و من كلام له ع قاله عند تلاوته

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 176 ] 217 و من كلام له ع قاله عند تلاوته يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ اَلذِّكْرَ جَلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ اَلْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ اَلْعَشْوَةِ وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ اَلْمُعَانَدَةِ وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلاَؤُهُ فِي اَلْبُرْهَةِ بَعْدَ اَلْبُرْهَةِ وَ فِي أَزْمَانِ اَلْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ وَ كَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَبْصَارِ اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَفْئِدَةِ يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اَللَّهِ وَ يُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ اَلْأَدِلَّةِ فِي اَلْفَلَوَاتِ مَنْ أَخَذَ اَلْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ وَ مَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَ شِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ اَلطَّرِيقَ وَ حَذَّرُوهُ مِنَ اَلْهَلَكَةِ وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ اَلظُّلُمَاتِ وَ أَدِلَّةَ تِلْكَ اَلشُّبُهَاتِ وَ إِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ اَلدُّنْيَا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْهُ يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ اَلْحَيَاةِ وَ يَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ فِي أَسْمَاعِ اَلْغَافِلِينَ وَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُمْ قَطَعُوا اَلدُّنْيَا إِلَى اَلآْخِرَةِ وَ هُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا [ 177 ] اِطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ اَلْبَرْزَخِ فِي طُولِ اَلْإِقَامَةِ فِيهِ وَ حَقَّقَتِ اَلْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لاَ يَرَى اَلنَّاسُ وَ يَسْمَعُونَ مَا لاَ يَسْمَعُونَ فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ اَلْمَحْمُودَةِ وَ مَجَالِسِهِمُ اَلْمَشْهُودَةِ وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا وَ حَمَّلُوا ثقَلَ أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ اَلاِسْتِقْلاَلِ بِهَا فَنَشَجُوا نَشِيجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَ اِعْتِرَافٍ لَرَأَيْتَ أَعْلاَمَ هُدًى وَ مَصَابِيحَ دُجًى قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّكِينَةُ وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ اَلْكَرَامَاتِ فِي مَقْعَدٍ اِطَّلَعَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ اَلتَّجَاوُزِ رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ جَرَحَ طُولُ اَلْأَسَى قُلُوبَهُمْ وَ طُولُ اَلْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ يَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِيقُ لَدَيْهِ اَلْمَنَادِحُ وَ لاَ يَخِيبُ عَلَيْهِ اَلرَّاغِبُونَ فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ اَلْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ من قرأ يسبح له فيها بفتح الباء ارتفع رجال عنده بوجهين [ 178 ] أحدهما أن يضمر له فعل يكون هو فاعله تقديره يسبحه رجال و دل على يسبحه يسبح كما قال الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة و مختبط مما تطيح الطوائح أي يبكيه ضارع و دل على يبكيه ليبك . و الثاني أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره المسبحون رجال و من قرأ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بكسر الباء فرجال فاعل و أوقع لفظ التجارة في مقابلة لفظ البيع إما لأنه أراد بالتجارة هاهنا الشراء خاصة أو لأنه عمم بالتجارة المشتملة على البيع و الشراء ثم خص البيع لأنه أدخل في باب الإلهاء لأن البيع يحصل ربحه بيقين و ليس كذلك الشراء و الذكر يكون تارة باللسان و تارة بالقلب فالذي باللسان نحو التسبيح و التكبير و التهليل و التحميد و الدعاء و الذي بالقلب فهو التعظيم و التبجيل و الاعتراف و الطاعة . و جلوت السيف و القلب جلاء بالكسر و جلوت اليهود عن المدينة جلاء بالفتح . و الوقرة الثقل في الأذن و العشوة بالفتح فعله من العشا في العين و آلاؤه نعمه . فإن قلت أي معنى تحت قوله عزت آلاؤه و عزت بمعنى قلت و هل يجوز مثل ذلك في تعظيم الله . قلت عزت هاهنا ليس بمعنى قلت و لكن بمعنى كرمت و عظمت تقول منه عززت على فلان بالفتح أي كرمت عليه و عظمت عنده و فلان عزيز علينا أي كريم معظم . [ 179 ] و البرهة من الدهر المدة الطويلة و يجوز فتح الباء . و أزمان الفترات ما يكون منها بين النوبتين . و ناجاهم في فكرهم ألهمهم بخلاف مناجاة الرسل ببعث الملائكة إليهم و كذلك و كلمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة صار ذلك النور مصباحا لهم يستضيئون به . قوله من أخذ القصد حمدوا إليهم طريقه إلى هاهنا هي التي في قولهم أحمد الله إليك أي منهيا ذلك إليك أو مفضيا به إليك و نحو ذلك و طريقة العرب في الحذف في مثل هذا معلومة قال سبحانه وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً أي لجعلنا بدلا منكم ملائكة و قال الشاعر فليس لنا من ماء زمزم شربة مبردة بانت على طهيان أي عوضا من ماء زمزم . قوله و من أخذ يمينا و شمالا أي ضل عن الجادة . و إلى في قوله ذموا إليه الطريق مثل إلى الأولى . و يهتفون بالزواجر يصوتون بها هتفت الحمامة تهتف هتفا و هتف زيد بالغنم هتافا بالكسر و قوس هتافة و هتفى أي ذات صوت . و القسط العدل و يأتمرون به يمتثلون الأمر . و قوله فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة إلى قوله و يسمعون ما لا يسمعون هو شرح قوله عن نفسه ع لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . و الأوزار الذنوب و النشيج صوت البكاء و المقعد موضع القعود . [ 180 ] و يد قارعة تطرق باب الرحمة و هذا الكلام مجاز . و المنادح المواضع الواسعة . و على في قوله و لا يخيب عليه الراغبون متعلقة بمحذوف مثل إلى المتقدم ذكرها و التقدير نادمين عليه . و الحسيب المحاسب . و اعلم أن هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصاص و المتصدين لإنكار المنكرات أ لا تراه يقول يذكرون بأيام الله أي بالأيام التي كانت فيها النقمة بالعصاة و يخوفون مقامه من قوله تعالى وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ثم قال فمن سلك القصد حمدوه و من عدل عن الطريق ذموا طريقه و خوفوه الهلاك ثم قال يهتفون بالزواجر عن المحارم في أسماع الغافلين و يأمرون بالقسط و ينهون عن المنكر . و هذا كله إيضاح لما قلناه أولا إن ظاهر الكلام شرح حال القصاص و أرباب المواعظ في المجامع و الطرقات و المتصدين لإنكار القبائح و باطن الكلام شرح حال العارفين الذين هم صفوة الله تعالى من خلقه و هو ع دائما يكني عنهم و يرمز إليهم على أنه في هذا الموضع قد صرح بهم في قوله حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس و يسمعون ما لا يسمعون . و قد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل الذكر و محاسبة النفس و البكاء و النحيب و الندم و التوبة و الدعاء و الفاقة و الذلة و الحزن و هو الأسى الذي ذكر أنه جرح قلوبهم بطوله [ 181 ] بيان أحوال العارفين و قد كنا وعدنا بذكر مقامات العارفين فيما تقدم و هذا موضعه فنقول إن أول مقام من مقامات العارفين و أول منزل من منازل السالكين التوبة قال الله تعالى وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ و قال النبي ص التائب من الذنب كمن لا ذنب له و قال علي ع ما من شي‏ء أحب إلى الله من شاب تائب . و التوبة في عرف أرباب هذه الطريقة الندم على ما عمل من المخالفة و ترك الزلة في الحال و العزم على ألا يعود إلى ارتكاب معصية و ليس الندم وحده عند هؤلاء توبة و إن جاء في الخبر الندم توبة لأنه على وزان قوله ع الحج عرفة ليس على معنى أن غيرها ليس من الأركان بل المراد أنه أكبر الأركان و أهمها و منهم من قال يكفي الندم وحده لأنه يستتبع الركنين الآخرين لاستحالة كونه نادما على ما هو مصر على مثله أو ما هو عازم على الإتيان بمثله . قالوا و للتوبة شروط و ترتيبات فأول ذلك انتباه القلب من رقد الغفلة و رؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة و إنما يصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه يسمع قلبه فإن في الخبر النبوي عنه ص واعظ كل حال الله في قلب كل امرئ مسلم و في الخبر أن في بدن المرء لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن ألا و هي القلب و إذا فسدت فسد جميع البدن ألا و هي القلب . [ 182 ] و إذا فكر العبد بقلبه في سوء صنيعه و أبصر ما هو عليه من ذميم الأفعال سنحت في قلبه إرادة التوبة و الإقلاع عن قبيح المعاملة فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة و الأخذ في طرق الرجوع و التأهب لأسباب التوبة . و أول ذلك هجران إخوان السوء فإنهم الذين يحملونه على رد هذا القصد و عكس هذا العزم و يشوشون عليه صحة هذه الإرادة و لا يتم ذلك له إلا بالمواظبة على المشاهد و المجالس التي تزيده رغبة في التوبة و توفر دواعيه إلى إتمام ما عزم عليه مما يقوي خوفه و رجاءه فعند ذلك تنحل عن قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال فيقف عن تعاطي المحظورات و يكبح نفسه بلجام الخوف عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال و يلزم العزيمة على ألا يعود إلى مثلها في الاستقبال فإن مضى على موجب قصده و نفذ على مقتضى عزمه فهو الموفق حقا و إن نقض التوبة مرة أو مرات ثم حملته إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا كثيرا فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء فإن لكل أجل كتابا و قد حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال اختلفت إلى مجلس قاص فأثر كلامه في قلبي فلما قمت لم يبق في قلبي شي‏ء فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي من كلامه في قلبي أثر في الطريق ثم زال ثم عدت ثالثا فوقر كلامه في قلبي و ثبت حتى رجعت إلى منزلي و كسرت آلات المخالفة و لزمت الطريق . و حكيت هذه الحكاية ليحيي بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا يعني بالعصفور القاص و بالكركي أبا سليمان . و يحكي أن أبا حفص الحداد ذكر بدايته فقال تركت ذلك العمل يعني المعصية كذا و كذا مرة ثم عدت إليها ثم تركني العمل فلم أعد إليه . [ 183 ] و قيل إن بعض المريدين تاب ثم وقعت له فترة و كان يفكر و يقول أ ترى لو عدت إلى التوبة كيف كان يكون حكمي فهتف به هاتف يا فلان أطعتنا فشكرناك ثم تركتنا فأمهلناك و إن عدت إلينا قبلناك فعاد الفتى إلى الإرادة . و قال أبو علي الدقاق التوبة على ثلاثة أقسام فأولها التوبة و أوسطها الإنابة و آخرها الأوبة فجعل التوبة بداية و الأوبة نهاية و الإنابة واسطة بينهما و المعنى أن من تاب خوفا من العقاب فهو صاحب التوبة و من تاب طمعا في الثواب فهو صاحب الإنابة و من تاب مراعاة للأمر فقط فهو صاحب الأوبة . و قال بو علي أيضا التوبة صفة المؤمنين قال سبحانه وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ و الإنابة صفة الأولياء قال سبحانه وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ و الأوبة صفة الأنبياء قال سبحانه نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . و قال الجنيد دخلت على السري يوما فوجدته متغيرا فسألته فقال دخل علي شاب فسألني عن التوبة فقلت ألا تنسى ذنبك فقال بل التوبة ألا تذكر ذنبك قال الجنيد فقلت له إن الأمر عندي ما قاله الشاب قال كيف قلت لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الصفاء فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فسكت السري . و قال ذو النون المصري الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين . و سئل البوشنجي عن التوبة فقال إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره فذاك حقيقة التوبة . [ 184 ] و قال ذو النون حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار ثم تضيق عليك نفسك كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اَللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ . و قيل لأبي حفص الحداد لم تبغض الدنيا فقال لأني باشرت فيها الذنوب قيل فهلا أحببتها لأنك وفقت فيها للتوبة فقال أنا من الذنب على يقين و من هذه التوبة على ظن . و قال رجل لرابعة العدوية إني قد أكثرت من الذنوب و المعاصي فهل يتوب علي أن تبت قالت لا بل لو تاب عليك لتبت . قالوا و لما كان الله تعالى يقول في كتابه العزيز إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلتَّوَّابِينَ دلنا ذلك على محبته لمن صحت له حقيقة التوبة و لا شبهة أن من قارف الزلة فهو من خطئه على يقين فإذا تاب فإنه من القبول على شك لا سيما إذا كان من شرط القبول محبة الحق سبحانه له و إلى أن يبلغ العاصي محلا يجد في أوصافه أمارة محبة الله تعالى إياه مسافة بعيدة فالواجب إذا على العبد إذا علم أنه ارتكب ما يجب عنه التوبة دوام الانكسار و ملازمة التنصل و الاستغفار كما قيل استشعار الوجل إلى الأجل . و كان من سنته ع دوام الاستغفار و قال إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة . [ 185 ] و قال يحيى بن معاذ زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها . و يحكي أن علي بن عيسى الوزير ركب في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون من هذا من هذا فقالت امرأة قائمة على السطح إلى متى تقولون من هذا من هذا هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه بما ترون فسمع علي بن عيسى كلامها فرجع إلى منزله و لم يزل يتوصل في الاستعفاء من الوزارة حتى أعفي و ذهب إلى مكة فجاور بها . و منها المجاهد و قد قلنا فيها ما يكفي فيما تقدم . و منها العزلة و الخلوة و قد ذكرنا في جزء قبل هذا الجزء مما جاء في ذلك طرفا صالحا و منها التقوى و هي الخوف من معصية الله و من مظالم العباد قال سبحانه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ و قيل إن رجلا جاء إلى رسول الله ص فقال يا رسول الله أوصني فقال عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير و عليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلم و عليك بذكر الله فإنه نور لك . و قيل في تفسير قوله تعالى اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ أن يطاع فلا يعصى و يذكر فلا ينسى و يشكر فلا يكفر . [ 186 ] و قال النصرآباذي من لزم التقوى بادر إلى مفارقة الدنيا لأن الله تعالى يقول وَ لَدارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا . و قيل يستدل على تقوى الرجل بثلاث التوكل فيما لم ينل و الرضا بما قد نال و حسن الصبر على ما فات . و كان يقال من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه . و قد حكوا من حكايات المتقين شيئا كثيرا مثل ما يحكى عن ابن سيرين أنه اشترى أربعين حبا سمنا فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أي حب أخرجها قال لا أدري فصبها كلها . و حكي أن أبا يزيد البسطامي غسل ثوبه في الصحراء و معه مصاحب له فقال صاحبه نضرب هذا الوتد في جدار هذا البستان و نبسط الثوب عليه فقال لا يجوز ضرب الوتد في جدار الناس قال فنعلقه على شجرة حتى يجف قال يكسر الأغصان فقال نبسطه على الإذخر قال إنه علف الدواب لا يجوز أن نستره منها فولى ظهره قبل الشمس و جعل القميص على ظهره حتى جف أحد جانبيه ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر . و منها الورع و هو اجتناب الشبهات و قال ص لأبي هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس و قال بو بكر كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب واحد من الحرام . [ 187 ] و كان يقال الورع في المنطق أشد منه في الذهب و الفضة و الزهد في الرئاسة أشد منه في الذهب و الفضة لأنك تبذلهما في طلب الرئاسة . و قال أبو عبد الله الجلاء أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته و رشائه . و قال بشر بن الحارث أشد الأعمال ثلاثة الجود في القلة و الورع في الخلوة و كلمة الحق عند من يخاف و يرجى . و يقال إن أخت بشر بن الحارث جاءت إلى أحمد بن حنبل فقالت إنا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الطاهرية فيقع شعاعها علينا أ فيجوز لنا الغزل في ضوئها فقال أحمد من أنت يا أمة الله قالت أخت بشر الحافي فبكى أحمد و قال من بيتكم خرج الورع لا تغزلي في ضوء مشاعلهم . و حكى بعضهم قال مررت بالبصرة في بعض الشوارع فإذا بمشايخ قعود و صبيان يلعبون فقلت أ ما تستحيون من هؤلاء المشايخ فقال غلام من بينهم هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم . و يقال إن مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة ما صح له أن يأكل من تمر البصرة و لا من رطبها حتى مات و لم يذقه و كان إذا انقضى أوان الرطب يقول يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شي‏ء سواء علي أكلت من رطبكم أو لم آكل . و قال الحسن مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم و الصلاة . و دخل الحسن مكة فرأى غلاما من ولد علي بن أبي طالب قد أسند ظهره إلى [ 188 ] الكعبة و هو يعظ الناس فقال له الحسن ما ملاك الدين قال الورع قال فما آفته قال الطمع فجعل الحسن يتعجب منه . و قال سهل بن عبد الله من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل و لم يشبع . و حمل إلى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم فقبض على مشمه و قال إنما ينتفع من هذا بريحه و أنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين . و سئل أبو عثمان الحريري عن الورع فقال كان أبو صالح بن حمدون عند صديق له و هو في النزع فمات الرجل فنفث أبو صالح في السراج فأطفأه فقيل له في ذلك فقال إلى الآن كان الدهن الذي في المسرجة له فلما مات صار إلى الورثة . و منها الزهد و قد تكلموا في حقيقته فقال سفيان الثوري الزهد في الدنيا قصر الأمل . و قال الخواص الزهد أن تترك الدنيا فلا تبالي من أخذها . و قال أبو سليمان الداراني الزهد ترك كل ما يشغل عن الله . و قيل الزهد تحت كلمتين من القرآن العزيز لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . و كان يقال من صدق في زهده أتته الدنيا و هي راغمة و لهذا قيل لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها . و قال يحيى بن معاذ الزهد يسعطك الخل و الخردل و العرفان يشمك المسك و العنبر . [ 189 ] و قيل لبعضهم ما الزهد في الدنيا قال ترك ما فيها على من فيها . و قال رجل لذي النون المصري متى تراني أزهد في الدنيا قال إذا زهدت في نفسك . و قال رجل ليحيي بن معاذ متى تراني أدخل حانوت التوكل و ألبس رداء الزهد و أقعد بين الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك القوت ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك و لا في يقينك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فقعودك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن أن تفتضح . و قال أحمد بن حنبل الزهد على ثلاثة أوجه ترك الحرام و هو زهد العوام و ترك الفضول من الحلال و هو زهد الخواص و ترك كل ما يشغلك عن الله و هو زهد العارفين . و قال يحيى بن معاذ الدنيا كالعروس فطالبها كماشطتها تحسن وجهها و تعطر ثوبها و الزاهد فيها كضرتها تسخم وجهها و تنتف شعرها و تحرق ثوبها و العارف مشتغل بالله لا يلتفت إليها و لا يشعر بها . و كان النصرآباذي يقول في مناجاته يا من حقن دماء الزاهدين و سفك دماء العارفين . و كان يقال إن الله تعالى جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد و جعل الشر كله في بيت و جعل مفتاحه حب الدنيا . و منها الصمت و قدمنا فيما سبق من الأجزاء نكتا نافعة في هذا المعنى و نذكر الآن شيئا آخر قال رسول الله ص من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذين جاره و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت . [ 190 ] و قال أصحاب هذا العلم الصمت من آداب الحضرة قال الله تعالى وَ إِذا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا . و قال مخبرا عن الجن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا . و قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً . و قالوا كم بين عبد سكت تصونا عن الكذب و الغيبة و عبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة . و أنشدوا أرتب ما أقول إذا افترقنا و أحكم دائما حجج المقال فأنساها إذا نحن التقينا و أنطق حين أنطق بالمحال و أنشدوا فيا ليل كم من حاجة لي مهمة إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا قالوا و ربما كان سبب الصمت و السكوت حيرة البديهة فإنه إذا ورد كشف بغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان و لا نطق و طمست الشواهد فلا علم و لا حس قال الله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ اَلرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ فأما إيثار أرباب المجاهدة الصمت فلما علموا في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حط النفس و إظهار صفات المدح و الميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق و غير ذلك من ضروب آفات الكلام و هذا نعت أرباب [ 191 ] الرياضة و هو أحد أركانهم في حكم مجاهدة النفس و منازلتها و تهذيب الأخلاق . و يقال إن داود الطائي لما أراد أن يقعد في بيته اعتقد أن يحضر مجلس أبي حنيفة لأنه كان تلميذا له و يقعد بين أضرابه من العلماء و لا يتكلم في مسألة على سبيل رياضته نفسه فلما قويت نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك و آثر العزلة . و يقال إن عمر بن عبد العزيز كان إذا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب و غيره . و قال بشر بن الحارث إذا أعجبك الكلام فاصمت فإذا أعجبك الصمت فتكلم و قال سهل بن عبد الله لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة و لا يصح لأحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت . و منها الخوف قال الله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً . و قال تعالى وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ . و قال يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ . أبو علي الدقاق الخوف على مراتب خوف و خشية و هيبة . فالخوف من شروط الإيمان و قضاياه قال الله تعالى فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . و الخشية من شروط العلم قال الله تعالى إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ . [ 192 ] و الهيبة من شروط المعرفة قال سبحانه وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللَّهُ نَفْسَهُ . و قال أبو عمر الدمشقي الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان . و قال بعضهم من خاف من شي‏ء هرب منه و من خاف الله هرب إليه . و قال أبو سليمان الداراني ما فارق الخوف قلبا إلا خرب و منها الرجاء و قد قدمنا فيما قبل من ذكر الخوف و الرجاء طرفا صالحا قال سبحانه مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ . و الفرق بين الرجاء و التمني و كون أحدهما محمودا و الآخر مذموما أن التمني ألا يسلك طريق الاجتهاد و الجد و الرجاء بخلاف ذلك فلهذا كان التمني يورث صاحبه الكسل . و قال أبو علي الروذباري الرجاء و الخوف كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر و تم طيرانه و إذا نقص أحدهما وقع فيه النقص و إذا ذهبا صار الطائر في حد الموت . و قال أبو عثمان المغربي من حمل نفسه على الرجاء تعطل و من حمل نفسه على الخوف قنط و لكن من هذا مرة و من هذا مرة . و من كلام يحيى بن معاذ و يروى عن علي بن الحسين ع يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على [ 193 ] الإخلاص و كيف أحرزها و أنا بالآفة معروف و أجدني في الذنوب أعتمد على عفوك و كيف لا تغفرها و أنت بالجود موصوف . و منها الحزن و هو من أوصاف أهل السلوك . و قال أبو علي الدقاق صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر ما لا يقطعه من فقد الحزن في سنتين . في الخبر النبوي ص إن الله يحب كل قلب حزين . و في بعض كتب النبوات القديمة إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة و إذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا . و روي أن رسول الله ص كان متواصل الأحزان دائم الفكر . و قيل إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن الدار إذا لم يكن فيها ساكن خربت . و سمعت رابعة رجلا يقول وا حزناه فقالت قل وا قلة حزناه لو كنت محزونا ما تهيأ لك أن تتنفس . و قال سفيان بن عيينة لو أن محزونا بكى في أمة لرحم الله تلك الأمة ببكائه . و كان بعض هؤلاء القوم إذا سافر واحد من أصحابه يقول إذا رأيت محزونا فأقرئه عني السلام . و كان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة . و قال وكيع يوم مات الفضيل ذهب الحزن اليوم من الأرض . و قال بعض السلف أكثر ما يجده المؤمن في صحيفته من الحسنات الحزن و الهم . [ 194 ] و قال الفضيل أدركت السلف يقولون إن لله في كل شي‏ء زكاة و زكاة العقل طول الحزن . و منها الجوع و ترك الشهوات و قد تقدم ذكر ذلك . و منها الخشوع و التواضع قال سبحانه اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و في الخبر النبوي عنه ص لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر و لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال رجل يا رسول الله إن المرء ليحب أن يكون ثوبه حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال إنما المتكبر من بطر الحق و غمص الناس و روى أنس بن مالك أن رسول الله ص كان يعود المريض و يشيع الجنائز و يركب الحمار و يجيب دعوة العبد . و كان يوم قريظة و النضير على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف . و دخل مكة يوم فتحها راكب بعير برحل خلق و إن ذقنه لتمس وسط الرحل خضوعا لله تعالى و خشوعا و جيشه يومئذ عشرة آلاف . قالوا في حد الخشوع هو الانقياد للحق و في التواضع هو الاستسلام و ترك الاعتراض على الحكم . و قال بعضهم الخشوع قيام القلب بين يدي الحق بهم مجموع . و قال حذيفة بن اليمان أول ما تفقدون من دينكم الخشوع . [ 195 ] و كان يقال من علامات الخشوع أن العبد إذا أغضب أو خولف أو رد عليه استقبل ذلك بالقبول . و قال محمد بن علي الترمذي الخاشع من خمدت نيران شهوته و سكن دخان صدره و أشرق نور التعظيم في قلبه فماتت حواسه و حيي قلبه و تطامنت جوارحه . و قال الحسن الخشوع هو الخوف الدائم اللازم للقلب . و قال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال الله تعالى وَ عِبادُ اَلرَّحْمنِ اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً أي خاشعون متواضعون . و رأي بعضهم رجلا منقبض الظاهر منكسر الشاهد قد زوي منكبيه فقال يا فلان الخشوع هاهنا و أشار إلى صدره لا هاهنا و أشار إلى منكبيه . و روي أن رسول الله ص رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . و قيل شرط الخشوع في الصلاة ألا يعرف من على يمينه و لا من على شماله . و قال بعض الصوفية الخشوع قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة . و كان يقال من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره . و قيل إن عمر بن عبد العزيز لم يكن يسجد إلا على التراب . و كان عمر بن الخطاب يسرع في المشي و يقول هو أنجح للحاجة و أبعد من الزهو . كان رجاء بن حيوة ليلة عند عمر بن عبد العزيز و هو خليفة فصعف المصباح فقام رجل ليصلحه فقال اجلس فليس من الكرم أن يستخدم المرء ضيفه فقال [ 196 ] أنبه الغلام قال إنها أول نومه نامها ثم قام بنفسه فأصلح السراج فقال رجاء أ تقوم إلى السراج و أنت أمير المؤمنين قال قمت و أنا عمر بن عبد العزيز و رجعت و أنا عمر بن عبد العزيز . و في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ص كان يعلف البعير و يقم البيت و يخصف النعل و يرقع الثوب و يحلب الشاة و يأكل مع الخادم و يطحن معها إذا أعيت و كان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى منزل أهله و كان يصافح الغني و الفقير و يسلم مبتدئا و لا يحقر ما دعي إليه و لو إلى حشف التمر و كان هين المئونة لين الخلق كريم السجية جميل المعاشرة طلق الوجه بساما من غير ضحك محزونا من غير عبوس متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما لكل مسلم ما تجشأ قط من شبع و لا مد يده إلى طبع . و قال الفضيل أوحى الله إلى الجبال أني مكلم على واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال و تواضع طور سيناء فكلم الله عليه موسى لتواضعه . سئل الجنيد عن التواضع فقال خفض الجناح و لين الجانب . ابن المبارك التكبر على الأغنياء و التواضع للفقراء من التواضع . و قيل لأبي يزيد متى يكون الرجل متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاما و لا حالا و لا يرى أن في الخلق من هو شر منه . و كان يقال التواضع نعمة لا يحسد عليها و التكبر محنة لا يرحم منها و العز في التواضع فمن طلبه في الكبر لم يجده . و كان يقال الشرف في التواضع و العز في التقوى و الحرية في القناعة . يحيى بن معاذ التواضع حسن في كل أحد لكنه في الأغنياء أحسن و التكبر سمج في كل أحد و لكنه في الفقراء أسمج . [ 197 ] و ركب زيد بن ثابت فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال مه يا ابن عم رسول الله فقال إنا كذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد أرني يدك فأخرجها فقبلها فقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا . و قال عروة بن الزبير رأيت عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى و على عاتقه قربة ماء فقلت يا أمير المؤمنين إنه لا ينبغي لمثلك هذا فقال إنه لما أتتني الوفود سامعة مهادنة دخلت نفسي نخوة فأحببت أن أكسرها و مضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها . أبو سليمان الداراني من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة . يحيى بن معاذ التكبر على من تكبر عليك تواضع . بشر الحافي سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه بلغني أنك اشتريت خاتما و فصه بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم و أشبع به ألف بطن و اتخذ خاتما من درهمين و اجعل فصه حديدا صينيا و اكتب عليه رحم الله امرأ عرف قدره . قومت ثياب عمر بن عبد العزيز و هو يخطب أيام خلافته باثني عشر درهما و هي قباء و عمامة و قميص و سراويل و رداء و خفان و قلنسوة . و قال إبراهيم بن أدهم ما سررت قط سروري في أيام ثلاثة كنت في سفينة و فيها رجل مضحك كان يلعب لأهل السفينة فيقول كنا نأخذ العلج من بلاد الترك هكذا و يأخذ بشعر رأسي فيهزني فسرني ذلك لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر مني في عينه و كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن و قال اخرج فلم أطق فأخذ [ 198 ] برجلي و جرني إلى خارج المسجد و كنت بالشام و علي فرو فنظرت إليه فلم أميز بين الشعر و بين