أى أحمق عجل . و ( حراء ) بالكسر و المدّ وزان كتاب جبل بمكّة فيه غار كان النّبيّ يعتزل إليه و يتعبّد أيّاما يذكّر و يؤنث و ( الرنّة ) الصوت رنّ يرنّ رنينا صاح و رنّ إليه أصغى . الاعراب الواو في قوله : و لئن اذن اللّه ، للقسم و المقسم به محذوف و قوله : لاديلنّ جواب القسم ، و الباء فى قوله : وضعت بكلاكل العرب ، زائدة و قال الشارح البحرانى و يحتمل أن تكون للالصاق أى فعلت بهم الوضع و الاهانة ، و ربيعة و مضر بالفتح لمنع الصرف بالتّأنيث و العلميّة ، و جملة وضعنى فى حجره استينافيّة بيانيّة . المعنى اعلم أنّه عليه السّلام لما لام المخاطبين فى الفصول السابقة و وبّخهم على مخالفة شرايع الدّين و ترك مراسم الاسلام ، و دعاهم إلى اللّه سبحانه بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و نصحهم بالتى هى أحسن ، أردف بهذا الفصل المسوق لبيان فضايله و مناقبه و خصايصه الخاصّة و علوّ شأنه و رفعة مقامه ، تنبيها بذلك على أنّه إمام مفترض الطّاعة ، و أنّه فيما يأمر و ينهى بمنزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فى أوامره و نواهيه ، و غرضه بذلك جذب قلوب المخاطبين إلى قبول مواعظه و نصايحه و امتثال أوامره و نواهيه ، و صدّر الفصل بالاشارة إلى أعظم تكليف كان مكلّفا به بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إلى قيامه به [ 22 ] على أبلغ وجهه و هو قوله : ( ألا و قد أمرنى اللّه بقتال أهل البغى ) و المراد بهم المجاوزون عن الحدّ و العادلون عن القصد الخارجون عليه عليه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الفرق الثلاث الذين يصرح بهم تفصيلا . و أمر اللّه سبحانه له بقتالهم إمّا بما أنزله سبحانه في ضمن آيات كتابه العزيز مثل قوله تعالى « فامّا نذهبنّ بك فانّا منهم منتقمون » . فقد روى فى غاية المرام عن يونس بن عبد الرّحمن بن سالم عن أبيه عن أبيعبد اللّه عليه السّلام فى هذه الآية قال : اللّه انتقم بعلىّ عليه السّلام يوم البصرة و هو الّذى وعد اللّه رسوله . و فيه عن 1 عدىّ بن ثابت قال : سمعت ابن عباس يقول : ما حسدت قريش عليا بشى‏ء مما سبق له أشدّ مما وجدت يوما و نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال : كيف أنتم يا معشر قريش لو كفرتم بعدى و رأيتمونى فى كتيبة أضرب وجوهكم بالسيف ، فهبط جبرئيل فقال : قل انّ اللّه أو على فقال إنّ اللّه أو على . و فيه عن الشيخ فى أماليه باسناده عن محمّد بن على عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى قال : إنّى لأدناهم من رسول اللّه فى حجّة الوداع فقال : لاعرفنكم ترجعون بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، و أيم اللّه لئن فعلتموها لتعرفونى فى الكتيبة التى تضاربكم ، ثمّ التفت إلى خلفه فقال : أو عليّ أو عليّ أو عليّ ثلاثا ، فرأينا أنّ جبرئيل غمزه فأنزل اللّه عزّ و جل « فاما نذهبنّ بك فانّا منهم منتقمون بعلىّ أو نرينّك الذى وعدناهم فانّا عليهم مقتدرون » . و مثل قوله سبحانه « و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احديهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفى‏ء الى أمر اللَّه فان فائت فأصلحوا بينهما بالعدل إنَّ اللَّه يحبّ المقسطين » . روى فى الصافى من الكافى و التهذيب و علىّ بن إبراهيم القمىّ عن الصادق عن ----------- ( 1 ) ذكره الرواية لتأييدها الرواية الآتية في شأن نزول الآية فافهم ، منه [ 23 ] أبيه عليهما السّلام فى حديث لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّ منكم من يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، فسئل من هو ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله : خاصف النعل يعنى أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقال عمار بن ياسر : قاتلت بهذه الرّاية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثلاثا و هذه الرّابعةو اللّه لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحقّ و أنّهم على الباطل و كانت السّيرة فيهم من أمير المؤمنين ما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح مكة ، فانّه لم يسب منهم ذريّة و قال : من أغلق بابه فهو آمن ، و من ألقى سلاحه فهو آمن ، و من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، و كذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام يوم البصرة نادى فيهم : لا تسبوا لهم ذريّة ، و لا تجهزوا على جريح و لا تتبعوا مدبرا ، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن . و فيه من الكافي عن الصادق عليه السّلام إنّما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة و هم أهل هذه الآية ، و هم الذين بغوا على أمير المؤمنين عليه السّلام فكان الواجب عليهم قتلهم و قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه ، و لو لم يفيئوا لكان الواجب عليه عليه السّلام فيما انزل اللّه أن لا يرفع السيف عنهم حتّى يفيئوا و يرجعوا عن رأيهم ، لأنّهم بايعوا طائعين غير كارهين ، و هى الفئة الباغية كما قال اللّه عزّ و جل ، فكان الواجب على أمير المؤمنين عليه السّلام أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى أهل مكّة إنّما منّ عليهم و عفى ، و كذلك صنع أمير المؤمنين عليه السّلام بأهل البصرة حيث ظفر بهم بمثل ما صنع النبىّ صلّى اللّه عليه و آله بأهل مكّة حذو النعل بالنعل . و مثل قوله تعالى « يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين » . قال في مجمع البيان في تفسير الآية قيل : هم أمير المؤمنين و أصحابه حين قاتل من قاتله من النّاكثين و القاسطين و المارقين ، و روى ذلك عن عمار و حذيفة و ابن عبّاس ، و هو المروىّ عن أبي جعفر عليه السّلام و أبي عبد اللّه عليه السّلام قال و روى عن عليّ عليه السّلام انّه قال يوم البصرة : و اللّه ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم . ----------- ( 1 ) يعنى فى صفّين ، م [ 24 ] و سيأتي لهذه الآية مزيد تحقيق و تفصيل بعد الفراغ من شرح هذا الفصل في أوّل التنبيهات الآتية . و إمّا 1 بما صدر عن لسان الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ضمن الأخبار النّبويّة من الأوامر الانشائية و الجملات الخبريّة الّتي في معنى الانشاء ، حسبما عرفتها في شرح الفصل الخامس من المختار الثالث ، و شرح المختار المأة و الثامن و الأربعين ، و شرح الفصل الثاني من المختار المأة و الخامس و الخمسين في التّنبيه الأوّل منه ، و قد عرفت في التّنبيه الثاني منه و في شرح المختار الثالث و الثلاثين تحقيق الكلام في كفر البغاة و ساير أحكامهم ، فليراجع إلى المواضع الّتي اشرنا إليها ، فانّ مراجعتها يوجب مزيد البصيرة في المقام . و تعرف بما أوردناه هنا و فيما تقدّم أنّ أهل البغى الّذين كان أمير المؤمنين عليه السّلام مأمورا بقتالهم هم الناكثون و القاسطون و المارقون كما أوضحه بقوله : ( و النّكث و الفساد في الأرض ) و فصّلهم بقوله ( فأمّا النّاكثون ) أى النّاقضون ما عقدوه من البيعة و هم أصحاب الجمل ( فقد قاتلت ) و قد مضى تفصيل قتالهم في شرح المختار الحادى عشر . ( و أمّا القاسطون ) أى العادلون عن الحقّ و الدّين و هم أصحاب معاوية و صفّين ( فقد جاهدت ) و مضي تفصيل جهادهم في شرح المختار الخامس و الثلاثين و المختار الحادى و الخمسين و المختار الخامس و الستين . ( و أمّا المارقة ) و هم خوارج النهروان الّذين مرقوا من الدّين أى جازوا منه مروق السّهم من الرمية حسبما عرفته في التذييل الأوّل من شرح المختار السّادس و الثلاثين ( فقد دوّخت ) أىّ ذلّلتهم و قهرتهم حسبما عرفته في التذييل الثانى منه ( و أمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته ) أى كفانى اللّه من شرّه ( بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ) و اضطرابه ( و رجّة صدره ) و زلزاله . ----------- ( 1 ) عطف على قولنا و أمر اللّه سبحانه له بقتالهم إما بما أنزله سبحانه فى ضمن آيات كتابه ، منه . [ 25 ] و قد اختلف الأقوال فى شيطان الرّدهة فقد قال قوم 1 إنّ المراد به ذو الثّدية رئيس الخوارج و تسميته بالشّيطان لكونه ضالاّ قائد ضلالة مثل شيطان الجنّ ، و أمّا إضافته إلى الرّدهة فلما عرفته في التذييل الثانى من شرح المختار السادس و الثلاثين من أنّه بعد الفراغ من قتل الخوارج طلبه عليه السّلام فى القتلى فوجده بعد جدّ أكيد فى حفرة دالية فنسبه عليه السّلام إليها لذلك . و أمّا الصعقة الّتي كفى عليه السّلام عنه بها فقد قيل : إنّ المراد بها الصّاعقة و هى صيحة العذاب لما روى أنّ عليّا لمّا قابل القوم صاح بهم فكان ذو الثّدية ممّن هرب من صيحته حتّى وجد قتيلا فى الحفرة المذكورة . و قيل إنّه رماه اللّه بصاعقة من السماء فهلك بها و لم يقتل بالسيف ، و قيل : إنّه لما ضربه عليه السّلام بالسيف غشى عليه فمات . و قال قوم : إنّ شيطان الرّدهة أحد الأبالسة المردة من أولاد ابليس اللّعين قال الشارح المعتزلى : ورووا فى ذلك خبرا عن النّبى صلّى اللّه عليه و آله و أنّه كان يتعوّذ منه ، و هذا مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله هذا أزبّ العقبة اى شيطانها و لعل أزبّ العقبة هو شيطان الرّدهة بعينه فتارة يعبّر بهذا اللفظ و اخرى بذلك . أقول : و الأظهر أن يكون المراد به شيطان الجنّ و يكون الاشارة بهذا الكلام إلى ما وقع منه عليه السّلام فى بئر ذات العلم . فقد روى السيّد السّند السيّد هاشم البحرانى فى كتاب مدينة المعاجز عن ابن شهر آشوب ، عن محمّد بن إسحاق ، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحارث عن أبيه ، عن ابن عبّاس و عن أبي عمر و عثمان بن أحمد عن محمّد بن هارون باسناده عن ابن عباس فى خبر طويل أنّه أصاب النّاس عطش شديد فى الحديبيّة فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هل من رجل يمضى مع السّقاة إلى بئر ذات العلم فيأتينا بالماء و أضمن له على اللّه الجنّة ؟ فذهب جماعة فيهم سلمة بن الأكوع فلمّا دنوا من الشّجر و البئر سمعوا ----------- ( 1 ) قال ابن شهر آشوب عن ابانة بن بطة انه ذكر المقتول بالنهروان فقال سعد ابن وقاص هو شيطان الردهة و قال ابن الاثير : الردهة النقرة فى الجبل يستنقع فيها الماء و قال فى حديث على ( ع ) أنه ذكر ذا الثدية فقال شيطان الردهة ، منه [ 26 ] حسّا و حركة شديدة و قرع طبول و رأوا نيرانا تتقد بغير حطب فرجعوا خائفين « خ ل خائبين » . ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : هل من رجل يمضى مع السّقاة يأتينا بالماء أضمن له على اللّه الجنّة ؟ فمضى رجل من بنى سليم و هو يرتجز و يقول : أمن غريف 1 ظاهر نحو السلم ينكل من وجّهه خير الأمم من قبل أن يبلغ آبار العلم فيستقى و الليل مبسوط الظلم و يأمن الذّم و توبيخ الكلم و صاحب السيف لسيف منهدم فلمّا وصلوا إلى الحسّ رجعوا وجلين . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : هل من رجل يمضي مع السّقاة إلى البئر ذات العلم فيأتينا بالماء أضمن له على اللّه الجنّة ؟ فلم يقم أحد ، و اشتدّ بالنّاس العطش و هم صيام . ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام : سر مع هؤلاء السقاة حتّى ترد بئر ذات العلم و تستقى و تعود إنشاء اللّه فخرج عليّ عليه السّلام قائلا : أعوذ بالرّحمن أن أميلا من غرف 2 جنّ أظهروا تأويلا و أوقدت نيرانها تغويلا و قرعت مع غرفها الطبولا قال فداخلنا « خ ل فتداخلنا » الرّعب فالتفت عليّ عليه السّلام إلينا و قال : اتّبعوا أثري و لا يفزعنّكم ما ترون و تسمعون فليس بضائركم إنشاء اللّه . ثمّ مضى فلمّا دخلنا الشّجر فاذا بنيران تضطرم بغير حطب و أصوات هائلة و رؤوس مقطّعة لها ضجّة و هو يقول : اتّبعوني و لا خوف عليكم و لا يلتفت أحد منكم يمينا و لا شمالا . فلمّا جاوزنا الشّجر و وردنا الماء فأدلى البراء بن عازب دلوه في البئر فاستقى دلوا و دلوين ثمّ انقطع الدّلو فوقع فى القليب ، و القليب ضيّق مظلم بعيد القعر ، فسمعنا في أسفل القليب قهقهة و ضحكا شديدا . ----------- ( 1 ) الغريف كأمير الشجر الكثير الملتفّ أى شجر كان أو الأجمة من الضال و السلم ، منه ----------- ( 2 ) الغرف شجر يدبغ به ، منه [ 27 ] فقال عليّ عليه السّلام : من يرجع الى عسكرنا فيأتينا بدلو و رشا ؟ 1 فقال أصحابه عليه السّلام : من يستطيع ذلك ، فائتزر بمئزر و نزل في القليب و ما تزداد القهقهة إلاّ علوا و جعل عليه السّلام ينحدر في مراقي القليب إذ زلّت رجله فسقط فيه ، ثمّ سمعنا وجبة شديدة و اضطرابا و غطيطاكغطيط المخلوق « المخنوق ظ » ثمّ نادى علىّ عليه الصلاة و السلام و التحيّة و الاكرام : اللّه أكبر اللّه أكبر أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه ، هلمّوا قربكم فأفعمها و أصعدها على عنقه شيئا فشيئا و مضى بين أيدينا فلم نر شيئا فسمعنا صوتا . أى فتى ليل أخي روعات و أىّ سبّاق إلى الغايات للّه درّ الغرر السادات من هاشم الهامات و القامات مثل رسول اللّه ذى الآيات أو كعليّ كاشف الكربات كذا يكون المرء في حاجات فارتجز أمير المؤمنين عليه السّلام الليل هول يرهب المهيبا و مذهل المشجّع اللبيبا و انّني اهول منه ذيبا و لست أخشي الرّدع و الخطوبا إذا هززت الصّارم القضيبا أبصرت منه عجبا عجيبا و انتهى إلى النّبيّ و له زجل 3 فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : ماذا رأيت في طريقك يا علي ؟ فأخبره بخبره كلّه فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ الّذي رأيته مثل ضربه اللّه لي و لمن حضر معي في وجهي هذا ، قال عليّ عليه السّلام : اشرحه لي يا رسول اللّه . فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أمّا الرّؤوس الّتي رأيتم لها ضجّة و لألسنتها لجلجة ، فذلك مثل قومي معي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و لا يقبل اللّه منهم صرفا و لا عدلا و لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا . و أما النيران بغير حطب ففتنة تكون في أمتي بعدي القائم فيها و القاعد سواء ----------- ( 1 ) الرشا الحبل الذى يستقى به الماء من البئر ، منه ----------- ( 2 ) الغطيط صوت النائم المتضمن لتردّد نفسه إلى حلقه حتى يسمعه من حوله ، منه ----------- ( 3 ) الزجل بالزاء المعجمة الصوت ، لغة . [ 28 ] لا يقبل اللّه لهم عملا و لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا . و أمّا الهاتف الّذى هتف بك فذلك سلقعة و هو سملقة « كذا » بن غداف الذى قتل عدوّ اللّه مسعرا شيطان الأصنام الّذى كان يكلّم قرين منها و يشرع في هجائي ، هذا . و قوله عليه السّلام ( و بقيت بقيّة من أهل البغي ) أراد به معاوية و أصحابه لأنه لم يكن أتى عليهم بأجمعهم ، بل بقيت منهم بقيّة بمكيدة التحكيم حسبما عرفته في شرح المختار الخامس و الثلاثين . ( و ) الذى فلق الحبّة و برء النسمة ( لئن أذن اللّه في الكرّة عليهم ) هذا بمنزلة التعليق بالمشيّة أى إنشاء اللّه سبحانه لي الرّجوع إليهم بأن يمدّ لى في العمر و يفسح في الأجل و يهيّأ أسباب الرّجوع ( لاديلنّ منهم ) أى ليكون الدّولة و الغلبة لي عليهم . و الاتيان في جواب القسم باللاّم و نون التوكيد لتأكيد تحقّق الإدالة و ثبوته لا محالة بعد حصول الاذن و المشيّة منه سبحانه ، و ذلك بمقتضي وعده الصّادق و قوله الحقّ في كتابه العزيز « و لينصرنّ اللَّه من ينصره إنّ اللَّه لقوىّ عزيز » . و بعد هذا فلقائل أن يقول : إنّه عليه السّلام قد كان عالما بعدم اذن اللّه سبحانه في الكرّة عليهم و الادالة منهم ، و ذلك لما كان يعلمه باخبار اللّه سبحانه و اخبار رسوله صلّى اللّه عليه و آله بأنّ بنى اميّة يملكون البلاد ألف شهر ، و قد كان عليه السّلام نفسه أخبر بذلك حين شاع فى الكوفة خبر موت معاوية بقوله : كلاّ أو تخضب هذه من هذه و يتلاعب بها ابن آكلة الأكباد ، فى الرّواية الّتي تقدّمت فى شرح المختار السادس و الخمسين ، و مع ذلك كلّه فما معنى قوله عليه السّلام : و لئن أذن اللّه فى الكرّة اه ؟ قلت : الاتيان بهذه الجملة الشرطية مع علمه عليه السّلام بعدم وقوع مضمونها لربط جاش المخاطبين و تقوية قلوبهم . و نظيره ما رواه عنه عليه السّلام عليّ بن إبراهيم بسنده عن عدىّ بن حاتم و كان معه عليه السّلام فى مردبه « كذا » أن عليا قال ليلة الهرير بصفّين حين التقى مع معاوية رافعا صوته يسمع أصحابه : لأقتلنّ معاوية و أصحابه ، ثمّ قال فى آخر قوله : إنشاء اللّه تعالى ، يخفض بها صوته ، و كنت قريبا منه فقلت : يا أمير المؤمنين إنّك حلفت [ 29 ] على ما قلت ثمّ استثنيت فما أردت بذلك ؟ فقال عليه السّلام : إنّ الحرب خدعة و أنا عند أصحابى صدوق فأردت أن اطمع أصحابى كيلا يفسئوا « يفشلواظ » و لا يفرّوا ، فافهم فانك تنتفع بهذه بعد اليوم انشاء اللّه ، هذا . و قوله عليه السّلام : ( إلاّ ما يتشذّر فى أطراف الأرض تشذّرا ) كلمة ما هنا بمعنى من كما فى قوله : « و السماء و ما بناها » ، أى إلاّ من يتفرّق فى أطرافها تفرّقا ممنّ لم يتمّ أجله ثمّ نبّه على نجدته و شجاعته بقوله : ( أنا وضعت فى الصغر بكلاكل العرب ) استعار لفظ الكلاكل للأكابر و الرؤساء من العرب و أشراف القبايل الّذين قتلهم في صدر الاسلام ، و الجامع للاستعارة كونهم سبب قوّة العرب و مقدّميهم و بهم انتهاضهم إلى الحرب كما أنّ الكلكل للجمل كذلك سبب لنهوضه و قيامه و قوته و مقدم أجزائه . و يجوز أن يكون من باب الاستعارة بالكناية ، بأن يشبه العرب بجمال مستجلات ذوات الصدور و الكلاكل في القوّة ، فيكون اثبات الكلاكل تخييلا ، و الوضع ترشيحا . و على أيّ تقدير فأشار عليه السّلام بوضعه لهم إلى قهرهم و إذلالهم كما أنّ إناخة الجمل يستلزم قهره و إذلاله قال الشاعر : مراجيح ما تنفكّ إلاّ مناخة على الحتف أو ترمى بها بلدا قفرا و إن شئت أن تعرف انموزجا من قتله و قتاله و إذلاله للكلاكل و الشجعان فاستمع لما وقع منه عليه السّلام في أوّل غزاة كانت في الاسلام و هي غزوة بدر ، و قد كانت تلك الغزوة على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة كما في كشف الغمة و كان عمره عليه السّلام إذ ذاك سبعة و عشرين سنة . قال المفيد في الارشاد : و أما الجهاد الّذى ثبتت به قواعد الاسلام ، و استقرّت بثبوته شرايع الملّة و الأحكام ، فقد تخصّص منه أمير المؤمنين عليه السّلام بما اشتهر ذكره في الأنام ، و استفاض الخبر به بين الخاصّ و العامّ ، و لم يختلف فيه العلماء ، و لا تنازع في صحته الفهماء ، و لا شكّ فيه إلاّ غفل لم يتأمّل في الأخبار ، و لا دفعه أحد ممّن نظر في الآثار إلاّ معاند بهّات لا يستحيي من العار . [ 30 ] فمن ذلك ما كان منه عليه السّلام في غزاة البدر المذكورة في القرآن ، و هي أوّل حرب كان به الامتحان ، و ملأت رهبة صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان ، و راموا التأخر عنها لخوفهم منها و كراهتهم لها على ما جاء به محكم الذّكر فى التبيان . و كان من جملة خبر هذه الغزاة إنّ المشركين حضروا بدرا مصرّين على القتال ، مستظهرين فيه بكثرة الأموال ، و العدد و العدّة و الرّجال ، و المسلمون إذ ذاك نفر قليل عدد هناك ، و حضرته طوايف منهم بغير اختيار ، و شهدته على الكراهة منها له و الاضطرار . فتحدّتهم قريش بالبراز و دعتهم إلى المصافة و النزال و اقترحت 1 في اللقاء منهم الأكفاء ، و تطاولت الأنصار لمبارزتهم فمنعهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من ذلك فقال لهم : إنّ القوم دعوا الأكفاء . ثمّ أمر عليّا أمير المؤمنين بالبروز إليهم ، و دعا حمزة بن عبد المطلب و عبيدة ابن الحارث رضوان اللّه عليهما أن يبرزا معه ، فلمّا اصطفوا لهم لم يثبتهم 2 القوم لأنهم كانوا قد تغفّروا فسألوهم من أنتم ، فانتسبوا لهم ، فقالوا : أكفاء كرام ، و نشبت الحرب بينهم . و بارز الوليد أمير المؤمنين عليه السّلام فلم يلبثه حتّى قتله ، و بارز عقبة حمزة رضي اللّه عنه فقتله حمزة ، و بارز شيبة عبيدة رحمه اللّه فاختلفت بينهما ضربة قطعت إحداهما فخذ عبيدة ، فاستنقذه أمير المؤمنين عليه السّلام بضربة بدر بها شيبة فقتله ، و شركه فى ذلك حمزة . فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركين ، و ذلّ دخل عليهم ، و رهبة اعتراهم بها الرّعب من المسلمين ، و ظهر بذلك امارات نصر المسلمين . ثمّ بارز أمير المؤمنين العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواء ----------- ( 1 ) أى طلبت ----------- ( 2 ) أى لم تعرفهم حقّ المعرفة ، منه [ 31 ] فلم يلبثه أن قتله ، و برز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، و برز إليه طعيمة بن عدى فقتله ، و قتل بعده نوفل بن خويلد و كان من شياطين قريش . و لم يزل عليه السّلام يقتل واحدا منهم بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين منهم ، و كانوا سبعين رجلا تولّى كافّة من حضر بدرا من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم ، و تولّى أمير المؤمنين عليه السّلام قتل الشطر الآخر وحده بمعونة اللّه له و تأييده و توفيقه و نصره و كان الفتح له بذلك على يديه . و ختم الأمر بمناولة النّبي صلّى اللّه عليه و آله كفّا من الحصى فرمي بها في وجوههم و قال لهم : شاهت الوجوه ، فلم يبق أحد منهم إلاّ ولّى الدّبر بذلك منهزما ، و كفى اللّه المؤمنين القتال بأمير المؤمنين عليه السّلام و شركائه في نصرة الدّين من خاصّة الرّسول عليه و آله السلام و من أيّدهم به من الملائكة الكرام . قال المفيد : و قد أثبتت رواة العامة و الخاصّة معا أسماء الّذين تولّى أمير المؤمنين عليه السّلام قتلهم ببدر من المشركين على اتّفاق فيما نقلوه من ذلك و اصطلاح فكان ممّن سمّوه : الوليد بن عتبة كما قدّمناه و كان شجاعا جرئيا و قاحا فاتكاتها به الرّجال ، و العاص بن سعيد و كان هولا عظيما تها به الأبطال ، و هو الّذى حاد عنه عمر بن الخطّاب ، و طعيمة بن عدىّ بن نوفل و كان من رؤوس أهل الضلال ، و نوفل ابن خويلد و كان من أشدّ المشركين عداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كانت قريش تقدّمه و تعظّمه و تطيعه و هو الّذى قرن أبا بكر و طلحة قبل الهجرة بمكة و أوثقهما بحبل و عذّبهما يوما إلى الليل حتّى سئل في أمرهما و لمّا عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حضوره بدرا سأل اللّه أن يكفيه أمره فقال : اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد ، فقتله أمير المؤمنين عليه السّلام . و زمعة بن الأسود ، و عقيل بن الأسود ، و الحارث بن زمعة ، و النضر بن الحارث ابن عبد الدّار ، و عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد اللّه ، و عثمان ، و مالك ابنا عبيد اللّه أخوا طلحة بن عبيد اللّه ، و مسعود بن أبي اميّة بن المغيرة ، و قيس بن الفاكهة ابن المغيرة ، و حذيفة بن أبى حذيفة بن المغيرة ، و أبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، [ 32 ] و حنظلة بن أبي سفيان ، و عمرو بن مخذوم ، و أبو المنذر بن أبي رفاعة ، و منية بن الحجاج السّهمي ، و العاص بن منية ، و علقمة بن كلدة ، و أبو العاص بن قيس بن عدى ، و معاوية ابن المغيرة بن أبي العاص ، و لوذان بن ربيعة ، و عبد اللّه بن المنذر بن أبي رفاعة ، و مسعود بن اميّة بن المغيرة ، و حاجب بن السايب بن عويمر ، و اوس بن المغيرة بن لوذان ، و زيد بن مليص ، و عاصم بن أبي عوف ، و سعيد بن وهب حليف بنى عامر ، و معاوية ابن عبد القيس ، و عبد اللّه بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد ، و السّائب بن مالك ، و أبو الحكم بن الأخنس ، و هشام بن أبي اميّة بن المغيرة . فذلك ستة و ثلاثون رجلا سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين عليه السّلام فيه غيره ، و هم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدّمناه . قال المفيد : و فيما صنعه أمير المؤمنين عليه السّلام ببدر قال اسيد ين اياس يحرض مشركى قريش عليه : فى كلّ مجمع غاية أخزاكم جذع أبرّ على المذاكى القرّح للّه درّكم المّا تنكروا قد ينكر الحرّ الكريم و يستحى هذا ابن فاطمة الذى أفناكم ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح اعطوه خرجا و اتّقوا تضريبه فعل الذّليل و بيعة لم تربح أين الكهول و أين كلّ دعامة فى المعضلات و اين زين الأبطح أفناهم قعصا و ضربا يعترى بالسيف يعمل حدّه لم يصفح ----------- ( 1 ) الغاية الراية ، و الجذع الشاب الحدث ، ابرّ عليهم غلبهم ، و المذاكى من الخيل التى قد اتى عليها بعد قروحها سنة او سنتان ، و القارح منها ما انتهت اسنانه و انما تنتهى فى خمس سنين و الجمع قرح ، و القعص أن يضرب الانسان فيموت فى مكانه يقال قعصه اى قتله سريعة ، و الكهول جمع كهل و هو من جاوز الثلاثين إلى الأربعين أو الخمسين و انما خصّهم بالذكر لأنّهم أشدّ قوّة فى الحروب و اكمل عقلا يرجع اليهم و يحتاج إلى تدبيرهم فى الملمات و الدواهى ، و دعامة القوم سيّدهم [ 33 ] ( و كسرت نواجم قرون ربيعة و مضر ) و الاستعارة في هذه القرينة مثل الّتي في سابقتها ، فتحتمل الاستعارة التحقيقية بأن يراد تشبيه رؤساء القبيلتين و انجادهم بقرون الحيوان ، لأنّهم أسباب القوّة و الصّولة و المحاربة للقبيلتين كما أنّ القرن آلة الحرب و النطح و الصّيال للكبش . و تحتمل الاستعارة المكنيّة بأن يراد تشبيه القبيلتين بالأكبش ذوات القرون في الصّولة و القوّة ، فيكون اثبات القرن تخييلا ، و الكسر و النّواجم ترشيحا ، و المراد بكسره عليه السّلام نواجم قرونهم قهرهم ، و اذلالهم ، لأنّ الكبش اذا انتطح بكبش آخر فانكسر قرنه يغلب و يهرب . و قد قتل عليه السّلام من ربيعة و مضر فى مجاهداته بين يدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده في الجمل و صفّين جما غفيرا يكاد أن يكون أغزر من قطر المطر و أكثر من عدد النجم و الشّجر ، و لنعم ما قال كاشف الغمّة : سل عن عليّ مقامات عرفن به شدّت عرى الدّين في حلّ و مرتحل بدرا واحدا و سل عنه هوازن في أوطاس و اسأل به في وقعة الجمل و اسأل به إذ أتي الأحزاب يقدمهم عمرو و صفّين سل أن كنت لم تسل ثمّ ذكر المخاطبين بمناقبه الجميلة و مفاخره الجليلة ، و عدّ منها تسعا الاولى ما أشار اليه بقوله ( و قد علمتم موضعى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرابة القريبة ) لأنّ أبويهما عبد اللّه و أبا طالب أخوان لأب و أمّ ، دون غيرهما من بني عبد المطلب فهما ابنا عمّ مضافا إلى علاقة المصاهرة و كونه عليه السّلام زوج ابنته فاطمة سلام اللّه عليها . و الى هذه القرابة اشيرت في قوله سبحانه « هو الّذى خلق من الماء بشراً فجعله نسباً و صهراً » . روى في غاية المرام عن المالكي في فصول المهمّة عن محمّد بن سيرين في هذه الآية أنّها نزلت في النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليّ بن أبيطالب ابن عمّ رسول اللّه و زوج ابنته فاطمة فكان نسبا و صهرا . و فيه عن الشيخ فى أماليه بسنده عن انس بن مالك قال : ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [ 34 ] ذات يوم بغلته فانطلق الى جبل آل فلان و قال : يا أنس خذ البغلة و انطلق إلى موضع كذا و كذا تجد عليّا جالس يسبّح بالحصى ، فاقرءه منى السلام و احمله على البغلة و ايت به إلىّ . قال أنس : فذهبت فوجدت عليّا كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فأتيت به عليه ، فلمّا أن نظر عليه السّلام برسول اللّه قال : السلام عليك يا رسول اللّه ، قال : و عليك السلام يا أبا الحسن اجلس ، فانّ هذا موضع قد جلس فيه سبعون نبيّا مرسلا ما جلس فيه أحد من الأنبياء إلاّ و أنا خير منه ، و قد جلس كلّ نبيّ أخ له ما جلس فيه من الاخوة واحد إلاّ و أنت خير منه . قال أنس : فنظرت إلى سحابة قد أظلّتهما و دنت من رؤوسيهما ، فمدّ النّبى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده إلى السحابة فتناول عنقود عنب فجعله بينه و بين عليّ و قال : كل يا أخي . قلت : يا رسول اللّه : صف كيف عليّ أخوك ؟ قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام ، و اسكنه في لؤلؤة خضراء فى غامض علمه إلى أن خلق آدم ، فلمّا خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه فى صلب آدم إلى أن قبضه اللّه ، ثمّ نقله فى صلب شيث فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتّى صار فى عبد المطّلب ، ثمّ شقّه اللّه عزّ و جلّ نصفين نصف فى أبى عبد اللّه بن عبد المطّلب و نصف فى أبيطالب فأنا من نصف الماء و علىّ من النصف الآخر ، فعليّ أخي في الدّنيا و الآخرة ، ثمّ قرء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله « و هو الذى خلق من الماء بشراً فجعله نسباً و صهراً و كان ربّك قديرا » . و فى كشف الغمة عن جابر بن عبد اللّه قال : سمعت عليّا ينشد و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يسمع : أنا أخو المصطفى لا شكّ في نسبي معه ربّيت و سبطاه هما ولدي جدّي و جدّ رسول اللّه منفرد و فاطم زوجتى لا قول ذي فند فالحمد للّه شكرا لا شريك له البرّ بالعبد و الباقى بلا أمد قال فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال : صدقت يا عليّ الثانية ما أشار إليه بقوله ( و المنزلة الخصيصة ) أي الخاصة و المخصوصة بي [ 35 ] و شرحها بقوله ( وضعني في حجره ) و ربّاني ( و أنا وليد ) طفل صغير ( يضمّني إلى صدره و يكنفني ) أي يضمّنى إلى كنفه و حضنه ( في فراشه و يمسّني جسده و يشمّني عرفه ) أى ريحه الطيّب ( و كان يمضغ الشى‏ء ثمّ يلقمنيه ) و هذا كلّه إشارة إلى شدّة تربيته صلّى اللّه عليه و آله له و قيامه بأمره و يوضحه ما رواه الشارح المعتزلى عن الطّبرى فى تاريخه قال : حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثني محمّد بن إسحاق قال حدّثنى عبد اللّه بن نجيح عن مجاهد قال : كان من نعمة اللّه عزّ و جلّ على عليّ بن أبيطالب و ما صنع اللّه له و أراد به من الخير أنّ قريشا أصابتهم أزمة 1 شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للعبّاس و كان من أيسر بني هاشم : إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب النّاس من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفّف عنه من عياله آخذ من بنيه واحدا و تأخذ واحدا فنكفيهما عنه ، فقال العبّاس : نعم ، فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب فقالا له : إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما : إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليا فضمّه إليه ، و أخذ العبّاس جعفرا فضمّه إليه ، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى بعثه اللّه نبيّا ، فاتبعه عليّ عليه السّلام فأقرّ به و صدّقه ، و لم يزل جعفر عند العبّاس حتّى أسلم و استغنى عنه . و رواه كاشف الغمّة عن الخطيب الخوارزمي عن محمّد بن إسحاق نحوه . و روى الشّارح المعتزلي عن الفضل بن عباس قال : سألت أبي عن ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذّكور أيّهم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أشدّ حبّا ، فقال : عليّ بن أبيطالب ، فقلت : سألت لك عن بنيه ، فقال : إنّه كان أحبّ إليه من بنيه جميعا و أرءف ما رأيناه زايلة يوما من الدّهر منذ كان طفلا إلاّ أن يكون في سفر لخديجة و ما رأينا أبا أبرّ بابن منه لعليّ و لا ابنا أطوع لأب من عليّ له قال الشّارح : و روى جبير بن مطعم قال : قال أبي مطعم بن عدي لنا و نحن ----------- ( 1 ) و هى السنة المجدبة ( منه ) [ 36 ] صبيان بمكّة : ألا ترون حبّ هذا الغلام يعني عليّا لمحمّد و اتّباعه له دون أبيه و اللاّت و العزّى لوددت أنّه ابني بفتيان بني نوفل جميعا . قال الشّارح : و روى الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين عليه السّلام قال : سمعت زيدا أبي يقول : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمضغ اللّحمة و التمرة حتّى تلين و يجعلهما في فم عليّ و هو صغير في حجره . الثالثة ما أشار إليه بقوله ( و ما و جد لي كذبة في قول و لا خطلة في فعل ) أى لم تجد منّى كذبا و خطاء أبدا و لو مرّة واحدة ، لوجود العصمة المانعة فيه و في زوجته و الطيّبين من أولاده سلام اللّه عليهم أجمعين من الاقدام على الذّنوب صغيرها و كبيرها باتّفاق الاماميّة و حكم آية التّطهير و غيرها ، فلا يقع منهم ذنب أصلالا عمدا و لا نسيانا و لا خطاء . روى في البحار من الخصال قال : قوله تعالى « لا ينال عهدى الظالمين » عنى به أنّ الامامة لا تصلح لمن قد عبد صنما أو وثنا أو أشرك باللّه طرفة عين و إن أسلم بعد ذلك ، و الظلم وضع الشي‏ء في غير موضعه و أعظم الظلم الشّرك قال اللّه عزّ و جلّ « انّ الشّرك لظلم عظيم » و كذلك لا تصلح لمن قد ارتكب من المحارم شيئا صغيرا كان أو كبيرا و إن تاب منه بعد ذلك ، و كذلك لا يقيم الحدّ من في جانبه حدّ . فاذا لا يكون الامام إلاّ معصوما ، و لا تعلم عصمته إلاّ بنصّ اللّه عزّ و جلّ عليه على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، لأنّ العصمة ليست فى ظاهر الخلقة فترى كالسّواد و البياض و ما أشبه ذلك و هى مغيبة لا تعرف إلاّ بتعريف علاّم الغيوب . و قد مضى وجوب عصمة الامام بتقرير آخر في مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشّقشقيّة . ثمّ نبّه على منقبة عظيمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لتكون تمهيدا و توطئة لمنقبته عليه السّلام الرابعة فقال : ( و لقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه و آله من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به [ 37 ] طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره ) . قال الشّارح المعتزلي : روى انّ بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام سأله عن قول اللّه عزّ و جلّ « إلاّ من ارتضى من رسول ، فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً » فقال عليه السّلام يوكّل اللّه بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم و يؤدّون إليه تبليغهم الرسالة ، و وكّل بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملكا عظيما منذ فصل عن الرّضا ( ع ) يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق و يسدّه عن الشرّ و مساوى الأخلاق ، و هو الذي كان يناديه السّلام عليك يا محمّد يا رسول اللّه و هو شابّ لم يبلغ درجة الرّسالة بعد فيظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض فيتأمّل فلا يرى شيئا . أقول : و الظّاهر على ما يستفاد من الأخبار و اشير إليه في غير واحدة من الآيات : إنّ المراد بهذا الملك هو روح القدس المخصوص بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عترته الأطهار الأخيار . فقد روى المحدّث العلاّمة المجلسي « ره » فى البحار من تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله « و يسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي » حدّثنى أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : هو ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مع الأئمة ، و فى خبر آخر هو من الملكوت . و فيه منه فى قوله تعالى « اولئك كتب فى قلوبهم الايمان » هم الأئمة « و أيّدهم بروح منه » قال : ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل و كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مع الأئمة عليهم السّلام . و فيه من كتاب الاختصاص و بصائر الدّرجات بسندهما عن أبى بصير قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه تبارك و تعالى « و كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب و لا الايمان » قال : خلق من خلق اللّه أعظم من جبرئيل و ميكائيل ، كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخبره و يسدّده و هو مع الأئمة من بعده . و فيه من البصاير مسندا عن سماعة بن مهران قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّ الرّوح خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [ 38 ] يسدّده و يرشده و هو مع الأوصياء من بعده و فيه من البصاير عن البرقى عن أبى الجهم عن ابن اسباط قال : سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام رجل و أنا حاضر عن قول اللّه « و كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا » فقال : منذ أنزل اللّه ذلك الرّوح على محمّد صلّى اللّه عليه و آله لم يصعد إلى السماء و أنه لفينا . و فيه من الاختصاص و البصاير عن ابن يزيد عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول « يسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّى » قال : خلق أعظم من خلق جبرئيل و ميكائيل لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مع الأئمّة يوفقهم و يسدّدهم ، و ليس كلّما طلب وجد . و الأخبار فى هذا المعنى كثيرة و لا حاجة إلى الاكثار و الاطالة ، و المستفاد من الرّواية الأخيرة اختصاصه بالنبيّ و الأئمة عليهم السّلام و قوله عليه السّلام فيها : و ليس كلّما طلب وجد معناه أنّ حصول تلك المرتبة الجليلة و المنقبة العظيمة لا يتيسّر بالطلب بل ذلك فضل اللّه يوتيه من يشاء . الرابعة ما أشار إليه بقوله ( و لقد كنت اتّبعه اتّباع الفصيل ) و هو ولد الناقة ( أثر امّه ) و هو اشارة إلى فرط ملازمته له و عدم مفارقته إيّاه ليله و نهاره سفرا و حضرا في خلواته و جلواته . و لمّا عرفت آنفا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان مؤيّدا مسدّدا بروح القدس من حين الطفولية إلى آخر عمره الشريف ملهما إلى الخيرات موفقا بتأييد الرّوح إلى سلوك طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم . تعرف من ذلك أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام إذا كان ملازما له غير مفارق منه يكون تاليا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في سلوك مسالك مكارم الخصال و محامد الأفعال مقتبسا من أنواره مقتفيا لآثاره كما أوضحه بقوله : ( يرفع لى فى كلّ يوم علما ) وراية ( من أخلاقه ) الفاضلة ( و يأمرنى بالاقتداء به ) و المتابعة له . [ 39 ] الخامسة ما أشار إليه بقوله ( و لقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء ) و يعتزل عن الخلق و يتخلّى للعبادة ( فأراه و لا يراه ) أحد ( غيرى ) قال الشارح المعتزلى : حديث مجاورته بحراء مشهور ، قد ورد فى الكتب الصحاح أنه صلّى اللّه عليه و آله كان يجاور فى حراء من كلّ سنة شهرا ، و كان يطعم فى ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فاذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدء به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك ثمّ يرجع إلى بيته حتى جائت السنة التى أكرمه اللّه فيها بالرّسالة ، فجاور فى حراء شهر رمضان و معه أهله خديجة و عليّ بن أبيطالب و خادم لهم ، فجاءه جبرئيل بالرّسالة قال صلّى اللّه عليه و آله : جائنى و أنا نائم بنمط فيه كتاب فقال : اقرء ، قلت : ما أقرء ؟ فغشني حتّى ظننت أنّه الموت ، ثمّ أرسلني فقال « اقرء باسم ربّك الّذي خلق « إلى قوله » علّم الانسان ما لم يعلم » ، فقرأته ثمّ انصرف عنّى ، فنبّهت من نومي و كأنّما كتب فى قلبي كتاب الحديث و في كتاب حيوة القلوب للمحدّث العلاّمة المجلسيّ عن عليّ بن إبراهيم و ابن شهر آشوب و الطبرسي و الرّاوندي و غيرهم من المحدّثين و المفسّرين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان قبل مبعثه يعتزل عن قومه و يجاور الحراء و يفرغ لعبادة ربّه سبحانه ، و كان عزّ و جلّ يسدّده و يهديه و يرشده بالرّوح القدس و الرؤيا الصّادقة و أصوات الملائكة و الالهامات الغيبية ، فيدرج في مدارج المحبّة و المعرفة ، و يعرج إلى معارج القرب و الزّلفي ، و كان سبحانه يزيّنه بالفضل و العلم و محامد الأخلاق و محاسن الخصال و لا يراه أحد في أيّام مجاورته به و خلال تلك الأحوال غير أمير المؤمنين عليه السّلام و خديجة . السادسة ما أشار إليه بقوله ( و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خديجة و أنا ثالثهما ) هذا الكلام صريح في سبقه على جميع من سواه من الرّجال بالاسلام ، و نظيره قوله في المختار المأة و الأحد و الثلاثين : اللّهم إنّي أوّل من أناب و سمع و أجاب [ 40 ] لم يسبقني إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالصّلاة . و قد تقدّم في شرح المختار المذكور تحقيق تقدّمه بالصّلاة و الاسلام كما هو مذهب الامامية تفصيلا و أبطلنا تقدّم اسلام أبي بكر عليه كما ذهب إليه شرذمة من العثمانيّة و أوردنا ثمّة من الأدلّة و الأخبار و الأشعار في هذا المعنى ما لا مزيد عليه و أقتصر هنا على روايتين تقدّمتا هناك اجمالا و نرويهما هنا تفصيلا . احداهما عن كاشف الغمّة عن عفيف الكندي قال : كنت امرءا تاجرا فقدمت الحجّ فأتيت العبّاس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التّجارة ، و كان امرءا تاجرا فو اللّه إنى لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه ، فنظر إلى الشمس فلمّا رآها قد مالت قام يصلّى . قال : ثمّ خرجت امرأة من الخباء الّذى خرج منه ذلك الرّجل فقامت خلفه فصلّت ، ثمّ خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه فصلّى . قال : فقلت للعباس : من هذا يا عبّاس ؟ قال : هذا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب ابن أخي قال : فقلت : من هذه المرأة ؟ قال : امرأته خديجة بنت خويلد قال : فقلت : من هذا الفتي ؟ قال : عليّ بن أبيطالب ابن عمّه فقلت له : ما هذا الذى يصنع ؟ قال : يصلّي و هو يزعم أنّه نبيّ و لم يتبعه على أمره إلاّ امرأته و ابن عمّه هذا الفتي و هو يزعم أنّه سيفتح عليه كنوز كسرى و قيصر ، و كان عفيف و هو ابن عمّ الأشعث بن قيس يقول بعد ذلك و هو أسلم و حسن إسلامه : لو كان رزقني اللّه الاسلام يومئذ فأكون ثانيا مع عليّ عليه السّلام . قال كاشف الغمة : و قد رواه بطوله أحمد بن حنبل فى مسنده ، نقلته من الّذى اختاره و جمعه عزّ الدّين المحدّث ، و تمامه من الخصايص بعد قوله ثمّ استقبل الرّكن و رفع يديه فكبّر ، و قام الغلام و رفع يديه و كبّر ، و رفعت المرأة يديها فكبّرت و ركع و ركعا و سجد و سجدا و قنت و قنتا ، فرأينا شيئا لم نعرفه أو شيئا حدث بمكّة فأنكرنا ذلك و أقبلنا على العبّاس فقلنا له يا أبا الفضل الحديث بتمامه . و الرواية الثانية قدّمناها هناك من البحار من مناقب ابن شهر آشوب من [ 41 ] كتاب محمّد بن إسحاق و أرويها هنا بتفصيل من شرح المعتزلي رواها هنا عن الطّبرى عن ابن حميد عن سلمة عن محمّد بن إسحاق ، و رواها أيضا في تاسع المختار من باب الكتب من كتاب السّيرة و المغازى لمحمّد بن إسحاق قال الشارح المعتزلي : فانّه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث و المؤرّخين ، و مصنّفه شيخ النّاس كلّهم قال : قال محمّد بن إسحاق : لم يسبق عليّا عليه السّلام إلى الايمان باللّه و رسالة محمّد أحد من النّاس ، اللّهمّ إلاّ أن تكون خديجة زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . قال : و قد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخرج و معه عليّ عليه السّلام مستخفيا من النّاس فيصلّيان الصّلاة في بعض شعاب مكة ، فاذا أمسيا رجعا فمكثا بذلك ما شاء اللّه أن يمكثا لا ثالث لهما . ثمّ إنّ أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصلّيان فقال لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يا ابن أخي ما هذا الّذى تفعله ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أى عمّ هذا دين اللّه و دين ملائكته و رسله و دين أنبيائه أو كما قال صلّى اللّه عليه و آله بعثنى اللّه به رسولا إلى العباد « إلى أن قال » فزعموا أنّه قال : لعليّ عليه السّلام أى بنيّ ما هذا الّذى تصنع قال : يا أبتاه آمنت باللّه و رسوله و صدقته فيما جاء به و صليت إليه و اتّبعت قول نبيّه فزعموا أنّه قال له أما انّه لا يدعوك أو لن يدعوك إلاّ إلى خير فالزمه . قال ابن إسحاق : ثمّ أسلم زيد بن حارثة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكان أوّل من أسلم و صلّى معه صلّى اللّه عليه و آله بعد عليّ بن أبيطالب ، ثمّ أسلم أبو بكر بن أبي قحافة فكان ثالثا لهما ، ثمّ اسلم عثمان بن عفّان و طلحة و الزّبير و عبد الرّحمن و سعد بن أبى وقّاص فصاروا ثمانية ، فهم الثّمانية الّذين سبقوا النّاس إلى الاسلام بمكّة . السابعة ما أشار إليه بقوله ( أرى نور الوحى و الرّسالة و أشمّ ريح النّبوة ) قال الشارح البحرانى و هذه أعلى مراتب الأولياء ، و استعار لفظ النور لما يشاهده بعين بصيرته من أسرار الوحي و الرّسالة و علوم التنزيل و دقايق التّأويل و اشراقها على لوح نفسه القدسيّة ، و وجه الاستعارة كون هذه العلوم و الأسرار هادية في سبيل اللّه إليه من ظلمات الجهل كما يهدى النور من الطّرق المحسوسة ، و رشح [ 42 ] تلك الاستعارة بذكر الرؤية لأنّ النور حظّ البصر و كذلك استعار لفظ الرّيح لما أدركه من مقام النّبوة و أسرارها و رشح بذكر الشمّ لأنّ الرّيح حظّ القوّة الشامة ، انتهى . أقول : و لقائل أن يقول : لا مانع من ظهور نور محسوس عند نزول الوحي أو في ساير الأوقات أيضا ، و كذلك عرف طيب يدركه أمير المؤمنين عليه السّلام بقوّة قوّتيه الباصرة و الشّامّة و إن لم يكن يحسّ به غيره و لا حاجة على ذلك إلى التّأويل الّذى ذكره . و يشهد بما ذكرته ما رواه فى البحار من أمالى الشيخ عن المفيد عن علىّ بن محمّد البزّاز عن زكريا بن يحيى الكشحى عن أبى هاشم الجعفرى قال : سمعت الرّضا عليه السّلام يقول : لنا أعين لا تشبه أعين النّاس ، و فيها نور ليس للشّيطان لها نصيب . و فى شرح المعتزلى روى عن جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام قال : كان عليّ عليه السّلام يرى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل الرّسالة الضوء و يسمع الصّوت ، و قال صلّى اللّه عليه و آله لو لا أنّى خاتم الأنبياء لكنت شريكا فى النّبوة فان لا تكن نبيّا فانك وصيّ نبيّ و وارثه بل أنت سيّد الأوصياء . الثامنة ما أشار إليه بقوله ( و لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقلت يا رسول اللّه ما هذه الرّنة ) و الصّوت ( فقال هذا الشّيطان قد أيس من عبادته ) أى من أن يعبد له . و هذه المنقبة له عليه السّلام تدلّ على كمال قوّته السامعة أيضا و سماعه ما لا يسمعه غيره . و أما رنين هذا اللّعين فقد روى عليّ بن إبراهيم القميّ عن أبيه عن الحسن ابن عليّ بن فضال عن علىّ بن عقبة عن أبيعبد اللّه عليه السّلام قال : إنّ إبليس رنّ رنينا لما بعث اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على حين فترة من الرّسل و حين انزلت أمّ الكتاب . و روى المحدّث العلاّمة المجلسيّ في كتاب حيوة القلوب عن الصّدوق عن الصّادق عليه السّلام أنّ ابليس رنّ أربع رنّات : يوم لعن ، و يوم اهبط إلى الأرض ، و حين بعث محمّد على حين فترة من الرّسل ، و حين نزلت امّ الكتاب . [ 43 ] و فى شرح المعتزلى من مسند أحمد بن حنبل عن عليّ بن أبيطالب عليه السّلام قال : كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صبيحة الليلة الّتى اسرى به فيها و هو بالحجرة يصلّي فلمّا قضى صلاته و قضيت صلاتى سمعت رنّة شديدة فقلت : يا رسول اللّه ما هذه الرنّة : قال : ألا تعلم هذه رنّة الشيطان علم أنّي اسرى فى الليلة إلى السماء فآيس من أن يعبد فى هذه الأرض . التاسعة ما أشار إليه بقوله ( إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى ) ظاهر هذا الكلام يفيد أنّ الامام يسمع صوت الملك و يعاينه كالرّسول . أمّا سماع الصوت فلا غبار عليه و يشهد به أخبار كثيرة . و أمّا المعاينة فيدلّ عليه بعض الأخبار . مثل ما فى البحار من أمالى الشيخ باسناده عن أبى حمزة قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّ منّا لمن ينكت فى قلبه و إنّ منّا لمن يؤتي في منامه و إنّ منّا لمن يسمع الصّوت مثل صوت السلسلة فى الطّشت و أنّ منّا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل و ميكائيل و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : منّا من ينكت في قلبه ، و منّا من يخاطب ، و قال عليه السّلام : إنّ منّا لمن يعاين معاينة و إنّ منّا لمن ينقر في قلبه كيت و كيت ، و إنّ منّا لمن يسمع كوقع السّلسلة في الطشت ، قال : قلت : و الّذى يعاينون ما هو ؟ قال : خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل . و لكن الظاهر من الأخبار الكثيرة أنّ الامام يسمع الصّوت و لا يعاين ، و من ذلك اضطرّ المحدّث العلاّمة المجلسي « ره » بعد رواية هذه الرّواية إلى تأويلها بقوله : و المراد بالمعاينة معاينة روح القدس و هو ليس من الملائكة مع أنّه يحتمل أن يكون المعاينة في غير وقت المخاطبة ، انتهى . و تمام الكلام إنشاء اللّه فى التّنبيه الثانى من التنبيهات الآتية ، هذا . و لما كان ظاهر قوله صلّى اللّه عليه و آله انّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى موهما للمساوات بينه عليه السّلام و بينه صلّى اللّه عليه و آله استدرك ذلك بقوله ( إلاّ أنّك لست بنبيّ ) و نظير هذا الاستدراك قد وقع في كلام الصادق عليه السّلام و هو : [ 44 ] ما رواه في البحار من البصاير بسنده عن عليّ السائي قال : سألت الصادق عليه السّلام عن مبلغ علمهم ، فقال : مبلغ علمنا ثلاثة وجوه : ماض ، و غابر ، و حادث ، فأمّا الماضي فمفسّر ، و أمّا الغابر فمزبور ، و أمّا الحادث فقذف في القلوب و نقر في الأسماع و هو أفضل علمنا و لا نبيّ بعد نبيّنا . فانّ النّكث و النّقر لما كانا مظنّة لأن يتوهّم السائل فيهم النّبوّة قال عليه السّلام : و لا نبيّ بعد نبيّنا ، و يتّضح لك معني هذا الحديث ممّا نورده في التّنبيه الثاني إنشاء اللّه . ثمّ إنّه لمّا نفي عنه النّبوة أثبت له الوزارة و هي عاشر المناقب فقال ( و لكنّك لوزير و إنّك لعلى خير ) بشّره بالوزارة و نبّه به على أنّه الصّالح لتدبير أمور الرّسالة و المعاون له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في نظم امور الدّين و تأسيس قواعد شرع المبين و اصلاح امور الاسلام و المسلمين ، ثمّ شهد به أنّه على خير و أشار به على استقراره و ثباته على ما هو خير الدّنيا و الآخرة ، و أنّه مجانب لما هو شرّ الدّنيا و الآخرة . و هذا معني عام متضمّن لكونه عليه السّلام جامعا لجميع الكمالات و المكارم الدّنيويّة و الاخرويّة و المحامد الصّوريّة و المعنويّة و كونه راسخا فيها غير متزلزل و لا متكلّف ، هذا . و اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة الشريفة لمّا كان متضمّنا لجلّ مسائل الرّسالة و الامامة حسبما عرفته أتيت في شرحه من الرّوايات الشّريفة و التحقيقات اللطيفة بما هو مقتضي مذهب الفرقة النّاجية الاماميّة ، و أضربت عن روايات عاميّة ضعيفة أوردها الشّارح المعتزلي في بيان عصمة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالملائكة . و العجب من مبالغة الشّارح البحراني له في ايراد بعض هذه الأخبار مع أنّها مضافة إلى أنّها خلاف اصول الاماميّة ممّا تشمئزّ عنها الطباع و تنفر عنها الأسماع كما هو غير خفيّ على من لاحظ الشرحين بنظر الدّقة و الاعتبار . ثمّ لما بقي هنا بعض مطالب محتاجة إلى بسط من الكلام أردت ايرادها و تحقيق ما هو محتاج إلى التحقيق في ضمن تنبيهات ثلاثة فأقول و باللّه التوفيق : [ 45 ] التنبيه الاول اعلم أنّا قد قلنا في شرح قوله عليه السّلام في فاتحة هذا الفصل : ألا و قد أمرني اللّه بقتال أهل البغى : إنّ من جملة الأوامر الآمرة بقتاله لهم قوله « يا أيّها الّذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين . يجاهدون في سبيل اللّه و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه واسع عليم » . لكن جمعا من العامّة العمياء المتعصّبين من المعتزلة و الأشاعرة زعموا أنّ الآية ناظرة إلى أبي بكر و دالّة على صحّة إمامته ، و قد أفرط في هذا المعنى النّاصب المتعصّب فخر المشكّكين و المضلّين خذله اللّه تعالى و حشره مع أوليائه المرتدّين فأحببت أن اورد مقالهم و اعقّبه بالتنبيه على خطائهم و ضلالهم فأقول : قال الشّارح المعتزلي في شرح هذا الفصل : و اعلم أنّ أصحابنا قد استدلّوا على صحّة إمامة أبي بكر بهذه الآية ، قال قاضي القضاة في المغنى : و هذا خبر من اللّه تعالى و لا بدّ أن يكون كائنا على ما أخبر به ، و الذين قاتلوا المرتدّين هم أبو بكر و أصحابه فوجب أن يكونوا هم الّذين عناهم اللّه سبحانه بقوله : يحبّهم و يحبّونه ، و ذلك يوجب أن يكون على صواب ، انتهى و قال الفخر الرّازي في تفسير الآية : اختلفوا في أنّ اولئك القوم من هم ، فقال عليّ بن أبيطالب و الحسن و القتادة و الضحاك و ابن جريح : هم أبو بكر و أصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الرّدّة ، قالت عايشة : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ارتدّت العرب و اشتهر النفاق و نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الرّاسيات لهاضها . و قال السدى : نزلت الاية فى الأنصار ، لأنّهم هم الّذين نصروا الرّسول و أعانوه على اظهار الدّين . و قال مجاهد : نزلت في أهل يمن و روى مرفوعا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري و قال : هم قوم هذا . [ 46 ] و قال آخرون : هم الفرس لأنه روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان و قال : هذا و ذووه ثمّ قال : لو كان الدّين معلّقا بالثريّا لنا له رجال من أبناء فارس . و قال قوم : إنها نزلت في عليّ عليه السّلام و يدلّ عليه وجهان : الوجه الأوّل أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما دفع الرّاية إلى عليّ عليه السّلام يوم خيبر قال : لأدفعنّ الرّاية غدا إلى رجل يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ، و هذا هو الصفة المذكورة فى الآية . و الوجه الثانى أنه تعالى إنما ذكر بعد هذه الآية قوله : إنما وليّكم اللَّه و رسوله الآية ، و هذه فى حقّ عليّ عليه السّلام فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا فى حقّه عليه السّلام ، فهذه جملة الأقوال فى هذه الآية ، و لنا فى هذه الآية مقامات : المقام الأول أنّ هذه الآية من أدلّ الدّلائل على فساد مذهب الاماميّة من الرّوافض . و تقرير مذهبهم إنّ الّذين أقرّوا بخلافة أبى بكر و امامته كلّهم كفروا و صاروا مرتدّين ، لأنّهم أنكروا النصّ الجليّ على إمامة عليّ عليه السّلام . فنقول : لو كان كذلك لجاء اللّه تعالى بقوم يحاربهم و يقهرهم و يردّهم إلى الدّين الحقّ بدليل قوله : من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتى اللَّه بقوم ، الآية ، و كلمة من فى معرض الشرط للعموم ، فهي تدلّ على أنّ كلّ من صار مرتدّا عن دين الاسلام فانّ اللّه يأتى بقوم يقهرهم و يردّهم و يبطل شوكتهم فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتى اللّه بقوم يقهرهم و يبطل مذهبهم ، و لما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضدّ فانّ الرّوافض هم المقهورون الممنوعون من إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا علمنا فساد مذهبهم و مقالتهم ، و هذا كلام ظاهر لمن أنصف . المقام الثانى إنّا ندّعي أنّ هذه الآية يجب أن يقال : إنّها نزلت في حقّ أبي بكر و الدّليل عليه وجهان : [ 47 ] الوجه الأول أنّ هذه الآية مختصّة بمحاربة المرتدّين ، و أبو بكر هو الذي تولّى محاربة المرتدّين ، و لا يمكن أن يكون المراد هو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، لأنه لم يتّفق له محاربة المرتدّين ، و لأنه تعالى قال : فسوف يأتى اللّه ، و هذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين فى وقت نزول هذا الخطاب . فان قيل : هذا لازم عليكم ، لأنّ أبا بكر كان موجودا فى ذلك الوقت . قلنا : الجواب من وجهين : الأول أنّ القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودين فى الحال و الثّانى أنّ معنى الآية أنّ اللّه تعالى قال : فسوف يأتى اللّه بقوم ، قادرين متمكّنين من هذا الحراب ، و أبو بكر و إن كان موجودا فى ذلك الوقت إلاّ أنه ما كان مستقلاّ فى هذا الوقت بالحراب و الأمر و النّهى ، فزال السؤال فثبت أنه لا يمكن أن يكون هو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا يمكن أن يكون المراد هو علىّ عليه السّلام لأنّ عليا لم يتّفق له قتال مع أهل الردّة فكيف تحمل هذه الآية عليه . فان قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردّة ، لأنّ كلّ من نازعه فى الامامة كان مرتدّا . قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول أنّ اسم المرتدّ إنما يتناول من كان تاركا للشرايع الاسلاميّة ، و القوم الذين نازعوا عليّا ما كانوا كذلك فى الظاهر ، و ما كان أحد يقول إنّهم خرجوا عن الاسلام و عليّ لم يسمّهم البتّة بالمرتدّين ، فهذا الذى يقوله هؤلاء الرّوافض لعنهم اللّه بهت على جميع المسلمين و على عليّ عليه السّلام أيضا . الثانى أنه لو كان كلّ من نازعه في الامامة مرتدّا لزم فى أبى بكر و فى قومه أن يكونوا مرتدّين ، و لو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي اللّه بقوم يقهرونهم و يردّونهم إلى الدّين الصحيح ، و لما لم يوجد ذلك البتّة علمنا أنّ منازعة عليّ فى الامامة لا يكون ردّة ، و إذا لم تكن ردّة لم يمكن حمل الآية على عليّ لأنّها نازلة فيمن يحارب المرتدّين . [ 48 ] و لا يمكن أيضا أن يقال : إنّها نازلة في أهل فارس أو في أهل اليمن ، لأنّهم لم يتّفق لهم محاربة مع المرتدّين ، و بتقدير أنّه اتّفقت لهم هذه المحاربة و لكنهم كانوا رعيّة و أتباعا و أذنابا ، و كان الرئيس المطاع الآمر في تلك الواقعة هو أبوبكر و معلوم أنّ حمل الآية على من كان أصلا في هذه العبادة و رئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرّعية و الأتباع و الأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدّليل الظاهر أنّ هذه الآية مختصّة بأبي بكر . و الوجه الثاني في بيان أنّ هذه الآية مختصّة بأبي بكر هو : إنّا نقول : هب أنّ عليّا قد كان حارب المرتدّين ، و لكن محاربة أبى بكر مع المرتدّين كانت أعلى حالا و أكثر موقعا فى الاسلام من محاربة عليّ مع من خالفه فى الامامة و ذلك لأنّه علم بالتواتر أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا توفّى اضطربت الأعراب و تمرّدوا و أنّ أبا بكر هو الّذي قهر مسيلمة و طليحة ، و هو الذى حارب مانعي الزّكاة ، و لمّا فعل ذلك استقرّ الاسلام و عظمت شوكته و انبسطت دولته . أمّا لما انتهى الأمر إلى علىّ فكان الاسلام قد انبسط فى الشّرق و الغرب و صار ملوك الدّنيا مقهورين و صار الاسلام مستوليا على جميع الأديان و الملل ، فثبت أنّ محاربة أبى بكر أعظم تاثيرا فى نصرة الاسلام و تقويته من محاربة عليّ عليه السّلام . و معلوم أنّ المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون فى تقوية الدّين و نصرة الاسلام ، و لما كان أبو بكر هو المتولّى لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية . المقام الثالث فى هذه الآية و هو أنّا ندّعى دلالة هذه الآية على صحّة إمامة أبى بكر ، لما ثبت بما ذكرنا أنّ هذه الآية مختصّة به ، فنقول : إنّه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أوّلها أنّهم يحبّهم اللّه ، فلمّا ثبت أنّ المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أنّ قوله يحبّهم و يحبّونه وصف لأبى بكر ، و من وصفه اللّه تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما ، و ذلك يدلّ على أنه كان محقّا في إمامته . [ 49 ] و ثانيها قوله : أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين ، و هو صفة أبي بكر أيضا للدّليل الّذي قدّمناه . و يؤكّده ما روى في الخبر المستفيض أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : أرحم امّتي بامّتي أبو بكر ، فكان موصوفا بالرّحمة و الشفقة على المؤمنين ، و بالشدّة مع الكفّار . ألا ترى أنّ في أوّل الأمر حين كان الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مكّة و كان في غاية الضعف كيف كان يذبّ عن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كيف كان يلازمه ، و يخدمه ، و ما كان يبالي بجبابرة الكفّار و شياطينهم و في آخر الأمر أعنى وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد و أصرّ على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعى الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده حتى جاء أكابر الصحابة و تضرّعوا إليه و منعوه من الذهاب . ثمّ لما بلغ بعث العسكر إليهم انهرموا و جعل اللّه ذلك مبدء لدولة الاسلام ، فكان قوله : أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين ، لا يليق إلاّ به . و ثالثها قوله : يجاهدون فى سبيل اللّه و لا يخافون لومة لائم ، فهذا مشترك فيه بين أبى بكر و علىّ إلاّ أنّ حظّ أبى بكر فيه أتمّ و أكمل . و ذلك لأنّ مجاهدة أبى بكر مع الكفار كان فى أوّل البعث ، و هناك الاسلام كان فى غاية الضعف ، و الكفر كان فى غاية القوّة ، و كان يجاهد الكفار بمقدار قدرته و يذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بغاية وسعه . و أما عليّ عليه السّلام فانه إنما شرع فى الجهاد يوم بدر و أحد ، و فى ذلك الوقت كان الاسلام قويّا و كانت العساكر مجتمعة . فثبت أنّ جهاد أبى بكر كان أكمل من جهاد عليّ عليه السّلام من وجهين : الأوّل أنه كان متقدّما عليه فى الزّمان لقوله تعالى : لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل و الثاني جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرّسول و جهاد علىّ كان في وقت القوّة . و رابعها قوله : ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، و هذا لايق بأبي بكر لأنّه متأكّد [ 50 ] بقوله تعالى : و لا يأتل اُولو الفضل منكم و السّعة ، و قد بيّنا أنّ هذه الآية في أبي بكر و ممّا يدلّ على أنّ جميع هذه الصّفات لأبي بكر أنا بيّنا بالدّليل أنّ هذه الآية لا بدّ و أن تكون في أبي بكر ، و متى كان الأمر كذلك كانت هذه الصّفات لا بدّ و أن تكون لأبي بكر ، و إذا ثبت هذا وجب القطع بصحّة امامته ، إذ لو كانت باطلة لما كانت هذه الصّفات لائقة به . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفا بهذه الصّفات حال حياة الرّسول ثمّ بعد وفاته لما شرع في الامامة زالت هذه الصّفات و بطلت . قلنا : هذا باطل قطعا ، لأنّه تعالى قال : فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبّونه ، فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصّفات حال اتيان اللّه بهم في المستقبل ، و ذلك يدلّ على شهادة اللّه بكونه موصوفا بهذه الصّفات حال محاربته مع أهل الرّدة ، و ذلك هو حال امامته ، فثبت بذلك الآية دلالة الآية على صحّة امامته . أمّا قول الرّوافض لعنهم اللّه إنّ هذه الآية في حقّ عليّ عليه السّلام بدليل أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال يوم خيبر : لاعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ، و كان ذلك هو عليّ عليه السّلام . فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد و عندهم لا يجوز التّمسك به في العمل فكيف يجوز التّمسك به في العلم . و أيضا إنّ اثبات هذه الصفة لعليّ عليه السّلام لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر و بتقدير أن يدلّ على ذلك لكنّه لا يدلّ على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر و من جملة تلك الصفات كونه كرّارا غير فرّار فلمّا انتفى ذلك عن أبى بكر لم يحصل مجموع تلك الصّفات له فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأمّا انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة فى اللّفظ عليه فهو تعالى إنّما أثبت هذه الصّفة المذكورة فى هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدّين بعد ذلك ، فهب أنّ تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت فلم يمنع ذلك من حصولها في الزّمان المستقبل . و لأنّ ما ذكرناه تمسّك بظاهر القرآن و ما ذكروه تمسّك بالخبر المذكور [ 51 ] المنقول بالآحاد . و لأنّه معارض بالأخبار الدّالة على كون أبى بكر محبّا للّه و رسوله و كون اللّه محبّا له و راضيا عنه ، قال تعالى فى حقّ أبى بكر : و لسوف يرضى و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه يتجلّى للناس عامّة و يتجلّى لأبى بكر خاصّة ، و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما صبّ اللّه شيئا فى صدرى إلاّ و صبّه فى صدر أبى بكر ، و كلّ ذلك يدلّ على أنّه كان يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و أما الوجه الثانى و هو قولهم : الآية التى بعد هذه الآية دالّة على امامة عليّ عليه السّلام فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في عليّ . فجوابنا أنا لا نسلّم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على امامته ، و سنذكر الكلام فيه ، فهذا ما فى هذا الموضع من البحث و اللّه أعلم ، انتهى كلامه هبط مقامه . و يتوجّه عليه وجوه من الكلام و ضروب من الملام : الوجه الاول أنّ نسبته كون المراد بقوم يحبّهم و يحبّونه هو أبوبكر و أصحابه إلى عليّ عليه السّلام بهت و افتراء ، و إنما المرويّ عنه عليه السّلام و عن حذيفة و عمّار و ابن عباس حسبما تعرفه أنّ المراد به هو عليه السّلام و أصحابه . الثانى ما ذكره من الوجه الثانى من استدلال الامامية بأنّ الآية الواقعة بعد هذه الآية عنى قوله : إنما وليّكم اللَّه ، فى حقّ عليّ عليه السّلام فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا فى حقّه فاسد ، لأنّ أصحابنا و إن قالوا بكون انما وليّكم اللّه فى حقّه لكنّهم لم يستدلّوا بذلك على كون هذه الآية أعني : فسوف يأتى اللَّه بقوم ، فيه عليه السّلام و إنّما استدلّوا على ذلك بالوجه الأوّل الّذى حكاه عنهم و يأتي توضيحه ، و بما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام من قوله يوم البصرة و اللّه ما قوتل أهل الآية حتّى اليوم و تلاها ، و بما روي عن وجوه الصحابة مثل حذيفة و عمّار و ابن عبّاس من نزولها فيه عليه السّلام كما قاله المرتضى في الشافي ، و مثلهم الثعلبى قال فى تفسير قوله : فسوف يأتى اللَّه بقوم الآية ، هو عليّ بن أبيطالب . الثالث أنّ استدلاله على فساد مذهب الاماميّة بقوله : و تقرير مذهبهم إلى قوله : و لما لم يكن كذلك علمنا فساد مذهبهم ، سخيف جدّا ، لأنّا لا ننكر ارتداد أبي بكر [ 52 ] و من تبعه حسبما نشير اليه ، و لكن نمنع دلالة الآية على أنّ كلّ من صار مرتدّا عن دين الاسلام ، فانّ اللّه يأتى بقوم يردّهم إلى الاسلام و إفادة من للشرط و العموم لا يقتضى ذلك . و ذلك لأنه سبحانه لم يقل من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتى اللّه بقوم يجاهدهم و يقهرهم و يردّهم الى الدّين الحقّ كما زعمه هذا الناصب ، و إنما قال فسوف يأتى اللّه بقوم يحبّهم و يحبّونه آه . و لا دلالة فيها على أنّ القوم المأتيّ بهم يجاهدون هؤلاء المرتدّين بل ظاهر معنى الآية و مساقها مع قطع النظر عن الأخبار أنّ من يرتدّ منكم عن دينه فلن يضرّ دينه شيئا و لا يوجب ارتداده ضعفه و وهنه لأنّه سبحانه سوف يأتي بقوم لهم هذه الصّفات ينصرونه على أبلغ الوجوه ، و بهم يحصل كمال قوّته و شوكته . فيكون مساق هذه الآية مساق قوله تعالى و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أ فان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللَّه شيئاً و سيجزى اللَّه الشاكرين » . و قد روى ابن شهر آشوب من طريق العامّة باسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية يعني بالشاكرين عليّ بن أبيطالب و بالمرتدّين على أعقابكم هم الذين ارتدّوا عنه عليه السّلام . فقد علم بما ذكرنا أنّ الآية لا تقتضى أنّ كلّ من ارتدّ لا بدّ و أن يأتي اللّه بمن يردّه عن ارتداده إلى دين الاسلام كما توهّمه الرّازى ، كيف ؟ و لو كان مفهومها ذلك لوجب أن لا يوجد مرتدّ إلاّ و له قاهر يقهره و رادّ يردّه إلى دين الاسلام ، و المعلوم المشاهد بالتجربة و الوجدان عدمه ، فانّ العالم ملاء من المرتدّين و ليس لهم دافع و لا رادع . و قد اعترف الرازى بخبطه من حيث لا يشعر ، فانّه نقل قبل ما حكينا عنه من كلامه في جملة كلام نقله عن صاحب الكشّاف و ارتضاه أنّ من جملة المرتدّين غسّان قوم جبلة بن الايهم على عهد عمر ، و ذلك أنّ [ 53 ] جبلة أسلم على يد عمر و كان ذات يوم جارّا رداءه فوطى‏ء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فتظلّم الرّجل إلى عمر فقضي له بالقصاص عليه إلاّ أن يعفو عنه فقال : أنا اشتريها 1 بألف فأبى الرّجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرّجل إلاّ القصاص ، فاستنظر عمر فأنظره فهرب إلى الرّوم و ارتدّ ، انتهى . فأقول للرّازى : إنّ هؤلاء كانوا مرتدّين بعد إسلامهم فلم لم يأتي اللّه بقوم يقهرونهم و يردّونهم إلى الاسلام على ما زعمت ، فعلم فساد ما قاله في معني الآية . الرابع قوله : إنّ هذه الآية مختصّة بمحاربة المرتدّين و أبو بكر هو الّذى تولّى محاربتهم ، قد علمت عدم دلالة الآية على محاربتهم فضلا عن اختصاصها بها . و على التنزّل و تسليم الدّلالة و الاختصاص فنمنع اختصاص أبي بكر بمحاربتهم لأنّ من جملة المرتدّين الناكثين و القاسطين و المارقين و قد حاربهم أمير المؤمنين عليه السّلام . و من جملتهم بنو مدلج و رئيسهم ذو الحمار و هو الأسود العنسي و كان كاهنا ادّعا النبوّة في اليمن و استولى على بلادها و أخرج عمّال رسول اللّه منها فكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى معاذ بن جبل و سادات اليمن فأهلكه اللّه على يد فيروز الدّيلمي فقتله و اخبر رسول اللّه بقتله ليلة قتل ، فسرّ المسلمون و قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الغد ، و أتى خبره في آخر شهر ربيع الأوّل روى ذلك في الكشّاف و حكاه عنه الرّازى أيضا . و إذا لم يكن المحاربة مختصّة بأبي بكر فلم لا يجوز أن يكون المقصود بالآية هؤلاء المحاربون بالمرتدّين لا أبو بكر و أصحابه . الخامس قوله : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتّفق له محاربة المرتدّين قد علمت بطلانه . فان قلت : إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتولّ بنفسه جهاد بني مدلج ، و إنّما أنفذ إليهم سريّة قلت : أبو بكر أيضا لم يتولّ بنفسه . السادس قوله : و لأنه تعالى قال : فسوف يأتي اللّه بقوم ، و هذا للاستقبال لا للحال ----------- ( 1 ) اى اللطمة ، منه [ 54 ] فوجب أن يكون هذا القوم غير موجودين في وقت نزول الخطاب فيه أنّه مسلّم و لكنّه لا ينافي كون المراد بالمرتدّين بنو مدلج أو قوم مسيلمة فانّ محاربة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لهم كان بعد مضيّ نزول الخطاب و في آخر عمره الشريف ، أمّا بنو مدلج فقد عرفت ، و أمّا مسيلمة فقد ادّعى النّبوة فأنفذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لقتله جماعة من المسلمين و أمرهم أن يفتكوا به إن أمكنهم غيلة ، و استقرّ عليه قبايل من العرب و قتل على يدى وحشي قاتل حمزة بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . السابع قوله : إنّ القوم الّذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودين في الحال . فيه أوّلا أنّه رجم بالغيب فمن أين له إثبات عدم وجودهم ، بل بيّن الفساد لأنّ المرتدّين هم الذين كانوا في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مثل خالد بن الوليد و أبو قتادة الأنصارى و نظرائهم و جلّهم كان جيش اسامة كما يظهر من كتب السّير . و ثانيا بعد التنزّل أنّ عدم وجودهم لا ينفع بحال أبي بكر على ما زعم مع كونه موجودا بل يدخل المقاتلون معه في عموم الآية لعدم كونهم موجودين و يخرج هو بنفسه عنه لكونه موجودا ، فافهم جيّدا . الثامن قوله : إنّ معنى الآية إنّ اللّه قال : فسوف يأتي اللَّه بقوم قادرين متمكّنين من هذا الحرب « إلى قوله » و الأمر و النهي . فيه إذا كان البناء في معنى الآية على ذلك فلنا أن نقول : إنّ أمير المؤمنين أيضا كان موجودا في ذلك الوقت و فى زمان أبى بكر لكنّه لم يكن متمكّنا من الحرب و الأمر و النهي إلى أن استقلّ بالأمر ، فقاتل المرتدّين من النّاكثين و القاسطين و المارقين ، غاية الأمر إنّ عدم استقلال أبي بكر بوجود الرئيس الحقّ و هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عدم استقلال أمير المؤمنين عليه السّلام بوجود رئيس الباطل أعني الغاصبين للخلافة مع عدم المعاون التاسع قوله : فثبت أنّه لا يمكن أن يكون المراد هو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد علمت فساده و امكان إرادته . [ 55 ] العاشر قوله : اسم المرتدّ إنما يتناول من كان تاركا للشرايع الاسلاميّة اه . فيه أنّه إن أراد به تركه لجميعها فيتعرض عليه بأنّ مانعي الزكاة لم يكونوا تاركين للجميع و انّما منعوا الزّكاة فحسب فكيف حكمتم بارتدادهم ، و يدلّ على ما ذكرنا من عدم تركهم للجميع ، مضافا إلى ما يأتي قول قاضي القضاة في المغني حيث قال : فان قال قائل فقد كان مالك يصلّي ، قيل له : و كذلك ساير أهل الرّدة و الكفر و إنّما كفروا بالامتناع من الزّكاة و اعتقاد إسقاط وجوبها دون غيره . و إن اراد به تناول الاسم و لو بترك بعضها فنقول : إنّ المحاربين لأمير المؤمنين عليه السّلام قد كانوا تاركين للبعض ، حيث انّهم قد كانوا يستحلّون قتاله و قتله و قتل ساير المؤمنين التابعين له عليه السّلام فضلا عن إنكارهم النصّ الجليّ و نقضهم لبيعته . و استحلال قتل المؤمنين و سفك دمائهم فضلا عن أكابرهم و أفاضلهم أشدّ من استحلال الخمر و شربه قطعا ، فيكونوا كفّارا مرتدّين . مع أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال له عليه السّلام بلا خلاف بين أهل النقل : يا عليّ حربك حربي و سلمك سلمي ، و نحن نعلم أنّ المقصود به ليس إلاّ التشبيه في الأحكام ، و من أحكام محاربي النّبي الكفر و الارتداد بالاتّفاق . و ملخّص الكلام و محصّل المرام أنّ الرّدة الّتي نقولها في حقّ محاربي عليّ عليه السّلام هي بعينها مثل الرّدة الّتي تقولونها في حقّ مانعي الزكاة حرفا بحرف . قال شارح صحيح مسلم في المنهاج في كتاب الايمان كلاما استحسنه من الخطابي ما هذا لفظه قال بعد تقسيم أهل الرّدة إلى ثلاثة أقسام : فأمّا مانعوا لزكاة منهم المقيمون على أصل الدّين فانّهم أهل بغي و لم يسمّوا على الانفراد منهم كفارا و إن كانت الردّة قد اضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدّين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدّين ، و ذلك انّ اسم الرّدة اسم لغوىّ و كلّ من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتدّ عنه ، و قد وجد من هولاء القوم الانصراف و منع الحق و انقطع عنهم اسم الثناء و المدح بالدّين و علّق بهم اسم القبيح لمشاركتهم القوم الّذين كان ارتدادهم حقّا ، انتهى . [ 56 ] و هذا الكلام كما ترى صريح في أنّ مانعي الزكاة كانوا مقيمين على أصل الدّين لكنّه اطلق عليهم اسم المرتدّ لترك بعض حقوق الدّين الواجبة ، هذا . و أما استبعاد الشّارح المعتزلي لارتدادهم أعنى الناكثين و القاسطين و المارقين بأنّهم لا يطلق عليهم لفظ الرّدة . أمّا اللفظ فباالاتّفاق منّا و من الاماميّة و ان سمّوهم كفارا . و أمّا المعنى فلأنّ فى مذهبهم أنّ من ارتدّ و كان قد ولد على فطرة الاسلام بانت امرأته منه و قسم ماله بين ورثته و كان على زوجته عدّة المتوفى عنها زوجها ، و معلوم أنّ أكثر المحاربين لأمير المؤمنين قد ولدوا فى الاسلام و لم يحكم فيهم بهذه الأحكام . ففيه منع أنّ الاماميّة لا يطلقون عليهم اسم المرتدّ و من أخبارهم المشهورة : ارتدّ النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلاّ ثلاثة أو أربعة . و أمّا ما حكاه عنهم من انّ مذهبهم أنّ من ارتدّ و كان قد ولد على الفطرة اه ، فهو حقّ لكن نجيب عنه بأنّ أحكام الكفّار كما أنّها مختلفة و إن كان شملهم اسم الكفر ، فانّ منهم من يقتل و لا يستبقى ، و منهم من يؤخذ منهم الجزية و لا يقتل إلاّ بسبب طار غير الكفر ، و منهم من لا يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين ، فكذلك من الجايز اختلاف أحكام الارتداد و يرجع فى أنّ حكمهم مخالف لأحكام ساير الكفار و المرتدّين إلى فعله عليه السّلام و سيرته فيهم . و لذلك قال الشافعي : أخذ المسلمون السيرة فى قتال المشركين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و أخذوا السيرة فى قتال البغاة من عليّ عليه السّلام . و بالجملة فلو لم يكن الباغون عليه عليه السّلام كفارا مرتدّين لما حاربهم أمير المؤمنين و لا استحلّ سفك دمائهم و لم يكن مأمورا من اللّه تعالى و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقتالهم على ما صرّح به فى أوّل هذا الفصل من كلامه بقوله : و قد أمرنى اللّه بقتال أهل البغي اه . إذ المسلم لا يجوز سفك دمه و استحلال قتله فلمّا حاربهم أمير المؤمنين عليه السّلام ثبت [ 57 ] بذلك كفرهم و ارتدادهم . و لمّا لم يسر فيهم بسيرة ساير الكفار من سبيهم و سبي ذراريهم و غنيمة أموالهم و اتّباع مولّيهم و إجهاز جريحهم ، و لم يسر فيهم بسيرة ساير المرتدّين من إبانة امرأتهم و تقسيم أموالهم و غيرها من الأحكام ، علمنا بذلك اختلاف أحكامهم مع أحكام ساير الكفار و المرتدّين ، فانّ فعل الامام و سيرته كقوله حجّة متّبعة مثل الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و ان شئت مزيد تحقيق لهذا المقام . فأقول : إنّ ارتداد المنحرفين عنه عليه السّلام كائنا من كان من الغاصبين للخلافة أو الباغين عليه عليه السّلام و اطلاق اسم المرتدّ عليه قد ورد فى الرّوايات العاميّة كوروده فى أخبار الخاصّة . ففى غاية المرام عن الثعلبى قال : أخبرنا عبد اللّه بن حامد بن محمّد أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن حدّثنا محمّد بن شبيب حدّثنا أبي عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيّب عن أبى هريرة أنّه كان يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : يرد علىّ يوم القيامة رهط من أصحابى فيجلون عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابى ، فيقال : إنّك لا علم لك بما أحدثوا أنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى . و فيه من صحيح البخارى في الجزء الخامس على حدّ ثلثه الأخير فى تفسير قوله « و كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم » قال : حدّثنا شعبة قال أخبرنا المغيرة بن النعمان قال سمعت سعيد بن جبير عن ابن عبّاس « رض » خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال يا أيّها النّاس إنّكم محشورون إلى اللّه حفاة عزلا ، ثمّ قال : كما بدئنا أوّل خلق نعيده وعدا علينا إنا كنّا فاعلين « إلى آخر الآية » ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألا و إنّ أوّل الخلايق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السّلام ألا و انه يجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا ربّ أصحابى ، فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم و أنت على كلّ شى‏ء شهيد ، فقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم . [ 58 ] و رواه فيه من صحيح مسلم فى الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة من ثلثه الأخير بسنده عن ابن عباس نحوه . و فيه من البخارى من حديث الزّهرى عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة كان يحدّث عن بعض أصحاب النّبي قال : يرد على الحوض رجال من امّتي فيجلون عنه فأقول يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى . فان قلت : غاية ما يستفاد من هذه الرّوايات أنّ جماعة من امّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ارتدّوا بعده ، و لا دلالة على أنّهم مبغضو أمير المؤمنين عليه السّلام و المخالفون له . قلت : الجواب أولا أنّه قد ورد في النبوىّ المتّفق عليه بالنقل البالغ حدّ الاستفاضة : عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور معه ، و من جملة طرقه الزّمخشرى في ربيع الأبرار قال : استأذن أبو ثابت مولا عليّ عليه السّلام على امّ سلمة رضي اللّه عنها فقالت : مرحبا بك يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : تبع عليّ ، فقالت : و الّذي نفسي بيده سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : عليّ مع الحقّ و القرآن و الحقّ و القرآن معه و لن يفترقا حتّى يردا على الحوض و من المعلوم أنه عليه السّلام إذا كان معهما و كانا معه مصاحبين حتّى يردا على الحوض يكون مخالفوه المنحرفون عنه مخالفين للحقّ و القرآن ، مفترقين عنهما البتة و ليس معنى الارتداد إلاّ ذلك فيكون المرتدّون المجلون عن الحوض هم هؤلاء . و بمعناه ما رواه إبراهيم بن محمّد الحمويني مسندا عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة و الأسود قالا : أتينا أبا أيّوب الأنصارىّ و قلنا له : يا أبا أيّوب إنّ اللّه تعالى أكرمك بنبيّه حيث كان ضيفا لك فضيلة من اللّه فضّلك بها أخبرنا بمخرجك مع عليّ عليه السّلام تقاتل أهل لا إله إلاّ اللّه ، قال : اقسم لكما باللّه لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فى هذا البيت الّذى أنتما فيه معى ، و ما فى البيت غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ جالس عن يمينه و أنا جالس عن [ 59 ] يساره و أنس قائم بين يديه ، إذ حرّك الباب فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : افتح لعمّار الطيّب المطيّب ، ففتح النّاس الباب و دخل عمار فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فرحّب به ثمّ قال لعمار : إنه سيكون في أمّتي بعدي هناة حتى يختلف السيف فيما بينهم و حتى يقتل بعضهم بعضا ، فاذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يمينى يعني عليّ بن أبيطالب ، فاذا سلك الناس كلّهم واديا و سلك علىّ و اديا فاسلك وادى عليّ و خلّ عن النّاس ، يا عمار إنّ عليّا لا يردّك عن هدى و لا يدلّك على ردى ، يا عمار طاعة عليّ طاعتي و طاعتي طاعة اللّه عزّ و جلّ . و دلالته على المدّعى غير خفيّة . و ثانيا انه قد وقع التصريح منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّ المرتدّين المطرودين عن الحوض مبغضوه عليه السّلام في ما رواه موفق بن أحمد أخطب خوارزم بسنده عن إبراهيم ابن عبد اللّه بن العلا عن أبيه عن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبيطالب عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبيطالب رضي اللّه عنه قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح خيبر : لو لا أن يقول فيك طوايف من أمّتي ما قالت النصارى فى عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالا بحيث لا تمرّ على ملاء من المسلمين إلاّ أخذوا من تراب رجليك و فضل طهورك ، يستشفعون به و لكن حسبك أن تكون منّي و أنا منك ترثني و أرثك و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي يا عليّ أنت تؤدّي ديني و تقاتل على سنّتي و أنت في الآخرة أقرب النّاس منّي و إنّك يا عليّ غدا على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين ، و أنت أوّل من يرد على الحوض و أنت أوّل داخل في الجنّة من أمّتي ، و إنّ شيعتك على منابر من نور رواء مرويّين مبيضّة وجوههم حولي أشفع لهم فيكونون في الجنّة غدا جيراني ، و إنّ أعداءك غدا ظماء مظمئين مسوّدة وجوههم يتقحمون مقمعون يضربون بالمقامع و هى سياط من نار مقتحمين ، حربك حربي و سلمك سلمي و سرّك سرّي و علانيتك علانيتي و سريرة صدرك كسريرة صدري و أنت باب علمى و انّ ولدك ولدي و لحمك لحمي و دمك دمى ، و أنّ الحق معك و الحقّ على لسانك و في قلبك و بين عينيك ، و الايمان [ 60 ] خالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي ، و انّ اللّه عزّ و جلّ أمرني أن أبشّرك أنّك أنت و عترتك في الجنّة ، و عدّوك في النار لا يرد على الحوض مبغض لك ، و لا يغيب عنه محبّ لك . قال عليّ عليه السّلام فخررت ساجدا للّه تعالى و حمدته على ما أنعم به عليّ من الاسلام و القرآن و حبّبنى إلى خاتم النّبيّين و سيّد المرسلين . و قد أوردت هذه الرّواية بطولها لتضمّنها وجوها من الدّلالة على المدّعى كما لا يخفى على المنصف المجانب عن العصبيّة و الهوى فقد علم بذلك كلّه أنّ المحاربين له عليه السّلام كالمنتحلين للخلافة مرتدّون على لسان اللّه و النبيّ و الوصيّ و منكر ارتدادهم منكر للنّص الجليّ . الحاد يعشر قوله : لو كان كلّ من نازعه في الامامة مرتدّا اه فيه إنّ ارتدادهم مسلّم حسبما عرفت و لكن وجوب إتيان اللّه بقوم يقهرونهم بحكم الآية غير لازم ، لما عرفت أيضا من عدم اقتضاء الآية ذلك لأنه سبحانه قال فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبّهم و يحبّونه و لم يقل يقهرونهم و يردّونهم إلى الدّين الصّحيح . لا يقال : لو كان أبو بكر و قومه مرتدّين لحاربهم أمير المؤمنين عليه السّلام كما حارب النّاكثين و القاسطين و المارقين . لأنّا نقول : نعم و لكن تركه لمحاربتهم لأنّه لم يجد عونا له على الحرب كما أشار عليه السّلام إلى ذلك في الخطبة الثالثة بقوله : و طفقت أرتاي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى ، و فى الفصل الثاني من الخطبة السّادسة و العشرين : فنظرت فاذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت و أغضيت على القذى و شربت على الشّجى و صبرت على أخذ الكظم و على أمرّ من طعم العلقم . و ممّا رواه عنه نصر بن مزاحم و كثير من أرباب السّير أنّه قال عقيب وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لو وجدت أربعين ذوى عزم [ 61 ] و قد سأل الرّماني عن الرّضا عليه السّلام قال : فقلته يا ابن رسول اللّه أخبرنى عن عليّ بن أبيطالب لم لم يجاهد أعداءه خمسا و عشرين سنة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ جاهد في أيّام ولايته ؟ فقال : لأنّه اقتدى برسول اللّه في تركه جهاد المشركين بمكّة ثلاثة عشر سنة بعد النبوّة و بالمدينة تسعة عشر شهرا ، و ذلك لقلّة أعوانه عليهم . فلمّا لم تبطل نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع تركه الجهاد لم تبطل ولاية عليّ عليه السّلام بتركه الجهاد خمسا و عشرين سنة إذ كانت العلّة المانعة لهما عن الجهاد واحدة . الثانى عشر قوله : و معلوم أنّ حمل الآية على الرئيس المطاع أولى . فيه منع الأولوية أوّلا و منع اقتضاء الأولويّة على فرض تسليمه للاختصاص ثانيا . الثالث عشر قوله : و لكن محاربة أبي بكر مع المرتدّين كانت أعلى حالا « إلى قوله » وجب أن يكون هو المراد بالآية . فيه أوّلا إنّ محاربة أبي بكر كانت عقيب وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان الأنصار و المهاجرون و ساير المسلمين رغباتهم متوافرة و أيديهم متناصرة و آرائهم متّفقة و أبدانهم مجتمعة و أهوائهم متّحدة و كلمتهم واحدة في حماية الدّين و في ذبّ الكفار عن شرع سيّد المرسلين ، و كان المرتدّون شرذمة قليلين ، فحارب أبو بكر هؤلاء الجماعة الكثيرة المتّفقة ذوي الحميّة و العصبيّة هذه الشرذمة القليلة مع ما بين الطرفين من عداوة الدّين و تضادّ المذهب على رأى المجاهدين المقتضى للجدّ و الثبات في الحرب و أما حرب أمير المؤمنين عليه السّلام فقد كان بعد السنين المتطاولة و تعوّد الناس على محدثات المتخلّفين الثلاثة و بدعاتهم مع كون سيرته عليه السّلام فيهم بخلاف سيرة الشيخين الموجب لتقاعدهم عنه و مخالفتهم له ، و كون هوى أكثرهم فى الباطن خلاف هوى أمير المؤمنين عليه السّلام و رأيهم مخالفا لرأيه . بل كان أكثرهم فى شكّ و تردّد من جواز قتال حرم رسول اللّه عايشة و جهاد قوم هم من أهل القبلة على ظاهر الاسلام و قوم لهم ثفنات فى مساجدهم كثفنات البعير أجهد منهم عبادة و أكمل قرائة . [ 62 ] فقاتل بهؤلاء الجماعة المختلفة الأهواء و المشتّتة الآراء الضعفاء الاعتقاد المرتدّين على كثرتهم بمقتضى تصلّبه في الدّين من دون أن يأخذه لومة لائم غير هائب و لا محتشم . فحارب مع من حالهم ذلك بالناكثين و قد بلغوا تسعة آلاف و بالقاسطين و قد كانوا زهاء مأتي ألف ، و بالمارقين و كانوا اثنى عشر ألفا فى أوّل أمرهم و أربعة آلاف فى آخره فانظر ماذا ترى . هل كان محاربته عليه السّلام و الحال بما وصفت أولى و أحقّ بالتعظيم و أن تقصد بالآية الشريفة أم محاربة أبى بكر ؟ و ثانيا إنّ محاربة أبى بكر لم تكن إلاّ بمحض الأمر و النهى و انهاض الجيش و السّرايا ، و قد كان جالسا فى كسر بيته و حوله المهاجر و الأنصار فى أمن و راحة و طيب عيش و دعة على مصداق قوله : ألا طعان ألا فرسان عادية ألا تجشوكم حول التنانير و أما أمير المؤمنين عليه السّلام فقد كان شاهرا سيفه واضعا له على عاتقه فى حروب يضطرب لها فؤاد الجليد ، و يشيب لهو لها فود الوليد ، و يذوب لتسعّر بأسها زبر الحديد ، و يجب منها قلب البطل الصديد . فتولى عليه السّلام الحرب بنفسه النفيسة فخاض غمارها و اصطلى نارها ، و دوّخ أعوانها و أنصارها و أجرى بالدّماء أنهارها ، و حكم فى مهج الناكثين و القاسطين و المارقين فجعل بوارها ، فصارت الفرسان تتحاماه إذا بدر ، و الشجعان تلوذ بالهزيمة إذا زأر عالمة أنه ما صافحت صفحة سيفه مهجة إلاّ فارقت جسدها ، و لا كافح كتيبة إلاّ افترس ثعلب رمحه أسدها . و هذا حكم ثبت له بطريق الاجمال و حال اتّصف به بعموم الاستدلال . و أما تفصيله فليطلب من مظانه من الكتاب ، فانه لا يخفى على ذوي البصاير و أولى الألباب . فانشدك باللّه هل مجاهدة ذلك أجدر و أحرى بالمجمدة و الثناء ؟ أم محاربة [ 63 ] هذا ؟ 