و من خطبة له ع و فيها صفات ثمان من صفات الجلال

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

و من خطبة له عليه السّلام و هى الرابعة و الثمانون من المختار في باب الخطب و أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له ، الأوّل لا شي‏ء قبله و الآخر لا غاية له ، لا تقع الأوهام له على صفة ، و لا تعقد القلوب منه [ 113 ] على كيفيّة ، و لا تناله التّجزية و التّبعيض ، و لا تحيط به الأبصار و القلوب . منها فاتّعظوا عباد اللَّه بالعبر النّوافع ، و اعتبروا بالاي السّواطع ، و ازدجروا بالنّذر البوالغ ، و انتفعوا بالذّكر و المواعظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة ، و انقطعت منكم علائق الامنيّة ، و دهمتكم مفظعات الأمور ، و السّياقة إلى الورد المورود ، و كلّ نفس معها سائق و شهيد ، سائق يسوقها إلى محشرها ، و شاهد يشهد عليها بعملها . و منها في صفة الجنة درجات متفاضلات ، و منازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، و لا يظعن مقيمها ، و لا يهرم خالدها ، و لا يبأس « يبأس خ ل » ساكنها . اللغة ( العبر ) جمع عبرة و هي ما يعتبر به أى يتّعظ و ( الآى ) جمع آية و هي العلامة و آية القرآن كلّ كلام متصل إلى انقطاعه ، و قيل ما يحسن السّكوت عليه و ( سطع ) الشي‏ء يسطع من باب منع ارتفع و ( النّذر ) بضمّتين جمع نذير و هو المنذ رأى المخوف ، قال الشّارح المعتزلي : و الأحسن أن يكون النذر هي الانذارات نفسها ، لأنّه قد وصف ذلك بالبوالغ و بوالغ لا تكون في الأكثر إلاّ صفة المؤنث . أقول : و عليه حمل قوله سبحانه : « وَ كَيْفَ كانَ عَذابي وَ نُذُر » . [ 114 ] أى كيف رأيتم انتقامي منهم و انذاري إيّاهم مرّة بعد اخرى فالجمع للمصدر باعتبار اختلاف الأجناس و الأنواع و ( علق ) الشوك بالثوب من باب تعب إذا نشب و ( المخلب ) من الحيوان بمنزله الظفر للانسان و ( مفظعات الأمور ) بالفاء و الظاء المعجمة شدايدها الشنيعة و ( ظعن ) ظعنا من باب نفع ارتحل ( و لا يبأس ) بالباء الموحدة مضارع بئس كسمع يقال بئس فلان إذا أصاب بؤسا و هو الضّر و الشدّة ، و في بعض النّسخ لا ييأس بالياء المثناة التحتانية من اليأس بمعنى القنوط يقال يأس ييأس من باب منع ، و من باب ضرب شاذّ و في لغة كحسب . الاعراب قوله : فكأن قد علقتكم مخفّفة كأنّ و ملغاة عن العمل على الاستعمال الفصيح لفوات مشابهة الفعل بفوات فتحه الآخر و لذلك ارتفع بمدها الاسم في قوله : و نحر مشرق اللّون كأن ثدياه حقّان . و ان أعملتها قلت ثدييه لكنه استعمال غير فصيح و مثله قوله : و يوما توافينا بوجه مقسّم كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم برفع ظبية على الاهمال و نصبها على الأعمال و يروى جرّها على جعل أن زايدة أى كظبية و إذا لم تعملها ففيه ضمير شأن مقدّر كما في ان المخففة و يجوز أن يقال بعدم التقدير لعدم الدّاعي عليها ، ثمّ هل هي في قوله للتحقيق كما قاله الكوفيّون في قوله : فأصبح بطن مكة مقشعرّا كأنّ الأرض ليس بها هشام أو للتقريب كما في قولهم : كأنّك بالشتاء مقبل ، و كأنّك بالدّنيا لم تكن و بالآخرة لم تزل ، الوجهان محتملان و ان كان الأظهر هو الأوّل و قوله عليه السّلام : لا ينقطع نعيمها إما في محلّ النّصب على الحال أو في محلّ الرّفع على الوصف . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة كما يظهر من الكتاب مأخوذة و ملتقطة من خطبة طويلة و لم نعثر بعد على أصلها و ما أورده السيد « ره » هنا يدور على فصول ثلاثة . [ 115 ] الفصل الاول في الشّهادة بالتّوحيد و ذكر بعض صفات الجمال و الجلال و هو قوله : ( و أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده ) في ذاته و صفاته ( لا شريك له ) في أفعاله و مخلوقاته ، و قد مضى تحقيق الكلام في ذلك في شرح الفصل الثّاني من فصول الخطبة الثانية فلا حاجة إلى الاعادة ( الأوّل ) بالأزليّة ف ( لا شي‏ء قبله و الآخر ) بالأبديّة ف ( لا غاية له ) قد مضى تحقيق الأول و الآخر في شرح الخطبة الرّابعة و الستّين ، و قدّمنا هناك أنّ أوليّته سبحانه لا تنافي آخريته ، و آخريّته لا تنافي أوّليّته كما تتنافيان في غيره سبحانه . و نقول هنا مضافا إلى ما سبق : أنّه سبحانه أوّل الأشياء و قبل كلّ شي‏ء فلا يكون شي‏ء قبله ، و ذلك لاستناد جميع الموجودات على تفاوت مراتبها و كمالاتها إليه ، و هو مبدء كلّ موجود فلم يكن قبله أوّل بل هو الأوّل الّذي لم يكن قبله شي‏ء . قال النّيسابورى في محكيّ كلامه : و هو سبحانه متقدّم على ما سواه بجميع أقسام التقدّمات الخمسة التي هي تقدّم التّأثير و الطبع و الشرف و المكان و الزمان ، أمّا بالتّأثير فظاهر ، و أمّا بالطّبع فلأنّ ذات الواجب من حيث هو لا يفتقر إلى الممكن من حيث هو و حال الممكن بالخلاف ، و أمّا بالشّرف فظاهر ، و أمّا بالمكان فلأنّه وراء كلّ الأماكن و معها كقوله تعالى : أَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » . و قد جاء في الحديث لو دليتم بحبل إلى الأرض السّفلى لهبط إلى اللَّه ثمّ قرأ : هو الأوّل و الآخر ، و أمّا بالزّمان فأظهر . و أمّا آخريّته فلأنه هو الباقي بعد فناء وجود الممكنات و إليه ينتهى كلّ الموجودات فهو غاية الغايات فلا يكون له غاية . [ 116 ] قال بعض العارفين : هو الآخر بمعنى أنه غاية القصوى تطلبها الأشياء و الخير الأعظم الّذي يتشوّقه الكلّ و يقصده طبعا و إرادة ، و العرفاء المتألّهون حكموا بسريان نور المحبّة له و الشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم و أنّ الكاينات السّفلية كالمبدعات العلويّة على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم و اعتراف شاهد مقرّ بوحدانيّة الحقّ القديم . فهو الأوّل الذي ابتدء أمر العالم حتّى انتهى إلى أرض الأجسام و الأشباح و هو الآخر الذي ينساق إليه وجود الأشياء حتى يرتقى إلى سماع العقول و الأرواح و هو آخر أيضا بالاضافة إلى سير المسافرين ، فانهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذواتهم و اندكاك جبال هويّاتهم ، فهو تعالى أوّل من حيث الوجود ، و آخر من حيث الوصول و الشهود ، و قيل أوليّته أخبار عن قدمه و آخريّته اخبار عن استحالة عدمه . و في الكافي بإسناده عن ميمون البان قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام و قد سئل عن الأوّل و الآخر فقال عليه السّلام : الأوّل لاعن أوّل قبله و لا عن بدى‏ء سبقه ، و الآخر لا عن نهاية كما يعقل عن صفات المخلوقين و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزول بلا بدى‏ء و لا نهاية لا يقع عليه الحدوث و لا يحول من حال إلى حال ، خالق كلّ شي‏ء و يأتي إنشاء اللَّه شرح هذا الحديث في شرح الخطبة المأة . ( لا تقع الأوهام له على صفة ) أراد عليه السّلام أنه لا تناله الأوهام و لا تلحقه فتقع منه على صفة إذ الوهم لا يدرك إلاّ ما كان ذا وضع و مادّة ، فأمّا الأمور المجرّدة عن الوضع و المادّة فالوهم ينكر وجودها فضلا أن يصدق في اثبات صفة لها ، و الباري سبحانه مع بساطه ذاته و تجرّده ليس له صفة زايدة حتّى يدركه الأوهام أو تصفه بصفة ، و قد مرّ بعض القول في ذلك في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الاولى . ( و لا تعقد القلوب منه على كيفيّة ) إذ ليس لذاته تعالى كيفيّة حتّى تعقد عليها القلوب فلا يعرف بالكيفوفية ، و تحقيق ذلك يتوقّف على معرفة معنى الكيف فنقول : إنّ الكيف كما قيل هي هيئة قارّة في المحلّ لا يوجب اعتبار [ 117 ] وجودها فيه نسبة إلى أمر خارج عنه و لا قسمة في ذاته و لا نسبة واقعة في اجزائه ، و بهذه القيود تفارق الأعراض الثمانية الباقية . و أقسام الكيفيّات و أوايلها أربعة ، لأنّها إمّا أن تختصّ بالكميّات من جهة ما هى كمّ كالمثلّثيّة و المربّعيّة للأشكال ، و الاستقامة و الانحناء للخطوط ، و الزوجية و الفردية للأعداد و إمّا أن لا تختصّ بها و هي إمّا أن تكون مدركة بالحسّ راسخة كانت كصفرة الذهب و حلاوة العسل ، أو غير راسخة كحمرة الخجل و صفرة الوجل و إمّا أن لا تكون مدركة بالحسّ و هي إمّا استعدادات للكمالات كالاستعداد للمقاومة و الدّفع و للانفعال و تسمّى قوّة طبيعية كالصّلابة و المصحاحية ، أو للنّقايص كالاستعداد بسرعة للانفعال و تسمّى ضعفا و لا قوّة طبيعيّة كاللين و الممراضية و إمّا أن لا تكون استعدادا للكمالات و النقايص بل تكون في أنفسها كمالات أو نقايص فما كان منها ثابتا يسمى ملكة كالعلم و القدرة و الشّجاعة ، و ما كان سريع الزوال يسمّى حالا كغضب الحليم و حلم الغضبان فهذه أقسام الكيف و اجناسها و يتدرج تحتها أنواع كثيرة . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ من المحال أن يتّصف سبحانه بها لكونها حادثة بالذّات ممكنة الوجود مفتقرة إلى جاعل يوجدها برى‏ء الذّات عن الاتّصاف بها ، أمّا حدوثها و إمكانها فلكونها ذات ماهيّة غير الوجود فكونها عرضا قائما بمحلّه فهي مفتقرة إلى جاعل و ينتهى افتقارها بالأخرة إلى اللَّه سبحانه ، و أمّا برائة ذاته سبحانه من الاتّصاف بها فلأنّ موجد الشي‏ء متقدّم عليه بالوجود فيستحيل أن يكون المكيّف بالكسر أى جاعل الكيف مكيّفا بالفتح أى منفعلا و إلاّ لزم تقدّم الشي‏ء على نفسه و كون الشي‏ء الواحد فاعلا و قابلا لشي‏ء واحد . ( و لا تناله التجزية و التبعيض ) عطف التبعيض على التجزية إمّا من باب التأكيد أو المراد بالأول نفى الأجزاء العقليّة كالجنس و الفصل و بالثاني نفى الأجزاء الخارجية كما في الأجسام ، و على كلّ تقدير فالمقصود به نفى التركيب عنه إذ كلّ مركّب ممكن . [ 118 ] و أمّا ما قاله الشّارح البحراني : من أنّه اشارة إلى نفى الكميّة عنه إذ كانت التجزية و التبعيض من لواحقها و قد علمت أنّ الكمّ من لواحق الجسم و البارى تعالى ليس بجسم و ليس بكمّ . ففيه أنّه خلاف الظاهر إذ التّجزية أعمّ من التجزية العقليّة و الخارجيّة و لا دليل على التّخصيص بالثانيّة لو لم تكن ظاهرة في الأولى حسب ما أشرنا إليه فيكون مفادها على ذلك مفاد قوله عليه السّلام في الخطبة الأولى : فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه و من ثنّاه فقد جزّاه . ( و لا تحيط به الأبصار و القلوب ) و قد مرّ تحقيق ذلك في شرح الخطبة الثالثة و الأربعين بما لا مزيد عليه و في شرح الفصل الثاني من الخطبة الاولى . الفصل الثانى ( منها ) في التذكير و الموعظة و هو قوله عليه السّلام ( فاتّعظوا عباد اللَّه بالعبر النوافع ) اى اعتبروا بالعبر النافعة و اتّعظوا بما حلّ بأهل القرون الخالية كيف صارت أجسادهم شحبة بعد بضّتها ، و عظامهم نحرة بعد قوّتها ، و كيف انجلوا عن الرّباع و الدّور و ارتحلوا عن الضياع و القصور ، و طوّحت بهم طوايح الزّمن و هجرتهم « و أزعجتهم خ ل » عن الأموال و الأولاد و الوطن ( و اعتبروا بالآى السّواطع ) من آثار القدرة و علامات الجلال و الجبروت و العزّة أو بالآيات القرآنية المعذرة و المنذرة و براهينها السّاطعة المشرقة . ( و ازدجروا بالنّذر البوالغ ) أى بالانذارات الكاملة و التّخويفات البالغة الواردة في الكتاب و السنّة ( و انتفعوا بالذكر و المواعظ ) النافعة التي تضمّنتها آيات الكتاب المبين و أخبار سيّد المرسلين ( فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة ) شبّه المنيّة بالسّبع من باب الاستعارة بالكناية و اثبات المخالب تخييل و ذكر العلوق ترشيح ( و انقطعت منكم علائق الامنية ) لأنّ الأجل إذا حلّ و الموت إذا نزل انقطع الأهل و ضلّ الحيل و تنغّص اللذات و انتقض الشّهوات ( و دهمتكم مفظعات [ 119 ] الامور ) أى الامور الموجبة للفظع و الدّواهي الموقعة في الفزع من سكرات الموت و غمرات الفوت و الجذبة المكربة و السوقة المتعبة و الهجرة إلى دار الوحدة و بيت الوحشة و ما يليها من شدايد البرزخ و أهوال القيامة . ( و السّياقة إلى الورد المورود ) أى المكان الذي يرده الخلايق و عليه محشرها و منشرها ( و كلّ نفس معها سائق و شهيد ) اقتباس من الآية في سورة ق و هو قوله : وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعيدِ وَ جائَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهيدٌ . أى تجي‏ء كلّ نفس من المكلّفين يوم الوعيد و معها ( سائق ) من الملائكة ( يسوقها إلى محشرها ) أى يحثّها على السّير إليه ( و شاهد ) منهم أو من الأنبياء و الرّسل و الأئمة على ما سبق في شرح الخطبة الواحدة و السّبعين أو من الأعضاء و الجوارح كما ورد في غير واحد من الآيات و يأتي النصريح به في الكلام المأة و الثّامن و التّسعين إنشاء اللَّه ( يشهد عليها بعملها ) و بما يعلم من حالها . الفصل الثالث ( منها في صفة الجنة ) و هو قوله ( درجات متفاضلات و منازل متفاوتات ) كما قال سبحانه : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذينَ أُتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » و قال : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصيرٌ بِما يَعْمَلُون و قال : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبَّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَريمٌ » . و تفاوت الدّرجات و تفاضل المنازل إنّما هو بتفاوت أهل الايمان في مراتب المعرفة و الكمال ، فالمؤمنون الكاملون في مراتب العمل و الاخلاص ذوو الدّرجات العلى و النّاقصون فيهما ذوو الدّرجات السّفلى و قد جاء في الخبر أنّ أهل الجنّة ليرون [ 120 ] أهل علّيّن كما يرى النجم في افق السّماء . و في الحديث إنّ في الجنّة مأة درجة بين كلّ درجتين منها مثل ما بين السّماء و الأرض و أعلى درجاتها الفردوس و عليها يكون العرش و هى أوسط شي‏ء في الجنّة و منها تفجر أنهار الجنّة فاذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس . و في بعض الرّوايات إنّ اقلّ ما يعطي المؤمن فيها ما يقابل الدّنيا و أشرف المنازل و أرفع المراتب هو مرتبة الرّضوان كما قال سبحانه : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنهارُ خالِدينَ فيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفوْزُ الْعَظيمُ » . أى رضاء اللّه عنهم و محبّته أيّاهم أكبر من كلّ لذّات الجنّة ، و هذه اللّذة لا يدركها كلّ أحد و إنما هى مختصّة بالأولياء التّامين في مقام المحبّة الكاملين في العبودية و في رواية زرارة الواردة في ثواب البكاء على الحسين عليه السّلام عن الصّادق عليه السّلام و ما من عبد يحشر إلاّ و عيناه باكية إلاّ الباكين على جدّي فانه يحشر و عينه قريرة و البشارة تلقّاه و السّرور على وجهه و الخلق يعرضون و هم حدّاث الحسين تحت العرش و في ظلّ العرش لا يخافون سوء الحساب يقال لهم : ادخلوا الجنّة فيأبون و يختارون مجلسه و حديثه ، و أنّ الحور لترسل إليهم إنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلّدين فما يرفعون رؤوسهم لما يرون في مجلسهم من السّرور و الكرامة الحديث . فلا تظنن أنّ أعلى الدّرجات هو أعالي الجنان و الجلوس مع الحور و الغلمان فانّ هذا من لذات البدن و الرّضوان من لذّات الرّوح ، و لذا كان مطمح نظر الأئمة عليهم آلاف الصّلاة و التحيّة تلك اللّذة المعنويّة كما يشير إليه قول أمير المؤمنين عليه السّلام ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك و تقابل هذه المرتبة أعني مرتبة الرّضوان لأهل السّعادة مرتبة الخذلان لأهل [ 121 ] الشقاوة كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم : رَبَّنا إِنّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقدْ أَخْزَيْتَهُ » . فانّ قولهم أخزيته دون أحرقته أو عذّبته دليل على أنّ ألم الخزى عندهم أشدّ و أفظع من ألم الاحتراق بالنار ، و ذلك لأنّ الخزى عذاب روحانيّ و عذاب الاحتراق و الأفاعى و العقارب و ساير ما اعدّ في جهنّم عذاب جسمانيّ ، و لا شكّ أنّ الأوّل أشدّ و آكد . ثم أشار عليه السّلام إلى دوام نعيم الجنّة بقوله : ( لا ينقطع نعيمها ) و قد أشير إلى ذلك في غير واحدة من الآيات مثل قوله سبحانه : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها و قوله : وَ أَصْحابُ الْيَمينِ ما أَصْحابُ الْيَمينِ ، في سِدْرٍ مَخْضُودٍ ، وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ ، وَ ظِلٍ‏ّ مَمْدُودٍ ، وَ مآءٍ مَسْكُوبٍ ، وَ فاكِهَةٍ كَثيرَةٍ ، لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ » و قوله : إِنَّ هذا لَرِزْقُنا مالَهُ مِنْ نَفادٍ و إنّما لم يكن لنعمها نفاد و انقطاع لأنّ استحقاق تلك النّعيم إنّما نشأ من ملكات ثابتة في جوهره لا تتغيّر و لا تتبدّل و مهما دام الاستحقاق القابل للنعمة و الجود وجب دوام الافاضة و الانعام من واجب الوجود ، إذ هو الجواد المطلق الذي لا بخل من جهته و لا نفاد في خزانته ( و لا يظعن مقيمها ) أي لا يسير عنها و المراد به إمّا نفى سيره عنها إلى الخارج فيكون المقصود به الاشارة إلى أنّها دار خلود و دوام و على ذلك فهذه الجملة تأكيد للجملة السّابقة ، و إمّا نفى السير عن مقامه إلى مقام آخر فيها طلبا لما هو أحسن منه و إلى الأوّل أشير في قوله تعالى : لِلَّذينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها الآية و على الثّاني اشير في قوله : إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ [ 122 ] كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ، خالِدينَ فيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً قال في مجمع البيان : أى دائمين فيها لا يطلبون عن تلك الجنّات تحوّلا إلى موضع آخر يطلبها و حصول مرادهم فيها ( و لا يهرم خالدها و لا يبأس ساكنها ) لأنّ الهرم و البؤس متلازمان للتعب و النّصب المنفيّين في حقّ أهل الجنّة كما قال سبحانه حكاية عنهم : وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ، الَّذي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِه لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فيها لُغُوبٌ . أى لا يمسّنا فيها عناء و مشقّة و لا يصيبنا فيها اعياء و متعبة الترجمة از جمله خطبهاى آن حضرتست كه مشتمل است بسه فصل فصل اول در مقام شهادت بتوحيد ميفرمايد : و گواهى ميدهم كه نيست هيچ معبودى بسزا بجز خدا در حالتي كه يگانه است و نيست شريك او را ، أوّلى است كه نيست هيچ چيزى پيش از او در بداية ، و آخريست كه نيست مر او را غاية و نهايت ، واقع نميشود و همها از براى او بر صفتى ، و بسته نميشود عقلها از او بر كيفيّتى ، از جهة اينكه او منزّه است از صفة زايده بر ذات ، و مبرّاست از كيفية و چگونگى حالات ، و نميرسد بدايره ذات او تجزّى و تبعّض بجهة اتصاف او بوحدت ، و نميتواند احاطه كند باو أبصار و قلوب و ادراك كنند او را بحقيقت . فصل دوم در مقام موعظه و نصيحت ميفرمايد : پس قبول موعظه نمائيد أى بندگان خدا با عبرتهاى نافعه ، و عبرت برداريد بآيات باهره ، و منزجر بشويد با ترسانيدنهاى بى‏پايان ، و منتفع باشيد بذكر متذكران و موعظهاى واعظان ، پس گويا فرو رفته است بشما چنگالهاى مرك خون‏آشام ، و بريده شده است از شما [ 123 ] علاقهاى آرزوها بناكام ، و رسيده است ناگهان بشما فظع آورنده كارها ، و راندن بسوى محشر كه محلّ ورود خلايق است آنجا ، و هر نفس او راست راننده و گواهى دهنده كه گواهى ميدهد بعمل ناپسنديده او . فصل سيم در صفة جنّت ميفرمايد : درجه‏هاى بهشت بعضى تفاضل دارد ببعضى و بعض ديگر منازل آن با تفاوتست با يكديگر ، بريده نميشود نعيم بهشت و رحلت نميكند مقيم بهشت ، و پير نميشود كسيكه مخلّد است در آن ، و محزون نميشود يا مأيوس نميگردد كسيكه ساكن است در آن بلكه ساكنان آن جوانان تازه و رعنا است ، و مقيمان آن ملتذّند بالذايذ بى حدّ و انتها .