و من خطبة له ع و فيها ينهى عن الغدر و يحذر منه

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

و من خطبة له عليه السلام و هى الاحدى و الاربعون من المختار فى باب الخطب و قد رواها المحدّث المجلسى في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة قال : و من خطبه عليه السّلام الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل ، فانّه لا ينجو من الموت من خافه و لا يعطى البقاء من أحبه ألا و [ 189 ] إنّ الوفاء توأم الصّدق ، و لا أعلم جنّة أوقى منه ، و لا يغدر من علم كيف المرجع ، و لقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا ، و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، ما لهم قاتلهم اللّه قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه ، فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها ، و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين . اللغة ( التوأم ) معروف يقال هذا توأم هذا و هذه توأم هذه و هما توأمان و ( الجنّة ) بالضم الترس و ( المرجع ) اسم مكان أو مصدر و الموجود في اكثر النّسخ بفتح الجيم و في بعضها بالكسر ، و الظاهر أنّه الصّحيح ، قال الفيروزآبادى : رجع يرجع رجوعا و مرجعا كمنزل و مرجعة شاذّان ، لأنّ المصادر من فعل يفعل إنّما تكون بالفتح و ( الكيس ) وزان فلس مصدر من كاس كيسا و هو الفطنة و العقل و ( الحوّل القلّب ) البصير بتقليب الامور و تحويلها و ( الرّاى ) مصدر كالرّؤية و ( الانتهاز ) المبادرة يقال انتهز الفرصة اغتنمها و بادر إليها و ( الحريجة ) التّحرج ، و التّأثمّ ، اى التحرّز من الحرج و الاثم ، قال الفيومي تحرّج الانسان تحرّجا هذا ممّا ورد لفظه مخالفا لمعناه و المراد فعل فعلا جانب به الحرج كما يقال ، تحنّث إذا فعل ما يخرج به عن الحنث ، قال ابن الاعرابي : للعرب أفعال تخالف معانيها ألفاظها يقال تحرّج و تحنّث و تأثمّ و تهجّد إذا ترك الهجود . الاعراب قوله : كيف المرجع كيف اسم استفهام مبنيّ على الفتح و هو في محلّ رفع على الخبرّية ، و المرجع مبتداء مؤخر و الجملة في موضع نصب بعلم و هي معلّقة عنها العامل لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، و ما لهم استفهام انكاريّ ، و جملة [ 190 ] قاتلهم اللّه دعائية لا محلّ لها من الاعراب ، و جملة و دونه مانع حالية ، و انتصاب رأى عين على حذف المضاف لدى بعد رايه أو مع رايه بعين و يحتمل أن يكون حالا أى يتركها حالكونها مرئية بعين ، و جملة و ينتهز فرصتها استينافية لا محلّ لها من الاعراب ، و من الموصولة فاعل ينتهز . المعنى اعلم انّ الوفاء و الصّدق من جنود العقل كما أنّ الغدر و الكذب من جنود الجهل على ما ورد في رواية الكافي باسناده عن ابن مهران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، و تقابل الأوّلين مع الآخرين تقابل العدم و الملكة ، لأنّ عدّ هذه الأوصاف من جنود العقل و الجهل باعتبار مباديها الرّاسخة و ملكاتها الثّابته في النّفس دون آثارها التي هى من الأعمال و الأفعال ، و على هذا فالوفاء ملكة نفسانية تنشأ من لزوم العهد كما ينبغي و البقاء عليه ، و الغدر عدم الوفاء عمن من شأنه الوفاء ، و الصّدق ملكة تحصل من لزوم مطابقة الأقوال للواقع ، و الكذب عدم الصّدق لمن من شأنه الصّدق . و أما النّسبة بين الوفاء و الصّدق فهى أنّ الأوّل أخصّ من