1 جزى اللّه خير الجزاء من تجنّب العصبيّة و الهوى الرابع عشر قوله : فلما ثبت أنّ المراد بهذه الآية أبو بكر ثبت أنّ قوله : يحبّهم و يحبّونه وصف له . فيه أنّ الاستدلال على اتّصاف أبي بكر بهذا الوصف و ما يتلوه من الأوصاف بسبب اختصاص الآية به أشبه شي‏ء بالأكل من القفاء ، إذ المناسب لرسم المناظرة أن يقيم الدليل أولا على اتّصاف أبي بكر بهذه الأوصاف ثمّ يستدلّ بذلك على أنّ الآية فى حقّه لا بالعكس . مع أنك قد علمت عدم دلالة الآية على خلافته فضلا عن الاختصاص فلم يثبت اتّصافه بها بما زعمه من الدليل ، بل قد علمت بما ذكرناه و نذكره نزولها فى أمير المؤمنين عليه السّلام و أنه المتّصف بهذه الأوصاف لا غير . الخامس عشر قوله : و من وصفه اللّه بذلك يمتنع أن يكون ظالما . هذا مسلّم لكن ظلمه محقّق فاتّصافه به ممتنع فمبطليّته في الامامة محقّقة لا غبار عليها . أما تحقّق ظلمه فلأنّ أعظم الظلم الشرك باللّه و عبادة الأوثان كما قال عزّ من قائل « إنَّ الشرك لظلم عظيم » و أبو بكر قد كان مشركا مدّة مديدة و زمنا طويلا من عمره فيكون ظالما البتة ، و من كان كذلك لا يستحقّ الإمامة بمقتضى قوله سبحانه : لا ينال عهدى الظالمين . روى أبو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسندا حذفت الاسناد للاختصار عن مينا مولى عبد الرّحمن بن عوف عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنا دعوة أبي إبراهيم ، قلت : يا رسول اللّه و كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال : أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه إنّى جاعلك للناس إماما ، فاستخفّ إبراهيم الفرح قال عليه السّلام و من ذرّيتى أئمّة مثلي ، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أن يا إبراهيم إنّى لا اعطيك عهدا لا أفى لك به ، قال : يا ربّ ما العهد الذي لا تفى لى به ؟ قال : اعطيك عهدا لظالم من ----------- ( 1 ) أى أبى بكر [ 64 ] ذرّيتك قال إبراهيم عندها : و اجنبنى و بنىّ ان نعبد الأصنام ربّ إنّهن أضللن كثيراً من عبادك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانتهت إليّ و إلى عليّ لم يسجد أحدنا لصنم قط فاتّخذنى نبيا و اتّخذ عليا وصيا . و قال الواحدي في تفسير قوله تعالى : لا ينال عهدى الظالمين : اعلمه أنّ في ذرّيته الظالم قال و قال السدى عهدى نبوّتى يعنى لا ينال ما عهدت إليك من النبوّة و الامامة فى الدّين من كان ظالما فى ولدك . قال و قال الفراء : لا يكون للناس إمام مشرك . و قد ظهر بذلك كون المشرك ظالما غير مستحقّ للامامة و لا كلام فى شرك أبي بكر فى أوّل أمره فظلمه فى بداية حاله ثابت ، و أما ظلمه بعد إسلامه فكذلك ، لأنه لم يكن معصوما بالاتّفاق حتى يكون له قوّة العصمة المانعة من الظلم على نفسه و على غيره ، و قد قال على المنبر : إنّ لي شيطانا يعترينى فاذا ملت فسدّ دونى ، فمن كان محتاجا إلى تسديد الغير عند الميل و الانحراف عن الرّشاد كيف يكون مسدّدا لغيره على ما هى وظيفة الامامة . و من ظلمه العظيم غصبه للخلافة و حكمه باخراج أمير المؤمنين عليه السّلام من بيته ملبّبا للبيعة و انتزاع الفدك من يد الصدّيقة الطاهرة حسبما عرفت و تعرف فى تضاعيف الشرح ذلك كلّه بالأدلّة القاطعة و البراهين الساطعة . و من عظيم ظلمه الذي صار عليه من أعظم المطاعن مضافا إلى مطاعنه الأخر محاربته مانعي الزكاة مع عدم كونهم مرتدّين و تركه إقامة الحدّ و القود على خالد بن الوليد و قد قتل مالك بن نويرة و ضاجع المرئة من ليلته و أشار إليه عمر بقتله و عزله ، فقال : انّه سيف من سيوف اللّه سلّه اللّه على أعدائه و قال عمر مخاطبا لخالد : لان ولّيت الأمر لأقيدنّك له . و قد روى تفصيل ذلك أرباب السير و رواه أصحابنا فى جملة مطاعن أبي بكر [ 65 ] و لا حاجة بنا في هذا المقام إلى ذكر التّفصيل و إنّما نورد ما له مزيد مدخل في إثبات المدّعى فأقول : روى الطبري في تاريخه و رواه غيره أيضا في جملة ما رواه من تلك القضيّة أنّ من جملة السّرية المبعوثة إلى بني يربوع قوم مالك بن نويرة أبا قتادة الحارث ابن ربعي فكان ممّن شهد أنّهم قد أذّنوا و أقاموا و صلّوا ، فحدث أبو قتادة الأنصاري خالد بن الوليد بأنّ القوم ماذوا بالاسلام و أنّ لهم أمانا ، فلم يلتفت خالد إلى قوله و أمر بقتلهم و قسم سبيهم ، فحلف أبو قتادة أن لا يسير تحت لواء خالد في جيش أبدا ، و ركب فرسه شادّا إلى أبي بكر و أخبره بالقصّة و قال : إنّي نهيت خالدا عن قتله فلم يقبل قولي و أخذ بشهادة الأعراب الّذين غرضهم الغنائم ، و أنّ عمر لمّا سمع ذلك تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر ، و قال : إنّ القصاص قد وجب عليه ، و لما أقبل خالد بن الوليد قافلا دخل المسجد و عليه قباء له عليه صداء الحديد معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها ثمّ قال : يا عديّ نفسه عدوت على امرء مسلم فقتلته ثمّ نزوت على امرأته و اللّه لنرجمنّك بأحجارك ، و خالد لا يكلّمه و لا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر مثل ما راى عمر فيه ، حتّى دخل إلى أبي بكر و اعتذر إليه فعذّره و تجاوز عنه . و قد رواه الشّارح المعتزلي أيضا في الشّرح و في غير ذلك المقام و قال عقيب ذلك : فكان عمر يحرّض أبا بكر على خالد و يشير عليه أن يقتصّ منه بدل مالك ، فقال أبو بكر إيها يا عمر ما هو بأوّل من أخطأ فارفع لسانك عنهم ، ثمّ ودى ذلك من بيت مال المسلمين ، انتهى . فقد علم بذلك أنّ أبا بكر كان ظالما فكيف يكون محبوبا للّه سبحانه و محبّا له . ثمّ لا يخفى عليك إنّ اللّه وصف القوم المأتىّ بهم بالمحبّة و لم يخصّ المحبّة بالرئيس فقط و من جملة المحاربين للمرتدّين على زعمهم خالد بن الوليد الّذي [ 66 ] عرفت حاله من هتكه لناموس الاسلام و تضييعه لشرع سيّد الأنام أفترى من نفسك أن تحكم بأنّه محبوب اللّه و محبّه ؟ حاشا ثمّ حاشا . السادس عشر قوله : أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين ، صفة لأبي بكر للدّليل الّذي قدّمناه . فيه أولا أنّك قد عرفت عدم تمامية الدّليل و عدم اختصاص الآية بأبي بكر ، و الخبر الّذي رواه من قوله : أرحم أمّتي بامّتي أبو بكر . مما تفرّد العامّة بروايته لا يكون حجّة علينا . و ثانيا أنّ قوله : ألا ترى انّ في أوّل الأمر كيف كان يذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه أنّه لم يسمع إلى الآن ذبّ منه عنه صلّى اللّه عليه و آله و لم يكن له نسب معروف ، و لا حسب مشهور ، و لا فضل مأثور ، و لا صيت مذكور ، و لم يكن يومئذ ممّن يعتنى بشأنه و يعبأ به في عداد الرّجال حتّى يذبّ عن رسول اللّه ، أ لم يكن يومئذ مثل شيخ بطحاء أبي طالب و أسد اللّه حمزة و ذي الجناحين جعفر و أسد اللّه الغالب أمير المؤمنين و ساير فتية بني هاشم و أنجاد بني عبد مناف محدقين حوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حامين له ذابّين عنه حتّى يكون الذّاب عنه مثل أخي تيم الجلف الجافي الرّذل ، و لو كان له تلك المقام و المنزلة لم يعزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن إبلاغ سورة برائة . و ثالثا قوله : و في آخر الأمر أصرّ على المحاربة مع مانعي الزّكاة . فيه أنك قد علمت أنّ مانعي الزّكاة لم يكونوا من المرتدّين بل كانوا مسلمين و لذلك صار محاربته معهم من أعظم المطاعن عليه فاستحقّ بذلك عقابا و نكالا ، و صار له وزرا و وبالا . و رابعا قوله حتى جاء أكابر الصحابة و تضرّعوا إليه و منعوه من الذّهاب النكّة في منعهم منه على تقدير صحّته أنّهم قد كانوا عارفين بجبنه ، عالمين بضعف قلبه ، مجرّبين له في المعارك و المهالك ، و أنّه و صاحبه عمر عند منازلة الشجعان و مبارزة الأقران كان شيمتهما الفرار ، و سجيّتهما عدم الحماية للذّمار ، و قد فرّا يوم خيبر و احد و الأحزاب و غزوة ذات السلسلة و غيرها على أقبح الوجوه كما أثبتته [ 67 ] أرباب السّير ، و على لسان الشّعراء و المورّخين شاع و اشتهر قال الشّارح المعتزلي في اقتصاص غزوة خيبر يقصّ فرارهما في قصايد السّبع العلويّات : و ما أنس لا أنس اللّذين تقدّما و فرّهما و الفرّ قد علما حوب و للراية العظمى و قد ذهبا بها ملابس ذلّ فوقها و جلابيب يشلّهما من آل موسى شمر دل طويل نجاد السّيف أجيد يعبوب يمجّ منونا سيفه و سنانه و يلهب نارا غمده و الأنابيب احضرهما أم حضرا خرج خاضب اذان هما ام ناعم الخدّ مخضوب عذرتكما أنّ الحمام لمبغض و انّ بقاء النفس للنّفس مطلوب 1 فكان تضرّع الصحابة له في الرّجوع و الاياب مخافة أن يذهب فيهرب بمجرى عادته و مجرب شيمته ، فيبطل بالمرّة دين الاسلام و يضمحلّ شرع سيّد الأنام فتضرّعوا إليه بلسان المقال ، و قالوا له بلسان الحال : دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد فانك أنت الطاعم الكاسى و يشهد بما ذكرنا أنه لو كان عرف فى نفسه البأس و النجدة لأصرّ على المضيّ و لم يصغ إلى تضرّعهم ، و كان مثل أمير المؤمنين عليه السّلام لما عزم على المسير إلى البصرة تضرّع إليه ابنه الحسن بأن لا يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال و بكى و قال أسألك أن لا تقدم العراق و لا تقتل بمضيعة . ----------- ( 1 ) الحوب الاثم و الراية العظمى راية رسول اللّه « ص » و الجلابيب جمع الجلباب و هو الملحفة و يشلّهما اى يطردهما ، و آل موسى هنا قومه أى اليهود ، و الشمردل الابل القوى السير و أراد به مرحب و الأجيد طويل الجيد و هو العنق و اليعبوب الفرس الكثير الجرى و المجّ القذف و المنون الموت . و الحضر العدو و الاخرج ذكر النعام و الخاضب الذى اكل الربيع فاحمر طنبوياه و ناعم الخدّ مخضوب كناية عن المرأة ، يقول : اعدو هذين الرّجلين حين طردهما مرحب انه عدو نعامة قوى منفروهما رجلان ام امرأتان ناعمتا الخدّ بأيديهما خضاب و هذا تهكّم و استهزاء ( منه ) [ 68 ] فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : و اللّه لا أكون كالضبع تنام على طول اللّدم حتّى يصل إليها طالبها و يختلها راصدها ، و لكنّي أضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه ، و بالسامع المطيع العاصى المريب أبدا حتى اتى علي يومي ، على ما عرفت تفصيله في شرح سادس المختار في باب الخطب . و لعمري إنّ هذه المنقبة الشريفة أعنى العزّة على الكافرين هو حظّ أمير المؤمنين عليه السّلام لا غير ، و استمع ما قاله الأديب النحرير الشاعر الماهر و الاستاد الفاضل . بدر له شاهد و الشعب من احد و الخندقان و يوم الفتح إن علموا و خيبر و حنين يشهدان له و في قريظة يوم صيل قتم مواطن قد علت في كلّ نائبة على الصحابة لم اكتم و إن كتموا و أما كونه عليه السّلام ذليلا على المؤمنين فلما عرفت فى تضاعيف الشرح و تعرفه أيضا من مكارم أخلاقه و محامد خصاله التى أقرّ بها المخالف كالمؤلف ، و نقله المنحرف كالمعترف ، و اعترف بها الخاصّة و العامّة و تصدقها المحبّ و المبغض له شرف فوق النجوم محلّه أقرّ به حتّى لسان حسوده حدّث الزّبير بن بكار عن رجاله قال دخل محفن بن أبي محفن الضّبي على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم العرب « و أبخل العرب ظ » و أعيى العرب و أجبن العرب قال : و من هو يا أخا بني تميم ؟ قال : عليّ بن أبيطالب ، قال معاوية : اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي ، فابتدروه أيّهم ينزله عليه و يكرمه ، فلمّا تصدّع النّاس عنه قال له : كيف قلت ؟ فأعاد عليه ، فقال له : ويحك يا جاهل كيف يكون ألأم العرب و أبوه أبو طالب و جدّه عبد المطلب و امرأته فاطمة بنت رسول اللّه ، و أنّى يكون أبخل العرب فو اللّه لو كان له بيتان بيت تبن و بيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه و أنّى يكون أجبن العرب فو اللّه ما التقت فئتان قطّ إلاّ كان فارسهم غير مدافع ، و أنّى يكون أعيى العرب فو اللّه ما سنّ البلاغة لقريش غيره ، فو اللّه لو لا ما تعلم لضربت الّذى فيه عيناك فايّاك عليك لعنة اللّه و العود إلى مثل هذا . فقد أقرّ بفضله العنود الحسود ، و قيام الحجّة بشهادة الخصم أوكد و إن [ 69 ] تعددت الشّهود . و مليحة شهدت لها ضرّاتها و الفضل ما شهدت به الأعداء السابع عشر قوله : إلاّ أنّ حظّ أبي بكر فيه أتمّ « إلى قوله » يوم بدر واحد . أقول : لا يكاد ينقضي عجبي من هذا النّاصب المتعصّب كيف أعمته العصبيّة إلى أن جاوز حدّه و خرج عن زيّه و تكلّم فوق قدره حتّى رجّح ابن أبي قحافة على أبي تراب فواعجبا عجبا كيف يقاس التراب بالتبر المذاب ، و أيّ نسبة للسّراب إلى الشراب و أيّ شبه بين الدّرّ و الحصى و السّيف و العصا ، و أيّ تطابق بين الشجاع المبارز الغالب على كلّ غالب ، و الأجبن من كلّ الثعالب و هذا مقام التمثيل بقول أبي العلاء : إذا وصف الطّائي بالبخل ما در و عيّر قسّا بالفهاهة باقل و قال السهيل للشمس أنت خفيّة و قال الدّجى للصّبح لونك حائل و طاولت الأرض السّماء ترفّعا و طاول شهبا الحصى و الجنادل فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة و يا نفس جدّي إنّ دهرك هازل فيقال لهذا الخابط الهازل اللاّغي الّذي لا ينفعل من لغوه و هذيه : أىّ جهاد كان قبل غزوة بدر ؟ و أىّ ذبّ نقل عن أبي بكر ؟ و لو كان منه قدرة الذّب و الدّفاع لنقل شي‏ء منها في محاربات الرّسول المختار مع الكفّار ، و لنزل فيه ما نزل في أبي الحسن الكرّار ، من مثل « و كفى اللَّه المؤمنين القتال » و لا فتى إلاّ عليّ و لا سيف إلاّ ذو الفقار . و قد كانت العساكر في هذه المعارك حسبما قال مجتمعة ، و الصفوف متلاصقة ، و الكتائب مترادفة ، فاختار هو و صاحبه عمر و الحال هذه الفرّ على الكرّ ، و وليّا عن العدوّ الدّبر ، فمن كان هذه حاله كيف كان يذبّ عن سيّد الأنام حين ضعف الاسلام مع عدم العساكر ، و لا معين و لا ناصر . الثامن عشر قوله : إنّه كان متقدّما عليه في الزّمان . فيه انّه إن أراد تقدّمه عليه من حيث الجهاد فقد عرفت بطلانه ، إذ أوّل [ 70 ] غزوة في الاسلام غزوة بدر و قد كانا كلاهما حاضرين فيها معا ، ثمّ فيما بين حضوريهما من التفاوت ما لا يخفى ، فانّ أبا بكر لم ينقل منه فيها فرد قتيل ، و أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فقد روى جمهور المؤرّخين أنّ قتلاه فيها شطر جميع المقتولين و كانوا سبعين . و إن أراد تقدّمه عليه في السّن ففيه إنّ الزّمان الّذى تقدّم به على أمير المؤمنين عليه السّلام مع سبقه عليه السّلام عليه بالاسلام و مع كونه فيما تقدّم به عليه من أهل الشّرك و عبدة الأصنام ، فأيّ شرف لهذا التقدّم أو منقبة ، أمّ أيّ خير فيه و منفعة . التاسع عشر قوله : جهاد أبي بكر في وقت ضعف الرّسول . فيه إنّك قد عرفت فساده لأنّه لم يكن قبل غزوة بدر غزوة معروفة إلاّ غزوات مختصرة مثل غزوة بواد بواط و عشيرة و غزوة بدر الصغرى ، و لم ينجرّ الأمر فيها إلى القتال فيجاهد أبو بكر و يقعد عنه أمير المؤمنين مع أنّ حضور أبي بكر فيها و غياب عليّ عنها غير ثابت . و أيضا لم يكن الرّسول عند المسير إليها ضعيفا ، و إن أراد أنّه كان لأبي بكر جهاد قبل تلك الوقايع فهو ممّا تفرّد به و لم ينقله عن غيره . نعم لو قلنا إنّ أمير المؤمنين كان سابقا بالجهاد لأنّه جاهد الكفّار صبيحة ليلة بات فيها على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما ذهب إلى الغار ، و جاهدهم أيضا عند الهجرة بأهل بيت الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من مكّة إلى المدينة لمّا أرادت قريش المنع منها ، لقلنا مقالا رواه أرباب السّير ، و ورد في صحيح الخبر . و كيف كان فجهاد أمير المؤمنين عليه السّلام في سبيل اللّه و كون حظّه فيه الأوفر أبين من الشمس في رابعة النّهار ، و لنعم ما قيل : بعليّ شيّدت معالم دين اللّه و الأرض بالعناد تمور و به أيدّ الاله رسول اللّه إذ ليس في الأنام نصير أسد ما له إذا استفحل الناس سوى رنّة السلاح زئير ثابت الجاش لا يردعه الخطب و لا يعتريه فتور [ 71 ] عزمات أمضى من القدر المحتوم يجرى بحكمه المقدور فقد ظهر بذلك كلّه أنّ مصداق قوله سبحانه فى الآية الشريفة اذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون فى سبيل اللَّه هو أمير المؤمنين عليه السّلام . و أمّا قوله سبحانه لا يخافون لومة لائم فيظهر كونه مصداقا له و يصدّقه قوله صريحا في الفصل الآتي : و انّي لمن قوم لا يأخذهم فى اللّه لومة لائم . و قوله عليه السّلام فى المختار الرّابع و العشرين : و لعمرى ما عليّ من قتال من خالف الحقّ و خابط الغيّ من إدهان و لا ايهان . و قوله عليه السّلام في المختار الحادى و التسعين لما اريد على البيعة بعد قتل عثمان : دعوني و التمسوا غيرى فانا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول « إلى قوله » و اعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب . و قوله عليه السّلام في المختار المأة و السادسة و العشرين لما عوتب على التسوية في العطاء : أ تأمرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه و اللّه ما أطور به ما سمر سمير و ما أمّ نجم في السّماء نجما . العشرون قوله : و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و هذا لائق بأبي بكر متأكّد بقوله و لا يأتل اولوا الفضل منكم و السعة اه و قد بيّنا أنّ هذه الآية في أبي بكر . فيه بعد الغضّ عمّا روي عن ابن عباس و غيره من أنّها نزلت في جماعة من الصّحابة أقسموا على أن لا تتصدّقوا على رجل تكلّم بشي‏ء من الافك و لا يواسوهم ، و البناء على نزولها في أبي بكر كما هو قول جمع من المفسّرين ، انّ إحدى الآيتين لا ارتباط لها بالاخرى ، فانّ المراد بالفضل فى الآية الثانية هو الغنى و الثروة ، و به في الآية الاولى اللّطف و التوفيق ، و معنى قوله : و ذلك فضل اللّه إنّ محبّتهم للّه و لين جانبهم للمؤمنين و شدّتهم على الكافرين فضل من اللّه و توفيق و لطف منه و من جهته يمنّ به على من يشاء من عباده . [ 72 ] الحادى و العشرون قوله : انا بيّنا بالدّليل . فيه أنّك قد عرفت عدم تماميّة الدّليل بما لا مزيد عليه . الثانى و العشرون قوله : هذا الخبر من باب الآحاد . فيه منع كونه من الأخبار الآحاد الّتي لا يعوّل عليها ، بل هو خبر مستفيض رواه المخالف و المؤالف معتضد مضمونه بأخبار كثيرة قطعية ، و نقتصر على بعض الأخبار العاميّة لكونه أدحض لحجّة الخصم . ففى غاية المرام عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل بسنده عن سعيد بن المسيّب أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال يوم خيبر : لأدفعنّ الرّاية إلى رجل يحبّه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله ، فدعا عليّا و أنّه لأرمد ما يبصر موضع قدميه ، فتفل في عينيه ثمّ دفعها إليه ففتح اللّه عليه . و رواه أيضا عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل عن عبد الرّحمن أبي ليلى و عن عليّ عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و عنه عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عنه عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عنه بسند آخر أيضا عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه بريدة الأسلمي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و عنه عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و رواه أيضا من صحيح البخاري من الجزء الرّابع في رابع كراسه عن سلمة الأكوع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و من الجزء الرّابع من صحيح البخارى أيضا في ثلثه الأخير في باب مناقب عليّ عن سلمة عنه صلّى اللّه عليه و آله و من الجزء الخامس منه أيضا عن سلمة عنه صلّى اللّه عليه و آله و من صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و رواه أيضا من صحيح مسلم من الجزء الرابع في نصف الكراس من أوّله باسناده عن عمر بن الخطاب بعد قتل عامر أرسلني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عليّ عليه السّلام و هو أرمد [ 73 ] و قال : لاعطينّ الرّاية رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ، الحديث . و من صحيح مسلم في آخر كراس من الجزء الرابع منه عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من صحيح مسلم عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و من صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و رواه أيضا من تفسير الثعلبي في تفسير قوله « و يهديك صراطاً مستقيماً » باسناده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و رواه أيضا من مناقب ابن المغازلي بسند يرفعه إلى أياس بن سلمة عن أبيه في ذكر حديث خيبر قال فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لاعطينّ الرّاية اليوم رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و من مناقبه أيضا عن أبيطالب محمّد بن عثمان يرفعه إلى عمران بن الحصين قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمر إلى خيبر فرجع فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لاعطين الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله ليس بفرّار . و من المناقب أيضا عن القاضي أبو الخطاب يرفعه إلى عمران بن الحصين قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ، فأعطاها عليّا ففتح اللّه عزّ و جلّ خيبر به . و من المناقب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أبا بكر إلى خيبر فلم يفتح عليه ثمّ بعث عمر فلم يفتح عليه فقال : لاعطينّ الراية رجلا كرّارا غير فرّار يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و من المناقب عن أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب بن طاران يرفعه إلى أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لاعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه فاستشرف لها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدفعها إلى عليّ بن أبيطالب . و من المناقب قال : أخبرنا أبو القاسم عمر بن عليّ بن الميموني و أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب بن طاران الواسطيان بقرائتى عليهما فأقرّا به يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث كان أرسل عمر بن الخطاب إلى خيبر هو و من معه فرجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فبات تلك اللّيلة و به من الغمّ غير قليل فلما أصبح [ 74 ] خرج إلى النّاس و معه الرّاية فقال : لاعطينّ اليوم رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله غير فرّار ، فتعرّض لها جميع المهاجرين و الأنصار فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أين عليّ ، فقالوا : يا رسول اللّه هو أرمد ، فأرسل إليه أباذر و سلمان فجاء و هو يقاد لا يقدر على أنّه يفتح عينيه ، ثمّ قال : اللّهمّ اذهب عنه الرّمد و الحرّ و البرد و انصره على عدوّه و افتح عليه فانّه عبدك و يحبّك و يحبّ رسولك « خ ل رسوله » غير فرّار ، ثمّ دفع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الرّاية إليه عليه السّلام و استأذنه حسّان بن ثابت في أن يقول فيه شعرا ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له : قل ، فأنشأ يقول : و كان عليّ أرمد العين يبتغي دواء فلمّا لم يحسّ مداويا شفاه رسول اللّه منه بتفلة فبورك مرقيّا و بورك رافيا و قال سأعطي اليوم راية صار ما كميّا محبّا للرّسول محاميا يحبّ إلهي و الاله يحبّه به يفتح اللّه الحصون