القمل لكثرته . عرض على بعض الأمراء مملوك بألوف من الدراهم فاستكثر الثمن فقال العبد اشترني يا مولاي ففي خصلة تساوي أكثر من هذا الثمن قال ما هي قال لو قدمتني على جميع مماليك و خولتني بكل مالك لم أغلظ في نفسي بل أعلم أني عبدك فاشتراه . تشاجر أبو ذر و بلال فعير أبو ذر بلالا بالسواد فشكاه إلى رسول الله ص فقال يا أبا ذر ما علمت أنه قد بقي في قلبك شي‏ء من كبر الجاهلية فألقى أبو ذر نفسه و حلف ألا يحمل رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه فما رفع رأسه حتى فعل بلال ذلك مر الحسن بن علي ع بصبيان يلعبون و بين أيديهم كسر خبز يأكلونها فدعوه فنزل و أكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم و كساهم و قال الفضل لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني و نحن نجد أكثر مما أطعمناهم . و منها مخالفة النفس و ذكر عيوبها و قد تقدم ذكر ذلك . و منها القناعة قال الله تعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قال كثير من المفسرين هي القناعة . و في الحديث النبوي و يقال إنه من كلام أمير المؤمنين ع القناعة كنز لا ينفد [ 199 ] و في الحديث النبوي أيضا كن ورعا تكن أعبد الناس و كن قنوعا تكن أشكر الناس و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا و أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما و أقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب . و كان يقال الفقراء أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة . و قال أبو سليمان الداراني القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد هذا أول الرضا و هذا أول الزهد . و قيل القناعة سكون النفس و عدم انزعاجها عند عدم المألوفات . و قيل في تفسير قوله تعالى لَيَرْزُقَنَّهُمُ اَللَّهُ رِزْقاً حَسَناً أنه القناعة . و قال أبو بكر المراغي العاقل من دبر أمر الدنيا بالقناعة و التسويف و أنكر أبو عبد الله بن خفيف فقال القناعة ترك التسويف بالمفقود و الاستغناء بالموجود . و كان يقال خرج العز و الغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا . و كان يقال من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرقة . مر أبو حازم الأعرج بقصاب فقال له خذ يا أبا حازم فقال ليس معي درهم قال أنا أنظرك قال نفسي أحسن نظرة لي منك . و قيل وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع العز في الطاعة و الذل في المعصية و الهيبة في قيام الليل و الحكمة في البطن الخالي و الغنى في القناعة . و كان يقال انتقم من فلان بالقناعة كما تنتقم من قاتلك بالقصاص . ذو النون المصري من قنع استراح من أهل زمانه و استطال على أقرانه . و أنشدوا و أحسن بالفتى من يوم عار ينال به الغنى كرم و جوع [ 200 ] و رأى رجل حكيما يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء فقال له لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا فقال و أنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان . و قيل العقاب عزيز في مطاره لا تسمو إليه مطامع الصيادين فإذا طمع في جيفة علقت على حباله نزل من مطاره فنشب في الأحبولة . و قيل لما نطق موسى بذكر الطمع فقال لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قال له الخضر هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ و فسر بعضهم قوله هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال مقاما في القناعة لا يبلغه أحد . و منها التوكل قال الله تعالى وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و قال سهل بن عبد الله أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء لا يكون له حركة و لا تدبير . و قال رجل لحاتم الأصم من أين تأكل فقال وَ لِلَّهِ خَزائِنُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لكِنَّ اَلْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ . و قال أصحاب هذا الشأن التوكل بالقلب و ليس ينافيه الحركة بالجسد بعد أن يتحقق العبد أن التقدير من الله فإن تعسر شي‏ء فبتقديره و أن تسهل فبتيسيره . [ 201 ] و في الخبر النبوي أنه ع قال للأعرابي الذي ترك ناقته مهملة فندت فلما قيل له قال توكلت فتركتها فقال ع اعقل و توكل . و قال ذو النون التوكل الانخلاع من الحول و القوة و ترك تدبير الأسباب و قال بعضهم التوكل رد العيش إلى يوم واحد بإسقاط هم غد . و قال أبو علي الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل و هو أدناها ثم التسليم ثم التفويض فالأولى للعوام و الثانية للخواص و الثالثة لخواص الخواص . جاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال فقال ارجع إلى بيتك فمن وجدت منهم ليس رزقه على الله فأخرجه من البيت . و قال سهل بن عبد الله من طعن في التوكل فقط طعن في الإيمان و من طعن في الحركة فقد طعن في السنة . و كان يقال المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يهتدي إلا إلى ربه . و رأى أبو سليمان الداراني رجلا بمكة لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم فمضت عليه أيام فقال له يوما أ رأيت لو غارت أي زمزم أي شي‏ء كنت تشرب فقام و قبل رأسه و قال جزاك الله خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ثم تركه و مضى . و قيل التوكل نفي الشكوك و التفويض إلى مالك الملوك . و دخل جماعة على الجنيد فقالوا نطلب الرزق قال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا فنسأل الله ذلك قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا لندخل البيت فنتوكل قال التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة . [ 202 ] و قيل التوكل الثقة بالله و اليأس عما في أيدي الناس . و منها الشكر و قد تقدم منا ذكر كثير مما قيل فيه . و منها اليقين و هو مقام جليل قال الله تعالى وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ و قال علي بن أبي طالب ع لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . و قال سهل بن عبد الله حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين و فيه شكوى إلى غير الله . و ذكر للنبي ص ما يقال عن عيسى ابن مريم ع أنه مشى على الماء فقال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء و في الخبر المرفوع عنه ص أنه قال لعبد الله بن مسعود لا ترضين أحدا بسخط الله و لا تحمدن أحدا على فضل الله و لا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله و اعلم أن الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يرده كراهة كاره و أن الله جعل الروح و الفرج في الرضا و اليقين و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط . و منها الصبر قال الله تعالى وَ اِصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ و قال علي ع الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . و سئل الفضيل عن الصبر قال تجرع المرارة من غير تعبيس . و قال رويم الصبر ترك الشكوى . [ 203 ] و قال علي ع الصبر مطية لا تكبو . وقف رجل على الشبلي فقال أي صبر أشد على الصابرين قال الشبلي الصبر في الله تعالى فقال لا قال فالصبر لله فقال لا قال فالصبر مع الله تعالى فقال لا قال فأي شي‏ء قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة عظيمة و وقع . و يقال إن الشبلي حبس في المارستان فدخل عليه قوم فقال من أنتم قالوا محبوك جئناك زائرين فرماهم بالحجارة فهربوا فقال لو كنتم أحباي لصبرتم على بلائي و جاء في بعض الأخبار عن الله تعالى بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي و قال عمر بن الخطاب لو كان الصبر و الشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت و في الحديث المرفوع الإيمان الصبر و السخاء و في الخبر العلم خليل المؤمن و الحلم وزيره و العقل دليله و العمل قائده و الرفق والده و البر أخوه و الصبر أمير جنوده قالوا فناهيك بشرف خصلة تتأمر على هذه الخصال و المعنى أن الثبات على هذه الخصال و استدامة التخلق بها إنما يكون بالصبر فلذلك كان أمير الجنود . و منها المراقبة جاء في الخبر عن النبي ص أن سائلا سأله عن الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . و هذه إشارة إلى حال المراقبة لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه فاستدامة العبد لهذا العلم مراقبة للحق و هو أصل كل خير و لا يكاد يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد فراغه عن المحاسبة فإذا حاسب نفسه على ما سلف و أصلح حاله في الوقت [ 204 ] و لازم طريق الحق و أحسن بينه و بين الله تعالى بمراعاة القلب و حفظ مع الله سبحانه الأنفاس راقبه تعالى في عموم أحواله فيعلم أنه تعالى رقيب عليه يعلم أحواله و يرى أفعاله و يسمع أقواله و من تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة . و يحكى أن ملكا كان يتحظى جارية له و كان لوزيره ميل باطن إليها فكان يسعى في مصالحها و يرجح جانبها على جانب غيرها من حظايا الملك و نسائه فاتفق أن عرض عليها الملك حجرين من الياقوت الأحمر أحدهما أنفس من الآخر بمحضر من وزيره فتحيرت أيهما تأخذ فأومأ الوزير بعينه إلى الحجر الأنفس و حانت من الملك التفاته فشاهد عين الوزير و هي مائلة إلى ذلك الجانب فبقي الوزير بعدها أربعين سنة لا يراه الملك قط إلا كاسرا عينه نحو الجانب الذي كان طرفه مائلا إليه ذلك اليوم أي كأن ذلك خلقة و هذا عزم قوي في المراقبة و مثله فليكن حال من يريد الوصول . و يحكى أيضا أن أميرا كان له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من مماليكه و لم يكن أكثرهم قيمة و لا أحسنهم صورة فقيل له في ذلك فأحب أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فكان يوما راكبا و معه حشمه و بالبعد منهم جبل عليه ثلج فنظر الأمير إلى الثلج و أطرق فركض الغلام فرسه و لم يعلم الغلمان لما ذا ركض فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء و معه شي‏ء من الثلج فقال الأمير ما أدراك أني أردت الثلج فقال إنك نظرت إليه و نظر السلطان إلى شي‏ء لا يكون إلا عن قصد فقال الأمير لغلمانه إنما أختصه بإكرامي و إقبالي لأن لكل واحد منكم شغلا و شغله مراعاة لحظاتي و مراقبة أحوالي . [ 205 ] و قال بعضهم من راقب الله في خواطره عصمه الله في جوارحه . و منها الرضا و هو أن يرضى العبد بالشدائد و المصائب التي يقضيها الله تعالى عليه و ليس المراد بالرضا رضا العبد بالمعاصي و الفواحش أو نسبتها إلى الرب تعالى عنها فإنه