الثّاني مطلقا لأنّ الوفاء هو الصّدق في الوعد و ربّما يكون صادقا في غير مقام الوعد فكلّ وفاء صدق و لا يكون كلّ صدق وفاء ، و يمكن أن يقال : انّ النسبة عموم من وجه إذ الصّدق لا يكون إلاّ في القول ، لأنّه من أنواع الخبر ، و الخبر قول و الوفاء قد يكون بالعمل ، و مثلها النّسبة بين الغدر و الكذب قال الشّاعر : غاض الوفاء و فاض الغدر و اتّسعت مسافة الخلف بين القول و العمل إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الوفاء و الصّدق لما كانا متشاركين في كونهما من جنود العقل متلازمين غالبا لاجرم شبّههما بالتّوأمين و قال عليه السّلام ( إنّ الوفاء توأم الصّدق ) و ذلك إنّ التّوأم الولد المقارن للولد في بطن واحد ، فشبّه الوفاء به لتقارنه الصّدق بحسب العقل و تصاحبه معه غالبا ( و لا أعلم جنّة أوقى منه ) أى أشدّ وقاية منه من عذاب الآخرة و من عار الدّنيا المترتّبين على الغدر و خلف [ 191 ] الوعد ، مضافا إلى ما فيه من الثمرات و المنافع الاخر ، و سنشير إلى منافعه الأخروية بعد الفراغ من شرح الخطبة ، و أما الثمرات الدّنيويّة قمنها اعتماد الناس على قول الوفيّ و ثقتهم به و ركونهم إليه و استحقاق المدح و الثّناء عند الخالق و الخلائق ، و من هنا قيل الوفاء مليح و الغدر قبيح . قال المطرزي في شرح المقامات : السّمؤل يضرب به المثل في الوفاء يقال أو في من السمؤل ، و من وفائه أنّ امرء القيس بن الحجر لما أراد الخروج استودع السمؤل دروعا فلما مات امرء القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السمؤل ، فأخذ ابنا له كان مع ظئر خارجا من الحصن ، ثمّ صاح بالسمؤل فأشرف عليه ثمّ قال هذا ابنك في يدي و قد علمت أنّ امرء القيس ابن عمّي و أنا احقّ بميراثه ، فان دفعت إليّ الدّروع و إلاّ ذبحت ابنك ، فقال : أجّلني ، فأجّله فجمع أهل بيته و نساءه فشاورهم فكلّ أشار إليه أن يدفع الدّروع ، فقال : ما كنت لاحقّر أمانة فاصنع ما انت صانع إنّ الغدر طوق لا يبلى و لا بني هذا اخوة فذبح الملك ابنه و هو ينظر إليه ، و رجع خائبا فلما دخلت أيّام الموسم وافى السّمؤل بالدّروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرء القيس . و في الأثر إنّ النّعمان بن المنذر قد جعل له يومين ، يوم بؤس من صادفه فيه قتله و أرداه ، و يوم نعيم من لقى فيه أحسن إليه و أغناه ، و كان رجل من طيّ قد خرج ليطلب الرّزق لأولاده ، فصادفه النّعمان في يوم بؤسه فعلم الطائيّ أنّه مقتول ، فقال : حيا اللّه الملك إنّ لي صبية صغارا و لم يتفاوت الحال في قتلي بين أوّل النّهار و آخره ، فان رأى الملك أن اوصل إليهم هذا القوت و أوصى بهم أهل المروّة من الحيّ ثمّ أعود للملك ، فقال النعمان : لا إذن لك إلاّ أن يضمنك رجل معنا فان لم ترجع قتلناه ، و كان شريك بن عديّ نديم النعمان معه ، فقال : أيّها الملك أنا أضمنه فمضى الطائيّ مسرعا و صار النعمان يقول لشريك جاء وقتك فتأهّب للقتل ، فقال : ليس للملك علىّ سبيل حتّى يأتي المساء . فلما قرب المساء قال النعمان : تأهّب للقتل ، فقال شريك ، هذا شخص قد لاح [ 192 ] مقبلا و أرجو أن يكون الطائي ، فلما قرب إذا هو الطائي قد اشتدّ في عدوه مسرعا حتّى وصل ، فقال : خشيت أن ينقضى النّهار قبل وصولى فعدوت ، ثمّ قال : أيّها الملك مر بأمرك ، فأطرق النّعمان ثمّ رفع رأسه فقال : ما رأيت أعجب منكم ، أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يفتخر به ، و أما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء ، فلا أكون أنا ألام الثلاثة ألا و إنّي قد رفعت يوم بؤسى عن النّاس و نقضت عادتي كرما لوفاء الطائي و كرم شريك ، فقال له النعمان : ما حملك على الوفاء و فيه اتلاف نفسك ، فقال : من لا وفاء له لا دين له فأحسن إليه النعمان و وصله بما أغناه . ثمّ إنّه عليه السّلام بعد الترغيب في الوفاء و بيان حسنه رهّب عن الغدر بقوله ( و لا يغدر من علم كيف المرجع ) يعنى من كان له علم بحالة الغادر في الآخرة و بما يستحقّ به بغدره من الجحيم و العذاب الأليم ، لا يصدر منه غدر و لا يكون له رغبة إليه . روى في البحار من الكافي مسندا عن الاصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم و هو يخطب على المنبر بالكوفة : يا أيّها الناس لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس الا أن لكلّ غدرة فجرة ، و لكلّ فجرة كفرة ألا و إنّ الغدر و الفجور و الخيانة في النّار هذا . و لمّا بيّن حسن الوفاء و قبح الغدر أشار إلى ما عليه أكثر أهل زمانه من رغبتهم إلى الغدر و عدّهم ذلك حسنا و غفلتهم عن قبحه فقال : و ( لقد أصبحنا في زمان اتّخذ أكثر أهله الغدر ) و الخديعة ( كيسا ) و فطانة ( و نسبهم أهل الجهل فيه إلى ) صحة التّدبير و ( حسن الحيلة ) . و ذلك لأنّ الغدر كثيرا ما يستلزم الذّكاء و التفطن لوجه الحيلة و ايقاعها بالمغد و ربه كما أنّ الكيس أيضا عبارة عن الفطانة وجودة الذّهن في استخراج وجوه المصالح ، فالغادر و الكيس يشتركان في الاتصاف بالفطنة إلاّ أنّ [ 193 ] الأوّل يستعمل فطنته في استخراج وجوه الحيلة لجلب منفعة دنيويّة و إن خالفت القوانين الشّرعيّة ، و الكيّس يستعمل تفطنه في استنباط وجوه المصالح الكلية على وجه لا يخالف قواعد الشّريعة ، فلدقّة الفرق استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس و نسبهم أهل الجهالة و الغفلة إلى صحّة الرأى و حسن الحيلة ، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و لم يعلموا أنّ حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور و أنّه لا حسن في حيلة جرّت الى رذيلة . ( ما لهم ) اى لهؤلاء الغادرين في افتخارهم بغدرهم ( قاتلهم اللّه ) و أبعدهم من رحمته ( قد يرى الحوّل القلّب ) أى كثير البصيرة في تحويل الامور و تقليبها لاستنباط وجوه المصالح ، و أراد به نفسه الشّريف و مقصوده أنّ الغدر و الخديعة ليس قابلا لأنّ يفتخربه فانّ صاحب البصيرة ربّما يعرف ( وجه الحيلة ) كأنّه يراه عيانا ( و ) مع ذلك لا يقدم عليها لما يشاهد أنّ ( دونها ) أى دون الحيلة و العمل بها ( مانع من أمر اللّه ) بتركها ( و نهيه ) عن فعلها ( فيدعها ) و يتركها ( رأى عين ) أى مع رؤيته عيانا ( بعد القدرة عليها ) و تمكّنه منها تجنّبا من الرّذايل الموبقة و خوفا من اللّه سبحانه ( و ينتهز فرصتها ) و يبادر إليها ( من لا حريجة له في الدّين ) و لا مبالاة له في أوامر الشّرع المبين و لا خوف له من اللّه ربّ العالمين . تبصرة قد عرفت حسن الوفاء و أنّه ممّا يترتب عليه المدح و الثّواب ، و قبح الغدر و أنّه ممّا يترتب عليه اللّوم و العقاب ، فيكون الأوّل واجبا سواء كان في عهود اللّه سبحانه أو عهود الخلق ، و الآخر حراما ، و قد اشير إلى ذلك المعنى في غير موضع من القرآن و وردت بذلك أخبار كثيرة و لا بأس بالاشارة إلى بعضها فانّ الاستقصاء غير ممكن . فأقول : قال سبحانه في سورة المائدة : يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أُوفُوا بِالْعُقُودِ [ 194 ] اى بالعهود قال ابن عباس : و المراد بها العهود التي أخذ اللّه سبحانه على عباده بالايمان به و طاعته فيما أحلّ لهم أو حرّم عليهم ، و في رواية اخرى قال : ما هو أحلّ و حرّم و ما فرض و ما حدّ في القرآن كلّه ، أى فلا تتعدّوا و لا تنكثوا ، و قيل المراد العقود التي يتعاقدها النّاس بينهم . و في سورة النّحل و أُوفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إذا عاهَدْتُم و فيها أيضا : و لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَليلاً إِنَّ ما عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال الطبرسيّ : أى لا تخالفوا عهد اللّه بسبب شي‏ء يسير تنالوه من حكّام الدّنيا فتكونوا قد بعتم عظيم ما عند اللّه بالشي‏ء الحقير . و في سورة مريم : وَ اذْكُرْ في الْكِتابِ إِسْمعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ و كانَ رَسُولاً نَبِيًّا . قال في مجمع البيان : إذا وعد بشي‏ء و في به و لم يخلف ، قال ابن عبّاس : إنّه واعد رجلا أن ينتظره في مكان و نسي الرّجل فانتظره سنة حتّى أتاه الرّجل ، و عن الكافي عن الصادق ، و العيون عن الرّضا عليهما السّلام ما في معناه و الإسماعيل ابن خرقيل و قيل اسماعيل بن إبراهيم ، و الأوّل رواه أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . أقول : و لعلّه أراد بهذه الرّواية ما رواه المحدّث العلامة المجلسي في البحار عن الصّدوق باسناده عن الصّادق عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ أفضل الصّدقة صدقة اللّسان تحقن به الدّماء و تدفع به الكريهة و تجرّ المنفعة الى أخيك المسلم . ثمّ قال : إنّ عابد بني اسرائيل الذي كان أعبدهم كان يسعى في حوائج النّاس عند الملك ، و إنّه لقى اسماعيل بن خرقيل فقال لا تبرح حتّى أرجع اليك يا اسماعيل ، فسهل عنه عند الملك فبقى عند الملك ، فبقى اسماعيل إلى الحول هناك فأنبت اللّه [ 195 ] لاسماعيل عشبا فكان يأكل منه و اجرى له عينا و أظلّه بغمام فخرج الملك بعد ذلك إلى التّنزه و معه العابد فرأى اسماعيل : فقال له : إنّك لههنا يا اسماعيل : فقال له : قلت لا تبرح فلم أبرح فسمّى صادق الوعد . قال : و كان جبّار مع الملك فقال : أيّها الملك كذب هذا العبد قد مررت بهذه البرّية فلم أراه ههنا ، فقال اسماعيل إن كنت كاذبا فنزع اللّه صالح ما أعطاك قال فتناثرت أسنان الجبّار ، فقال جبّار إنّى كذبت على هذا العبد الصّالح فاطلب أن يدعو اللّه أن يردّ علىّ أسنانى فاني شيخ كبير ، فطلب إليه الملك فقال : إنّى أفعل قال : الساعة ، قال : لا ، و أخّره إلى السّحر ، ثمّ دعى ثمّ قال : يا فضل إنّ أفضل ما دعوتم اللّه بالأسحار ، قال اللّه تعالى و بالأسحار هم يستغفرون . و في سورة الأحزاب : مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ و مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ و ما بَدَّلُوا تَبْديلاً . روى في الصافي من الكافي عن الصّادق عليه السّلام أنّه قال المؤمن مؤمنان ، فمؤمن صدق بعهد اللّه و وفى بشرط اللّه ، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، و ذلك الذي لا يصيبه أهوال الدّنيا و لا أهوال الآخرة ، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له ، و مؤمن كخامة الزّرع يعوج احيانا و يقوم احيانا ، فذلك ممّن يصيبه أهوال الدّنيا و أهوال الآخرة ، و ذلك ممّن يشفع له و لا يشفع . و عنه عليه السّلام لقد ذكّركم اللّه في كتابه فقال من المؤمنين رجال صدقوا ، الآية إنّكم و فيتم بما أخذ اللّه عليه ميثاقكم من ولايتنا و انكم لم تبدلوا بنا غيرنا . و في سورة الصّف : يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مالا تَفْعَلوُنَ الآية و نحوها آيات أخر . و أمّا الأخبار فمضافا إلى ما ذكرنا ما رواه في الوسايل من الكافي باسناده عن شعيب العقرقوفي ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من كان يؤمن [ 196 ] باللّه و اليوم الآخر فليف إذا وعد . و من العلل باسناده عن عبد اللّه بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام ، يقول : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وعد رجلا إلى صخرة فقال أنا لك ههنا حتّى تأتى ، قال : فاشتدّت الشمس عليه فقال له أصحابه يا رسول اللّه لو أنك تحوّلت إلى الظلّ ، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : قد وعدته إلى ههنا و إن لم يجي‏ء كان منه المحشر . و في كتاب تحف العقول قال : و من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام و ترغيبه و ترهيبه و وعظه أما بعد فانّ المكر و الخديعة في النار فكونوا من اللّه على وجل و من صولته على حذر إنّ اللّه لا يرضى لعباده بعد اعذاره و اندازه استطرادا و استدراجا لهم من حيث لا يعلمون ، و لهذا يضلّ سعى العبد حتّى ينسى الوفاء بالعهد و يظنّ أنّه قد أحسن صنعا . و لا يزال كذلك في ظنّ و رجاء و غفلة عمّا جائه من النباء يعقد على نفسه العقد و يهلكها بكل الجهد و هو في مهلة من اللّه على عهد ( عمد خ ) يهوى مع الغافلين ، و يغدو مع المذنبين و يجادل في طاعة اللّه المؤمنين ، و يستحسن تمويه المترفين « المسرفين خ » ، فهؤلاء قوم شرحت قلوبهم بالشّبهة ، و تطاولوا على غيرهم بالفرية ، و حسبوا أنّها للّه قربة . و ذلك لأنّهم عملوا بالهواء ، و غيّروا كلام الحكماء ، و حرّفوه بجهل و عمى و طلبوا به السّمعة و الرّياء ، بلا سبيل قاصدة ، و لا أعلام جارية ، و لا منار معلوم إلى أمدهم و الى منهل هم واردوه حتّى إذا كشف اللّه لهم عن ثواب سياستهم ، و استخرجهم من جلابيب غفلتهم ، استقبلوا مدبرا و استدبروا مقبلا ، فلم ينتفعوا بما أدركوا من امنيّتهم ، و لا بما نالوا من طلبتهم ، و لا ما قضوا من وطرهم ، و صار ذلك عليهم و بالافصاروا يهربون ممّا كانوا يطلبون . و إنّى احذّركم هذه المنزلة ، و آمركم بتقوى اللّه الذي لا ينفع غيره فلينتفع بتقية « بنفسه خ ل » إن كان صادقا على ما يحنّ ضميره ، فانّ البصير من سمع و تفكّر و نظر فأبصر ، و انتفع بالعبر ، و سلك جددا واضحا يتجنّب فيه الصّرعة في الهوى ، [ 197 ] و يتنكّب طريق العمى ، و لا يعين على فساد نفسه الغوات بتعسّف في حقّ أو تحريف في نطق أو تغيير في صدق ، و لا قوّة إلاّ باللّه ، الحديث . و في حديث الائمة إنّ اللّه أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم ألست بربكم فمن و في لنا و في اللّه له بالجنّة . و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يجي‏ء كلّ غادر يوم القيامة بامام مايل شدقه 1 حتّى يدخل النّار هذا . و قد ظهر لك ممّا ذكرناه و رويناه