الأوابيا فأصفى بها دون البريّة كلّها عليّا و سمّاه الوزير المؤاخيا و من المناقب أيضا عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نزل بحضرة أهل خيبر و قال : لاعطينّ اللّواء رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله ، فلمّا كان من الغد صادف أبا بكر فدعا عليّا و هو أرمد العين فأعطاه الرّاية . و من المناقب بسند مرفوع إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول يوم الخيبر : لاعطينّ الرّاية رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و فيه من الجمع بين الصّحاح الستة باسناده عن سهل بن سعد عن أبيه قال : كان عليّ تخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة خيبر فلحق ، فلمّا أتينا اللّيلة الّتي فتحت في صبيحتها قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لاعطينّ غدا الرّاية رجلا يفتح اللّه على يديه يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و من الجمع بين الصّحاح الستّة من الصحيح الترمدى قال بالاسناد عن سلمة قال : أرسلني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ و هو أرمد فقال : لاعطينّ الرّاية رجلا [ 75 ] يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله . و فيه عن إبراهيم بن محمّد الحمويني مسندا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري في ذكر حديث خيبر قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : لابعثنّ غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله لا يولّي الدّبر ، هذا . و اقتصرنا على مورد الحاجة في أكثر هذه الرّوايات و حذفنا اسناد أكثرها للاختصار ، و تركنا الأخبار الخاصيّة الواردة في هذا المعنى حذرا من الاطالة و دفعا لمكابرة الخصم و عناده ، و ادّعى صاحب غاية المرام تواتر الخبر في القصّة من طريق العامّة و الخاصّة . أقول : و هذه الأخبار الّتى رواها المخالفون في كتبهم فضلا عن أخبار الموالين له عليه السّلام كافية لمن راقب العدل و الانصاف ، و جانب التّعصب و الاعتساف في إثبات كونه عليه السّلام محبّا للّه و رسوله و كون اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محبّين له . و لكنّي أضيف إلى هذه الأخبار على رغم الناصب المعاند الرّازى المتعصّب الجاحد حديث الطير الّذى قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : اللّهمّ اعطني « ايتنى ظ » بأحبّ الناس إليك و في بعض روايته : إليك و إلى رسولك يأكل معى فجاء عليّ عليه السّلام و أكل معه و قد رواه في غاية المرام بستّة و ثلاثين طريقا من طرق العامّة ، و من جملتها أبو المظفر السمعاني في كتاب مناقب الصّحابة عن السّدى عن أنس بن مالك قال : كان عند النبيّ طير فقال : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجاء عليّ عليه السّلام فأكل معه . و قد روى ذلك في الجمع بين الصّحاح الستّة لرزين من مسند أبي داود السّجستاني و رواه أحمد بن حنبل بطريق واحد من طريق السفينة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم . و رواه ابن المغازلي الشافعي الواسطي من عشرين طريقا . و من جملة طرق غاية المرام أيضا القاصم لظهر المكابرين و الرّاغم لانوف الناصبين ما أورده من كتاب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة ، روى أبو جعفر بن [ 76 ] محمّد بن أحمد بن روح مولى بني هاشم قال : حدّثني العباس بن عبد اللّه الباكناني عن محمّد بن يوسف السري عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال : حدّثني أبي صميم حوثن بن عدي عن أبي ذرّ ره قال : بينا نحن قعود مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا هدي إليه طائر مشويّ ، فلمّا وضع بين يديه قال لأنس : انطلق به إلى المنزل ، و تبعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى إذا دخل المنزل وضع أنس الطاير بين يديه ، فرفع النبيّ يديه نحو السماء و قال : اللهمّ ايت إلىّ بأحبّ النّاس اليك تحبّه أنت و يحبّه من في الأرض و من في السماوات حتّى يأكل معي من هذا الطير ، قال أنس : فقلت : اللهمّ اجعله من قومي و قالت عايشة : اللهمّ اجعله أبي و قالت حفصة : اللهمّ اجعله أبي فما لبثنا حتى أتى عليّ عليه السّلام فقال له أنس : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فى حاجة حتى أتى عليّ عليه السّلام ثلاث مرّات . فجثا النّبي صلّى اللّه عليه و آله على ركبتيه و رفع يديه إلى السماء حتّى بان بياض إبطيه و قال : حاجتي يا ربّ الساعة الساعة ، فما لبثنا أن قرع الباب فقال أنس : من ذا ؟ فقال : أنا عليّ و سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صوته فقال افتح ، ففتحته ، فلما دخل و كز أنس بيده حتى ظنّ أنس أنه قد أنفذ يده من ظهره ، فلما بصر به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وثب قائما و قبّل عينيه و قال : ما الذي أبطاك عنّي يا قرّة عيني ، فقال عليه السّلام : يا رسول اللّه قد أقبلت ثلاثا و يردّني أنس ، فصفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان لا يصفق حتّى يغضب ، فقال : يا أنس حجبت عنّي حبيبي ، فقال : يا رسول اللّه إني أحببت أن يكون رجلا من قومي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : يا أنس أما علمت أنّ المرء يحبّ قومه ، إنّ عليا يحبّني و إنّ اللّه يحبّه و الملائكة تحبّه و يحبّه اللّه ، يا أنس إنّي و عليا لم نزل ننقلب إلى مطهّرات الأرحام حتّى نقلنا إلى عبد المطلب فصار علىّ في صلب أبي طالب و صرت أنا في صلب عبد اللّه عمّ عليّ ، فصارت فيّ النّبوة و في عليّ الولاية و الوصيّة أما علمت يا أنس أنّ اللّه عزّ و جلّ اشتقّ لى اسما من أسمائه و لعليّ اسما فسمّاني أحمد لتحمدني امّتي و أما عليّ فاللّه العليّ سمّاه عليا ، يا أنس كما حجبت عنّي عليا ضربك اللّه بالوضح ، و كان لا يدخل المسجد بعد الدّعوة إلاّ متبرقع الوجه . [ 77 ] و هذه الرّواية كما ترى ظاهرة بل صريحة من جهات عديدة في فرط محبّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له و محبّته للّه و محبّة اللّه له . و الأخبار فى كونه أحبّ الناس إلى اللّه و إلى رسوله متجاوزة عن حدّ الاحصاء ، و لو أردنا أن نجمع ما نقدر عليه منها لصار كتابا كبير الحجم و لكن اورد منها روايتين اختم بهما المقام ليكون ختامه مسكا فأقول : روى فى كشف الغمة من مناقب الخوارزمي عن عبد اللّه بن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سئل بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج ، قال : خاطبني بلغة عليّ بن أبيطالب فألهمني أن قلت يا ربّ أنت خاطبتني أم عليّ ؟ فقال : يا أحمد أنا شي‏ء لا كالأشياء و لا أقاس بالناس و لا اوصف بالأشباه ، خلقتك من نوري و خلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك أحبّ من عليّ بن أبيطالب ، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئنّ قلبك . و فيه من المناقب قال : و أخبرنا بهذا الحديث عاليا الامام الحافظ سليمان بن إبراهيم الاصفهاني مرفوعا إلى عايشة ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و هو فى بيتي لمّا حضره الموت . ادعوا إليّ حبيبي ، فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ وضع رأسه ، ثمّ قال : ادعوا إليّ حبيبي فقلت : ويلكم ادعوا له عليّ بن أبيطالب فو اللّه ما يريد غيره ، فلما رآه فرج الثوب الذى كان عليه ثمّ ادخله فيه فلم يزل يحتضنه حتّى قبض و يده عليه . إذا عرفت هذا فأقول : قال فيه البليغ ما قال ذو العيّ فكلّ بفضله منطيق و كذاك العدوّ لم يعد أن قال فيه جميلا كما قال المحبّ الصديق و مع ذلك كلّه فانظر هداك اللّه إلى سلوك صراطه المستقيم إلى الرازى و استمراره على غيّه ، و غرقه فى سبيل نصبه و تعصّبه ، و مكابرته الحقّ اللايح ، و تنكّبه الجدد الواضح ، و عدوله عن السنن ، و بقائه على غمط 1 حقّ أبي الحسن ، و إرادته ----------- ( 1 ) غمط حق فلان حقره م [ 78 ] ستر الشمس المجلّلة بنورها للعالم بالنقاب ، و النير الأعظم بالحجاب ، فجزاه اللّه عن رسوله و عن أمير المؤمنين سلام اللّه عليهما شرّ الجزاء . الثالث و العشرون قوله : و لأنه معارض بالأخبار الدّالة على كون أبي بكر محبّا للّه و رسوله و كون اللّه محبّا له اه . فيه أوّلا إنّه ليس هنا خبر متضمّن لمحبّة أبي بكر للّه أو محبّة اللّه له يحتجّ به على الاماميّة فضلا عن الأخبار ، و ما رووه في هذا المعنى ممّا تفرّدوا بروايته لا يكون حجّة علينا . و مع ذلك فمعارض بالأخبار الكثيرة المتضمّنة لكون عليّ عليه السّلام أحبّ النّاس إلى اللّه و إلى رسوله المستفيضة بل المتواترة معنى من طرقهم حسبما عرفت في الاعتراض الثاني و العشرين ، و هي أقوى منها سندا و أظهر دلالة فلا يكاد تكافوء الأخبار الاولة على تقدير وجودها لها كما لا يخفى صدق المدّعى على أهل البصيرة و النهى الرابع و العشرون قوله : قال تعالى في حقّ أبي بكر و لسوف يرضى . غير مسلّم نزولها في أبي بكر و لما نزله الرازى عن ابن الزّبير و عن أبي بكر الباقلاني ، و المرويّ عن المفسّرين خلافه ، فقد روى الواحدي بالاسناد المتّصل المرفوع عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّها نزلت في رجل من الأنصار ، و عن عطاء قال : اسم الرّجل أبو الدّحداح ، و في بعض روايات أصحابنا أنّها في عليّ عليه السّلام و قال بعض المفسّرين : الأولى إبقاؤها على العموم فيرجع الضمير إلى كلّ من يعطي حقّ اللّه من ماله ابتغاء وجه ربّه ، و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال و قوله : و قال : إنّ اللّه يتجلّي للناس عامة و يتجلّي لأبي بكر خاصّة أنت خبير بأنّه لا غبار في كونه من الأحاديث الموضوعة ، لأنّه إن أريد من تجلّيه سبحانه تجلّيه بذاته فهو مستلزم للتجسّم مخالف للاصول المحكمة و البراهين القاطعة السّاطعة ، و إن اريد تجلّيه ببرّه و فضله و عناياته و لطفه المقرّب إلى طاعته و المبعد عن معصيته ، ففيه أنّ التجلّى بهذا المعنى لعموم النّاس غير جايز إذ فيهم المؤمن و المنافق و المسلم و الكافر ، فكيف يتصوّر التجلّى في حقّ الكافر المنافق [ 79 ] و إن خصّ بالمؤمنين فهو مع كونه خلاف الظّاهر يتوجّه عليه أنّ من جملة المؤمنين الأنبياء و الرّسل و فيهم اولو العزم و غيرهم فيلزم أن يكون أبو بكر أعلى شأنا منهم و هو باطل بالاتفاق . ثمّ كيف يتجلّى اللّه سبحانه على قلب أبي بكر و هو عشّ الشيطان و قد قال مخبرا عن نفسه : إنّ لي شيطانا يعتريني فان استقمت فأعينوني و إن زغت فقوّموني و قوله : و قال صلّى اللّه عليه و آله : ما صبّ اللّه شيئا في صدر إلاّ و صبّه في صدر أبي بكر . هو كسابقه أيضا في الوضع ، لأنّ النكرة في سياق النفي مفيد للعموم ، و من جملة ما صبّ في صدر النّبيّ نور النبوّة و الوحي و الالهام و علم ما كان و ما يكون و ما هو كائن و نحوها ، فهل ترى شيئا من ذلك ينصبّ في قلب أبي بكر فضلا عن جميعها و لو صحّ ذلك الصبّ لم يخف عليه معنى الكلالة و الأبّ الخامس و العشرون قوله : إنّا لا نسلّم دلالة الآية الّتي بعد هذه الآية على امامته و سنذكر الكلام فيه اه . يريد عدم تسليم دلالة الآية إنّما وليّكم اللَّه الآية على إمامة أمير المؤمنين بما ذكره من الوجوه السخيفة في تفسير هذه الآية ، و أنت قد عرفت تماميّة دلالتها على امامته في مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشّقشقيّة ، كما عرفت بطلان ما ذكره من الأدلّة ، لعدم تماميّتها بما لا مزيد عليه . و الحمد للّه الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنتهدي لو لا أن هدينا اللّه ، و أسأل اللّه أن يثبت ما أوردناه هنا في ردّ الرّازي النّاصب في صحائف أعمالي ، و يردّه إليّ يوم حشر الأوّلين و الآخرين ، و يثقّل به ميزاني ، و يحشرني مع من أتولاّه و احبّه و أتعصّب له من محمّد و آله الطيّبين الطاهرين ، و أن يكتب ما أورده النّاصب الرّازي في صحيفة أعماله ، و يردّه إليه ، و يحشره يوم القيامة مع من تعصّب له من أوليائه الظالمين في حقّ آل الرّسول ، صلّى اللّه عليهم و عليه أجمعين إلى يوم الدّين . [ 80 ] التنبيه الثانى قد أشرنا في شرح قوله عليه السّلام : إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى ، أنّه ظاهر في سماع الامام ما يسمعه النبيّ من الملك و رؤيته له مثله ، قد اختلفت الأخبار في ذلك فمما يدلّ على سماعه و رؤيته حديث الأمالى المتقدّم فى شرح الفقرة المذكورة و منه أيضا ما في البحار من البصاير عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّا نزاد فى اللّيل و النهار و لو لا أنّا نزاد لنفد ما عندنا ، فقال أبو بصير : جعلت فداك من يأتيكم ؟ قال : إنا منا لمن يعاين معاينة ، و منّا من ينقر فى قلبه كيت و كيت ، و منا من يسمع باذنه وقعا كوقع السلسلة فى الطست ، قال : قلت : جعلنى اللّه فداك من يأتيكم بذاك ؟ قال : هو خلق أكبر من جبرئيل و ميكائيل . و من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان باسناده عن الرّضا عليه السّلام فى حديث طويل قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام فى كلام له : و ان شئتم أخبرتكم بما هو أعظم من ذلك قالوا : فافعل قال عليه السّلام : كنت ذات ليلة تحت سقيفة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و اني لاحصي ستا و ستّين وطئة من الملائكة كلّ وطئة من الملائكة أعرفهم بلغاتهم و صفاتهم و أسمائهم و وطئهم . و مما يدلّ على السماع فقط من دون الرّؤية مثل ما فى الاحتجاج قال : كان الصادق عليه السّلام يقول : علمنا غابر و مزبور و نكت فى القلوب و نقر فى الأسماع ، فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال عليه السّلام : أما الغابر فالعلم بما يكون ، و أما المزبور فالعلم بما كان ، و أما النكت فى القلوب فهو الالهام ، و أما النقر فى الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم و لا نرى أشخاصهم . و مثله الأخبار الكثيرة الفارقة بين الرّسول و النبيّ و الامام و المحدث . مثل ما رواه فى الكافى عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ [ 81 ] و كان رسولا نبياً ، ما الرّسول و ما النبيّ ؟ قال عليه السّلام النبيّ الذي يرى فى منامه و يسمع الصوت و لا يعاين الملك ، و الرّسول الذى يسمع الصوت و يرى فى المنام و يعاين الملك ، قلت : الامام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت و لا يرى و لا يعاين الملك ثمّ تلا هذه الآية : و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبيّ و لا محدث . و فيه عن بريد ( زيد خ ) عن أبي جعفر و أبيعبد اللّه عليهما السّلام في قوله عزّ و جلّ « و ما ارسلنا من قبلك من رسول و لا نبيّ و لا محدّث ، قلت جعلت فداك ليست هذه قرائتنا فما الرّسول و النبيّ و المحدّث قال : الرّسول الّذي يظهر له الملك فيكلّمه و النّبيّ هو الّذي يرى في منامه و ربما اجتمعت النبوّة و الرّسالة لواحد ، و المحدّث الذى يسمع الصوت و لا يرى الصّورة ، قال : قلت : أصلحك اللّه كيف يعلم أنّ الذي رأى في النوم حقّ و أنّه الملك ؟ قال : يوفق لذلك حتّى يعرفه و لقد ختم اللّه بكتابكم الكتب و ختم بنبيّكم الأنبياء و فيه عن الأحول قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرّسول و النبيّ و المحدّث قال عليه السّلام : الرّسول الذي يأتيه جبرئيل قبلا فيراه و يكلّمه فهذا الرّسول ، و أمّا النّبيّ فهو الّذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليه السّلام و نحو ما كان رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أسباب النبوّة قبل الوحي حتّى أتاه جبرئيل عليه السّلام من عند اللّه عزّ و جلّ بالرّسالة و كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله حين جمع له النّبوة و جاءته الرّسالة من عند اللّه عزّ و جلّ يجيئه بها جبرئيل عليه السّلام يكلّمه بها قبلا ، و من الأنبياء من جمع له النبوّة و يرى في منامه و يأتيه الرّوح و يكلّمه و يحدثه من غير أن يكون يرى في اليقظة ، و أمّا المحدّث فهو الّذي يحدّث فيسمع و لا يعاين و لا يرى في منامه . و عن محمّد بن مسلم قال : ذكر المحدّث عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال إنّه يسمع الصّوت و لا يرى الشّخص ، قلت له : جعلت فداك كيف يعلم أنّه كلام الملك ؟ قال : إنّه يعطى السّكينة و الوقار حتّى يعلم أنّه كلام ملك بيان السّكينة اطمينان القلب و عدم التزلزل ، و الوقار الحالة الّتي بها يعلم أنّه كلام الملك [ 82 ] و فى رواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت : كيف يعلم أنّه كلام من الملك و لا يخاف أن يكون من الشّيطان إذا كان لا يرى الشّخص ؟ قال : إنّه يلقى عليه السّكينة فيعلم أنّه من الملك و لو كان من الشيطان اعتراه فزع ، و إن كان الشّيطان بازراره لا يتعرّض لصاحب هذا الأمر . و فى البحار من أمالي الشّيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : كان عليّ محدّثا و كان سلمان محدّثا ، قال : قلت : فما آية المحدّث ؟ قال عليه السّلام : يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت و كيت . و من البصاير عن حمران عن أبي جعفر عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : من أهل بيتي اثنى عشر محدّثا . و من البصاير عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول الاثنى عشر الأئمة من آل محمّد عليه و عليهم السّلام كلّهم محدّث من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ولد عليّ عليه السّلام فرسول اللّه و عليّ هما الوالدان ، فقال عبد الرّحمن بن زيد و أنكر ( ذكر ) ذلك و كان أخا لعليّ بن الحسين عليهما السّلام لأمّه ، فضرب أبو جعفر عليه السّلام فخذه فقال أمّا ابن امّك كان أحدهم . و منه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سمعته يقول : كان عليّ عليه السّلام و اللّه محدّثا ، قال : قلت له : اشرح لي ذلك أصلحك اللّه قال : يبعث اللّه ملكا يوقر في اذنه كيت و كيت و كيت . و منه عن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : أ لست حدّثتني أنّ عليّا عليه السّلام كان محدّثا ؟ قال : بلى قلت : من يحدّثه ؟ قال : ملك يحدّثه ، قال : قلت : فأقول إنّه نبيّ أو رسول ؟ قال : لا بل مثله مثل صاحب سليمان و مثل صاحب موسى و مثل ذى القرنين ، أما بلغك أنّ عليّا عليه السّلام سئل عن ذى القرنين فقالوا كان نبيّا ؟ قال : لا ، بل كان عبدا أحبّ اللّه فأحبّه ، و ناصح اللّه فناصحه فهذا مثله و بمعناها أخبار كثيرة احر تركنا ذكرها حذرا من الاطالة [ 83 ] بيان المراد بصاحب موسى إمّا يوشع بن نون كما صرّح به في بعض الأخبار ، أو الخضر على نبيّنا و عليه السّلام كما في البعض الآخر ، فيدلّ على عدم نبوّة واحد منهما و يمكن أن يكون المراد عدم نبوّته في تلك الحال فلا ينافي نبوّته بعد في الأوّل و نبوّته قبل في الثّاني ، هكذا قال في البحار ، و المراد بصاحب سليمان عليه السّلام إمّا خضر عليه السّلام أو آصف بن برخيا . قال المحدّث العلاّمة المجلسيّ في البحار بعد ايراد هذه الأخبار ما هذا لفظه استنباط الفرق بين النبيّ و الامام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال ، و كذا الجمع بينها مشكل جدّا ، و الّذي يظهر من أكثرها هو أنّ الامام لا يرى الحكم الشرعي في المنام و النبيّ قد يراه فيه . في المنام و النبيّ قد يراه فيه . و أمّا الفرق بين النّبيّ و الامام و بين الرّسول هو أنّ الرّسول يرى الملك عند إلقاء الحكم و النّبي غير الرّسول و الامام لا يريانه في تلك الحال و ان رأياه في ساير الأحوال ، و يمكن أن يخصّ الملك الّذي لا يريانه بجبرئيل عليه السّلام و يعمّ الأحوال لكن فيه أيضا منافاة لبعض الأخبار . و مع قطع النظر من الأخبار لعلّ الفرق بين الأئمة و غير اولى العزم من الأنبياء أنّ الأئمة عليهم السّلام نوّاب للرّسول صلّى اللّه عليه و آله لا يبلّغون إلاّ بالنيابة و أمّا الأنبياء و إن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنّهم مبعوثون بالاصالة و إن كانت تلك النيابة أشرف من تلك الاصالة . و بالجملة لا بدّ من الاذعان بعدم كونهم عليهم السّلام أنبياء و بأنّهم أشرف و أفضل من غير نبيّنا عليه و عليهم السّلام من الأنبياء و الأوصياء ، و لا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنّبوّة إلاّ رعاية جلالة خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليه و آله ، و لا يصل عقولنا إلى فرق بيّن بين النبوّة و الامامة ، و ما دلّت عليه الأخبار فقد عرفته ، و اللّه تعالى يعلم حقايق أحوالهم صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين و قال المفيد رحمة اللّه عليه في كتاب المقالات : إنّ العقل لا يمنع من نزول [ 84 ] الوحى اليهم صلوات اللّه عليهم و إن كانوا أئمة غير أنبياء فقد أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى أمّ موسى أن أرضعيه الآية ، فعرفت صحّة ذلك بالوحي و عملت عليه و لم تكن رسولا و لا نبيّا و لا إماما ، و لكنّها كانت من عباده الصّالحين ، و إنّما منعت نزول الوحي إليهم و الايحاء بالأشياء إليهم للاجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من زعم أنّ أحدا بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله يوحى اليه فقد أخطأ و كفر ، و لحصول العلم بذلك من دين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما أنّ العقل لم يمنع من بعثة نبيّ بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نسخ شرعنا كما نسخ ما قبله من شرايع الانبياء عليهم السّلام و إنما منع ذلك العلم و الاجماع ، فانه خلاف دين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار 1 ، و الاماميّة جميعا على ما ذكرت ليس بينها على ما وصفت خلاف . و قال رحمة اللّه عليه فى شرح عقايد الصدوق عليه الرّحمة : أصل الوحي هو الكلام الخفيّ ، ثمّ قد يطلق على كلّ شي‏ء قصد به إفهام المخاطب على الستر له عن غيره و التخصيص له به دون من سواه ، و إذا اضيف إلى اللّه تعالى كان فيما يخصّ به الرّسل خاصّة دون من سواهم على عرف الاسلام و شريعة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم « إلى أن قال » و قد يرى اللّه فى منامه خلقا كثيرا ما يصحّ تأويله و يثبت حقّه ، لكنّه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي و لا يقال في هذا الوقت لمن اطّلعه اللّه على علم شى‏ء أنه يوحى إليه و عندنا أنّ اللّه تعالى يسمع الحجج بعد نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلاما يلقيه إليهم أى الأوصياء فى علم ما يكون لكنّه لا يطلق عليه اسم الوحى لما قدّمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي لأحد بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و أنه لا يقال في شي‏ء مما ذكرناه أنه وحي إلى أحد ، و للّه تعالى أن يبيح اطلاق الكلام احيانا ، و يحظره احيانا فأما المعانى فانها لا تتغير عن حقايقها ، انتهى كلامه رفع مقامه ----------- ( 1 ) يعنى أنه يكاد أن يكون ضروريّا ، منه [ 85 ] التنبيه الثالث في ذكر الأخبار الواردة في وزارته عليه السّلام و هى كثيرة جدا من طرق الخاصّة و العامّة و لنقتصر على بعضهما حذرا من الاطالة فأقول و باللّه التوفيق : فى غاية المرام من مسند أحمد بن حنبل بسنده عن النسيم قال : سمعت رجلا من خثعم يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول : اللهمّ إنّي أقول كما قال موسى : اللهمّ اجعل لي وزيرا من أهلى عليا أخي اشدد به أزري و أشركه في أمري كي نسبّحك كثيرا و نذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا . و فيه عن أبى نعيم الحافظ باسناده عن رجاله عن ابن عباس قال : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيد عليّ بن أبيطالب عليه السّلام و بيدي و نحن بمكة و صلّى أربع ركعات ، ثمّ مدّ يديه إلى السماء و قال : اللّهم إنّ نبيّك موسى بن عمران عليه السّلام سألك فقال ربّ اشرح لي صدرى و يسّر لي أمرى الآية ، و أنا محمّد نبيّك أسألك : ربّ اشرح لي صدرى و يسّر لي أمرى و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أخي اشدد به أزرى و أشركه في أمرى ، قال ابن عبّاس : فسمعت مناديا ينادى : قد اوتيت ما سألت . و فيه عن أبي الحسن الفقيه من طريق العامّة باسناده عن الباقر عن أبيه عن جدّه الحسين بن عليّ بن أبيطالب عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : عليّ بن أبيطالب عليه السّلام خليفة اللّه و خليفتي ، و حجّة اللّه و حجّتي ، و باب اللّه و بابي ، و صفيّ اللّه و صفيّي ، و حبيب اللّه و حبيبي ، و خليل اللّه و خليلي ، و سيف اللّه و سيفي ، و هو أخي و صاحبي ، و وزيرى ، و محبّه محبّي ، و مبغضه مبغضي ، و وليّه وليّي ، و عدوّه عدوّي ، و زوجته ابنتي ، و ولده ولدى ، و حزبه حزبي ، و قوله قولي ، و أمره أمري ، و هو سيّد الوصيّين و خير امّتي و فيه عن ابن شاذان من طريق العامّة بحذف الاسناد عن سعيد بن المسيّب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : اللهمّ اجعل لي وزيرا من أهل السماء ، و وزيرا من أهل [ 86 ] الأرض ، فأوحى اللّه إليه أني قد جعلت وزيرك من أهل السماء جبرائيل ، و وزيرك من أهل الأرض علىّ بن أبيطالب عليه السّلام . و أقنع من غاية المرام بهذه الأحاديث الأربعة ، و قد روى فيه من طرق العامّة أحد عشر حديثا ، و من طرق الخاصّة أحدا و عشرين حديثا ، جلّها بل كلّها ناصّة بخلافته و وصايته عليه الصّلاة و السلام . و روى الشارح المعتزلي عن الطبرى في تاريخه عن عبد اللّه بن عبّاس عن عليّ بن أبيطالب عليه السّلام قال : لمّا نزلت هذه الآية « و أنذر عشيرتك الأقربين » على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعاني فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لى : يا علىّ إنّ اللّه أمرنى أن انذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعا و إنّي علمت متى اناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتّ حتّى جاءنى جبرئيل عليه السّلام فقال : يا محمّد إنّك إن لم تفعل ما امرت به يعذّبك ربّك ، فاصنع لنا صاعا من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املاء لنا عسّا من لبن ، ثمّ اجمع بنيّ عبد المطلب حتّى اكلّمهم و ابلّغهم ما امرت به ، ففعلت ما أمرنى به ، ثمّ دعوتهم و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه و فيهم أعمامه : أبو طالب و حمزة و العباس ، و أبو لهب . فلما اجتمعوا إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعا بالطعام الّذى صنعت لهم ، فجئت به ، فلمّا وضعته تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بضعة من اللحم فشقّها بأسنانه ، ثمّ ألقاها فى نواحى الصحفة ، ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلوا باسم اللّه فأكلوا حتّى ما لهم إلى شى‏ء من حاجة ، و أيم اللّه الّذى نفس عليّ بيده أن كان الرّجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمته لجميعهم قال صلّى اللّه عليه و آله : اسق القوم يا عليّ ، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا و أيم اللّه ان كان الرّجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلمّا أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يكلّمهم بدر أبو لهب إلى الكلام فقال : لشدّ ما سحركم صاحبكم ، فتفرّق القوم و لم يكلّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فقال من الغد : يا عليّ إنّ هذا الرّجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن اكلّمهم فعدلنا [ 87 ] اليوم إلى ما سمعت بالأمس ثمّ اجمعهم لى ، ففعلت ثمّ جمعهم ، ثمّ دعانى بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتّى ما لهم بشى‏ء حاجة ، ثمّ قال : اسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه جميعا حتّى رووا . ثمّ تكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال : يا بنيّ عبد المطلب إنّي و اللّه ما أعلم أنّ شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، إنّي جئتكم بخير الدّنيا و الآخرة ، و قد أمرني اللّه أن أدعوكم اليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا و قلت أنا و إنّي لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا : أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه . فأعاد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القول فأمسكوا و أعدت ما قلت . فأخذ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم برقبتي ثمّ قال لهم : هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا ، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع . قال الشارح المعتزلي و يدلّ على أنّه وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من نصّ الكتاب و السّنة قول اللّه تبارك و تعالى و اجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزرى و أشركه في أمرى و قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الخبر المجمع على روايته بين ساير فرق الاسلام : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، فأثبت له جميع مراتب هارون و منازله عن موسى فاذا هو وزير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شادّ ازره ، و لو لا أنّه خاتم النبيّين لكان شريكا في أمره . أقول و هذه الأخبار كما ترى صريحة في إمامته عليه السّلام و وزارته و خلافته حسبما عرفت تحقيقه في مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية . قال المفيد في الارشاد بعد الاستدلال على إمامته عليه السّلام بحديث المنزلة : فأوجب له الوزارة و التخصيص بالمودّة و الفضل على الكافّة له و الخلافة عليهم في حياته و بعد وفاته لشهادة القرآن بذلك كلّه لهارون من موسى عليهما السّلام ، قال اللّه عزّ و جلّ مخبرا عن موسى عليه السّلام « و اجعل لي وزيراً من أهلى هرون أخى اشدد به ازرى و أشركه ----------- ( 1 ) اى ظهرى [ 88 ] فى امرى كى نسبّحك كثيراً و نذكرك كثيراً انّك كنت بنا بصيراً » قال اللّه تعالى قد اوتيت سؤلك يا موسى . فثبت لهارون شركة موسى عليه السّلام في النّبوة و وزارته على تأدية الرّسالة و شدّ ازره به فى النصرة . و قال فى استخلافه له : « و اخلفنى فى قومى و أصلح و لا تتّبع سبيل المفسدين » فثبت له خلافته بمحكم التنزيل فلمّا جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأمير المؤمنين عليه الصّلاة و السّلام جميع منازل هارون من موسى على نبيّنا و عليه السّلام فى الحكم له منه إلاّ النّبوة وجبت له وزارة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شدّ الازر بالنصرة و الفضل و المحبّة لما تقتضيه هذه الخصال من ذلك فى الحقيقة ثمّ الخلافة فى الحياة بالصّريح و بعد النّبوة بتخصيص الاستثناء لما اخرج منها 1 بذكر البعد 2 ، و أمثال هذه الحجج كثيرة يطول بذكرها الكتاب . و قال « ره » فى موضع آخر من الارشاد : فأمّا مناقبه عليه السّلام الغنيّة لشهرتها و تواتر النقل بها و اجماع العلماء عليها عن ايراد أسانيد الأخبار بها فهى كثيرة يطول بشرحها الكتاب و فى رسمنا منها طرفا كفاية عن ايراد جميعها . فمن ذلك أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جمع خاصّة أهله و عشيرته فى ابتداء الدعوة إلى الاسلام فعرض عليهم الايمان و استنصرهم على الكفر و العدوان و ضمن لهم على ذلك الخطوة 3 فى الدّنيا و الشرف و ثواب الجنان فلم يجبه منهم إلاّ أمير المؤمنين علىّ ابن أبيطالب عليه الصّلاة و السّلام فنحله 4 بذلك تحقيق الاخوّة و الوزارة و الوصيّة و الوراثة و الخلافة ، و أوجب له به الجنّة . و ذلك فى حديث الدّار الّذي أجمع على صحّته نقّاد الآثار حين جمع ----------- ( 1 ) أى المنازل م ----------- ( 2 ) أى قوله لا نبىّ بعدى م ----------- ( 3 ) أى المكانة و المنزلة ----------- ( 4 ) أى اعطاه [ 89 ] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنى عبد المطلب فى دار أبى طالب و هم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرّواة . و أمر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يصنع لهم طعاما فخذ شاة مع مدّ من برّ و يعدّ لهم صاع من اللّبن ، و قد كان الرّجل منهم معروفا بأكل الجذعة و هو من الضّأن ما له سنة كاملة فى مقام واحد ، و يشرب الفرق 1 من الشراب فى ذلك المقعد . فأراد عليه و آله السلام باعداد قليل الطعام و الشراب لجماعتهم إظهار الآية لهم فى شبعهم و ريّهم مما كان لا يشبع واحدا منهم و لا يرويه ثمّ أمر بتقديمه لهم ، فأكلت الجماعة كلّها من ذلك اليسير حتى تملوا منه و لم يبن ما أكلوه منه و شربوه فيه فبهرهم 2 بذلك و بيّن لهم آية نبوّته و علامة صدقه ببرهان اللّه تعالى فيه . ثمّ قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام و رووا من الشراب : يا بنى عبد المطلب إنّ اللّه بعثنى إلى الخلق كافّة و بعثنى إليكم خاصّة فقال و انذر عشيرتك الأقربين و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللّسان ثقيلتين فى الميزان تملكون بهما العرب و العجم و تنقاد لكم بهما الامم و تدخلون بهما الجنّة و تنجون بهما من النّار : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، و أنّى رسول اللّه ، فمن يجيبنى إلى هذا الأمر و يوازرنى عليه و على القيام به يكون أخى و وصيّى و وزيرى و خليفتى من بعدى . فلم يجبه أحد منهم ، فقال أمير المؤمنين عليه الصّلاة و السّلام فقمت بين يديه من بينهم و أنا إذ ذاك أصغرهم سنا و أحمشهم 3 ساقا و أرمصهم عينا فقلت : أنا يا رسول اللّه اوازرك على هذا الأمر ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : اجلس . ثمّ أعاد صلّى اللّه عليه و آله القول على القوم ثانية فاصمتوا ، فقمت أنا و قلت مثل مقالتى الاولى ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : اجلس . ----------- ( 1 ) كيل معروف بالمدينة و هو ستّة عشر رطلا و قد يحرّك صحاح م ----------- ( 2 ) أى غلبهم م ----------- ( 3 ) حمش الرجل حمشا صار دقيق الساقين فهو أحمش ، و الرمص البياض الذى يجتمع فى روايا العين يقال رجل أرمص و هو كناية عن صغر العين ، منه [ 90 ] ثمّ أعاد على القوم ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت و قلت : أنا أوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر . فقال صلّى اللّه عليه و آله : اجلس فانت أخى و وصيّى و وزيرى و وارثى و خليفتى من بعدى فنهض القوم و هم يقولون لأبي طالب : يا أبا طالب ليهنئك اليوم ان دخلت فى دين ابن اخيك فقد جعل ابنك أميرا عليك . قال المفيد قدّس سرّه العزيز : و هذه منقبة جليلة اختصّ بها أمير المؤمنين عليه الصّلاة و السّلام و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين و الأنصار و لا أحد من أهل الاسلام ، و ليس لغيره عليه السّلام عدل لها من الفضل و لا مقارب على حال . و فى الخبر بها ما يفيد أنّ به عليه الصّلاة و السّلام تمكّن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من تبليغ الرسالة و إظهار الدّعوة و الصدع بالاسلام ، و لولاه لم تثبت الملّة و لا استقرّت الشريعة و لا ظهرت الدّعوة . فهو عليه الصّلاة و السّلام ناصر الاسلام و وزيره الدّاعى اليه من قبل اللّه عزّ و جلّ ، و بضمانه لنبيّ الهدى عليه و آله السلام النصرة ، تمّ له فى النّبوة ما أراد و في ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا ، و لا تعادله الفضايل كلّها محلاّ . الترجمة اين فصل از خطبه شريفه مسوقست در بيان مناقب جليله و فضايل جميله خود آن بزرگوار ميفرمايد : آگاه باشيد كه بتحقيق امر فرمود خداوند متعال مرا بقتال و جدال أهل ظلم و طغيان و أهل نقض بيعت و أهل فساد در زمين ، پس أما ناقضان بيعت كه أهل جمل بودند پس بتحقيق مقاتله كردم با ايشان ، و أمّا عدول كنندكان از حقّ كه أهل صفين بودند پس بتحقيق جهاد كردم با ايشان ، و أمّا بيرون روندگان از دين كه أهل نهروان بودند پس بتحقيق كه ذليل گردانيدم ايشان را ، و أما شيطان ردهه پس بتحقيق كفايت كرده شدم از او بآواز مهيبى كه شنيدم بجهت شدّت آن آواز اضطراب [ 91 ] قلب و حركت سينه او را ، و باقى مانده بقيّه از أهل ستم كه معاويه و أهل شام است و أگر اذن بدهد خداى تعالى در رجوع بر ايشان هر آينه البته غالب مى‏شوم بر ايشان و باز گيرم دولت را از ايشان مگر اينكه متفرّق شود در اطراف زمين متفرّق شدنى . من پست كردم رؤساى عرب را ، شكستم شاخهاى ظاهر شده قبيله ربيعه و مضر را ، و بتحقيق كه شما دانسته‏ايد مرتبه و مقام مرا در نزد رسول خدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم با قرابت نزديك و با رتبه و منزلت مخصوصه ، نهاد مرا در كنار تربيت خود در حالتى كه طفل بودم ، مى‏چسباند مرا بسينه خود ، و ضمّ مى‏كرد مرا در رختخواب خود ، و مسّ مى‏كرد بمن بدن شريف خود را ، و مى‏بوئيد مرا بوى معطر خود را ، و بود كه مضغ مى‏فرمود چيزى را از طعام پس مى‏خوراند بمن آنرا . پس بتحقيق كه مقرون گردانيد بآن بزرگوار از وقتى كه فطيم و از شير واشده بود أعظم ملكى را از ملائكه خود كه مى‏برد آنرا براه مكرمتها و خوبترين خلقهاى عالم در شب و روز او ، و بتحقيق كه تبعيّت مى‏نمودم او را مثل تبعيّت شتر بچه در عقب مادر خود ، بلند مى‏گردانيد از براى من در هر روز رايتى از خلقهاى عظيمه خود ، و امر ميفرمود مرا به پيروى كردن بخود . و هر آينه بود آن سيّد أنام عليه صلوات اللّه الملك العلاّم مجاور مى‏شد هر سال بكوه حرا پس مى‏ديدم من او را و نمى‏ديد او را احدى غير از من ، و جمع نكرده بود يك خانه آن روز در اسلام غير رسول خدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خديجه كبرى عليها سلام اللّه و من ثالث ايشان بودم ، مى‏ديدم نور وحى را و مى‏بوئيدم بوى پيغمبرى را . و بتحقيق شنيدم ناله شيطان را در وقت نزول وحى بر آن بزرگوار پس گفتم يا رسول اللّه اين چه ناله است ؟ پس فرمود كه : اين شيطانست بتحقيق نا اميد شده است از اينكه عبادت و اطاعت كنند مردمان او را . بدرستى كه تو اى على مى‏شنوى آنچه كه مى‏شنوم من ، و مى‏بينى آنچه كه مى‏بينم من ، مگر آنكه تو پيغمبر نيستى ، و لكن تو وزير منى ، و بدرستى كه تو ثابت هستى بر خير دنيا و آخرت . [ 92 ] الفصل التاسع و لقد كنت معه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا أتاه الملاء من قريش ، فقالوا له : يا محمّد إنّك قد إدّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك و لا أحد من بيتك و نحن نسئلك أمرا إن أجبتنا إليه و أريتناه علمنا أنّك نبيّ و رسول و إن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب . قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم : و ما تسئلون ؟ قالوا : تدع لنا هذه الشّجرة حتّى تنقلع بعروقها و تقف بين يديك فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إنّ اللّه على كلّ شي‏ء قدير فإن فعل اللّه ذلك بكم أ تؤمنون و تشهدون بالحقّ ؟ قالوا : نعم . قال : فإنّي ساريكم ما تطلبون ، و إنّى لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ، و أنّ فيكم من يطرح في القليب ، و من يحزّب الأحزاب . ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : يا أيّتها الشّجرة إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر و تعلمين أنّي رسول اللّه فانقلعي بعروقك حتّى تقفى بين يديّ بإذن اللّه . و الّذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها و جائت و لها دويّ شديد و قصف كقصيف أجنحة الطّير ، حتّى وقفت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [ 93 ] مرفرفة ، و ألقت بغصنها الأعلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و ببعض أغصانها على منكبي ، و كنت عن يمينه صلّى اللّه عليه و آله . فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا و استكبارا : فمرها فليأتك نصفها و يبقى نصفها ، فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال و أشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقالوا كفرا و عتوّا فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرجع . فقلت أنا : لا إله إلاّ اللّه فإنّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه و أوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تعالى ، تصديقا لنبوّتك و إجلالا لكلمتك ، و قال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السّحر خفيف فيه و هل يصدّقك في أمرك إلاّ مثل هذا يعنونني و إنّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، سيماهم سيما الصّدّيقين ، و كلامهم كلام الأبرار ، عمّار اللّيل ، و منار النّهار ، متمسّكون بحبل القرآن ، يحيون سنن اللّه و سنن رسوله لا يستكبرون ، و لا يعلون ، و لا يغلوّن ، و لا يفسدون ، قلوبهم في الجنان ، و أجسادهم في العمل . [ 94 ] اللغة ( القليب ) البئر يذكّر و يؤنّث أو العاديّة القديمة منها و ( الأحزاب ) جمع الحزب الطائفة و جماعة الناس و تحزّبوا صاروا أحزابا و حزّبتهم تحزيبا جعلتهم حزبا حزبا و ( القصف و القصيف ) الصوت ، و في بعض النسخ قصف كقصف أجنحة الطير ، و الجميع بمعنى واحد و ( رفرف ) الطاير بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شي‏ء يحوم عليه ليقع فوقه ( و السّيما ) بالقصر و المدّ العلامة و ( غلّ ) يغلّ من باب قعد غلولا إذا خان في الغنيمة كأغلّ أو مطلق الخيانة و غلّ غلاّ من باب ضرب أى حقد حقدا . الاعراب قوله : مرفرفة بالنصب حال من فاعل وقفت ، و قوله : و ألقت عطف على وقفت ، و علوّا و استكبارا منصوبان على المفعول لأجله ، و دويّا منصوب على التميز ، و كفرا و عتوّا أيضا منصوبان على المفعول له ، و كذلك تصديقا و اجلالا ، و عمّار اللّيل بالرّفع خبر لمبتدء محذوف ، قوله : و أجسادهم فى العمل ، الواو فيه للعطف و تحتمل الحال . المعنى اعلم أنّه عليه الصّلاة و السّلام لمّا نبّه فى الفصل السابق على علوّ مقامه و رفعة شأنه و شرف محلّه ، و ذكر المخاطبين بمناقبه الجميلة و عدّ فيه منها تسعا أردفه بهذا الفصل تذكيرا لهم بمنقبته العاشرة و هو ايمانه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تصديقه بالمعجزة الظاهرة منه صلوات اللّه و سلامه عليه فى الشجرة لمّا كفر به غيره و نسبوه إلى السّحر و الكذب و هو قوله عليه الصّلاة و السّلام : ( و لقد كنت معه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا أتاه الملاء من قريش ) أى الجماعة منهم ( فقالوا له يا محمّد إنّك قد ادّعيت أمرا عظيما ) و هو النّبوة و الرّسالة ( لم يدّعه آباؤك ) أى الأقربون منهم و إن كان الأبعدون أنبياء و مرسلين كاسماعيل و إبراهيم و غيرهما ( و لا أحد من ) أهل ( بيتك و نحن نسألك أمرا ) خارقا للعادة ( إن أجبتنا إليه ) و أتيت به ( و أريتناه [ 95 ] علمنا أنّك نبيّ و رسول ) لاتيانك بما أتى به ساير الأنبياء و الرّسل ممّا يعجز عنه غيرهم من الآيات البيّنات المصدّقة لرسالتهم و نبوّتهم ( و ان لم تفعل علمنا ) بطلان دعواك و انّك ساحر كذّاب ) لأنّ عدم فعلك لما نسأله كاشف عن عجزك من معاجزة النّبوة و دلائل الرّسالة . ف ( قال لهم ) النّبي صلّى اللّه عليه و آله ( و ما تسألون ) . ( قالوا تدع لنا هذه الشجرة حتّى تنقلع بعروقها ) من الأرض و تأتى ( و تقف بين يديك ) إجابة لدعوتك ( فقال صلّى اللّه عليه و آله إنّ اللّه على كلّ شي‏ء قدير ) لا يعجزه شي‏ء و لا يقصر قدرته عن شي‏ء ( فان فعل اللّه ذلك بكم ) و أجاب إلى مسئولكم ( أ تؤمنون ) به ( و تشهدون بالحقّ ) و إنّما نسب الفعل إلى اللّه و لم ينسبه إلى نفسه تنبيها لهم على أنّ ما يفعله و يصدر منه صلّى اللّه عليه و آله فانّما هو فعل اللّه سبحانه و هو عليه السّلام مظهر له كما قال تعالى و ما رميت اذ رميت و لكنّ اللّه رمى و لذلك ذكر أوّلا عموم قدرته تعالى و فرّع عليه قوله : فان فعل اللّه ذلك ، ايماء إلى أنّ ما تسألونه من انقلاع الشجرة من مكانها و وقوفها بين أيديهم أمر يعجز عنه المخلوق الضعيف و يقدر عليه الخالق القاهر القادر على كلّ شى‏ء ، فقال لهم : فان فعلت ذلك مع كونى بشرا مثلكم فانّما هو بكونى مبعوثا من عنده خليفة له و كون فعلى فعله أ تؤمنون حينئذ و تشهدون بأن لا إله إلاّ اللّه و أنّى رسول اللّه . ( قالوا نعم قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانّى ساريكم ما تطلبون ) أسند الارائة إلى نفسه القدسى بعد اسناد الفعل إلى اللّه ، لما ذكرناه من النكتة ( و إنّي لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير ) أى لا ترجعون إلى الاسلام الجامع لخير الدّنيا و الآخرة و فى تصدير الجملة بانّ و اللاّم تنبيها على أنّ عدم رجوعهم إلى الحقّ و بقائهم على الكفر و الضلال محقّق معلوم له صلّى اللّه عليه و آله بعلم اليقين ليس فيه شكّ و ريب ( و انّ فيكم من ) يبقى على كفره و يقتل و ( يطرح فى القليب ) قليب بدر ( و من ) يستمرّ على غيّه و ( يحزّب الأحزاب ) و يجمع جموع الكفّار و المشركين على [ 96 ] محاربتى و جهادى . و هذه الخبر من أخباره الغيبيّة و دلائل نبوّته صلّى اللّه عليه و آله و قد وقع المخبر به على طبق الخبر ، فممّن طرح فى القليب بعد قتلهم عتبة و شيبة