سبحانه لا يرضاها كما قال جل جلاله وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ اَلْكُفْرَ . و قال كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً . قال رويم الرضا أن لو أدخلك جهنم لما سخطت عليه . و قيل لبعضهم متى يكون العبد راضيا قال إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة . قال الشبلي مرة و الجنيد حاضر لا حول و لا قوة إلا بالله فقال الجنيد أرى أن قولك هذا ضيق صدر و ضيق الصدر يجي‏ء من ترك الرضا بالقضاء . و قال أبو سليمان الدارني الرضا ألا تسأل الله الجنة و لا تستعيذ به من النار . و قال تعالى فيمن سخط قسمته وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ . ثم نبه على ما حرموه من فضيلة الرضا فقال وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ سَيُؤْتِينَا اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اَللَّهِ راغِبُونَ و جواب لو هاهنا محذوف لفهم المخاطب و علمه به . [ 206 ] و في حذفه فائدة لطيفة و هو أن تقديره لرضي الله عنهم و لما كان رضاه عن عباده مقاما جليلا جدا حذف ذكره لان الذكر له لا ينبئ عن كنهه و حقيقة فضله فكان الإضراب عن ذكره أبلغ في تعظيم مقامه . و من الأخبار المرفوعة أنه ص قال اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء قالوا إنما قال بعد القضاء لأن الرضا قبل القضاء لا يتصور و إنما يتصور توطين النفس عليه و إنما يتحقق الرضا بالشي‏ء بعد وقوع ذلك الشي‏ء . و في الحديث أنه قال لابن عباس يوصيه اعمل لله باليقين و الرضا فإن لم يكن فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا و في الحديث أنه ص رأى رجلا من أصحابه و قد أجهده المرض و الحاجة فقال ما الذي بلغ بك ما أرى قال المرض و الحاجة قال أ و لا أعلمك كلاما إن أنت قلته أذهب الله عنك ما بك قال و الذي نفسي بيده ما يسرني بحظي منهما أن شهدت معك بدرا و الحديبية فقال ص و هل لأهل بدر و الحديبية ما للراضي و القانع . و قال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر و الرضا . قدم سعد بن أبي وقاص مكة بعد ما كف بصره فانثال الناس عليه يسألونه الدعاء لهم فقال له عبد الله بن السائب يا عم إنك تدعو للناس فيستجاب لك هلا دعوت أن يرد عليك بصرك فقال يا ابن أخي قضاء الله تعالى أحب إلي من بصري . عمر بن عبد العزيز أصبحت و ما لي سرور إلا في مواقع القدر . و كان يقال الرضا إطراح الاقتراح على العالم بالصلاح و كان يقال إذا كان القدر حقا كان سخطه حمقا . [ 207 ] و كان يقال من رضي حظي و من اطرح الاقتراح أفلح و استراح . و كان يقال كن بالرضا عاملا قبل أن تكون له معمولا و سر إليه عادلا و إلا سرت نحوه معدولا . و قيل للحسن من أين أتى الخلق قال من قلة الرضا عن الله فقيل و من أين دخلت عليهم قلة الرضا عن الله قال من قلة المعرفة بالله . و قال صاحب سلوان المطاع في الرضا يا مفزعي فيما يجي‏ء و راحمي فيما مضى عندي لما تقضيه ما يرضيك من حسن الرضا و من القطيعة أستعيذ مصرحا و معرضا و قال أيضا كن من مدبرك الحكيم علا و جل على وجل و ارض القضاء فإنه حتم أجل و له أجل و قال أيضا يا من يرى حالي و أن ليس لي في غير قربي منه أوطار و ليس لي ملتحد دونه و لا عليه لي أنصار حاشا لذاك العز و الفضل أن يهلك من أنت له جار و إن تشأ هلكي فهب لي رضا بكل ما تقضي و تختار [ 208 ] عندي لأحكامك يا مالكي قلب كما أنعمت صبار كل عذاب منك مستعذب ما لم يكن سخطك و النار و منها العبودية و هي أمر وراء العبادة معناها التعبد و التذلل قالوا العبادة للعوام من المؤمنين و العبودية للخواص من السالكين . و قال أبو علي الدقاق العبادة لمن له علم اليقين و العبودية لمن له عين اليقين . و سئل محمد بن خفيف متى تصح العبودية فقال إذا طرح كله على مولاه و صبر معه على بلواه . و قال بعضهم العبودية معانقة ما أمرت به و مفارقة ما زجرت عنه . و قيل العبودية أن تسلم إليه كلك و تحمل عليه كلك . و في الحديث المرفوع تعس عبد الدينار و تعس عبد الخبيصة . رأى أبو يزيد البسطامي رجلا فقال له ما حرفتك قال خربنده قال أمات الله حمارك لتكون عبدا لله لا عبدا للحمار . و كان ببغداد في رباط شيخ الشيوخ صوفي كبير اللحية جدا و كان مغرى و معنى بها أكثر زمانه يدهنها و يسرحها و يجعلها ليلا عند نومه في كيس فقام بعض المريدين إليه في الليل و هو نائم فقصها من الإذن إلى الإذن فأصبحت كالصريم و أصبح الصوفي شاكيا إلى شيخ الرباط فجمع الصوفية و سألهم فقال المريد أنا قصصتها قال و كيف فعلت ويلك ذلك قال أيها الشيخ إنها كانت صنمه و كان يعبدها من دون الله فأنكرت ذلك بقلبي و أردت أن أجعله عبدا لله لا عبدا للحية . [ 209 ] قالوا و ليس شي‏ء أشرف من العبودية و لا اسم أتم للمؤمن من اسمه بالعبودية و لذلك قال سبحانه في ذكر النبي ص ليلة المعراج و كان ذلك الوقت أشرف أوقاته في الدنيا سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً و قال تعالى فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ فلو كان اسم أجل من العبودية لسماه به . و أنشدوا لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي و منها الإرادة قال تعالى وَ لا تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . قالوا الإرادة هي بدء طريق السالكين و هي اسم لأول منازل القاصدين إلى الله و إنما سميت هذه الصفة إرادة لأن الإرادة مقدمة كل أمر فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله فلما كان هذا الشأن أول الأمر لمن يسلك طريق الله سمي إرادة تشبيها له بالقصد إلى الأمور التي هو مقدمتها . قالوا و المريد على موجب الاشتقاق من له إرادة و لكن المريد في هذا الاصطلاح من لا إرادة له فما لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا كما أن من لا إرادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريدا . و قد اختلفوا في العبارات الدالة على ماهية الإرادة في اصطلاحهم فقال بعضهم الإرادة ترك ما عليه العادة و عادة الناس في الغالب التعريج على أوطان الغفلة [ 210 ] و الركون إلى اتباع الشهوة و الإخلاد إلى ما دعت إليه المنية و المريد هو المنسلخ عن هذه الجملة . و قال بعضهم الإرادة نهوض القلب في طلب الرب و لهذا قيل إنها لوعة تهون كل روعة . و قال أبو علي الدقاق الإرادة لوعة في الفؤاد و لذعة في القلب و غرام في الضمير و انزعاج في الباطن و نيران تأجج في القلوب . و قال ممشاذ الدينوري مذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرا و ذلك أن فقيرا قدم علي فقال أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة فجرى على لساني إرادة و عصيدة فتأخر الفقير و لم أشعر فأمرت باتخاذ عصيدة و طلبته فلم أجده فتعرفت خبره فقيل إنه انصرف من فوره و هو يقول إرادة و عصيدة إرادة و عصيدة و هام على وجهه حتى خرج إلى البادية و هو يكرر هذه الكلمة فما زال يقول و يرددها حتى مات . و حكى بعضهم قال كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فصحت يا أنس كلموني يا جن كلموني فهتف هاتف أي شي‏ء ناديت فقلت الله فقال الهاتف كذبت لو أردته لما ناديت الإنس و لا الجن . فالمريد هو الذي لا يشغله عن الله شي‏ء و لا يفتر آناء الليل و أطراف النهار فهو في الظاهر بنعت المجاهدات و في الباطن بوصف المكابدات فارق الفراش و لازم الانكماش و تحمل المصاعب و ركب المتاعب و عالج الأخلاق و مارس المشاق و عانق الأهوال و فارق الأشكال فهو كما قيل ثم قطعت الليل في مهمه لا أسدا أخشى و لا ذيبا [ 211 ] يغلبني شوقي فأطوى السرى و لم يزل ذو الشوق مغلوبا و قيل من صفات المريدين التحبب إليه بالتوكل و الإخلاص في نصيحة الأمة و الأنس بالخلوة و الصبر على مقاساة الأحكام و الإيثار لأمره و الحياء من نظره و بذل المجهود في محبته و التعرض لكل سبب يوصل إليه و القناعة بالخمول و عدم الفرار من القلب إلى أن يصل إلى الرب . و قال بعضهم آفة المريد ثلاثة أشياء التزويج و كتبه الحديث و الأسفار . و قيل من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء نومه غلبة و أكله فاقة و كلامه ضرورة . و قال بعضهم نهاية الإرادة أن يشير إلى الله فيجده مع الإشارة فقيل له و أي شي‏ء يستوعب الإرادة فقال أن يجد الله بلا إشارة . و سئل الجنيد ما للمريدين و سماع القصص و الحكايات فقال الحكايات جند من جند الله تعالى يقوي بها قلوب المريدين فقيل له هل في ذلك شاهد فتلا قوله تعالى وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ اَلرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ . و قال أصحاب الطريقة بين المريد و المراد فرق فالمريد من سلك الرياضة طلبا للوصول و المراد من فاضت عليه العناية الإلهية ابتداء فكان مخطوبا لا خاطبا و بين الخاطب و المخطوب فرق عظيم . قالوا كان موسى ع مريدا قال رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و كان محمد ص مرادا قال له أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ و سئل الجنيد عن [ 212 ] المريد و المراد فقال المريد سائر و المراد طائر و متى يلحق السائر الطائر . أرسل ذو النون المصري رجلا إلى أبي يزيد و قال له إلى متى النوم و الراحة قد سارت القافلة فقال له أبو يزيد قل لأخي الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة فقال ذو النون هنيئا له هذا الكلام لا تبلغه أحوالنا . و قد تكلم الحكماء في هذا المقام فقال أبو علي بن سينا في كتاب الإشارات أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة و هو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد . ثم إنه ليحتاج إلى الرياضة و الرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض الأول تنحيه ما دون الحق عن سنن الإيثار . و الثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل و الوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة من التوهمات المناسبة للأمر السفلي . و الثالث تلطيف السر لنفسه . فالأول يعين عليه الزهد الحقيقي و الثاني يعين عليه عدة أشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكي بعبارة بليغة و نغمة رخيمة و سمت رشيد و الثالث يعين عليه الفكر اللطيف و العشق العفيف الذي تتأمر فيه شمائل المعشوق دون سلطان الشهوة . [ 213 ] و منها الاستقامة و حقيقتها الدوام و الاستمرار على الحال قال تعالى إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا . و سئل بعضهم عن تارك الاستقامة فقال قد ذكر الله ذلك في كتابه فقال وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً و في الحديث المرفوع شيبتني هود فقيل له في ذلك فقال قوله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . و قال تعالى وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً فلم يقل سقيناهم بل أسقيناهم أي جعلنا لهم سقيا دائمة و ذلك لأن من دام على الخدمة دامت عليه النعمة . و منها الإخلاص و هو إفراد الحق خاصة في الطاعة بالقصد و التقرب إليه بذلك خاصة من غير رياء و من غير أن يمازحه شي‏ء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة بين الناس أو محبة مدح أو معنى من المعاني و لذلك قال أرباب هذا الفن الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين . و قال الخواص من هؤلاء القوم نقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه فإذا أراد الله أن يخلص إخلاص عبد أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا . و جاء في الأثر عن مكحول ما أخلص عبد لله أربعين صباحا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . [ 214 ] و منها الصدق و يطلق على معنيين تجنب الكذب و تجنب الرياء و قد تقدم القول فيهما . و منها الحياء و في الحديث الصحيح إذا لم تستحي فاصنع ما شئت و في الحديث أيضا الحياء من الإيمان و قال تعالى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللَّهَ يَرى‏ قالوا معناه أ لم يستحي . و في الحديث أنه قال لأصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحيي و نحمد الله قال ليس كذلك من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس و ما وعى و البطن و ما حوى و ليذكر الموت و طول البلى و ليترك زينة الحياة الدنيا فمن يعمل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء . و قال ابن عطاء العلم الأكبر الهيبة و الحياء فإذا ذهبا لم يبق خير . و قال ذو النون الحب ينطق و الحياء يسكت و الخوف يقلق . و قال السري الحياء و الأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد و الورع حطا و إلا رحلا . و كان يقال تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين حتى رق الدين ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فنيت المروءة ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قل الحياء ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة و الرهبة [ 215 ] و قال الفضيل خمس من علامات الشقاء القسوة في القلب و جمود العين و قلة الحياء و الرغبة في الدنيا و طول الأمل . و فسر بعضهم قوله تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ أنها كان لها صنم في زاوية البيت فمضت فألقت على وجهه ثوبا فقال يوسف ما هذا قالت أستحيي منه قال فأنا أولى أن أستحيي من الله . و في بعض الكتب القديمة ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده و يعصيني و أنا أراه فلا يستحيي مني و منها الحرية و هو ألا يكون الإنسان بقلبه رق شي‏ء من المخلوقات لا من أغراض الدنيا و لا من أغراض الآخرة فيكون فردا لفرد لا يسترقه عاجل دنيا و لا آجل منى و لا حاصل هوى و لا سؤال و لا قصد و لا أرب . قال له ص بعض أصحاب الصفة قد عزفت نفسي يا رسول الله عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها و حجرها قال صرت حرا . و كان بعضهم يقول لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت أ تمنى على الزمان محالا أن ترى مقلتاي طلعة حر و سئل الجنيد عمن لم يبق له من الدنيا إلا مقدار مص نواه فقال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . و منها الذكر قال الله تعالى يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [ 216 ] و روى أبو الدرداء أن رسول الله ص قال أ لا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند خالقكم و أرفعها في درجاتكم و خير من إعطائكم الذهب و الفضة في سبيل الله و من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم قالوا ما ذلك يا رسول الله قال ذكر الله و في الحديث المرفوع لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله . و قال أبو علي الدقاق الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فقد أعطي المنشور و من سلب الذكر فقد عزل . و قيل ذكر الله تعالى بالقلب سيف المريدين به يقاتلون أعداءهم و به يدفعون الآفات التي تقصدهم و أن البلاء إذا أظل العبد ففزع بقلبه إلى الله حاد عنه كل ما يكرهه . و في الخبر المرفوع إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها قيل و ما رياض الجنة قال مجالس الذكر و في الخبر المرفوع أنا جليس من ذكرني . و سمع الشبلي و هو ينشد ذكرتك لا أني نسيتك لمحة و أيسر ما في الذكر ذكر لساني فكدت بلا وجد أموت من الهوى و هام على القلب بالخفقان فلما أراني الوجد أنك حاضري شهدتك موجودا بكل مكان فخاطبت موجودا بغير تكلم و لاحظت معلوما بغير عيان [ 217 ] و منها الفتوة قال سبحانه مخبرا عن أصحاب الأصنام قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ . و قال تعالى في أصحاب الكهف إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً . و قد اختلفوا في التعبير عن الفتوة ما هي فقال بعضهم الفتوة ألا ترى لنفسك فضلا على غيرك . و قال بعضهم الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان . و قالوا إنما هتف الملك يوم أحد بقوله لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي لأنه كسر الأصنام فسمي بما سمي به أبوه إبراهيم الخليل حين كسرها و جعلها جذاذا . قالوا و صنم كل إنسان نفسه فمن خالف هواه فقد كسر صنمه فاستحق أن يطلق عليها لفظ الفتوة . و قال الحارث المحاسبي الفتوة أن تنصف و لا تنتصف . و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سئل أبي عن الفتوة فقال ترك ما تهوى لما تخشى . و قيل الفتوة ألا تدخر و لا تعتذر . سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد الصادق ع عن الفتوة فقال ما تقول أنت قال إن أعطينا شكرنا و إن منعنا صبرنا قال إن الكلاب عندنا بالمدينة هذا شأنها و لكن قل إن أعطينا آثرنا و إن منعنا شكرنا . [ 218 ] و منها الفراسة قيل في تفسير قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي للمتفرسين و قال النبي ص اتقوا فراسة المؤمن فإنها لا تخطئ قيل الفراسة سواطع أنوار لمعت في القلوب حتى شهدت الأشياء من حيث أشهدها الحق إياها و كل من كان أقوى إيمانا كان أشد فراسة . و كان يقال إذا صحت الفراسة ارتقى منها صاحبها إلى المشاهدة . و منها حسن الخلق و هو من صفات العارفين فقد أثنى الله تعالى به على نبيه فقال وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ و قيل له ص أي المؤمنين أفضل إيمانا فقال أحسنهم خلقا و بالخلق تظهر جواهر الرجال و الإنسان مستور بخلقه مشهور بخلقه . و قال بعضهم حسن الخلق استصغار ما منك و استعظام ما إليك . و قال النبي ص إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم . قيل لذي النون من أكبر الناس هما قال أسوؤهم خلقا . و كان يقال ما تخلق أحد أربعين صباحا بخلق إلا صار ذلك طبيعة فيه . قال الحسن في قوله تعالى وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي و خلقك فحسن . شتم رجل الأحنف بن قيس و جعل يتبعه و يشتمه فلما قرب الحي وقف و قال يا فتى إن كان قد بقي في قلبك شي‏ء فقله كيلا يسمعك سفهاء الحي فيجيبوك . [ 219 ] و يقال إن معروفا الكرخي نزل دجلة ليسبح و وضع ثيابه و مصحفه فجاءت امرأة فاحتملتهما فتبعها و قال أنا معروف الكرخي فلا بأس عليك أ لك ابن يقرأ قالت لا قال أ فلك بعل قالت لا قال فهاتي المصحف و خذي الثياب . قيل لبعضهم ما أدب الخلق قال ما أدب الله به نبيه في قوله خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ يقال إن في بعض كتب النبوات القديمة يا عبدي اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب . قالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي فقال لقد وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة . قال بعضهم و قد سئل عن غلام سوء له لم يمسكه قال أ تعلم عليه الحلم . و كان يقال ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة الحليم عند الغضب و الشجاع عند الحرب و الصديق عند الحاجة إليه . و قيل في تفسير قوله تعالى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً الظاهرة تسوية الخلق و الباطنة تصفية الخلق . الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق . خرج إبراهيم بن أدهم إلى بعض البراري فاستقبله جندي فسأله أين العمران فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فشجه و أدماه فلما جاوزه قيل له إن ذلك إبراهيم بن أدهم [ 220 ] زاهد خراسان فرد إليه يعتذر فقال إبراهيم إنك لما ضربتني سألت الله لك الجنة . قال لم سألت ذلك قال علمت أني أوجر على ضربك لي فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير و نصيبك مني الشر . و قال بعض أصحاب الجنيد قدمت من مكة فبدأت بالشيخ كي لا يتعنى إلي فسلمت عليه ثم مضيت إلى منزلي فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف فقلت إنما جئتك أمس لئلا تتعنى فقال ذلك فضلك و هذا حقك . كان أبو ذر على حوض يسقي إبله فزاحمه إنسان فكسر الحوض فجلس أبو ذر ثم اضطجع فقيل له في ذلك فقال أمرنا رسول الله ص إذا غضب الرجل و هو قائم فليجلس فإن ذهب عنه و إلا فليضطجع . دعا إنسان بعض مشاهير الصوفية إلى ضيافة فلما حضر باب داره رده و اعتذر إليه ثم فعل به مثل ذلك و ثانية و ثالثة و الصوفي لا يغضب و لا يضجر فمدحه ذلك الإنسان و أثنى عليه بحسن الخلق فقال إنما تمدحني على خلق تجد مثله في الكلب إن دعوته حضر و إن زجرته انزجر . مر بعضهم وقت الهاجرة بسكة فألقى عليه من سطح طست رماد فغضب من كان في صحبته فقال لا تغضبوا من استحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم تجز له أن يغضب . كان لبغض الخياطين جار يدفع إليه ثيابا فيخيطها و يدفع إليه أجرتها دراهم زيوفا فيأخذها فقام يوما من حانوته و استخلف ولده فجاء الجار بالدراهم الزائفة فدفعها إلى الولد فلم يقبلها فأبدلها بدراهم جيدة فلما جاء أبوه دفع إليه الدراهم فقال ويحك هل جرى بينك و بينه أمر قال نعم إنه أحضر الدراهم زيوفا فرددتها فأحضر هذه [ 221 ] فقال بئس ما صنعت إنه منذ كذا و كذا سنة يعاملني بالزائف و أصبر عليه و ألقيها في بئر كي لا يغر غيري بها و قيل الخلق السيئ هو أن يضيق قلب الإنسان عن أن يتسع لغير ما تحبه النفس و تؤثره كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه . و كان يقال من سوء الخلق أن تقف على سوء خلق غيرك و تعيبه به . قيل لرسول الله ادع الله على المشركين فقال إنما بعثت رحمة و لم أبعث عذابا دعا علي ع غلاما له مرارا و هو لا يجيبه فقام إليه فقال أ لا تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك على ترك الجواب قال أمني لعقوبتك قال اذهب فأنت حر . و منها الكتمان قال رسول الله ص استعينوا على أموركم بالكتمان . و قال السري علامة الحب الصبر و الكتمان و من باح بسرنا فليس منا . و قال الشاعر كتمت حبك حتى منك تكرمة ثم استوى فيك إسراري و إعلاني كأنه غاض حتى فاض عن جسدي فصار سقمي به في جسم كتماني و هذا ضد ما يذهب إليه القوم من الكتمان و هو عذر لأصحاب السر و الإعلان و كان يقال المحبة فاضحة و الدمع نمام . و قال الشاعر لا جزى الله دمع عيني خيرا و جزى الله كل خير لساني [ 222 ] فاض دمعي فليس يكتم شيئا و وجدت اللسان ذا كتمان يقال إن بعض العارفين أوصى تلميذه بكتمان ما يطلع عليه من الحال فلما شاهد الأمر غلب فكان يطلع في بئر في موضع خال فيحدثها بما يشاهد فنبتت في تلك البئر شجرة سمع منها صوت يحكي كلام ذلك التلميذ كما يحكي الصدا كلام المتكلم فأسقط بذلك من ديوان الأولياء . و أنشدوا أبدا تحن إليكم الأرواح و وصالكم ريحانها و الراح و قلوب أهل ودادكم تشتاقكم و إلى لقاء جمالكم ترتاح وا رحمة للعاشقين تحملوا ثقل المحبة و الهوى فضاح بالسر إن باحوا تباح دماؤهم و كذا دماء البائحين تباح و قال الحسين بن منصور الحلاج إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتننا و قد تقدمني فيه أبو حسن إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا يا رب مكنون علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا و لاستحل رجال صالحون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا و منها الجود و السخاء و الإيثار قال الله تعالى وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ و قال النبي ص السخي قريب من الله قريب من الناس [ 223 ] و البخيل بعيد من الله بعيد من الناس و أن الجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل . قالوا لا فرق بين الجود و السخاء في اصطلاح أهل العربية إلا أن الباري سبحانه لا يوصف بالسخاء لأنه يشعر بسماح النفس عقيب التردد في ذلك و أما في اصطلاح أرباب هذه الطريقة فالسخاء هو الرتبة الأولى و الجود بعده ثم الإيثار فمن أعطى البعض و أبقى البعض فهو صاحب السخاء و من أعطى الأكثر و أبقى لنفسه شيئا فهو صاحب الجود و الذي قاسى الضراء و آثر غيره بالبلغة فهو صاحب الإيثار . قال أسماء بن خارجة الفزاري ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبها إن كان كريما صنت عرضه عن الناس و إن كان لئيما صنت عنه عرضي . كان مؤرق العجلي يتلطف في بر إخوانه يضع عندهم ألف درهم و يقول أمسكوها حتى أعود إليكم ثم يرسل إليهم أنتم منها في حل . و كان يقال الجود إجابة الخاطر الأول . و كان أبو الحسن البوشنجي في الخلاء فدعا تلميذا له فقال انزع عني هذا القميص و ادفعه إلى فلان فقيل له هلا صبرت فقال لم آمن على نفسي أن تغير علي ما وقع لي من التخلق معه بالقميص . رئي علي ع يوما باكيا فقيل له لم تبكي فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني . أضاف عبد الله بن عامر رجلا فأحسن قراه فلما أراد أن يرتحل لم يعنه غلمانه فسئل عن ذلك فقال إنهم إنما يعينون من نزل علينا لا من ارتحل عنا . و منها الغيرة قال رسول الله ص لا أحد أغير من الله إنما حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن لغيرته [ 224 ] و في حديث أبي هريرة أن الله ليغار و أن المؤمن ليغار قال و الغيرة هي كراهية المشاركة فيما هو حقك . و قيل الغيرة الأنفة و الحمية . و حكي عن السري أنه قرئ بين يديه وَ إِذا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً فقال لأصحابه أ تدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة و لا أحد أغير من الله . قالوا و معنى حجاب الغيرة أنه لما أصر الكافرون على الجحود عاقبهم بأن لم يجعلهم أهلا لمعرفة أسرار القرآن . و قال أبو علي الدقاق إن أصحاب الكسل عن عبادته هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لهم البعد و أخرهم عن محل القرب و لذلك تأخروا . و في معناه أنشدوا فقالوا أنا صب بمن هويت و لكن ما احتيالي في سوء رأي الموالي و في معناه قالوا سقيم لا يعاد و مريد لا يراد . و كان أبو علي الدقاق إذا وقع شي‏ء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول هذا من غيرة الحق يريد به ألا يتم ما أملناه من صفاء هذا الوقت . و أنشدوا في معناه همت بإتياننا حتى إذا نظرت إلى المرأة نهانا وجهها الحسن و قيل لبعضهم أ تريد أن تراه قال لا قيل لم قال أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي و في معناه أنشدوا إني لأحسد ناظري عليك حتى أغض إذا نظرت إليك [ 225 ] و أراك تخطر في شمائلك التي هي فتنتي فأغار منك عليكا و سئل الشبلي متى تستريح قال إذا لم أر له ذاكرا . و قال أبو علي الدقاق في قول النبي ص عند مبايعته فرسا من أعرابي و أنه استقاله فأقاله فقال الأعرابي عمرك الله فمن أنت قال ص أنا امرؤ من قريش فقال بعض الصحابة من الحاضرين للأعرابي كفاك جفاء ألا تعرف نبيك فكان أبو علي يقول إنما قال امرؤ من قريش غيرة و نوعا من الأنفة و إلا فقد كان الواجب عليه أن يتعرف لكل أحد أنه من هو لكن الله سبحانه أجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي بقوله كفاك جفاء ألا تعرف نبيك . و قال أصحاب الطريقة مساكنة أحد من الخلق للحق في قلبك توجب الغيرة منه تعالى . أذن الشبلي مرة فلما انتهى إلى الشهادتين قال و حقك لو لا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك . و سمع رجل رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله عن هذا . و كان بعض العارفين يقول لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من قرط الأذن . و قيل لأبي الفتوح السهروردي و قد أخذ بحلب ليصلب على خشبة ما الذي أباحهم هذا منك قال إن هؤلاء دعوني إلى أن أجعل محمدا شريكا لله في الربوبية فلم أفعل فقتلوني . [ 226 ] و منها التفويض قال الله تعالى وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فاستوقف من عقل أمره عن الاقتراح عليه و أفهمه ما يرضاه به من التفويض إليه فالعاقل تارك للاقتراح على العالم بالصلاح . و قال تعالى فَعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً فبعث على تأكيد الرجاء بقوله خَيْراً كَثِيراً . و لما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله فَوَقاهُ اَللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذابِ كما ورد في الكتاب العزيز . و حقيقة التفويض هي التسليم لأحكام الحق سبحانه و إلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اَللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ فأس التفويض و الباعث عليه هو اعتقاد العجز عن مغالبة القدر و أنه لا يكون في الخير و الشر أعني الرخص و الصحة و سعة الرزق و البلايا و الأمراض و العلل و ضيق الرزق إلا ما أراد الله تعالى كونه و لا يصح التفويض ممن لم يعتقد ذلك و لم يعلمه علم اليقين . و قد بالغ النبي ص في التصريح به و النص عليه بقوله لعبد الله بن مسعود ليقل همك ما قدر أتاك و ما لم يقدر لم يأتك و لو جهد الخلق أن ينفعوك بشي‏ء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه و لو جهدوا أن يضروك بشي‏ء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك [ 227 ] و في صحيح مسلم بن الحجاج أنه قال لأبي هريرة في كلام له فإن أصابك شي‏ء فلا تقل لو فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان و لكن قل ما قدر الله و ما شاء فعل و في صحيح مسلم أيضا عن البراء بن عازب إذا أخذت مضجعك فقل كذا إلى أن قال وجهت وجهي إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك لا منجى و لا ملجأ منك إلا إليك . و كان يقال معارضة المريض طبيبه توجب تعذيبه و كان يقال إنما الكيس الماهر من أمسى في قبضة القاهر . و كان يقال إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فما من أعوان تقوده إلى الحيلة . و كان يقال إذا التبست المصادر ففوض إلى القادر . و كان يقال من الدلالة على أن الإنسان مصرف مغلوب و مدبر مربوب أن يتبلد رأيه في بعض الخطوب و يعمى عليه الصواب المطلوب . و إذا كان كذلك فربما كان تدميره في تدبيره و اغتياله من احتياله و هلكته من حركته . و في ذلك أنشدوا أيا من يعول في المشكلات على ما رآه و ما دبره إذا أعضل الأمر فافزع به إلى من يرى منه ما لم تره تكن بين عطف يقيل الخطوب و لطف يهون ما قدره إذا كنت تجهل عقبى الأمور و ما لك حول و لا مقدره فلم ذا العنا و علام الأسى و مم الحذار و فيم الشره [ 228 ] و أنشدوا في هذا المعنى يا رب مغتبط و مغبوط بأمر فيه هلكه و منافس في ملك ما يشقيه في الدارين ملكه علم العواقب دونه ستر و ليس يرام هتكه و معارض الأقدار بالآراء سيئ الحال ضنكه فكن امرأ محض اليقين و زيف الشبهات سبكه تفويضه توحيده و عناده المقدار شركه و منها الولاية و المعرفة و قد تقدم القول فيهما . و منها الدعاء و المناجاة قال الله تعالى اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و في الحديث المرفوع الدعاء مخ العبادة . و قد اختلف أرباب هذا الشأن في الدعاء فقال قوم الدعاء مفتاح الحاجة و مستروح أصحاب الفاقات و ملجأ المضطرين و متنفس ذوي المآرب . و قد ذم الله تعالى قوما فقال وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ فسروه و قالوا لا يمدونها إليه في السؤال . و قال سهل بن عبد الله التستري خلق الله الخلق و قال تاجروا في فإن لم تفعلوا فاسمعوا مني فإن لم تفعلوا فكونوا ببابي فإن لم تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي . قالوا و قد أثنى الله على نفسه فقال أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ قالوا الدعاء إظهار فاقة العبودية . [ 229 ] و قال أبو حاتم الأعرج لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة . و قال قوم بل السكوت و الخمود تحت جريان الحكم و الرضا بما سبق من اختيار الحكيم العالم بالمصالح أولى و لهذا قال الواسطي اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت . و قال النبي ص إخبارا عن الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . و قال قوم يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه و صاحب رضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا . و قال قوم إن الأوقات تختلف ففي بعض الأحوال يكون الدعاء أفضل من السكوت و في بعض الأحوال يكون بالعكس و إنما يعرف هذا في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت فإذا وجد في قلبه الإشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى و إن وجد بقلبه الإشارة إلى السكوت فالسكوت له أتم و أولى . و جاء في الخبر أن الله يبغض العبد فيسرع إجابته بغضا لسماع صوته و أنه يحب العبد فيؤخر إجابته حبا لسماع صوته . و من أدب الدعاء حضور القلب فقد روي عنه ص أن الله لا يستجيب دعاء قلب لاه . و من شروط الإجابة طيب الطعمة و حل المكسب قال ص لسعد بن أبي وقاص أطب كسبك تستجب دعوتك . [ 230 ] و ينبغي أن يكون الدعاء بعد المعرفة قيل لجعفر بن محمد الصادق ع ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال لأنكم تدعون من لا تعرفونه . كان صالح المري يقول كثيرا ادعوا فمن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له فقالت له رابعة العدوية ما ذا تقول أغلق هذا الباب حتى يستفتح فقال صالح شيخ جهل و امرأة علمت . و قيل فائدة الدعاء إظهار الفاقة من الخلق و إلا فالرب يفعل ما يشاء . و قيل دعاء العامة بالأقوال و دعاء العابد بالأفعال و دعاء العارف بالأحوال . و قيل خير الدعاء ما هيجه الأحزان و الوجد . و قيل أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الاضطرار لقوله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ . قال أصحاب هذه الطريقة ألسنة المبتدءين أرباب الإرادة منطلقة بالدعاء و ألسنة المحققين الواصلين قد خرست عن ذلك . و كان عبد الله بن المبارك يقول ما دعوته منذ خمسين سنة و لا أريد أن يدعو لي أحد . و قيل الدعاء سلم المذنبين . و قال من قال بنقيض هذا الدعاء مراسلة و ما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد . و قالوا ألسنة المذنبين دموعهم . و كان أبو علي الدقاق يقول إذا بكى المذنب فقد راسل الله . و في معناه أنشدوا دموع الفتى عما يجن تترجم و أنفاسه تبدين ما القلب يكتم [ 231 ] و قال بعضهم لبعض العارفين ادع لي فقال كفاك من الإجابة ألا تجعل بينك و بينه واسطة . و منها التأسي قال سبحانه لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي في مصابه و ما نيل منه في نفسه و في أهله يوم أحد فلا تجزعوا أن أصيب بعضكم . و جاء في الحديث المرفوع لا تنظروا إلى من فوقكم و انظروا إلى من دونكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعم الله عليكم . و قالت الخنساء ترثى أخاها و لو لا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي و ما يبكون مثل أخي و لكن أعزي النفس عنه بالتأسي و حقيقة التأسي تهوين المصائب و النوائب على النفس بالنظر إلى ما أصاب أمثالك و من هو أرفع محلا منك . و قد فسر العلماء قوله تعالى وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ قال إنه لا يهون على أحد من أهل النار عذابه و إن تأسى بغيره من المعذبين لأن الله تعالى جعل لهم التأسي نافعا في الدنيا و لم يجعله نافعا لأهل النار مبالغة في تعذيبهم و نفيا لراحة تصل إليهم . [ 232 ] و منها الفقر و هو شعار الصالحين قال رسول الله ص اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني مع المساكين . قال لعلي ع إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بأحسن منها وهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا و يرضون بك إماما . و جاء في الخبر المرفوع الفقراء الصبر جلساء الله يوم القيامة . و سئل يحيى بن معاذ عن الفقر فقال ألا تستغني إلا بالله . و قال أبو الدرداء لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحب إلي من مجالسة الغني لأني سمعت رسول الله ص يقول إياكم و مجالسة الموتى فقيل له و ما الموتى قال الأغنياء . قيل للربيع بن خثيم قد غلا السعر قال نحن أهون على الله من أن يجيعنا إنما يجيع أولياءه . و قيل ليحيى بن معاذ ما الفقر قال خوف الفقر . و قال الشبلي أدنى علامات الفقير أن لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد ثم خطر بباله لو أمسكت منها قوت يوم آخر لم يصدق في فقره . سئل ابن الجلاء عن الفقر فسكت ثم ذهب قليلا و عاد فقال كانت عندي أربعة دوانيق فضة فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر و هي عندي فذهبت فأخرجتها ثم قعد فتكلم في الفقر . و قال أبو علي الدقاق في تفسير قوله ص من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه إن المرء بقلبه و لسانه و جوارحه فمن تواضع لغني بلسانه و جوارحه ذهب ثلثا دينه فإن تواضع له مع ذلك بقلبه ذهب دينه كله . [ 233 ] و منها الأدب قالوا في تفسير قوله تعالى ما زاغَ اَلْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ حفظ أدب الحضرة . قيل إنه ع لم يمد نظره فوق المقام الذي أوصل إليه ليلة شاهد السدرة و هي أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه البشريون . و في الحديث المرفوع أدبني ربي فأحسن تأديبي و قيل إن الجنيد لم يمد رجله في الخلوة عشرين سنة و كان يقول الأدب مع الله أولى من الأدب مع الخلق . و قال أبو علي الدقاق من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل . و من كلامه ع ترك الأدب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب و من أساء الأدب على الباب رد إلى ساحة الدواب . و قال عبد الله بن المبارك قد أكثر الناس في الأدب و عندي أن الأدب معرفة الإنسان بنفسه . و قال الثوري من لم يتأدب للوقت فوقته مقت . و قال أبو علي الدقاق في قوله تعالى حكاية عن أيوب إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ قال لم يقل فارحمني لأنه حفظ آداب الخطاب و كذلك قال في قول عيسى إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ قال لم يقل لم أقل رعاية لأدب الحضرة . [ 234 ] و منها المحبة و هي مقام جليل قالوا المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شي‏ء . قيل لبعض العرب ما وجدت من حب فلانة قال أرى القمر على جدارها أحسن منه على جدران الناس . و قال أبو عبد الرحمن السلمي المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبه غيرك . و قال النصرآباذي المحبة نوعان نوع يوجب حقن الدماء و نوع يوجب سفك الدماء . و قال يحيى بن معاذ المحبة الخالصة ألا تنقص بالجفاء و لا تزيد بالبر . و قيل للنصرآباذي كيف حالك في المحبة قال عدمت وصال المحبين و رزقت حسراتهم فهو ذا أنا أحترق فيها ثم قال المحبة مجانبة السلو على كل حال . و أنشدوا و من كان في طول الهوى ذاق سلوة فإني من ليلى لها غير ذائق و أكثر شي‏ء نلته من وصالها أماني لم تصدق كلمحة بارق و جاء في الحديث المرفوع المرء مع من أحب و لما سمع سمنون هذا الخبر قال فاز المحبون بشرف الدنيا و الآخرة لأنهم مع الله تعالى . و في الحديث المرفوع لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله و هذا يتجاوز حد الجلالة و الشرف . و كان يقال الحب أوله ختل و آخره قتل . قيل كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد سكرت من كثرة ما شربت من محبته فكتب إليه أبو زيد غيرك شرب بحور السموات و الأرض و ما روي بعد و لسانه خارج و هو يقول هل من مزيد . [ 235 ] و أنشد عجبت لمن يقول ذكرت حبي و هل أنسى فأذكر ما نسيت شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب و لا رويت و قيل المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف . و أنشدوا فأسكر القوم دور كأس و كان سكري من المدير و منها الشوق جاء في الخبر المرفوع أن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي و سلمان و عمار . الشوق مرتبة من مراتب القوم و مقام من مقاماتهم سئل ابن عطاء الشوق أعلى أم المحبة فقال المحبة لأن الشوق منها يتولد . و من الأدعية النبوية المأثورة الدعاء الذي كان يدعو به عمار بن ياسر رضي الله عنه اللهم بعلمك بالغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الغنى و الفقر و أسألك نعيما لا يبيد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بعد القضاء و برد العيش بعد الموت و أسألك النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين . قالوا الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب و على قدر المحبة يكون الشوق و علامة الشوق حب الموت . [ 236 ] و هذا هو السر في قوله تعالى فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي أن من كان صاحب محبة يتمنى لقاء محبوبه فمن لا يتمنى ذلك لا يكون صادق المحبة . قيل لبعض الصوفية هل تشتاق إليه فقال إنما الشوق إلى غائب و هو حاضر لا يغيب . و قالوا في قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ إنه تطيب لقلوب المشتاقين . و يقال إنه مكتوب في بعض كتب النبوات القديمة شوقناكم فلم تشتاقوا و زمرنا لكم فلم ترقصوا و خوفناكم فلم ترهبوا و نحنا لكم فلم تحزنوا و قيل إن شعيبا بكى حتى عمي فرد الله إليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد عليه بصره ثم كذلك ثلاثا فقال الله تعالى إن كان هذا البكاء شوقا إلى الجنة فقد أبحتها لك و إن كان خوفا من النار فقد أجرتك منها فقال و حقك لا هذا و لا هذا و لكن شوقا إليك فقال له لأجل ذلك أخدمتك نبيي و كليمي عشر سنين . و منها الزهد و رفض الدنيا قال سبحانه وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا و جاء في الخبر أن يوسف ع كان يجوع في سني الجدب فقيل له أ تجوع و أنت على خزائن مصر فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع و كذلك قال علي ع و قد قيل له أ هذا لباسك و هذا مأكولك و أنت أمير [ 237 ] المؤمنين فقال نعم إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم كضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره . و منع عمر بن الخطاب نفسه عام الرمادة الدسم و قال لا آكله حتى يصيبه المسلمون جميعا . و كان عمر بن عبد العزيز من أكثر الناس تنعما قبل أن يلي الخلافة قومت ثيابه حينئذ بألف دينار و قومت و هو يخطب الناس أيام خلافته بثلاثة دراهم . و اعلم أن بعض هذه المراتب و المقامات التي ذكرناها للقوم قد يكون متداخلا في الظاهر و له في الباطن عندهم فرق يعرفه من يأنس بكتبهم و قد أتينا في تقسيم مراتبهم و تفصيل مقاماتهم في هذا الفصل بما فيه كفاية