أنّ متعلّق الوفاء أعمّ من عهود اللّه سبحانه و مواثيقه التّي أخذها من العباد ، و من عهود النّاس و شروط بعضهم مع بعض و مواثيقهم الموافقة للقوانين الشّرعية ، و الاولى عامة لاصول العقايد من التّوحيد و النّبوة و الولاية حيث أخذ ميثاق النّاس عليها في عالم الذّرّ ، و بالسّنة الأنبياء و الرّسل و الكتب المنزلة ، و الفروع العقايد من العبادات البدنية و الواجبات العملية ، و الثانية شاملة للعقود التي يتعاقدونها بينهم من البيع و الصّلح و الاجارة و نحوها ، و للعهود و العدات المجرّدة عن العقد . و ثمرة الوفاء بالاولى الترقّى الى مدارج الكمال و اليقين و الطيران في حظيرة القدس مع الأولياء المقرّبين ، و ثمرة الوفاء بالفروع البدنيّة النجاة من الجحيم و الخلاص من العذاب الأليم ، و نتيجة الوفاء بالعقود المعقودة استكمال النّظام و حصول الانتظام ، و بالعهود المجرّدة اقتاء الفضايل و اجتناب الرّذايل . و الظاهر من كلامه عليه السّلام الذي نحن في شرحه هو أنّ مراده بالوفاء هو وفاء الناس بما يتعاهدون بينهم ، و بالغدر الغدر المقابل له ، و غير خفيّ أنّ حسن الوفاء و وجوبه إنما هو في حقّ أهل الوفاء كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض كلماته : الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه ، و الغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه . يعني أنّه إذا كان بينهما عهد و مشارطة فغدر أحدهما و خالف شرطه فيجوز للآخر نقض العهد أيضا ، و لا يجب له الوفاء بل يكون وفائه في حقّه غدرا قبيحا ، ----------- ( 1 ) الشدق بالكسر و بفتح الدّال المهملة طفطفة الفم من باطن الخدّين ، ق . [ 198 ] و غدره وفاء متّصفا بالحسن ، و ذلك لأنّ اللّه سبحانه قد أمر بالوفاء مع وفاء الطرف الآخر و بالنقض مع نقضه كما اشير اليه في قوله : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ و عِنْدَ رَسُولِه‏ إِلاَّ الَّذينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقيمُوا لَهُمْ فيكون الوفاء مع مخالفة الطرف الآخر مخالفا لأمر اللّه و لحكمه الذي كان يجب عليه امتثاله و الالتزام به ، فيكون ذلك الوفاء غدرا في حكم اللّه و يترّتب عليه أثره ، و الغدر له امتثالا لأمر اللّه و وفاء بحكم اللّه فيستحقّ الثناء الجميل و الأجر الجزيل ، و يحتمل أن يكون المراد أنّه يترّتب على الموفى إثم الغادر و على الغادر أجر الموفي ، و اللّه العالم . الترجمة از جمله خطب آن حضرتست در مدح وفا و ذمّ غدر ميفرمايد : بدرستى كه وفا نمودن بعهد همزاد راستى و درستى است ، و نميدانم هيچ سپرى كه نگاه دارنده‏تر باشد از اين خصلت ، و غدر نمى‏كند كسى كه داند كه چگونه است بازگشت بخدا ، و بتحقيق كه صباح كرده‏ايم در زمانى كه أخذ نموده‏اند بيشترين أهل آن زمان بى وفائى را كياست و زيركى ، و نسبت داده أهل جهالت جماعت غدار را در آن روزگار به نيكوئى حيلت و فراست ، چيست اينجماعت را خدا دور گرداند ايشان را از رحمت خود در هر دو جهان بدرستى كه مى‏بيند مردى كه صاحب بصيرتست در تحويل امور و تقليب آنها و در استنباط وجوه مصالح ظاهر حيله را و حال آنكه نزد آن حيله مانعى است از امر خدا و نهى او ، پس ترك مى كند آن حيله را در حال ديدن آن بچشم بعد از قدرت او بر آن بجهت خوف از عقاب خداوند ، و غنيمت ميشمارد مجال آن را كسى كه صاحب پرهيز از گناه نيست در دين .