ابنى ربيعة و أبى جهل و اميّة ابن عبد شمس و الوليد بن المغيرة و غيرهم ، و ممّن حزّب الأحزاب أبو سفيان بن حرب و عمرو بن ود و صفوان بن اميّة و عكرمة بن أبى جهل و سهل بن عمرو و غيرهم . ( ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر و تعلمين أنّى رسول اللّه ) خطابه للشّجرة بخطاب ذوي العقول يدلّ على أنّها صارت بتوجّه نفسه القدسى إليها شاعرة مدركة قابلة للخطاب كساير ذوى العقول المتّصفة بالاحساس و الحياة لأنّ مشيّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مشية اللّه و إذا أراد اللّه شيئا أن يقول له كن فيكون . و نظير هذا الخطاب خطاب اللّه سبحانه للأرض و السماء بقوله « يا ارض ابلعى ماءك و يا سماء اقلعى » و في قوله : ان كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر ، دلالة على أنّ للنبات و الجماد تكليفا كساير المكلّفين ، و قد مرّ بعض الكلام فى ذلك فى شرح المختار المأة و التسعين . و كيف كان فقد خاطب الشّجرة و قال لها ( فانقلعى بعروقك حتّى تقفى بين يدىّ باذن اللّه ) و مشيّته ف ( و الّذى بعثه بالحقّ ) نبيّا ( لانقلعت بعروقها و جائت و لها دوىّ شديد ) صوت كصوت الرّيح ( و قصف كقصيف ) أى صوت مثل صوت ( أجنحة الطير حتى وقفت بين يدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) ممتثلة لأمره منقادة لحكمه ( مرفرفة ) رفرفة الطير ( و ألقت بغصنها الأعلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) متثلة لأمر منقادة لحكمه ( مرفوعة ) رفرقة الطير ( و ألقت بغضها الأعلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ) إجلالا له و إعظاما ( و ببعض أغصانها على منكبى ) تكريما و تعظيما ( و كنت ) واقفا ( عن يمينه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا نظر القوم إلى ذلك ) الاعجاز ( قالوا ) له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ( علوا و استكبارا ) لا اهتداءا و استرشادا ( فمرها فليأتك نصفها و يبقى نصفها فأمرها بذلك ) إتماما للحجّة و اكمالا للبيّنة ( فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال و أشدّه دويا ) و هو كناية عن سرعة إجابتها لأمره ( فكادت تلتفّ [ 97 ] برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) بمزيد دنوّها منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ( فقالوا ) ثالثة ( كفرا و عتوّا ) و تمرّدا و اعتلاء بقصد تعجيزه و افحامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ( فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قطعا للعذر و حسما لمادّة المكابرة ( فرجع ) إلى النّصف الآخر و انضمّ اليه . قال أمير المؤمنين لما شاهد هذه المعجزة ( فقلت أنا : لا إله إلاّ اللّه فانّى أوّل مؤمن بك ) أى برسالتك ( يا رسول اللّه و أوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه ) و اذنه ( تصديقا لنبوّتك و إجلالا لكلمتك ) و إجابة لأمرك . ( فقال القوم كلّهم بل ساحر كذّاب ) أى أنت مموّه مدلّس لا حقيقة لما فعلته و إنّما هو تمويه و تخييل لا أصل له و أنّك كذّاب فيما تدعوننا إليه من التوحيد و الايمان . و قد حكى اللّه عنهم ذلك بقوله في سورة ص و عجبوا أن جاءهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذّاب . اجعل الآلهة إلها واحدا إنّ هذا لشي‏ء عجاب . قال الطبرسي في وجه نزول الآية : قال المفسّرون : إنّ أشراف قريش و هم خمسة و عشرون منهم الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم و أبو جهل و أبيّ و اميّة ابنا خلف و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و النضر بن الحارث أتوا أبا طالب و قالوا أنت شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك لتقضى بيننا و بين ابن اخيك فانّه سفّه أحلامنا و شتم آلهتنا ، شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك لتقضى بيننا و بين ابن اخيك فانّه سفّه أحلامنا و شتم آلهتنا ، فدعى أبو طالب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال : يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك : فقال : ما ذا يسألونني قالوا دعنا و آلهتنا ندعك و إلهك فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أ تعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب و العجم ، فقال أبو جهل : للّه أبوك نعطيك ذلك و عشر أمثالها فقال : قولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فقاموا و قالوا : أ جعل الآلهة إلها واحدا ، فنزلت هذه الآيات ، هذا . و لمّا قالوا : إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ساحر و لم يكونوا شاهدين مثل ما أتى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به من غيره أعظموا أمره و وصفوه بأنّه ( عجيب السّحر ) لأنّه قد أتى بما يعجز عنه غيره و بأنّه ( خفيف فيه ) لأنّه فعل ما فعل سريعا من دون تراخ و تأخير . ثمّ قالوا استحقارا و استصغارا : ( و هل يصدّقك ) و يؤمن بك ( فى أمرك إلاّ مثل هذا ) الغلام الحدث السنّ ( يعنوننى ) و قد حذا حذو هؤلاء الكفّار أتباعهم الّذين [ 98 ] فضّلوا ابن أبي قحافة على أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قالوا : إنّ ابن أبي قحافة أسلم و هو ابن أربعين سنة و علىّ أسلم و هو حدث و لم يبلغ الحلم فكان إسلام الأوّل أفضل و قد نقل تفصيل مقالهم الشارح المعتزلي من كتاب العثمانيّة للجاحظ ، و تفصيل الجواب عن ذلك من كتاب نقض العثمانية لأبي جعفر الاسكافي تغمّده اللّه بغفرانه ، و كفانا نقل الشّارح المعتزلي له مؤنة النقل هنا ، من أراد الاطلاع فليراجع شرحه . ثمّ اشار عليه السّلام إلى مناقب له اخرى و فصّلها بقوله ( و انّى لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ) أى لا تأخذهم في سلوك سبيله و التقرّب إليه سبحانه و اقامة أحكام الدّين و اعلاء كلمة الاسلام ، ملامة لائم و وصف هؤلاء القوم بعشرة أوصاف : أولها أنّ ( سيماهم سيما الصّديقين ) أى علامتهم علامة هؤلاء قال الطبرسىّ في تفسير قوله تعالى : من يطع اللّه و الرّسول فاولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصّديقين ، قيل : في معنى الصّديق إنّه المصدّق بكلّ ما أمر اللّه به و بأنبيائه لا يدخله في ذلك شكّ و يؤيّده قوله تعالى و الّذين آمنوا باللَّه و رسوله اولئك هم الصّديقون و قال في قوله : و اذكر في الكتاب إبراهيم إنّه كان صدّيقاً نبياً أى كثير التصديق في امور الدّين ، و قيل : صادقا مبالغا في الصدق فيما يخبر عن اللّه . أقول : مقتضى كون الصدّيق من أبنية المبالغة أن يكون كثير الصّدق مبالغا فيه ، و ذلك مستلزم لكون عمله مطابقا لقوله مصدّقا له غير مكذّب أى صادقا في أقواله و أفعاله . قال سبحانه فى وصف الصّادقين « و لكن البرّ من آمن باللَّه و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيّين و آتى المال على حبّه ذوى القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و فى الرّقاب و أقام الصّلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين فى البأساء و الضرّاء و حين البأس اُولئك الذين صدقوا و اُولئك هم المتّقون » و فى البحار عن بصاير الدّرجات عن بريد العجلى قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام [ 99 ] عن قول اللّه « يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و كونوا مع الصّادقين » قال عليه السّلام ايّانا عنى و فيه من البصاير عن أحمد بن محمّد قال : سألت الرّضا عليه السّلام عن هذه الآية قال : الصادقون الأئمة الصدّيقون بطاعتهم . و فيه من كنز جامع الفوايد عن عباد بن صهيب عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السّلام قال : هبط على النبيّ ملك له عشرون ألف رأس فوثب النبىّ ليقبّل يده ، فقال له الملك : مهلا مهلا يا محمّد فأنت و اللّه أكرم على اللّه من أهل السّماوات و أهل الأرضين أجمعين و الملك يقال له : محمود ، فاذا بين منكبيه مكتوب لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علىّ الصّديق الأكبر ، فقال له النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : حبيبى محمود كم هذا مكتوب بين منكبيك ؟ قال : من قبل أن يخلق اللّه أباك باثنى عشر ألف عام . فقد علم بما ذكرنا كلّه أنّ المراد بالصدّيقين خصوص الأئمة أو الأعمّ منهم و من ساير المتّقين ، و على أىّ تقدير فرئيسهم هو أمير المؤمنين عليه السّلام . ( و ) الثانى ( أنّ كلامهم كلام الأبرار ) أى المطيعين للّه المحسنين فى أفعالهم قال تعالى انّ الأَبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً قال الحسن فى تفسيره هم الذين لا يؤذون الذّر و لا يرضون الشرّ و قيل هم الّذين يقضون الحقوق اللاّزمة و النّافلة قال الطبرسيّ و قد أجمع أهل البيت عليهم السّلام و موافقوهم و كثير من مخالفيهم أنّ المراد بذلك علىّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام ، و الآية مع ما بعدها متعيّنة فيهم و أيضا فقد انعقد الاجماع على أنهم كانوا أبرارا و فى غيرهم خلاف ، و على أيّ معنى فالمراد بكلامهم الذكر الدائم و قول الحقّ و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الثالث أنّهم ( عمّار اللّيل ) أى بالدّعاء و المناجاة و الصّلاة و تلاوة القرآن ( و ) الرابع أنّهم ( منار النّهار ) يعنى أنّهم يفرغون باللّيل لعبادة الخالق و يقومون فى النّهار بهداية الخلايق فالنّاس يهتدون بهم من ظلمات الجهالة و الضّلالة كما يهتدي بالمنار فى غياهب الدّجى . الخامس أنّهم ( متمسّكون بحبل القرآن ) قال الشارح البحراني استعار [ 100 ] لفظ الحبل للقرآن باعتبار كونه سببا لمتعلّميه و متدبّريه إلى التروّى من ماء الحياة الباقية كالعلوم و الأخلاق الفاضلة كالحبل هو سبب الارتواء و الاستسقاء من الماء أو باعتبار كونه عصمة لمن تمسّك به صاعدا من دركات الجهل إلى أقصى درجات العقل كالحبل يصعد فيه من السفل إلى العلو ، انتهى و الأظهر أنّ تشبيهه بالحبل لأنّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض كما فى أخبار الثقلين : من اعتصم به فاز و نجا و ارتقى به إلى مقام القرب و الزلفى ، و من تركه و لم يعتصم به ضلّ و غوى و فى مهواة المهانة هوى . السادس أنّهم ( يحيون سنن اللّه و سنن رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) أى يقومون بنشر آثار الدّين و يواظبون على وظايف الشّرع المبين بأقوالهم و أعمالهم السابع أنّهم ( لا يستكبرون و لا يعلون ) لما قد علموا من مخازي الكبر و التّرفع و مفاسده التى تضمّنتها هذه الخطبة الشريفة و غيرها من الخطب المتقدّمة ( و ) الثامن أنّهم ( لا يغلون ) أى لا يحقدون و لا يحسدون علما منهم برذايل الحقد و الحسد المتكفلة لبيانها الخطبة الخامسة و الثمانون و شرحها ، و لرذالة هذه الصّفة و دنائتها أخرجها سبحانه من صدور أهل الجنّة كما قال فى وصفهم « و نزعنا ما فى صدورهم من غلّ » أى أخرجنا ما في قلوبهم من حقد و حسد و عداوة في الجنّة حتّى لا يحسد بعضهم بعضا و إن رآه أرفع درجة منه ، و على كون يغلون من الغلول فالمراد براءتهم من وصف الخيانة لمعرفتهم برذالتها . ( و ) التاسع أنّهم ( لا يفسدون ) أى لا يحدثون الفساد لأنّه من صفة الفسّاق و المنافقين كما قال تعالى و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأَرض قالوا انّما نحن مصلحون الآية قال الطبرسيّ : معناه إذا قيل للمنافقين لا تفسدوا في الأرض بعمل المعاصي و صدّ الناس عن الايمان أو بممايلة الكفار فانّ فيه توهين الاسلام أو بتغيير الملّة و تحريف الكتاب . و العاشر أنّ ( قلوبهم في الجنان و أجسادهم في العمل ) يعني أنّ قلوبهم متوجّهة إلى الجنان مشتاقة إلى الرّضوان ، فهم و الجنّة كمن قد رآها و هم فيها منعّمون ، و محصّله أنّ نفوسهم بكلّيتها معرضة عن الدّنيا مقبلة إلى الآخرة ، [ 101 ] و الحال أنّ أجسادهم مستغرقة في العبادة و أوقاتهم مصروفة بالطاعة . و على كون الواو للعطف يكون قوله : و أجسادهم في العمل الوصف الحادى عشر ، و على الاحتمالين فالمراد واحد . تبصرة حديث الشجرة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد روي في ضمن معاجزه على أنحاء مختلفة لا حاجة بنا إلى روايتها ، و لكنّي أحببت أن اورد رواية مرويّة في تفسير الامام متضمنة لمعجزة شجرية له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوجب مشاهدتها لمشاهدها علما و ايمانا ، كما أنّ مشاهدة ما رواه أمير المؤمنين عليه السّلام لم يزد كفّار قريش إلاّ كفرا و عتوّا و طغيانا فاقول : في تفسير الامام قال عليّ بن محمّد عليهما السّلام و أمّا دعاؤه صلّى اللّه عليه و آله الشجرة فانّ رجلا من ثقيف كان أطبّ النّاس يقال له حارث بن كلدة الثّقفي ، جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال يا محمّد جئت اداويك من جنونك فقد داويت مجانين كثيرا فشفوا على يدي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : يا حارث أنت تفعل فعل المجانين و تنسبني إلى الجنون ، قال الحارث : و ما ذا فعلته من أفعال المجانين ، قال : نسبتك إيّاى إلى الجنون من غير محنة منك و لا تجربة و نظر في صدقي أو كذبي ، فقال الحارث : أو ليس قد عرفت كذبك و جنونك بدعويك النّبوّة التي لا تقدر لها ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قولك لا تقدر لها ، فعل المجانين ، لأنّك لم تقل لم قلت كذا و لا طالبتني بحجّة فعجزت عنها ، فقال الحارث : صدقت و أنا أمتحن أمرك بآية اطالبك بها ، إن كنت نبيّا فادع تلك الشّجرة و أشار بشجرة عظيمة بعيد عمقها فان أتتك علمت أنّك رسول اللّه و شهدت لك بذلك ، و إلاّ فأنت المجنون الّذي قيل لي . فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده إلى تلك الشّجرة و أشار إليها أن تعالى ، فانقلعت الشّجرة باصولها و عروقها و جعلت تخدّ في الأرض اخدودا عظيما كالنهر حتّى دنت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فوقفت بين يديه و نادت بصوت فصيح : ها أنا ذا يا رسول اللّه ما تأمرني ؟ . [ 102 ] فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : دعوتك لتشهد لي بالنبوّة بعد شهادتك للّه بالتوحيد ثم تشهدي لعليّ هذا بالامامة و أنّه سندي و ظهري و عضدي و فخرى ، و لولاه لما خلق اللّه شيئا ممّا خلق . فنادت أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، و أشهد أنّك يا محمّد عبده و رسوله أرسلك بالحقّ بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه باذنه و سراجا منيرا ، و أشهد أنّ عليّا ابن عمّك هو أخوك في دينك أوفر خلق اللّه من الدّين حظّا ، و أجز لهم من الاسلام نصيبا ، و أنّه سندك و ظهرك قاطع أعدائك و ناصر أوليائك ، باب علومك في امتك ، و أشهد أنّ أولياءك الّذين يوالونه و يعادون أعداءه حشو الجنّة ، و أن أعداءك الذين يوالون أعداءك و يعادون أولياءك حشو النّار . فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الحارث بن كلدة فقال : يا حارث أو مجنونا تعدّ من هذه آياته ؟ فقال : لا و اللّه يا رسول اللّه ، و لكنّي أشهد أنّك رسول ربّ العالمين و سيّد الخلق أجمعين و حسن اسلامه . و قد مضى نظير هذه المعجزة لأمير المؤمنين عليه السّلام في شرح الفصل الأوّل من الخطبة المأة و السابعة فتذكر . قال الشارح عفى اللّه عنه : إنّ الفصول السّبعة الاول من هذه الخطبة الشريفة كما كانت قاصعة للمستكبرين المتجبّرين ، راغمة لأنفهم ، لاطمة لرأسهم بمقامع التوبيخ و التّقريع و التهديد ، فكذلك الفصل الثامن و التاسع منها قاصعان للمنحرفين عنه عليه السّلام من غاصبي الخلافة و النّاكثين و القاسطين و المارقين بما فصّله عليه السّلام فيهما من مناقبه و مفاخره ، فتلك المناقب الجميلة له عليه السّلام : على قمم من آل صخر ترفّعت كجلمود صخر حطّه السّيل من عل الترجمة اين فصل آخر از خطبه شريفه باز در ذكر مفاخر و مناقب خود آن بزرگوار است ميفرمايد : [ 103 ] و بتحقيق بودم من با حضرت رسالتمآب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وقتى كه آمدند نزد آنحضرت جماعتى از كفار قريش پس گفتند او را : أى محمّد بدرستى كه تو ادّعا كردى أمر عظيمى را كه ادّعا نكرده بود آنرا پدران تو و نه أحدى از خانواده تو و ما خواهش مى‏كنيم از تو كاريرا اگر اجابت كردى ما را بآن كار و نمودى آن را بما مى‏دانيم كه تو پيغمبر مرسلى ، و اگر اجابت نكردى مى‏دانيم كه تو جادوگر و بسيار دروغ گوئى . پس فرمود آن حضرت بايشان چه خواهش داريد گفتند كه بخوانى بجهت ما اين درخت را تا پر كنده شود با ريشه‏هاى خود و بايستد پيش تو ، پس فرمود آن حضرت كه خداى تعالى بهر چيز قادر است پس اگر بكند خداوند عالم بجهت شما آن را آيا ايمان ميآوريد و شهادت ميدهيد بحق ؟ پس گفتند : بلى فرمود پس بدرستى كه بزودى بنمايم من بشما آن چيزيرا كه طلب مى‏كنيد و حال آنكه بدرستى كه يقين منست كه شما باز نمى‏گرديد بسوى اسلام كه خير دنيا و آخرت است ، و بدرستيكه در ميان شما است كسى كه انداخته مى‏شود در چاه بدر ، و كسيكه جمع سازد لشكرهاى كفّار را بمحاربه من . بعد از آن فرمود آنحضرت بطريق خطاب بدرخت كه اى درخت اگر هستى كه ايمان دارى بخداى تعالى و بروز آخرت و مى‏دانى كه منم پيغمبر خدا پس بركنده شو با ريشه‏هاى خود تا اينكه بايستى پيش من با اذن خدا . پس قسم بخدائى كه مبعوث فرمود او را بحق هر آينه بر كنده شد با رگ و ريشه‏هاى خود و آمد بسوى آن حضرت در حالتى كه مر او را صداى سخت بود ، و آوازى بود مانند آواز بالهاى مرغان ، تا اينكه ايستاد پيش حضرت رسالتمآب صلّى اللّه عليه و آله حركت كنان مثل مرغ بال زنان ، و انداخت شاخه بلندتر خود را بر پيغمبر خدا و بعض شاخهاى خود را بر دوش من ، و بودم من در جانب راست آن حضرت . پس وقتى كه نظر كردند آن جماعت بآن معجزه گفتند از روى تكبّر و گردن كشى پس أمر كن تا بيايد بسوى تو نصف آن و باقى ماند بر جاى خود نصف [ 104 ] ديگر آن ، پس أمر فرمود آن را باين پس پيش آمد بسوى او نصف آن درخت مانند عجب‏ترين روى آوردن و سخت‏ترين آن از روى آواز پس نزديك شد كه پيچيده شود بحضرت رسول خدا پس گفتند آن ملاعين از روى كفر و ستيزه‏گى پس أمر كن اين نصف را برگردد بسوى آن نصف ديگر چنانكه در اصل بود ، پس أمر فرمود او را پس برگشت . پس گفتم من : لا إله إلاّ اللّه بدرستى كه من أوّل ايمان آورنده‏ام بتو يا رسول اللّه و أوّل كسى هستم كه ايمان آورد باينكه آن درخت كرد آنچه كرد بفرمان خدا از جهت تصديق پيغمبرى تو و تعظيم فرمايش تو . پس گفتند آن كفّار شقاوت آثار جميعا كه تو جادوگر دروغ گوئى عجيب و غريب است سحر تو چابك و سبك دستى در آن ، و تصديق نميكند تو را در پيغمبرى تو مگر مثل اين و قصد ميكردند در اين حرف مرا و بدرستى كه من از قومى هستم كه اخذ نمى‏كند ايشانرا در راه خدا ملامت هيچ ملامت كننده كه علامت ايشان علامت صدّيقين است ، و كلام ايشان كلام نيكوكاران ، آباد كنندگان شبند بعبادت ، و منارهاى روزند بهدايت ، چنگ زنندگانند بريسمان محكم قرآن ، زنده ميكنند شريعت إلهى و سنّت رسالت پناهى را ، تكبّر نمى‏نمايند ، بلندى نمى‏جويند ، حقد و حسد نمى‏كنند ، در راه فساد نميپويند ، قلبهاى ايشان در بهشت برينست و بدنهاى ايشان مشغول عبادت ربّ العالمين ، و الحمد للّه و الصّلاة على محمّد و آله . قال الشارح المحتاج إلى غفران ربّه : هذا آخر المجلّد الخامس 1 من مجلّدات منهاج البراعة ، و يتلوه إنشاء اللّه المجلد السّادس بتوفيق منه سبحانه ، و قد يسّر اللّه بفضله الواسع ختامه ، و بكرمه السّابغ اتمامه بعد حصول الاياس و تفرّق الحواس و اضطراب النّاس و اختلال الحال بداهية دهيا ، و بليّة عظمى ، و زلزلة شديدة أدّب اللّه أهل بلدنا بها في هذه الأيام ، ----------- ( 1 ) حسب تجزأته قدّس سرّه على ما فى الطبعة الأولى [ 105 ] يا لها رجفة ما رأيت مثلها و قد جاوزت خمسين درجة أخذتهم نصف الليل بينما كانوا راقدين فقاموا من مضاجعهم ذعرين مرعوبين كأنّهم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون بهول ترتعد منه الفرائص ، و تفتّ الأكباد ، و تصدّع القلوب ، و تقشعرّ الجلود ، و كان النّاس سكارى من مهول البلا . فلو لا أن تداركنا رحمته السابقة على غضبه سبحانه لم يكن لأحد منها النجاة و لا لذى روح طماعية في الحياة ، و قد حرمنا منذ ليال من سبت الرّقاد ، و خرجنا من تحت الأبنية و العروش بعد ما أشرفت على السّقوط و الانهدام ، و اتّخذنا الأخبية مسكنا و المظلة أكنانا ، و الرّجفة في هذه المدّة و قد مضت منذ ظهرت عشرة أيّام تطرقنا ساعة بعد ساعة . نعوذ باللّه سبحانه من غضبه و نسأله عزّ و جلّ أن لا يخاطبنا بذنوبنا و لا يؤاخذنا بأعمالنا و لا يقايسنا بأفعالنا ، و أن يرفع عنا هذه البلية ، و ينجينا من تلك الرزيّة بمحمّد و آله خير البرية ، فانّه ذو المنّ الكريم و الرّؤف الرّحيم . و قد وقع الفراغ منه ثالث عشر شهر ذى القعدة الحرام من سنة سبع عشرة و ثلاثمأة بعد الألف و هذه هى النسخة الأصل كتبتها بيمينى و أسأله سبحانه أن يحشرني في أصحاب اليمين بجاه محمّد و آله الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين . بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الّذى شرح صدور المؤمنين بمصابيح العرفان و اليقين ، و نوّر قلوب المتّقين بأنوار التقوى فى الدّين ، فاهتدوا إلى المحجّة البيضاء و لزموا الشرع المبين ، و سلكوا الجادّة الوسطى و تمسّكوا بالحبل المتين ، و فاز العارفون منهم بعظيم الزلفى و حسن المآب ، و خرجت أرواح الواصلين منهم من أبدانهم خوفا من العقاب و شوقا إلى الثواب . و الصّلاة و السّلام على أشرف الأوّلين و الآخرين محمّد سيّد الأنبياء و المرسلين [ 106 ] و وصيّه و وزيره الوارث لعلمه ، و الحامل لسرّه ، و باب مدينة علمه ، و دار حكمته عليّ أمير المؤمنين و سيّد الوصيين ، و آلهما الخائضين في بحار أنوار الحقايق ، و الغائصين في لجج تيّار الدّقائق ، أئمة المسلمين الهداة المهديّين الأطيبين الأنجبين الغرّ الميامين : هم هداة الورى و هم اكرم النّاس أصولا شريفة و نفوسا معشر حبّهم يجلّي الهموم و مزاياهم تحلّي طروسا كرموا مولدا و طابوا اصولا و زكوا محتدا و طالوا غروسا ملاؤا بالولاء قلبي رجاء و بمدحى لهم ملئت الطروسا أما بعد فهذا هو المجلّد السّادس من مجلّدات منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة إملاء راجي عفو ربّه الغني « حبيب اللّه بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوى الموسوى » وفّقه اللّه لما يتمنّاه و جعل عقباه خيرا من اولاه إنّه وليّ الاحسان و الكريم المنّان . قال الشريف الرضى قدس سرّه العزيز :